حول مجموعة القص “وثابة كالبراغيث”: تكثيف السرد وتحقيق الهدف النبيل

كتب  عامر هشام الصفّار
image
عندما حضرتُ الندوة الأولى للقصة القصيرة جدا العربية والتي عقدت في مدينة الناظور المغربية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، كان الهدف الأساس التعرّف عن قرب على مجموعة فاضلة من كتّاب هذا الفن السردي الجريء الذكي والأطلاع على التجارب الحديثة في القصة القصيرة جدا. وقد تحقّق جلَّ ذلك وزيادة بأن أتيحت الفرصة للحصول على مجاميع قصصية في هذا الفن لكتّاب شباب من أهل هذه المدينة الجميلة “الناظور” ومن الذين بدأوا حياتهم الأدبية نشرا لمجاميع قَص قصير جدا يشبه ومضات تختلف بدرجة تألقها، تهدي السائرين الى طريق مقصود بعينه، ينقذهم من حفر وفجوات زمن لا يرحم. وهكذا ألتقيت بالقاص جمال الدين الخضيري أبن مدينة الناظور وحامل لواء جمعية الجسور الثقافية التي أشرفت على تنسيق ندوات فن القصة القصيرة جدا حينذاك. وكان لي أن أمرّ على مكتبة في المدينة لأقتني مجموعة القاص الخضيري للقص القصير جدا والمعنونة ب ” وثابة كالبراغيث” لتذكرّني بالمدينة والأنسان وهموم القصة في مغربنا العربي. وما ذلك إلاّ لأنها مجموعة قَص أحتوت على ٨٧ قصة قصيرة جدا هن عندي وفي خاطري تلخيص لمعاناة وتفصيل مركز مكثف لواقع حال إجتماعي-سياسي- أقتصادي عربي مغربي له طابعه الإنساني أيضا. وهكذا تبقى عندي القصة القصيرة جدا متابعة لقضية الأنسان بتركيز وتكثيف يحترم ذكاء البشر في الوقت الذي يفجر عند المتلقي أسئلة وجودية سياسية فكرية وأجتماعية لتحقيق المراد والمطلوب. وفي واقع الحال فأن المتلقي القاريء لا ينفر من قراءة مثل هذا السرد الممتع القصير السهل الممتنع أسلوبا لأنه يحاور عنده خياله وتوقعاته وواقعه اليومي المعاش، والذي يوّد القاريء أن يستزيد هو تفصيلا فيه وعليه فيكتسب النص القصير جدا أبعادا أضافية كان يبغيها القاص أصلا وأساسا.
ولعل في مجموعة ” وثابة كالبراغيث” دلائل على كل ذلك. فالقاريء يجد في القصص ما يدين ويكشف الفساد والمفسدين مما تميّزت به نهايات قصص بعينها. فها هنا في قصة ” الرقص في زمن ذي مسغبة” تقرأ : والغريب أنه الى يومنا هذا ما زالت تتناسل الرقصات وتتناسل معها المسغبة. وفي قصة ” أكتشاف” تقرأ: المنطقة طاردة ولا يمكن أن يعيش فيها الا ذئب ومعلّم. وفي قصة “أنبعاث وحش” تقرأ عن سؤال : ما هو الحيوان الذي ضاقت عليه دائرة سقوفه، فأجبر على التنقل من سقف خيمة الى سقف مظلة ثم الى سقف عمامة إنطبقت عليه مشنقة؟.. وفي قصة “أكياس في مهب الريح” تقرأ: رأيت حشودا من بني جلدتي يصيحون ويمجدون زعيم الحي، وهو الزعيم نفسه الذي نددّوا به صباحا ولاطوا صورته بالأرض.
ثم أن المجموعة القصصية لجمال الدين الخضيري تغوص في عمق مشاكل المجتمع وثابة بمعول حاد لتكشف المرتشين في قصة ” شفيرة تفيد المرتشي” والمدمنين في قصة ” جحر الضب” والمنحرفين سلوكا أجتماعيا كما في قصة ” ذوبان” لتذهب أبعد من ذلك فتعالج موضوعة السياسة وما سمي بالربيع العربي فتكون قصة ” آخر المنقرضين” دلالة ومعنى، كما تكون قصة تراجيكوميديا رمزا لمشهد سياسي عربي يوصف بالمضحك المبكي: قال لنا المخرج المسرحي الكبير: منذ مدة لم أقف عند مشهد تراجيكوميدي بشكل دقيق في ركحنا العربي الا عندما استمعت الى كلامه وتتبعت أفعاله، فأقعيتُ وتعصفرتُ بالتراب من شدة ضحكي، وفي الوقت نفسه ندبتُ وجهي ومزّقتُ ثيابي من شدة بكائي وتأثري.
