عن الفنان الدكتور خالد القصاب

خصّ الدكتور عامر هشام الصفّار  موقع أقلام بشرائح محاضرته الأخيرة عن الأستاذ الدكتور الجرا ح الفنان خالد القصاب..وقد فصلّت المحاضرة في نشأة الدكتور القصاب وحياته وأسلوبه الفني.

خالد القصابlecture1

عبد الجليل البرزنجي.. الطبيب والأعلامي في ذمة الخلود

ABDUL jALEEL

كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:

أنتقل الى جوار ربه يوم الرابع من شهر شباط/فبراير 2015 أستاذ طب الأطفال العراقي الدكتور عبد الجليل البرزنجي. وقد عرفته في كلية طب جامعة بغداد في نهاية السبعينيات من قرننا الماضي طبيبا للأطفال فاضلا، حريصا على تدريس الطب لطلابه الذين سعوا للأستفادة من خبراته العملية في مجال كان ولا يزال العراق بأمسّ الحاجة أليه.

ولد الدكتور عبد الجليل خليل البرزنجي في الرابع من نيسان /أبريل عام 1932 في مدينة بغداد. وقد تدرّج في دراسته حيث تخرّج من كلية الطب بجامعة أنقره التركية وعمل بعد ذلك في مستشفى كندر في مدينة برلين الألمانية حيث أكمل دراسة الماستر الطبية. وفي عام 1966 زار المملكة المتحدة وعمل كطبيب مقيم دوري في أحد مستشفيات الأطفال فيها وذلك عام 1967/1968، كما عمل خلال نفس الفترة في مستشفى السنت ماري في لندن حيث ألتقى بزوجته ساندرا. وقد أكمل المرحوم البرزنجي دراسة الدبلوم في طب الأطفال حينذاك ليكون مؤهلا للعمل في واحدة من كبريات مستشفيات الأطفال في بريطانيا تلك هي مستشفى:

Great Ormond Street Hospital

وقد كان عمله الطبي وقتذاك بأشراف الأستاذ البريطاني بونهام كارتر، طبيب الأطفال المعروف عالميا. كما عمل الدكتور البرزنجي كرئيس الأطباء المقيمين في طب الأطفال في مستشفى شمال مدينة شفيلد الأنكليزية وذلك للأعوام بين 1969-1972. وقد توضحت عنده الرغبة في التثقيف الصحي لعامة الناس وذلك من خلال مشاركته في برنامج للتلفزيون البريطاني في بداية السبعينيات كان بعنوان عالم الغد.

وقرّر الدكتور البرزنجي أن يصحب عائلته ويعود للوطن الأم عام 1972 حيث عيّن حينذاك طبيبا للأطفال في مدينة الطب وعضوا في قسم طب الأطفال في كلية الطب بجامعة بغداد. وقد غادر العراق لأتمام دراسة الدكتوراه في طب الأطفال في لندن وذلك عام 1974 حيث أنهى دراسته في 3 سنوات وطلع ببحث متميز دار حول حول وفيات الأطفال الرضع المفاجأة. وبعد أن أنهى دراسته وحاز على شهادة الدكتوراه عاد الى العراق ومنصبه العلمي السريري وحتى عام 2001 حيث تقاعد من عمله.

وقد عرف عن الدكتور الأستاذ عبد الجليل البرزنجي حبه وموهبته في الرياضة وسباق الركض السريع حيث كان يتفوق على الكثيرين. كما كان ينظّم السباقات الرياضية لطلبة وأساتذة الكلية الطبية وله خبرته وباعه الطويل في ذلك.

أضافة الى خبرته في مجال ألقاء المحاضرات العلمية على طلبة الدراسات الأولية والعليا في كلية طب بغداد، تميز الدكتور البرزنجي بقابليته في الأعلام العلمي ونشر المعرفة والثقافة الصحية بين أوساط المجتمع من خلال شاشة التلفزيون. وحول ذلك أستطاع من أقناع أدارة تلفزيون بغداد في بداية الثمانينيات من قرننا الماضي ليقوم بأعداد وتقديم برنامج الأسرة والطفل الأسبوعي التلفزيوني والذي كان له دوره المهم في تعليم الأم العراقية على العادات الصحية الأيجابية في رعاية الطفل وفي مختلف المراحل العمرية.

لقد توفي الدكتور عبد الجليل البرزنجي بين أهله في ليدز البريطانية بعد أصابته بمرض الجلطة الدماغية وهو بعمر ال82 عاما. قال عنه الأستاذ الجرّاح عبد الهادي الخليلي وهو حاليا المستشار الثقافي العراقي في واشنطن:

“تميز جليل بخلق عال وحب للمريض والابتسامة الدائمة على محياه وحبه للرياضة وتميزه بها ورغبته الصادقة في تثقيف الامهات من خلال التلفزيون والإذاعة.

يتساقط الأحبة في ميدان الحياة ممن رعى الوطن بكل طاقاته بتفان واخلاص من خلال الطب وغيره،   وينتقلوا الى الرفيق الأعلى ولكن بعيدا عن الوطن الحبيب، غرباء حتى لحظة مغادرتهم الحياة وفي القلب حسرة وفي الحلق غصة من فراق تراب الوطن الحبيب. ولكن هذا هو الزمن يقسو كما يحلو له”

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

“العيون السود” لميسلون هادي بين تلقائية السرد ووحدة المكان

كتب عامر هشام الصفّار:

eye1تعتبر الروائية والصحفية العراقية ميسلون هادي من صاحبات القلم العربيات العراقيات اللواتي لهن خبرتهن في مجال السرد وعلى مدى زمني يقرب من الأربعين عاما. فقد أصدرت الروائية ست روايات، وعددا من مجاميع القصص القصيرة، كما كان لها مساهماتها في المقالة الأدبية والكتابة في أدب الأطفال. وقد تابع النقد الأدبي نتاجات الروائية ميسلون هادي وترشّحت روايتها “شاي العروس” لجائزة في الكتاب العربي عام ٢٠١١ كما فازت لها رواية بعنوان ” نبوءة فرعون”. وعليه فلا بد وأنتَ تقرأ كل هذا من أن تتذكر الكاتبات الروائيات، عراقيا وعربيا، من اللواتي ساهمن في رفد المنجز السردي بما يغنيه، ومنهن: غادة السمّان وعالية ممدوح والمرحومة رضوى عاشور وحنان الشيخ ولطفية الدليمي وميرال الطحاوي وأحلام مستغانمي ولينا الحسن ورجاء عالم وهدية حسين وغيرهن. ولابد من أن تتذكّر ما قالته يوما الكاتبة العالمية التشيلية الأصل أيزابيل الليندي من أن “على المرأة أن تبذل جهدا مضاعفا ثلاث مرات عن الرجل كي تحصل على نصف الأحترام”، لتدرك صعوبة المسار ووعورة الطريق في الوصول الى التأثير المطلوب من خلال عملية الأبداع.

العيون السود..حكايات زقاق بغدادي

لقد أصدرت الروائية ميسلون هادي رواية ” العيون السود” عام ٢٠٠٢ لتنهيها توقيعا تحت تأريخ يقول بأنها كتبت في بغداد في شباط/فبراير عام ١٩٩٨ وكملت بشكلها النهائي في معان الأردن عام ٢٠٠٠، ولتكون على ٢٦٥ صفحة من الحجم المتوسط بغلاف لوجه فتاة جميلة بشعر أسود منسدل على الكتفين، وعيون سود واسعة، تكاد تقول من خلالها أنها هي الشخصية الرئيسة يمامة، لولا أن الكاتبة وصفت هذه اليمامة ذات الخامسة والثلاثين عاما بأنها ذات شعر فاحم السواد، وعيناها زرقاوان تبرقان كالبلّور عندما تنعكس عليهما أشعة الشمس”. وهي بالتالي قسّمت الرواية الى عشرة فصول معنونة وغير مرقّمة، متبعة زمنا خطياً بوحدة زمنية مستمرة متواصلة بأنسيابية دون أنقطاع، لتصل الى نهايتها التي يبدو أنها قد خطّطت لها لتبقيها مفتوحة على كل أحتمالات أحداث يضج بها زقاق بغدادي، لا يختلف كثيرا عن أي زقاق عراقي آخر في تلكم الفترة الزمنية التي تدور أحداث الرواية فيها، وهي فترة حصار العراق أقتصاديا في التسعينيات من قرننا الماضي. ثم أن الساردة العليمة وهي تستعرض شخصيات زقاقها هذا مستعملة ضمير الغائب الذي يحرّرها من قيود القص، تروي عن شخصيتها الرئيسة يمامة لتقول بأنها رسامة تحاول أن تعيش مما ترسمه بعد أن تركت التعليم، ثم أن لها أخوين هاجرا خارج العراق بعد أن ماتت الأم وتوفي الأب كمدا على موت أبن له آخر. ويبدو أن ليمامة حبيب من أهل هذا الزقاق هو حازم، هذا الذي تركها وهاجر فظلّت كلما ألتقت بجارها الجديد مثنى تذكر حازما: ” إن له جبهة حازم النظيفة العالية وعينيه السوداوين الصغيرتين..”. وتتواصل الحكاية لنتعرف على الخالة هنوة تلك التي ظلّت على مدى ثلاثين عاما وحتى مماتها تسكن هذا الزقاق وتعرف عنه تفاصيل بيوتاته وأسرارها. وكيف لا وهي صاحبة قراءة الطالع في فناجين القهوة حيث قالت يوما لليمامة من “أنك ستتزوجين من رجل مجنون”.