أبعاد  جديدة للقصة القصيرة جدا:
وفي المجموعة القصصية ” وثابة كالبراغيث”  تناص تراثي لا تخطأه عين القاريء كما فيها البلاغة من جناس وطباق وتورية كما فيها الحكمة والقول المأثور: عندما رأيته متصنعا الأرتجال، تيقنّتُ أنه أزف موعد الأرتحال ( قصة أرتحال)، قبّح الله حرفا ساق حتفا ( قصة خصلة)، ومتى ما عمَّ المصابُ هان ( قصة جريرة وتوأمان)، اذا ما سحّ العقلُ شحّ الكلام ( قصة ماخط الماء). ثم أن القاص الخضيري متأثرا بتشيخوف وغوغول راح يسخر قاصا فيثير مشاعر حزن عند متلقيه الذكي المدرك الواعي، وهكذا تصبح خوذة (المحارب) مثلا تلك الملقاة في شارع، مادة للتندر: تحلّق حشد من الناس حول خوذة حديدية ملقاة في الأسفلت. همسات تتساءل: أي ريح حملتها هنا؟
قيل انها خوذة محارب غابر أو هارب
قيل أنها لمتسابق دراجات نارية
قيل أنها لن تكون إلاّ خوذة باطنية منجمية
جاءت من أقصى الزقاق أمرأة تتعثر في سمنتها، تنعى زوجها وخوذته التي كان يرتديها حين يقتسم معها السرير (قصة نعي في الأسفلت).
الجنس والقصة القصيرة جدا:
ولابد لقاريء قصص ” وثابة كالبراغيث” من أن يلاحظ وهو يتمتع قراءةً من أن القاص الخضيري قد أستعمل الرمز الجنسي والفعل الجنسي بدلالات مختلفة كان منها ما يثير فكاهة وسخرية، وكان منها ما يشمئز منه البعضُ ويستنكر، وكان منها ما يدين سلوكا أو يثير أسئلة حول مجتمع تنحدر عنده وفيه قيم أخلاقية: ففي موسم الأرانب (الدلالة في عتبة النص) تقرأ عن بضاضة وفضاضة ونطّ أرانب وغض أبصار، وفي “ذوبان” تقرأ عن حمام شعبي وكشف وشاح وأنفراج غيمة، وفي ” الرجل المنجل” تقرأ عن سروال تقليدي مسدود وحمم تسيل من السيقان ليقول الرجل: ملعون معقوف هذا المنجل، ملعون مأفون هذا السروال الذي يغلي كالمرجل. وفي الوعد الصادق تقرأ عن الباسقة كالشمس والحاسرة المتهالكة جنبه على السرير كأنها فقمة لفظها البحر، وفي “المطارد” كان ثالثهما الشيطان اليقظ.. وفي “معاذير آفلة” تقرأ وتستغرب عن “ممرضة ناعمة فائرة كالموزة.. ( كيف تفور الموزة؟؟) وتقرأ عن سنجاب يزحف ويتمطط وينوء بكلكله مزاحما ناطحات السحاب”..ثم تستمر قارئا فإذا بقصة “الحسناء والحصان” وملابس البيكيني التي تجري بها هي على شاطيء البحر والحصان الذي يلاحقها وثورة المخرج مدمدما: ركَّز على الفتاة..
لقد أثبتت القصة القصيرة جدا قدرتها على التأثير في المتلقي من خلال جملتها المختصرة الواعية المكثفة الوجيزة ذات المعاني والأهداف، وعليه فهي فن الحاضر المعاصر وفن المستقبل. وإذا كان القاص المغربي الخضيري قد أصدر مجموعته القصصية هذه في عام ٢٠١١ وأصدر قبلها مجموعة ” فقاقيع” كما أصدر بعدها مجموعة قصصية أخرى حسب علمي  فأن المسؤول الثقافي لابد له من التعريف الواسع بنتاجات هذا الأديب القاص ومحاولة تشجيع نشر مجاميعه في مجلد واحد وأستخدام تقنيات التواصل الأجتماعي الحديثة لنشر أبداعات القاص وتشجيعه بما يلزم لعمل ذلك.. ففي مثل هذا العمل المهم فائدة لمجتمع، وتشجيعا لأدباء آخرين أغنوا واقع القصة القصيرة جدا العربي بكل ما هو مبدع ومؤثر ومدهش وجميل.

أقاصيص في العيد

كتب عامر هشام الصفار

1383598_383538431794456_4817979324353846213_n[1]صديقٌ في العيد:

في ظهيرة يوم العيد الأول كُنْتُ على موعد في بيت صديق لي من مدينة بريستول. الصديق دعى عددا من الأصدقاء أيضاً.. كلهم من مناطق الجنوب الأنكليزي الجميل…ومن مدن سوندن وباث ومناطق أخرى قريبة.. عبرّت السيدة الأولى في البيت عن مهارتها في صنع الحلويات فوضعت على المنضدة ما لذ وطاب من أنواع المعجنات والكليجة والكيك..   تلفاز كبير يملأ زاوية بعيدة من غرفة الجلوس..القناة الفضائية العربية تعلن عن أخبار عاجلة، فتُبّثُ الصور وتُسمعُ أصواتٌ عالية وتُدبجُ كتاباتٌ باللون الأحمر في أسفل الشاشة.. صديقي الآن يتكلمُ عن جارهِ الذي مات بالسرطان قبل شهر وصديقي الآخر يبحثُ عن جوابٍ لسؤالٍ عن مَنْ سيفوز في مسابقة الرقصِ على القناة البريطانية الأولى..راح طفلٌ يتقيأ..يغصُ في البكاء.. وأنا على وشك الصراخ.. بعد أن رأيتُ في التلفاز صورةً مرعبة تُبثُ من مكانٍ تيقنتُ أنه قريبٌ الى قلبي.

رسالة في العيد:

تأخرت السيارةُ بي فلم أستطع الردَّ على رسائل العيد الملونة التي أرسلها الأصدقاء. واحدة بالذات لم أعرف مَنْ صاحبها أو صاحبتها. الرسالةُ فيها نوع من العتاب. يا للغرابة .. إنها رسالتي التي كتبتها البارحة الى نفسي.

خذلان:

في العيدِ قلبٌ حائر يتملّى رسائل الجوَّال.. يبتسمُ القلبُ لرسالتها تلك التي تحملُ عبق الأرض البعيدة. يهّمُ القلبُ الوحيد بالردِّ.. يخذله نبضه فيقرّر الإنسحاب.

الغول

بعد قليل سيتوجه الطفلُ الى نادي الأعظمية الرياضي. في اليوم الأول من العيد سيكون كل شيءٍ مهيئاً للفرح. دواليب هواءٍ وأرجوحة جديدة ولُعب قد لا يملك مالاً للإستمتاع بها. بعد قليل سيتوجه الطفلُ الى النادي، هذا اذا أنسحب الغولُ في شارع مقابل.. ذاك الذي يقتّصُ من الأطفال والبراءة.