ثم أن اليمامة التي تفصّل الساردة في تفاصيل لوحاتها ورأي صديقها حسن الخطّاط فيها وهو الجار الذي كان يمكن له أن يصير ناقدا تشكيليا يوما، لابد لها من أن تكون الشاهد على عودة أسير الحرب (نسبة الى الحرب العراقية الأيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨) جمال الى خطيبته جنان والتي ظلّت صابرة منتظرة حتى عودته لتصاب بصدمة رؤيتها للأسير العائد الذي ” لم يعد هو نفسه فراح يبذل المجهود الخارق ليعود كما كان…كما تريده”. كما أن يمامة هي الشاهدة على غرائبيات الزقاق البغدادي حيث أجهاض أجنة

( كما في حالة شخصية أخرى بأسم يمامة أجهضت جنينها بعد غارة جوية أدت لتهشم زجاج البيت والمعاناة من آلام مخاض في غير موعده)، ومرض الجار وحش البحر كاظم الذي لم يكن يضيع أية فرصة سانحة للتهكم على الأشتراكية: هيّه هاي أشتراكية؟، وعودة حياة أبنة هنوة لتبحث عن إرث مفقود فتسرق ذهب أمها المتوفية وتُقطع كفها خلال عملية السرقة لتتعالى النداءات “أين القاتل وأين المقتول؟..”. وهي خاتمة الرواية “العيون السود” التي يأتي فصلها الأخير بعنوان “جموع لا مفرد لها” ليجمع الدلائل على المقصود فيكون كف سارقة الذهب  الذي رُمي به الى الخرابة حدثا متزامنا مع السؤال ” ترى هل ستضرب أمريكا يوم غد؟!!” كناية عن القصف الجوي لبغداد في عواصف الصحراء التي نالت من الوطن. كما أن يمامة الرواية سترسم في لوحتها الأخيرة كل أهل زقاقها (الوطن ) بقاماتهم الفارعة وأجسادهم النحيلة “كأنهم  أعواد بخور” تتمنى هي أن يُنظر الى أبطالها بعد عشرات السنين (المستقبل) ليكون “حدس الرائي شيئا آخر”..

العيون السود وتلقائية السرد

ومما يحسب للروائية ميسلون هادي هو قدرتها على السرد التلقائي بلغة سهلة غير مركبة، تشتغل عليها بتروٍ وصفاء بال لتجعل القاريء يعيش اجواء الزقاق البغدادي القريب الى “شارع الخلفاء من جهة الشورجة الى سوق العربي، ومن هناك الى شارع الرشيد، ومن شارع الرشيد الى شارع المستنصر، ومن شارع المستنصر الى نهر دجلة..” وكأنها هنا وفي أكثر من موقع في فصول الرواية تحرص على حجز موقع للقاريء على بساط الريح وهو يمخر عباب المدينة.. ثم ان ميسلون هادي لا تستخدم الوصف الأنشائي كثيراً فالأحداث في زقاقها كثيرة وما لديها من حكايات ستسّود صفحات وصفحات. غير أني وجدت الساردة حريصة على أطلاع قاريء “العيون السود” وهو ما أحسنت فيه، على أجواء بغداد في ظل حصار فترة التسعينيات الجائر فكان الحديث عن فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، وكانت الأشارة في أكثر من موقع الى انقطاع الكهرباء داعية الى ان ” يرفع الله هذه الغمّة عن أهل العراق”..كما لم تستخدم تقنية الحوار كثيرا ولم تشغل بال القاريء الذي تهتم به الى أقصى حد، بالطروحات الفكرية السياسية الأيديولوجية مما صار يحيط بالأنسان العربي عبر وسائل الأعلام والفضائيات ويصيبه بالغثيان والدوار .

زقاق بغداد وزقاق المدق

ثم أنه زمن العيون السود كما أرادته الساردة ولكنها جاءت بشخصيتها الرئيسة يمامة (وللأسم دلالة) ذات لون قزحية العين الزرقاء لتكون هذه الشخصية خارج هذا الزمن الذي تتمنى الرواية من خلاله لمدينتها وزقاقها مستقبلا أفضل لم يتحقق وللأسف. وبذلك تتجلى أهمية  الرواية وتشخيصها لأمراض زقاق بغدادي عاش أهله فترة عصيبة من فترات زمن مرَّ به الوطن كله. وهنا لابد من الأشارة الى روايات عربية أخرى تناولت حكايات أزقة عربية. ولابد أن يأتي في البال حالا رواية الراحل نجيب محفوظ “زقاق المدق” والصادرة عام ١٩٤٧ اي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لتفصّل في حال زقاق قاهري (نسبة الى القاهرة ) إبان فترة الأحتلال البريطاني وتأثير كل ذلك على حياة المصريين القاهريين. وكلنا نتذكر شخصيات زقاق المدق المحفوظية، فتلك حميدة الشخصية الرئيسة والفتاة البسيطة التي تصف زقاق المدق بزقاق العدم تنفر من حياة الفقر لتنتهي بين أحضان جنود الأحتلال. ولا ينسى القاريء العربي شخصيات زيطة والمعلم كرشة تاجر المخدرات وشخصية الشيخ درويش مما أبدع في رسمها محفوظ. وعلى ذلك تتعدد حالات وحكايات ووقائع الزقاق العربي شرقا وغربا ليكون الحاضر أصعب بكثير من ماضي مدن كانت على الأقل موجودة ببيوتها وأسواقها وناسها وليس كما هو الحال حاضرا حيث أصبح الزقاق عند بعض العرب مغيّبا، ممزقا بل جثة هامدة.

رواية “نازك خانم” بين شعرية السرد وتطرّف الشخصية

nazek

كتب عامر هشام الصفّار:

عُرف عن الروائية السورية الصحفية لينا هويان الحسن ولعها وأهتمامها برواية النموذج النسائي البدوي والذي قد تتوافر فيه بعض صفات ومقومات السرد الناجح. وعليه أصدرت الحسن خمس روايات سابقة كان محورها شخصيات نسائية بدوية تمتح من واقع، عرفته بيئةً وتقاليد، الروائية نفسها حيث ولدت بين أحضانه. وفي مسيرة البحث الذي لا يكلّ منه القلم تهتدي الحسن الى شخصية تقول عنها أن لابد هنالك بين الدمشقيين من يتذكّرها، فهي الجميلة نازك خانم تلك التي جلست عارية أمام بيكاسو الفنان، وكانت ضمن العارضات العشر الأوائل اللواتي ألبسهن أيف سان لوران الفرنسي بدلة السموكينغ لأول مرة في التاريخ. وعلى ذلك تحددّت معالم رواية لينا الحسن الجديدة والتي أخذت من أسم شخصيتها الرئيسة عنوانا لها، كما أخذ غلاف الرواية صورة فوتغرافية لسيدة حسناء بلباسها الأحمر الغامق مع كلبها المدلَّل، مما يشي بعدم مألوفية الشخصية للقاريء العربي، وهو بالتحديد ما قصدت أليه الروائية.

ماذا تريد نازك خانم؟

ولابد للقاريء في رواية “نازك خانم” من أن يسأل عن السر وراء الأهتمام سردا ذاتيا من خلال ضمير الغائب بلسان الراوي العليم بشخصية نسائية غير مستقرة عاطفيا، رغم كونها تحمل من صفات الجمال ما يجعلها قريبة الى الأسطورة؟. فهي أي نازك المضيئة اللامعة والأسم على المسمى، شهاب نزل من السماء ووصلها بسلام، لم يحترق كبقية الشهب لهذا من حقه البقاء وإشعال نار الغيرة والفتنة والحب. فعلى ذلك تكون هذه السيدة التي تركت مدينتها الأولى دمشق وهي صبية لتدرس القانون في السوربون ولا تكمل دراستها وتعمل عارضة أزياء وتدخل أوساط الفن والثقافة في فرنسا، مستعدة لأثارة مشاعر الغيرة وفتنة الوله والعلاقة مع الرجل ولكن على أرض الوطن الأول والمدينة الأولى دمشق. وهكذا تصل دمشق وهي بعمر ال ٣٩ عاما ( يذكرني الرقم برائعة هيتشكوك السينمائية ال ٣٩ عتبة) لتدخل في علاقة حب جارف تنتهي بزواج غير متكافئ أو غير متجانس فكريا ينتهي مأساويا بقتل نازك خانم على يد زوجها كمال بيك بعد أن صار لها الخيار بين الورد الأحمر وطلقة المسدس. ولا يفوت الروائية من أن تقدّم لفصول روايتها بأقوال لحكماء أو لشعراء أو لفلاسفة تضعها بين قوسين، لتشير تلميحا الى ما سيقرأه المتابع لسيرة نازك خانم. ومن ذلك ما أقتبسته: ( لحياة راعٍ بمثل هذا الجمال، لابد من ذئاب) لريلكه، وقول بابلو نيرودا ( ما أطول الدرب، يا حبيبتي، لبلوغ قبلة)، أو قول نيتشه ( هذا ما يخلص من كل الألم ولَك الأختيار: الموت العاجل، أو الحب البطيء).  وهنا لابد أذن من اضطراب شخصية وعدم أستقرار في سلوكية الخانم وما يحكم منهجها في الحياة، لدرجة تجعل من القاريء المتابع مندهشا غير مصدق أحيانا لما يرسمه قلم الساردة عن نازك خانم، تلك التي صرفت من حياتها عشرين عاما في فرنسا ودخلت في علاقات غرامية ومارست هواياتها في فن وأدب، وصالت وجالت في ميادين أهل الثقافة الفرنسيين، وعقدت معهم الحوارات مستغلة الجمال دون الذكاء، وعملت في التصوير الفوتغرافي والتمثيل لتستقر عارضة أزياء مثيرة. وهي لعبة السرد ذاتها في البحث عن الأستثناء في الشخصية وتأطير ذلك بالخيالي الروائي لشّد القاريء تحقيقا لهدف.

تطرّف الشخصية بين الخدعة والوهم

على أن قاريء رواية ” نازك خانم” لابد له من أن يستدّل على اللامعقولية في بعض أحداثها، مما يترك الأنطباع بأن الشخصية المتطرّفة قد بلغت درجة من ممارسة الوهم حتى يصبح ذلك من المألوف غير المستغرب. وعلى ذلك تجد هذه الخانم وهي في فرنسا تقع بين أحضان الأيراني الثري مجيب شان بعد أستدراجه وهو العاشق لغيرها (وسيلة بوسيس) التي تنتهي حياتها بطلقة من ثري مغربي عاجلت رأسها خطأً. وثراء مجيب هذا من نفطه أو نفط بلاده حيث تذهب الأموال هدرا على متعه بين نساء وقصر وحدائق غنّاء، حتى أنه اذا خسر في مغامرة معينة، يعود لأوهامه فيقنع النفس ويخدعها بأنه قروي ليس من الأثرياء. ولكن ماذا عن أوهام وتطرّف الشخصية الرئيسة في الرواية ” نازك خانم ” نفسها؟. ذلك التطرّف الذي قد يعود سببه الى عقدة زوجة الأب التي عانت منها نازك في بداية حياتها في دمشق، حيث دخلت في علاقة عاطفية وهي بسن ال١٧ عاما مع محام قادم من باريس، فوصفتها زوجة أبيها بالوقحة الفاجرة٠

ومن معالم تطرّف الشخصية:

٠ شاركت نازك خانم الثري شان الفراش في فرنسا لمدة عشر سنوات تشرب عصير البرتقال وتقرأ مجلتها المفضلة ماري كلير.

٠ عشقت أحد كتّاب اليسار الفرنسيين وتركته لأنه جلب لها وردة حمراء حيث رأت ذلك أمرا سخيفا يتداوله العشّاق فيما بينهم٠

٠ أيمانها بالنزوات حيث تقول نازك ” لابد من النزوات، فلنكن شيطانيين قليلا”. وتقول ” الأستقامة تحد الحياة، بل وأكثر من ذلك، ستضع بوجهنا الحواجز”.

٠ زواجها من الثري السوري كمال صاحب الفكر الديني الذي طلب منها أن تلبس الحجاب والذي لم يغفر لها ماضيها الملون والذي تعرفه كل دمشق.

٠ ولع نازك بالحروب حيث تذكر الساردة على لسانها أنها مغرمة بالحروب، ولولا الحروب لما تغيّرت خريطة العالم.

وهنا يتبادر الى الذهن ما قاله الروائي الفائز بجائزة نوبل في الآداب في عام ٢٠١٠ ماريو فارغاس بوسا من “أن الأدب يسمح بآن نعيش حيوات أخرى، وأن نخرج من فضاء متقلص، وأن نعبّر عن أنفسنا بأقدار تحطّم الروتين، تلك الأقدار التي تجعلنا نعيش مشاعر متوهجة تحولنا لكائنات مغامرة”. وإذا كانت البدايات من الصفر في أي عمل أدبي مستحيلة ولابد للروائي من أن يتأثر بإبداعات الآخرين  قاصدا واعيا أو عبر عملية اللاوعي، فأني رصدتُ روايات عربية أولى سابقة ركزّت جهدها على الشخصية النسائية التي يعشقها الآخرون. وهكذا كانت الرواية الأولى عربيا، رواية ” زينب” لمحمد حسين هيكل وهو الذي تأثر بفيلسوف فرنسا وكاتبها جان جاك روسو، حيث كان لزينب عشاقها وتجربتها وهي صبية في الحب، لتموت وهي شابة محافظة على قصة حبها ومخلّدة أياها. وهذه هي رواية فتحي غانم ” بنت من شبرا” وهي تعرض لحياة فتاة أيطالية أسمها ماريا تعيش في حي شبرا في مصر، لترتبط بعلاقة حب مع رجل عربي حتى يتطور الأمر فيصبح صراع الأفكار والديانات واضحا. والحكاية بعد ذلك في ” بنت من شبرا” أنما تُروى على لسان محامٍ طلبت منه ماريا الكاثوليكية أن يدافع في ساحات القضاء عن حفيدها عضو الجماعة الأسلامية المتطرفة!.  وهنا لا ننسى أن كمال زوج نازك خانم في رواية لينا الحسن أنما هو من أثرياء سوريا الذين ينتمون لتنظيم حزبي ديني متشدّد ( نص في الرواية: وما هذا الأخوان حزب حقاً؟) وذلك في فترة السبعينيات في دمشق والتي يحكمها حزب كان يحارب تنظيمات الأحزاب الدينية حينها، ويضع في أهدافه تحقيق الوحدة والحريّة والأشتراكية، تلك التي تتندر عليها نازك خانم على لسان عمتها فتقول : في الشام أصبحت الأشتراكية بوفرة الانفلونزا.

وهنا تصبح اللعبة الروائية في رواية ” نازك خانم” قائمة على تناقضات شخصياتها. فتطرّف نازك نفسها وحبها المظهري الشكلي للماديات في الحياة: العطر، الفستان، اللوحة الفنية، الكاميرا والصورة، مسابقات ملكة الجمال وتسريحات الشعر، والولع بجلود الثعالب، أنما يقابله من جهة أخرى تطرّف كمال الثري الذي أقترنت به وهو الذي رغم الثراء إلاّ ان شخصيته قد حوّرت بشكل يتناقض تفصيلا وشخصية نازك التي تتعمد أغاضة كمال (لماذا؟) بحديثها عن العصر الجاهلي وفكرة تعدد الأزواج!. على أن كمال الرجل الناقم “لم يكن قادرًا على تغيير شيء في قناعاتها”، ولكنه أتهمها مرة قائلا: “أنتِ مثل أوربي يزور الشرق ليسخر من عادات مجتمع متخلف وسلوكه”.

الرواية بين اللغة ووحدة الزمن

وأما لغة الرواية فهي التي أهتمت في جانب كبير منها بالوظيفة الأخبارية والثقافية معبرة من خلال شاعريتها وأستعاراتها عن تشتّت الروح عند الشخصية الرئيسة نازك خانم، التي تسهب الرواية في وصفها لترسم هالة خاصة حولها تقرّبها من شخصيات الأساطير. وإذا كانت الوحدة الزمنية في الرواية تستعاد بين فصل وآخر بشكل تداخلي غير مشوش فأن الحرص على رسم صورة قلمية زاهية لنازك خانم يجعل القاريء يعيش معها وكأنه يراها تتجسد قادمة من ماضٍ جميل. وهكذا يتم التذكير بمناسبة أو دونها بكوكو شانيل وبيكاسو وبريجيت باردو  وصوفيا لورين وراكيل وولش ومارلين مونرو وجين فوندا وفريق البيتلز والموناليزا وأدونيس وفينوس والأسكندر المقدوني وكليوباترا. أضافة الى التذكير بعام ١٩٦٨ في باريس وأضرابات الطلبة وتظاهراتهم. كل ذلك دون أن تنسى الروائية دفع قارئها للتزود بمجموعة من الأحكام والتي تقولها نازك الحكيمة ومنها: النساء لا يقمن وزنا كبيرا لنساء شغلن ماضي الرجل، بينما الرجل تفترسه خبايا الماضي في تاريخ أي أمرأة، والحب يأتي ولا يوجد، والطرقات الطويلة تبث الخوف وتبيح نفسها للأشرار.

ولابد من أن أذكر أنني شعرت في نهاية رواية “نازك خانم” من أن هناك ما سيتبعها سردا قد يركّز بشكل واضح على الحوار، وقد يدخل في ميدان صراع الأفكار بين الحداثة والمعاصرة من جانب والماضي والتاريخ والتراث من جانب آخر.