عيد سعيد:

في هذا العيد راحت سهام وهي في بلاد المهجر تتملّى صورها في أعياد مضت. تذكّرت ..وتحسّرت..وتنهدّت فتساءلت : لماذا غادر سعيدٌ العيدَ.

أنتظار:

أستعدت “أم سلمان” للعيد الكبير ليلة البارحة. أكملت شواء “الكليجة” ونظفّت البيت وأستحمّت وتعطرّت وتزيّنت وبقيت ساكتة.. ما زالت “أم سلمان” تنتظر العيد السعيد أن يدخل بيتها يوما.

القصة القصيرة في الصحافة العربية المهاجرة

كتب عامر هشام الصفّار:

spring in jaderiaما زال العديد من وسائل الأعلام المقروء يهتم بنشر القصة القصيرة وأخبارها وإصداراتها الجديدة. وإذا كان هناك بعض الخفوت أو التروي في نشر نتاجات الكتّاب عبر العالم في القصة القصيرة فذلك لأن فعل السرد الروائي الغزير يحتاج الى المتابعة والرصد الدقيق، خاصة وان هناك اليوم العديد من جوائز الأدب مخصصّة للرواية في أنحاء العالم ومنها عالمنا العربي بطبيعة الحال.

وقد بدأت الصحافة العربية إبداء أهتمام واضح بنشر القصة القصيرة وهو الفعل الذي يجب تشجيعه لما للجريدة اليومية الورقية أو عبر موقعها عبر الشبكة العنكبوتية من تأثير على القاريء. وهنا أذكر بالذات جهد القسم الثقافي في جريدة الحياة الصادرة في لندن في نشر القصة القصيرة الأسبوعية ولأكثر من كاتب واحد أحيانا مما يحقق التواصل المطلوب بين القاص والقاريء عبر قصة قصيرة واحدة لكاتب أو كاتبة بدل أن يتعرف القاريء على كاتب من خلال مجموعته القصصية فقط مما قد لا يكون متاحا.

وقد قرأت خلال مدة ما يقرب من أربعة أسابيع أمتدت بين منتصف شهر آب/ أغسطس الماضي ومنتصف شهر أيلول/ سبتمبر سبع قصص قصيرة لكتّاب وكاتبات من أجيال مختلفة، وقد وجدت أن في القصص المنشورة من جميل السرد ما يستوجب الأنتباه أليه والتعريف به. كما أن القصة القصيرة المنشورة في صحيفة يومية لابد من أن تكون مواكبة لحدث معاصر يصير القاريء في لاوعيه جزءا منه من خلال فعل القراءة نفسه، وهذا ما وجدته من خلال قراءتي هذه للقصص المشار أليها.

قصة ” السيطرة على الأيقاع” للقاصة أسماء ياسين:

يهتم السرد في هذه القصة بموضوعة النفي والهجرة أو النزوح عن الأرض الأولى. وكل ذلك بما يعطي الأنطباع عن غربة الشخصية في القصة عن واقعها المعاش الحالي، لتذهب القاصة وعبر المونولوج أو الحوار الذاتي والتأمل عبر الصمت والمشاهدة، تذهب في التفسير والأستنتاج بشكل مكثف مركز. وكما تريد أن تقول عتبة العنوان حول الأيقاع، يجد القاريء وهو يضع نفسه مكان ضمير الغائب الذي كتبت به القاصة أسماء قصتها، أمام العديد من الإيقاعات والتي أذا أنصت القاريء لوقعها فقد يسمعها كما أرادت القصة..! ومن ذلك أيقاع دق عكاز الرجل العجوز ( شخصية القصة الوحيدة) وأيقاع رمي الحجارة في البئر وأيقاع الموسيقى التي يحبها وتراتيل الكنيسة وأيقاعات صدى صراخه هو. فكل ذلك أضافة الى صورة سيميائية معبرة كما في العشب الأصفر الذابل أو القهوة الصباحية أو المكعبات الزرقاء في السجادة التراثية، أنما يوظّف بشكل موجز ليخدم هدف القصة في تكسير حواجز غربة النفس والروح.