حول مجموعة القص “وثابة كالبراغيث”: تكثيف السرد وتحقيق الهدف النبيل

كتب  عامر هشام الصفّار
image
عندما حضرتُ الندوة الأولى للقصة القصيرة جدا العربية والتي عقدت في مدينة الناظور المغربية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، كان الهدف الأساس التعرّف عن قرب على مجموعة فاضلة من كتّاب هذا الفن السردي الجريء الذكي والأطلاع على التجارب الحديثة في القصة القصيرة جدا. وقد تحقّق جلَّ ذلك وزيادة بأن أتيحت الفرصة للحصول على مجاميع قصصية في هذا الفن لكتّاب شباب من أهل هذه المدينة الجميلة “الناظور” ومن الذين بدأوا حياتهم الأدبية نشرا لمجاميع قَص قصير جدا يشبه ومضات تختلف بدرجة تألقها، تهدي السائرين الى طريق مقصود بعينه، ينقذهم من حفر وفجوات زمن لا يرحم. وهكذا ألتقيت بالقاص جمال الدين الخضيري أبن مدينة الناظور وحامل لواء جمعية الجسور الثقافية التي أشرفت على تنسيق ندوات فن القصة القصيرة جدا حينذاك. وكان لي أن أمرّ على مكتبة في المدينة لأقتني مجموعة القاص الخضيري للقص القصير جدا والمعنونة ب ” وثابة كالبراغيث” لتذكرّني بالمدينة والأنسان وهموم القصة في مغربنا العربي. وما ذلك إلاّ لأنها مجموعة قَص أحتوت على ٨٧ قصة قصيرة جدا هن عندي وفي خاطري تلخيص لمعاناة وتفصيل مركز مكثف لواقع حال إجتماعي-سياسي- أقتصادي عربي مغربي له طابعه الإنساني أيضا. وهكذا تبقى عندي القصة القصيرة جدا متابعة لقضية الأنسان بتركيز وتكثيف يحترم ذكاء البشر في الوقت الذي يفجر عند المتلقي أسئلة وجودية سياسية فكرية وأجتماعية لتحقيق المراد والمطلوب. وفي واقع الحال فأن المتلقي القاريء لا ينفر من قراءة مثل هذا السرد الممتع القصير السهل الممتنع أسلوبا لأنه يحاور عنده خياله وتوقعاته وواقعه اليومي المعاش، والذي يوّد القاريء أن يستزيد هو تفصيلا فيه وعليه فيكتسب النص القصير جدا أبعادا أضافية كان يبغيها القاص أصلا وأساسا.
ولعل في مجموعة ” وثابة كالبراغيث” دلائل على كل ذلك. فالقاريء يجد في القصص ما يدين ويكشف الفساد والمفسدين مما تميّزت به نهايات قصص بعينها. فها هنا في قصة ” الرقص في زمن ذي مسغبة” تقرأ : والغريب أنه الى يومنا هذا ما زالت تتناسل الرقصات وتتناسل معها المسغبة. وفي قصة ” أكتشاف” تقرأ: المنطقة طاردة ولا يمكن أن يعيش فيها الا ذئب ومعلّم. وفي قصة “أنبعاث وحش” تقرأ عن سؤال : ما هو الحيوان الذي ضاقت عليه دائرة سقوفه، فأجبر على التنقل من سقف خيمة الى سقف مظلة ثم الى سقف عمامة إنطبقت عليه مشنقة؟.. وفي قصة “أكياس في مهب الريح” تقرأ: رأيت حشودا من بني جلدتي يصيحون ويمجدون زعيم الحي، وهو الزعيم نفسه الذي نددّوا به صباحا ولاطوا صورته بالأرض.
ثم أن المجموعة القصصية لجمال الدين الخضيري تغوص في عمق مشاكل المجتمع وثابة بمعول حاد لتكشف المرتشين في قصة ” شفيرة تفيد المرتشي” والمدمنين في قصة ” جحر الضب” والمنحرفين سلوكا أجتماعيا كما في قصة ” ذوبان” لتذهب أبعد من ذلك فتعالج موضوعة السياسة وما سمي بالربيع العربي فتكون قصة ” آخر المنقرضين” دلالة ومعنى، كما تكون قصة تراجيكوميديا رمزا لمشهد سياسي عربي يوصف بالمضحك المبكي: قال لنا المخرج المسرحي الكبير: منذ مدة لم أقف عند مشهد تراجيكوميدي بشكل دقيق في ركحنا العربي الا عندما استمعت الى كلامه وتتبعت أفعاله، فأقعيتُ وتعصفرتُ بالتراب من شدة ضحكي، وفي الوقت نفسه ندبتُ وجهي ومزّقتُ ثيابي من شدة بكائي وتأثري.
أبعاد  جديدة للقصة القصيرة جدا:
وفي المجموعة القصصية ” وثابة كالبراغيث”  تناص تراثي لا تخطأه عين القاريء كما فيها البلاغة من جناس وطباق وتورية كما فيها الحكمة والقول المأثور: عندما رأيته متصنعا الأرتجال، تيقنّتُ أنه أزف موعد الأرتحال ( قصة أرتحال)، قبّح الله حرفا ساق حتفا ( قصة خصلة)، ومتى ما عمَّ المصابُ هان ( قصة جريرة وتوأمان)، اذا ما سحّ العقلُ شحّ الكلام ( قصة ماخط الماء). ثم أن القاص الخضيري متأثرا بتشيخوف وغوغول راح يسخر قاصا فيثير مشاعر حزن عند متلقيه الذكي المدرك الواعي، وهكذا تصبح خوذة (المحارب) مثلا تلك الملقاة في شارع، مادة للتندر: تحلّق حشد من الناس حول خوذة حديدية ملقاة في الأسفلت. همسات تتساءل: أي ريح حملتها هنا؟
قيل انها خوذة محارب غابر أو هارب
قيل أنها لمتسابق دراجات نارية
قيل أنها لن تكون إلاّ خوذة باطنية منجمية
جاءت من أقصى الزقاق أمرأة تتعثر في سمنتها، تنعى زوجها وخوذته التي كان يرتديها حين يقتسم معها السرير (قصة نعي في الأسفلت).
الجنس والقصة القصيرة جدا:
ولابد لقاريء قصص ” وثابة كالبراغيث” من أن يلاحظ وهو يتمتع قراءةً من أن القاص الخضيري قد أستعمل الرمز الجنسي والفعل الجنسي بدلالات مختلفة كان منها ما يثير فكاهة وسخرية، وكان منها ما يشمئز منه البعضُ ويستنكر، وكان منها ما يدين سلوكا أو يثير أسئلة حول مجتمع تنحدر عنده وفيه قيم أخلاقية: ففي موسم الأرانب (الدلالة في عتبة النص) تقرأ عن بضاضة وفضاضة ونطّ أرانب وغض أبصار، وفي “ذوبان” تقرأ عن حمام شعبي وكشف وشاح وأنفراج غيمة، وفي ” الرجل المنجل” تقرأ عن سروال تقليدي مسدود وحمم تسيل من السيقان ليقول الرجل: ملعون معقوف هذا المنجل، ملعون مأفون هذا السروال الذي يغلي كالمرجل. وفي الوعد الصادق تقرأ عن الباسقة كالشمس والحاسرة المتهالكة جنبه على السرير كأنها فقمة لفظها البحر، وفي “المطارد” كان ثالثهما الشيطان اليقظ.. وفي “معاذير آفلة” تقرأ وتستغرب عن “ممرضة ناعمة فائرة كالموزة.. ( كيف تفور الموزة؟؟) وتقرأ عن سنجاب يزحف ويتمطط وينوء بكلكله مزاحما ناطحات السحاب”..ثم تستمر قارئا فإذا بقصة “الحسناء والحصان” وملابس البيكيني التي تجري بها هي على شاطيء البحر والحصان الذي يلاحقها وثورة المخرج مدمدما: ركَّز على الفتاة..
لقد أثبتت القصة القصيرة جدا قدرتها على التأثير في المتلقي من خلال جملتها المختصرة الواعية المكثفة الوجيزة ذات المعاني والأهداف، وعليه فهي فن الحاضر المعاصر وفن المستقبل. وإذا كان القاص المغربي الخضيري قد أصدر مجموعته القصصية هذه في عام ٢٠١١ وأصدر قبلها مجموعة ” فقاقيع” كما أصدر بعدها مجموعة قصصية أخرى حسب علمي  فأن المسؤول الثقافي لابد له من التعريف الواسع بنتاجات هذا الأديب القاص ومحاولة تشجيع نشر مجاميعه في مجلد واحد وأستخدام تقنيات التواصل الأجتماعي الحديثة لنشر أبداعات القاص وتشجيعه بما يلزم لعمل ذلك.. ففي مثل هذا العمل المهم فائدة لمجتمع، وتشجيعا لأدباء آخرين أغنوا واقع القصة القصيرة جدا العربي بكل ما هو مبدع ومؤثر ومدهش وجميل.

أقاصيص في العيد

كتب عامر هشام الصفار

1383598_383538431794456_4817979324353846213_n[1]صديقٌ في العيد:

في ظهيرة يوم العيد الأول كُنْتُ على موعد في بيت صديق لي من مدينة بريستول. الصديق دعى عددا من الأصدقاء أيضاً.. كلهم من مناطق الجنوب الأنكليزي الجميل…ومن مدن سوندن وباث ومناطق أخرى قريبة.. عبرّت السيدة الأولى في البيت عن مهارتها في صنع الحلويات فوضعت على المنضدة ما لذ وطاب من أنواع المعجنات والكليجة والكيك..   تلفاز كبير يملأ زاوية بعيدة من غرفة الجلوس..القناة الفضائية العربية تعلن عن أخبار عاجلة، فتُبّثُ الصور وتُسمعُ أصواتٌ عالية وتُدبجُ كتاباتٌ باللون الأحمر في أسفل الشاشة.. صديقي الآن يتكلمُ عن جارهِ الذي مات بالسرطان قبل شهر وصديقي الآخر يبحثُ عن جوابٍ لسؤالٍ عن مَنْ سيفوز في مسابقة الرقصِ على القناة البريطانية الأولى..راح طفلٌ يتقيأ..يغصُ في البكاء.. وأنا على وشك الصراخ.. بعد أن رأيتُ في التلفاز صورةً مرعبة تُبثُ من مكانٍ تيقنتُ أنه قريبٌ الى قلبي.

رسالة في العيد:

تأخرت السيارةُ بي فلم أستطع الردَّ على رسائل العيد الملونة التي أرسلها الأصدقاء. واحدة بالذات لم أعرف مَنْ صاحبها أو صاحبتها. الرسالةُ فيها نوع من العتاب. يا للغرابة .. إنها رسالتي التي كتبتها البارحة الى نفسي.

خذلان:

في العيدِ قلبٌ حائر يتملّى رسائل الجوَّال.. يبتسمُ القلبُ لرسالتها تلك التي تحملُ عبق الأرض البعيدة. يهّمُ القلبُ الوحيد بالردِّ.. يخذله نبضه فيقرّر الإنسحاب.

الغول

بعد قليل سيتوجه الطفلُ الى نادي الأعظمية الرياضي. في اليوم الأول من العيد سيكون كل شيءٍ مهيئاً للفرح. دواليب هواءٍ وأرجوحة جديدة ولُعب قد لا يملك مالاً للإستمتاع بها. بعد قليل سيتوجه الطفلُ الى النادي، هذا اذا أنسحب الغولُ في شارع مقابل.. ذاك الذي يقتّصُ من الأطفال والبراءة.

عيد سعيد:

في هذا العيد راحت سهام وهي في بلاد المهجر تتملّى صورها في أعياد مضت. تذكّرت ..وتحسّرت..وتنهدّت فتساءلت : لماذا غادر سعيدٌ العيدَ.

أنتظار:

أستعدت “أم سلمان” للعيد الكبير ليلة البارحة. أكملت شواء “الكليجة” ونظفّت البيت وأستحمّت وتعطرّت وتزيّنت وبقيت ساكتة.. ما زالت “أم سلمان” تنتظر العيد السعيد أن يدخل بيتها يوما.

القصة القصيرة في الصحافة العربية المهاجرة

كتب عامر هشام الصفّار:

spring in jaderiaما زال العديد من وسائل الأعلام المقروء يهتم بنشر القصة القصيرة وأخبارها وإصداراتها الجديدة. وإذا كان هناك بعض الخفوت أو التروي في نشر نتاجات الكتّاب عبر العالم في القصة القصيرة فذلك لأن فعل السرد الروائي الغزير يحتاج الى المتابعة والرصد الدقيق، خاصة وان هناك اليوم العديد من جوائز الأدب مخصصّة للرواية في أنحاء العالم ومنها عالمنا العربي بطبيعة الحال.

وقد بدأت الصحافة العربية إبداء أهتمام واضح بنشر القصة القصيرة وهو الفعل الذي يجب تشجيعه لما للجريدة اليومية الورقية أو عبر موقعها عبر الشبكة العنكبوتية من تأثير على القاريء. وهنا أذكر بالذات جهد القسم الثقافي في جريدة الحياة الصادرة في لندن في نشر القصة القصيرة الأسبوعية ولأكثر من كاتب واحد أحيانا مما يحقق التواصل المطلوب بين القاص والقاريء عبر قصة قصيرة واحدة لكاتب أو كاتبة بدل أن يتعرف القاريء على كاتب من خلال مجموعته القصصية فقط مما قد لا يكون متاحا.

وقد قرأت خلال مدة ما يقرب من أربعة أسابيع أمتدت بين منتصف شهر آب/ أغسطس الماضي ومنتصف شهر أيلول/ سبتمبر سبع قصص قصيرة لكتّاب وكاتبات من أجيال مختلفة، وقد وجدت أن في القصص المنشورة من جميل السرد ما يستوجب الأنتباه أليه والتعريف به. كما أن القصة القصيرة المنشورة في صحيفة يومية لابد من أن تكون مواكبة لحدث معاصر يصير القاريء في لاوعيه جزءا منه من خلال فعل القراءة نفسه، وهذا ما وجدته من خلال قراءتي هذه للقصص المشار أليها.

قصة ” السيطرة على الأيقاع” للقاصة أسماء ياسين:

يهتم السرد في هذه القصة بموضوعة النفي والهجرة أو النزوح عن الأرض الأولى. وكل ذلك بما يعطي الأنطباع عن غربة الشخصية في القصة عن واقعها المعاش الحالي، لتذهب القاصة وعبر المونولوج أو الحوار الذاتي والتأمل عبر الصمت والمشاهدة، تذهب في التفسير والأستنتاج بشكل مكثف مركز. وكما تريد أن تقول عتبة العنوان حول الأيقاع، يجد القاريء وهو يضع نفسه مكان ضمير الغائب الذي كتبت به القاصة أسماء قصتها، أمام العديد من الإيقاعات والتي أذا أنصت القاريء لوقعها فقد يسمعها كما أرادت القصة..! ومن ذلك أيقاع دق عكاز الرجل العجوز ( شخصية القصة الوحيدة) وأيقاع رمي الحجارة في البئر وأيقاع الموسيقى التي يحبها وتراتيل الكنيسة وأيقاعات صدى صراخه هو. فكل ذلك أضافة الى صورة سيميائية معبرة كما في العشب الأصفر الذابل أو القهوة الصباحية أو المكعبات الزرقاء في السجادة التراثية، أنما يوظّف بشكل موجز ليخدم هدف القصة في تكسير حواجز غربة النفس والروح.

قصة “بقي الصباح لي” للقاص فؤاد قنديل

تتناول القصة بتكثيف وإيجاز مشكلة الفقد والخسارة من خلال الموت عبر حادث سيارة.. فهو ضمير المتكلم الرجل عند القاص قنديل والذي فقد زوجته بعد أن سحقت سيارتها الفارهة الجديدة مقطورةٌ أسطورية على طريق سانت كاترين.. فهذا هو مكان الحادث أذن والذي نتج عنه الفقد، وطلب سعر السيارة من قبل الدائنين الذين لا يعرفون الرحمة، فتم الحجز على ممتلكات الرجل والذي هو نفسه عانى من كسر ساقه التي حشيت بالمسامير.. وهنا تقرأ عن تعامل المثقف مع موضوعة الموت والخسارات، فهو التعامل الحضاري اذا جاز التعبير، والتعامل العقلاني الذي يخطط لصباحات جميلة في المستقبل رغم خسارته المفاجئة حاضرا..وها هو القاريء يعرفُ ان الرجل في القصة فنان يحب الأوبرا والكتب وأسطوانات الموسيقى العالمية والعربية ، أضافة الى حبه للطيور ولببغائه الذي ظلّ يصرخ . فعبر العلاقات بين هذا الأنسان المكلوم والحيوان الأليف (يملك قطة أيضاً) وعبر العلاقة مع الكتاب وأجهزة الموسيقى يتعمق الشعور بالحزن الذي رغم الأستسلام له ولكنه أدى بالرجل الى الأبتسام.. حيث ما زال مصرا على لبس أزهى الثياب ووضع العطر والتمشي وحيدا على الكورنيش، راقصا مثل زوربا حتى الشروق..trees

قصة لعنة ” الآي آي” للقاصة سعاد سليمان

تدور القصة في قاعة أنتظار المرضى في معهد أورام السرطان في مصر وكيف أن شخصية المرأة المتحدثة بضمير المتكلم يتراءى لها الرجل المريض بالسرطان وكأنه أبيها أو أحد أعمامها، حيث في ملامح وجهه المنحوتة شبها وأي شبه. وإذا كان مرض السرطان يسبب فقدان وزن الجسم مثلا إلاّ أن قصتنا هذه ركزّت على موضوعة الألم ومتانة الآهات الصادرة من صدر ضاق بما وسعه من ألم. وعليه جاءت عتبة القصة تناصا مع ألم وصفه القاص الكبير يوسف أدريس في قصته المعروفة ” لغة الآي آي” والتي وصف فيها ألم حصاة الكلى وهو الكاتب الطبيب. وإذا كنت لم أجد مبررا لزج حضور الصديقة العراقية التي لعب السرطان بأعضائها هنا في القصة المكثفة، إلاّ أن نهاية القصة بحوار الذات القاسي عن  طبيعة الذكريات التي تربطها بالرجل المصاب بالسرطان، لها ما يبررها في بناء الحال النفسي لمن فقدت أقرب أقربائها بسبب سرطانات أنتشرت في أجسام ناس أمتلأت بهم معاهد الأورام العربية.

قصة وظيفة خالية للقاص خالد عاشور:

تكشف هذه القصة بجلاء عن مشاكل الشباب العربي معتمدة السرد السريع بضمير المخاطب وكأني بالقاص يخاطب جموع الناس ليعلمها بجلال الخطب. أما البداية الصادمة ب ” مات صديقي..” فهي تجيء لتجذب القرّاء خاصة وانه مات بعد أن دهسته فتاة عشرينية تدّعي أنها خطيبته..!. تحاول القصة مرة واحدة ومن خلال قصة شاب بعمر ال ٣٥ عاما يبحث عن وظيفة تؤمن له مستقبله كشف الفساد الذي ينخر في الجسد العربي ونموذجه المصري في حالة القصة هذه بالذات. ومن نماذج الفساد:

١. الكذب والخلل العاطفي وزيف العلاقات الأجتماعية.

٢. الفساد العلمي من خلال سرقة البحوث العلمية في الجامعات وأتهامات الأساتذة بعضهم للبعض الآخر.

٣. ظاهرة البطالة بين الشباب المتعلم والإعلام الذي يتجاهل الحقائق حيث يشير مانشيت الجريدة الى تقلص نسبة البطالة في مصر عكسا للحقائق المعروفة من قبل الجميع.

٤. حاول القاص عاشور أن يردد شعارات خاصة بشخصية قصته ويضعها بين قوسين تحديدا وتحديا.. ومن ذلك ” كن فاسدا تحيا أفضل، فالبقاء للأفسد..” و ” أن الذين هلكوا بأيدي الأصدقاء أضعاف الذين هلكوا بأيدي الأعداء”..

قصة ورد للقاصة كارولين كامل وقصة طائرتان في عش للقاص محمد أبراهيم طه:

وما وضعي لهاتين القصتين في عنوان واحد إلاّ للإيحاء بأن القصتين إنما تعالجان موضوعا متشابها واحدا ألا وهو موضوع

المرأة في حالتها الأجتماعية وهي مطلقة في قصة ورد أو متزوجة من رجل بعمر أبيها في حالة ” طائران في عش”. ولعل دندنة هبة وتنهدها بأغنية يا ورد من يشتريك وعشق طفلتها لهذه الأغنية هو مفتتح ناجح لقصة عن معاناة أم موظفة في دائرة حكومية، تعيش وحدها مع طفلتها. وهي الأم التي تعشق أيضاً الموسيقى الصوفية وتنظر لطفلتها على أنها صديقة لها بعمر الأربع سنوات. وهي الأم الفنانة التي تزداد تحديا لظروفها الصعبة لتصبح أكثر إبداعا من خلال أنجازها للوحات جديدة كمعادل موضوعي لإنجازات في الحياة جديدة تتمنى أن تقلّدها فيها طفلتها ذات الأصوات الطفولية الرائعة ولكنها نصف مشروخة.!. ومن جانب آخر راح القاص محمد ابراهيم طه وعبر أستخدامه لضمير المتكلم يقص لقارئه عن علياء التي تنام حتى وقت متأخر والتي ينظر أليها كطفلة أكثر منها زوجة وهو الشخصية الكبيرة عمرا والذي يظلّ بعد سبع سنوات من الزواج من علياء مكتشفا لوجهها الآخر فيشعر بنغزة ألم في القلب. ويستدرج القاص قراءه بصور سيميائية تعبر عن حالات الكآبة والنهاية الحزينة المتوقعة في هذه الحالة حيث الغياب المفاجئ للشمس في الظهيرة وتراكم السحب والذي يقابله من جانب آخر غياب محمد أبن العمة المريض والذي يرقد في الطابق الخامس في معهد ناصر بالتحديد المكاني الذي قصد أليه الكاتب.

قصة سميراميس للقاص شعبان ناجي

حاول القاص في “سميراميس” وعبر أستخدامه لتقنية الحلم ونهوض الشخصية مفزوعا من نومه وعبر تناول سرده بإستخدام ضمير المتكلم، أن يدين الغنى الفاحش المفاجيء وأسلوب المعيشة الرغيد الذي تحوّل في طرفة عين الى جهنم حمراء. ومن خلال الكوابيس والأساطير التي توحي القصة بتحولها الى واقع يروي القاص ناجي بلغة سهلة الفهم واضحة كيف ان بيت الحزينة – دائماً وأبدا- عليه طينه.

وهنا لابد لي من أن أشير الى أهمية إيلاء فن القصة القصيرة والقصيرة جدا الرعاية الواجبة ومحاولة تعريف القرّاء العرب بكل ما هو جديد مبدع من أصول هذا الفن الذي يواصل التجدد والإبتكار والإدهاش دائماً.

بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاته: خالد القصّاب وشعرية اللوحة الفنية

كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:

filemanagerعرفت الدكتور الجرّاح خالد القصّاب عام 1978 -1979 أستاذ جراحة فاضل له مكانته في الهيئة التدريسية لكلية الطب بجامعة بغداد. يدخل الأستاذ قاعة المحاضرات فيفرض هيبته علما وشخصية على طلبته الذين أحبوه وعرفوه طبيبا جرّاحا ولم يعرفوه فنانا، فهم طلبة طب على أي حال.

والحق أقول أنه كان يدرّسني عن السرطان ودور الجرّاح في العلاج ولم يشر الى فنه مرة واحدة فهذا مما لا أذكره.

وعودة الى سنواته الفنية فأني لواجده من المبدعين الذين ربطوا بين المبضع الجراحي وفرشاة الفنان وأوراقه وألوانه وحبه للناس والطبيعة ونزوع نفسه للأبداع والجمال.

وهو هذا النَفَس الأول في الطفولة وحبه للفن، وقرب روحه من جمال الطبيعة، وتوقه وأشتياقه الى التعبيرعن كل ذلك رسما وفنا..حيث قرّبته صداقته مع فناني العراق من تحقيق هدفه، وقرّبته ثقافته، وقرّبه علمه. ومن المعروف تاريخا أن خالد القصّاب كان أحد المؤسسين لجماعة الرواد الفنية العراقية حيث نظّم في بيته في كرادة مريم بغداد أول معرض فني للجماعة وذلك عام 1950. وعن جماعة الرواد يقول أحد فنانيها المتميزين الدكتور نوري مصطفى بهجت أن هذا التجّمع كان أول تجمع للفن التشكيلي الذي بدأ بالظهور منذ عام 1940 وأستمر بنشاطه لمدة 62 عاما حتى عام 2002.  ثم أن القصاب قد شارك في تأسيس أول جمعية عراقية للفنانين التشكيليين عام 1956 حيث كان أول سكرتير لها.

وأنتَ ترى لوحاته وتشاهد وتنفعل وتدهش فتقترب أكثر للتمتع بألوان اللوحة وتشكيلاتها ومعانيها وبساطتها، فأني لواجد القصاب خالدا وقد أرتاح وأنتعش وهو يمارس الرسم أبداعا فنيا بعد يوم متعب في صالة العمليات. وهكذا فهو يعالج روحه بعد أن يعالج مريضه..فالفن عنده ليس للمال وليس لأشياء الحياة المادية، بل هو متعته النفسية وراحة باله وتوقه للمشاركة الأنسانية عبر لوحاته ورسومه وما تبدعه فرشاته.

وقد تقرأ مسار خالد القصاب الشخصي من خلال لوحاته، وقد تقرأ فلسفته في الحياة ، وقد تقرأ أفكاره الأنسانية..وقد تقرأ منهجه الحياتي من خلال فرشاته، فهو الواضح الصريح المحّب والمغرم بطبيعة ساحرة. أو هي عنده تظل وما تزال تأخذ باللب وأي مأخذ. فيا ترى كيف له أن يرسم العراق وبلدات العراق وبساتين العراق على غير ما رسم؟!..أنه الكون العراقي الجميل عنده.spring in jaderia

وهي هذه الرؤية الفنية الكبيرة المتميزة التي عبّرت عنها لوحاته أحسن تعبير. وعليه فلا غرابة في تشبيه النقّاد لأسلوب القصاب في الرسم بما كان عليه الفرنسي الفنان بول سيزان الأنطباعي المعروف والذي أنتج وأبدع عالميا. ولابد لي من أن أستشهد بما كتبه د. خالد السلطاني من أن أسلوب القصاب العراقي أنما يضيف ضوء شمس بغدادية على اللوحة، وهي الشمس المتوهجة الحارة حيث تتشكل اللوحة عند الفنان القصاب من اللون الوحشي أذا جاز التعبير وكما يذكر السلطاني، أضافة الى التنبّه لضوء منبعث عن نور الشمس مما يغمر اللوحة من كل جوانبها.

ولعلي أستعير من نقاد الفن تعابيرهم ومصطلحاتهم فأقول أن لخالد القصاب ولوحاته فعلا لونيا مميزا..له طابعه الخاص.

وهو كما أراه يكاد يلتقي مع “بغداديات” الفنان العراقي ستار لقمان الذي هو أمتداد للمدرسة البغدادية في الفن العراقي الحديث، حيث أن الأثنين وجدا في جواد سليم المعلم الأول وهو الذي أسسّ المدرسة البغدادية في الفن الحديث.

ولعل التشكّل الجمالي للوحة عند القصّاب لن يتحقق في كليته بمعزل عن التخيّل الفني لحالة الطبيعة وروعتها في لحظة الزمن الحاضرة، والتي لا يفتأ الفنان الاّ أن يسجّلها بفرشاة التأمل والتفاؤل. ثم أن وظيفة اللوحة عند الفنان لن تكون بسيطة ذلك أنه يسعى لأن يملأ المساحة لونا وشكلا يستطيع الصمود أمام التغير والتحوّل بغية الخلود. وعلى ذلك عندما تأثرت أحاسيس الفنان القصّاب برؤية نهر دجلة من خلل شرفات غرفة الجلوس في بيت زميله الطبيب الكائن قبالة النهر، راح يرسم لوحته للتو سائلا لأن يهدي اللوحة لأبنة صاحب البيت وهي تعيش في غربتها في لندن، حيث أن الزميل نفسه بطبيعة الحال يرى المنظر أمامه يوميا!.

وأجد هنا أن أستشهد بما كتبه ماجد السامرائي حول لوحات الفنان ستار لقمان في عدد مجلة العربي الصادر في آب 2014 حيث يصّح فيه الأستنتاج على أبداعات فناننا القصّاب “ولعل أكثر أهمية في هذا التكوين هو الأنتقال الذي يعتمده من (المرئي) عينا وبرؤية العين الى الأحساس بهذا المرئي.، مما يجعله يوزع رؤيته الفنية في غير أتجاه، شاحنا ذاته بما يستعين به ويعينه في عمله هذا: الرؤية التخييلية واللون المتواشج مع عوالمها الزمانية والمكانية جاعلا منها منطلقه في تكوين لوحته”.silent life

وهنا أذكر ما قاله جواد سليم يوما من أن “الفنان الحق يجب أن يعرف ماذا يرسم ولماذا يرسم”. وحول جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 يقول جواد” ما يثيرهم كفنانين هو ما في طبيعتنا ومحيطنا المحض. وأنهم جماعة أنما يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة”.

أن خالد القصاب صيّاد ماهر للحظات الطبيعة الجميلة الموحية، المثيرة، المدهشة. أما موضوعات خالد القصاب فهي قريبة الى كل الناس: هي الحقل والبستان والهور والغابة والأشجار ودجلة الخالد.. هي قصائد تلملمها فرشاته لتشير الى نبض القلب /العراق.

وعليه فلوحاته لا يمكن أن تملّها العين. بل يراها المشاهد المتابع متجددة في المعنى. أما حرارة فرشاته والألوان، فهي الجمالية الممتعة بعينها مما تجعله عندي فنان الطبيعة والبيئة العراقية بأمتياز.

ولعلي أقول مع السامرائي ماجد مرة أخرى “أننا هنا نجد الموضوع بما له من بُعد تشكيلي يتقدم فيكتسب بُعدَ حضور الذات من خلال علاقة هذه الذات بالمكان في ما لها من زمانية العلاقة به التي هي علاقة الرائي بالمرئي، كون هذا المرئي موضوعا محقّقا ضربا من حركية التراسل بين المستوى الرؤيوي/التخييلي والمستوى التعبيري عند الفنان”.

أن كل ذلك هو ما أصطلح عليه بشعرية العمل الفني عند الأستاذ خالد القصاب.

ولن ينس قاريء كتاب الراحل الطبيب الفنان خالد القصّاب المعنون ب “ذكريات فنية” سرده التاريخي السلس لمسيرة الفن التشكيلي في العراق، أضافة الى تفاصيل العمل للفنان العراقي والأسلوب والتشكيل اللوني المتّبع عند كل واحد من الفنانين الذين عرفهم عن قرب، جعله يمتّع القاريء بقصص لم تكن معروفة عن حياة الفنانين الأصدقاء الخاصة. ولابد لي هنا من التذكير بأسلوب الفنان القصّاب الخاص في الكتابة التقريرية، فها هو يسطّر مشاعره بعد أن رأى وسمع عن أخبار الوطن وأحتلال بغداد في نيسان 2003 ليكتب في حزيران ذاك العام قائلا: “في الوقت الذي أكتب فيه هذه المذكرات، تزول عن بغداد هذه المعالم الجميلة ضحية القنابل الذكية والغبية، وتشتعل فيها النيران. فوزارة التخطيط تصاب بالصواريخ وتحرق، وكذلك بناية وزارة الخارجية التي صممّها المعماري سعيد مظلوم على شكل زقورة ، ثم بناية مركز الأتصالات في السنك وبناية المجلس الوطني وكلاهما من تصميم رفعة الجادرجي، ووزارة المالية على طريق محمد القاسم السريع والتي صممّها المعماري قحطان المدفعي، وكذلك بيت والدي الذي صممّه المعماري الحلبي بدري قدح في أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين. وقصف أيضا البيت الأبيض المجاور له وهو من تصميم جعفر علاوي وفيه أقمنا معرضنا الأول، معرض الرواد عام 1950. أحترقت بغداد وأبنيتها، كما نهبت متاحفها وكنوزها الأثرية وتحّول الكثير من تراثها الى فحم ودخان أسود يغطي سماءها الصافية”.baghdad and tigris river

أن مرور الذكرى العاشرة لوفاة الفنان الطبيب خالد القصّاب أنما تعتبر بحد ذاتها مناسبة للتذكير بأهمية المنجز الفني والعلمي له، أضافة الى أهمية الأنتباه لضرورة تدريس الفن والأدب في كلياتنا الطبية ولو لساعات قليلة، فذلك لعمري يجلي الروح ويعطي للمهارة العلمية رونقها وسحرها وأخلاقياتها الخاصة. ومثل هذه الدعوة هي اليوم موجودة بشكل واضح في المدارس الطبية الأجنبية وخاصة منها البريطانية. وقد يفيد التذكير هنا بأن المجلة الطبية الأميركية المعروفة ب “جاما” أنما تنشر عددا من لوحات الفن التشكيلي في كل عدد أسبوعي من أعدادها وبعد المقالة الطبية مباشرة.

قراءة في كتاب: ذكريات من مسيرة الحكم الملكي في العراق

image (1)كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:

لعل في تاريخ العراق السياسي الكثير من الأحداث التي تظلُّ بحاجة الى التذكير بها وتحليلها والتعرّف على أسبابها ونتائجها ودروسها المستخلصة بما يضيف للجيل السياسي العراقي المعاصر خبرة ماضٍ ، يبقى هو بالتأكيد بحاجة أليها.

ولعل ما بذله الأستاذ الطبيب الجرّاح نزار باقر الحسني في إعداده وتحقيقه لكتاب ذكريات من مسيرة الحكم الوطني الملكي في العراق يعتبر خير مثال في هذا الجانب. فالمحقق أهتم بمتابعة سيرة والده السيد باقر السيد أحمد الحسني والذي كان يكّنى بالسيد باقر البلاط وذلك لإشغاله منصبه المهم في البلاط الملكي العراقي ومنذ بداية نشأة الدولة العراقية حتى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي. ومن خلال هذا الأهتمام بالسيرة الشخصية توسعت أطروحات الكتاب لتشمل فترة الحكم الملكي نفسها والتي أمتدت منذ تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق في عام ١٩٢١ وحتى قيام الجمهورية في تموز عام ١٩٥٨. وعليه يقول المحقّق والمعّد للكتاب د. نزار الحسني “أن القاريء سيجد في الكتاب الكثير من تاريخ ما أهمله التاريخ في توثيق أحداث هذه الحقبة”. وهذا لعمري أنجاز مهم بحد ذاته فكيف وأنا بالمحقق يضيف بعضا من تحليلات السياسة من عندياته لتأتي معبرة عن درس تاريخي أستقاه صاحبه من سيرة والد كان قريبا جدا من زمان ومكان الحدث. ومع ذلك فالمحقق يترجى القاريء في مقدمة الكتاب من أن لا يعتبر ما كتبه عن الملك فيصل الأول والملك غازي والأمير عبد الآله دراسة تاريخية كاملة، حيث لم يكن مولودا أيام حكم الأول وكان طفلا أيام حكم الثاني وطالبا أيام حكم الثالث أو وصايته على الحكم. كما ان المحقق ما فتأ يذكّر القاريء من أن كتابه هذا أنما يأتي بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاة صاحب السيرة السيد باقر الحسني حيث أبتعدت الأحداث لتسمح بإبداء الرأي بموضوعية وحرية. وهي هذه الموضوعية ما يبغيه الباحثون المحققون.

ولقد أجاد المحقق بأن أستهّل الكتاب بفصل مهم حول تاريخ الأسرة الحسنية وتاريخ مدينة الكاظمية كما كانت عليه حالا في النصف الأول من القرن العشرين. فتراه يذكر جغرافية المدينة ومساجدها وساداتها وعلماءها وأطباءها ومحلاتها ومكتباتها ومعالمها المعروفة ومنها سوق الأستربادي الذي عمل على أنشائه الحاج عبد الهادي الأستربادي عميد الأسرة حينها. كما يشير الى خانات الكاظمية ومنها خان الكابولي الذي كان مأوى للزائرين وخيولهم حيث أتخذ في عام ١٩٢١ مقرا لفوج الأمام موسى الكاظم والذي هو أول فوج من تشكيلات الجيش العراقي.

وأعتمادا على مصادر تاريخية مهمة راح المحقق ومن خلال فصل الكتاب الخامس يسهب في مجريات عهد الحكم البريطاني للعراق بين عامي ١٩١٤-١٩٢١، مشيرا الى وعد مكماهون الممثل الأعلى لبريطانيا في مصر عام ١٩١٥ الشريف الحسين بن علي على أعتراف بريطانيا بقيام دولة عربية مستقلة في الجزيرة العربية وبلاد الشام اذا شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية. وقبل أن يجف حبر هذا الوعد قام وزير خارجية بريطانيا حينها مارك سايكس والوزير الفرنسي بيكو بتوقيع أتفاق سري يقضي بتقاسم بريطانيا وفرنسا أراضي الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بعد سقوطها. وفي ٢٤/٤/١٩٢٠ قرر مجلس الحلفاء الأعلى في مؤتمر سان ريمو تطبيق أتفاقية سايكس بيكو لفرض الأنتداب على أن يكون العراق وفلسطين تحت الأنتداب البريطاني. ويشير الكتاب الى اتصالات جعفر أبو التمن مع زعماء الكاظمية وعودة الشيخ باقر الشبيبي الى بغداد حاملا رسائل تدعو الناس للمحافظة على حقوقها. ولا ينسى المحقق المعد للكتاب من ذكر دور السادن للروضة الكاظمية حينها السيد باقر السيد أحمد في تبليغ الناس بمحتوى الرسائل حيث كان يصعد الى سطح الكشوانية التي تقع بين صحن القبلة وصحن قريش قارئا بصوته الجهوري محتوى الرسائل مطلعا العامة على فحواها. ثم يأخذك فصل خاص لتفاصيل قيام ثورة العشرين العراقية ضد ظلم الأنكليز، وكيف أن عدم نجاح الثورة قد أدى الى مطاردة عناصرها الوطنية، دون أن يغفل حقيقة أن العفو العام الصادر عام ١٩٢١ قد أستثنى الشيخ ضاري الذي كان لاجئا في تركيا.

وحول دور الملك فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية يفصّل الكتاب في فصله السادس وكيف أن الملك قد أختار السيد باقر ليكون أحد أربعة أمناء في البلاط الملكي عام ١٩٢١ بعد أن قابله أثناء زيارته العتبات المقدسة في مدينة الكاظمية وسأله يا سيد باقر أنت حسني من أي ذرية؟ فأجابه السيد باقر : سيدنا أنا من ذرية حميضة أبن أبي نمي الأول. وهنا قال الملك فيصل الأول: أنت أبن عمي وأنا من ذرية أخيه رميثة أبن أبي نمي الأول.. يا أهلا بك. وهكذا تبدأ مسيرة الرجل باقر السيد أحمد مع ملوك العراق وأمرائه وأميراته من عائلة العراق الملكية حيث كان شاهدا على زمن البدايات للدولة ومؤسساتها ووزاراتها ومشاكل السلطة مع رجال الدين والجيش مما يفصّله الكتاب تفصيلا على مدى صفحاته التي قاربت على ٥٠٠ صفحة. وقد زوّد الكتاب بمجموعة نادرة من الصور الفوتغرافية التي جاءت واضحة على ورق صقيل في الطبعة الثانية المزيدة والمنقّحة من الكتاب.

ولعلي أشير هنا الى الصفحات الخمس التي جاءت في نهاية الكتاب تحت عنوان الحكم الملكي في العراق والتي ركزّت على خلاصات واستنتاجات مستفادة من مصادر بعينها دون غيرها من مصادر لتقول بأن لعبة الديمقراطية على أمتداد العهد الملكي بقيت كما هي ( ولعل الأستاذ المحقق أراد أن يصفها بالهزيلة) ففي مجلس النواب وإن كان أعضاؤه يمثلون النخبة في المجتمع من اليمين واليسار والأقطاع ورجال الدولة والمتقاعدين الاّ ان تعيينهم يتم بموافقة البلاط الملكي ولم تجر أية انتخابات وفق الأسس الديمقراطية بحرية ونزاهة. وهكذا أستمر الحرس السياسي القديم كما يذكر الكتاب حاكما بمن يمثلّه في حلقة نوري السعيد والمدفعي والأيوبي والباججي والعمري.. حيث يتناوب الجميع رئاسة الوزراء أو يصبحوا وزراء ضمن تشكيلة الحكومة. وهنا يذكر الكتاب أحصائية ذات دلالة: فلقد تبوأ نوري السعيد رئاسة الوزراء ١٤ مرة وصار وزيرا ٤٧ مرة كما تبوأ المدفعي رئاسة الوزراء ٧ مرات والأيوبي ٣ مرات في حين شغل السيد محمد الصدر عضوية مجلس الأعيان ١٥ مرة.

كما لابد لقارئ كتاب الذكريات من مسيرة الحكم الملكي في العراق من أن يخرج بدروس أربعة لعلها تعتبر الخلاصة لمسيرة ٣٧ عاما من حكم العائلة المالكة مما يعتبر مفيدا لكل مَنْ يحكم العراق حاضرا أو مستقبلا، فقراءة التاريخ وتسجيل الذكريات وحدها لن تكفي ما لم تُستنتَج الدروس وتُستخلَص العبر:

١. أن العراق كوطن ودولة فيه من الإمكانيات والطاقات وأصحاب الكفاءة والمهارة والفكر ممن يستحق أن يكون له دوره في الحكم بغية التطوير والبناء والتغيير نحو الأحسن بجدية، بعيدا عن خطط محتلين أو منتدبين أو مستشارين أجانب فرضتهم مرحلة تاريخية معينة.

٢. أن ولاءات ومحاصصات رجال الدولة العراقية والقائمة على الأنتماءات الدينية المذهبية لن تحقق وحدة الصف العراقي الكفيلة بأختيار الرجل المناسب في المكان المناسب،  وبالحيلولة دون تفرّق أبناء الشعب الواحد.

٣. أن العشائرية لن تكون البديل عن الإنتماء الى أرض الوطن الواحد، فالوطنية الحقة هي ضمانة العيش الكريم.

٤. أن للجيش دوره المحدد في الحفاظ على أمن الوطن وسلامته دون تدخله المباشر تغييرا في الحكومات والوزارات.

لقد حفل كتابنا هذا بالعديد من روايات وشهادات ووقائع تاريخية جاءت على لسان مَنْ عاش تلك المرحلة من تاريخ الوطن، مما يجعل الكتاب كما أراده محققه (تاريخا) وليس (مذكرات).  كما سيظّل الكتابُ هذا عندي مصدرا مهما سيرجع أليه الباحثون في شأن السياسة العراقية. وفي هذا نجح الكتاب وأحسن المحقق المعّد.

حول ندوة العصر الذهبي للجراحة في العراق: الأستاذ زهير البحراني: أهدي كتابي الجديد لوطني وأبنائي الأطباء

m2

كتب عامر هشام الصفّار

في يوم السبت المصادف الثالث والعشرين من شهر أغسطس/ آب ٢٠١٤ أجتمع جمهور غفير من جراحي وأطباء العراق في قاعة المركز الثقافي العراقي في لندن للأحتفاء بأستاذهم الجرّاح الدكتور زهير البحراني الذي يزور لندن هذه الأيام، وللتواصل مع شؤون الطب حاضرا وخاصة منها ما يتعلق بعلم الجراحة وشؤونه.

وقد بدأت الجلسة العلمية الأولى للقاء والتي سميت جلسة يوسف النعمان تيمنا بأسم عَلَمٍ آخر من أعلام الجراحة في العراق، بمحاضرات طبية تناولت مواضيع مختلفة. فقد تحدثت الدكتورة يسر عامر جعفر عن التطورات الأخيرة في علاجات الحروق بأنواعها كما تحدث الدكتور الجرّاح أحمد البحراني عن تطورات العلاج الطبي والجراحي لمرض القرحة المعدية والأسترجاع الحامضي الذي يتسبب في مشاكل صحية يعاني منها الكثيرون. وفي محاضرته تطرق الدكتور سمير رحماني الى علاجات السمنة جراحيا حيث شاهد الحضور مقاطع فيديو لعمليات المعدة والأمعاء الخاصة بمثل هذه الحالات. وفي موضوعة سرطان الثدي عند النساء والرجال تحدث الدكتور الجرّاح محمد الكيلاني عن خبرته في هذا المجال مشيرا الى ضرورة الفحص الذاتي من قبل المرأة للثدي بغية الكشف المبكر لأورام السرطان اضافة الى أهمية الفحص الشعاعي الدوري للنساء في أعمار معينة وحسب الأجراءات الطبية المعمول بها عالميا. كما أشار د. الكيلاني الى أنه عالج بعض الرجال المرضى بسرطان الثدي أيضاً ولو ان نسبة الأصابة بالمرض عند الرجال أقل كثيراً مما هي عليه عند النساء لأسباب تتعلق بالعوامل الهرمونية بشكل أساس. وبعد ذلك فصّل الدكتور الجرّاح سلام موسى في عمليات ترتيب الأثداء، ليليه الدكتور مهند أموري متحدثا عن الجلطة الدماغية الصغرى ودور الجراحين في علاجات تضيق الشرايين مع عرضه لحالة من حالات مرضاه في هذا الجانب.m3

وفي الجلسة الثانية من اللقاء الطبي الجراحي العراقي ألقى الأستاذ المُحتفى به زهير البحراني محاضرة حول خبرته في علاجات أمراض الجهاز الهضمي في العراق وعلى مدى الخمسين عاما الماضية، حيث أشار الى أنه وبعد كل سنوات خدمته في مستشفيات العراق وكلية الطب بجامعة بغداد التي تبلغ نصف قرن من الزمان، ظلّ يسأل نفسه عن كيف  يخدم العراق أكثر وهو في مرحلته العمرية هذه. وقد أهتدى الى فكرته الجديدة بأن يضع كلَّ بحوثه المنشورة في المجلات الطبية العالمية بين دفتي كتاب متكامل ليكون مرجعا للأطباء وطلبة الطب في العراق والعالم. وقد جلب الأستاذ زهير نسخا من كتابه الذي وزعه على الحضور منبها أبناءه من الأطباء العراقيين الى:

١. ضرورة التحلي بالروح العلمية الباحثة عن أسباب الأمراض وكيفية علاجها بكل ما هو حديث من سبل العلاج الجراحي الطبي.

٢. ضرورة التحلي بمنهج البحث العلمي والتوثيق لحالات المرضى التي يتعامل معها الطبيب من خلال عمله اليومي.

٣. أهمية الوحدة الوطنية للحفاظ على العراق وطنا للجميع، ولعل أول ما يصحّ ذلك على المثقفين الواعين الذين يجب عليهم الإبتعاد عن كل ما يفرقهم عن بعضهم.

٤. التحلي بالصبر في تحقيق أفضل النتائج في العلاج الطبي والعمل على نشر البحوث الطبية الرصينة التي تحافظ على مصداقية الطبيب وتحفظ لمؤسسته الخدمية والجامعية الرفعة والتقدم.

وفي معرض حديثه عن كتابه الجديد أشار الأستاذ زهير البحراني الى انه أحتوى على ما يربو من خمسين بحثا طبيا أصيلا تناول فيها مختلف الحالات المرضية التي تصيب الجهاز الهضمي عند مرضاه من العراقيين. وتنبع أهمية هذه البحوث من حيث أنها تتضمن أعدادا من المرضى عالية ومتميزة أحصائيا مما له قيمته العلمية الكبيرة. وقد أشار الدكتور البحراني الى تصنيفه لأورام اللمفوما السرطانية التي تصيب الأمعاء مثلا وكيف أن هذا التصنيف أعتبر الأهم عالميا في مؤتمر طبي للأورام عقد في أميركا قبل ما يقرب من ثلاثين عاما. وقد نشر الدكتور البحراني مؤخراً بحثا تفصيليا عن حالات مرض اللمفوما عند ٣٧٨ من العراقيين المرضى وذلك في مجلة الدراسات العليا الطبية العراقية لهذا العام. وقد أجاب الأستاذ المحاضر على أسئلة الحاضرين من أبنائه وطلبته الذين حرصوا على نسخهم من كتاب البحراني حول خبرته على مدى نصف قرن في الجراحة.

وفي الجلسة الأخيرة من اللقاء ألقى عدد من الأطباء قصائد بالمناسبة عبروا فيها عن حبهم للوطن العراق وحرصهم على وحدة الوطن وسلامته من كل مكروه.

وبمناسبة مرور عشر سنوات على وفاة الجرّاح العراقي الفنان الدكتور خالد القصاب ألقى صاحب هذه السطور محاضرة حول العلاقة بين مبضع الجراحة وفرشاة الفن نالت أستحسان الحضور. كما شارك المحاضر زملاءه شرائح عن لوحات خالد القصاب التي رسمها خلال مسيرة حياته، أضافة الى عرضه لصور خاصة بالراحل وهو في مرسمه وبين صحبه من فناني العراق المعروفين.