قصة “بقي الصباح لي” للقاص فؤاد قنديل

تتناول القصة بتكثيف وإيجاز مشكلة الفقد والخسارة من خلال الموت عبر حادث سيارة.. فهو ضمير المتكلم الرجل عند القاص قنديل والذي فقد زوجته بعد أن سحقت سيارتها الفارهة الجديدة مقطورةٌ أسطورية على طريق سانت كاترين.. فهذا هو مكان الحادث أذن والذي نتج عنه الفقد، وطلب سعر السيارة من قبل الدائنين الذين لا يعرفون الرحمة، فتم الحجز على ممتلكات الرجل والذي هو نفسه عانى من كسر ساقه التي حشيت بالمسامير.. وهنا تقرأ عن تعامل المثقف مع موضوعة الموت والخسارات، فهو التعامل الحضاري اذا جاز التعبير، والتعامل العقلاني الذي يخطط لصباحات جميلة في المستقبل رغم خسارته المفاجئة حاضرا..وها هو القاريء يعرفُ ان الرجل في القصة فنان يحب الأوبرا والكتب وأسطوانات الموسيقى العالمية والعربية ، أضافة الى حبه للطيور ولببغائه الذي ظلّ يصرخ . فعبر العلاقات بين هذا الأنسان المكلوم والحيوان الأليف (يملك قطة أيضاً) وعبر العلاقة مع الكتاب وأجهزة الموسيقى يتعمق الشعور بالحزن الذي رغم الأستسلام له ولكنه أدى بالرجل الى الأبتسام.. حيث ما زال مصرا على لبس أزهى الثياب ووضع العطر والتمشي وحيدا على الكورنيش، راقصا مثل زوربا حتى الشروق..trees

قصة لعنة ” الآي آي” للقاصة سعاد سليمان

تدور القصة في قاعة أنتظار المرضى في معهد أورام السرطان في مصر وكيف أن شخصية المرأة المتحدثة بضمير المتكلم يتراءى لها الرجل المريض بالسرطان وكأنه أبيها أو أحد أعمامها، حيث في ملامح وجهه المنحوتة شبها وأي شبه. وإذا كان مرض السرطان يسبب فقدان وزن الجسم مثلا إلاّ أن قصتنا هذه ركزّت على موضوعة الألم ومتانة الآهات الصادرة من صدر ضاق بما وسعه من ألم. وعليه جاءت عتبة القصة تناصا مع ألم وصفه القاص الكبير يوسف أدريس في قصته المعروفة ” لغة الآي آي” والتي وصف فيها ألم حصاة الكلى وهو الكاتب الطبيب. وإذا كنت لم أجد مبررا لزج حضور الصديقة العراقية التي لعب السرطان بأعضائها هنا في القصة المكثفة، إلاّ أن نهاية القصة بحوار الذات القاسي عن  طبيعة الذكريات التي تربطها بالرجل المصاب بالسرطان، لها ما يبررها في بناء الحال النفسي لمن فقدت أقرب أقربائها بسبب سرطانات أنتشرت في أجسام ناس أمتلأت بهم معاهد الأورام العربية.

قصة وظيفة خالية للقاص خالد عاشور:

تكشف هذه القصة بجلاء عن مشاكل الشباب العربي معتمدة السرد السريع بضمير المخاطب وكأني بالقاص يخاطب جموع الناس ليعلمها بجلال الخطب. أما البداية الصادمة ب ” مات صديقي..” فهي تجيء لتجذب القرّاء خاصة وانه مات بعد أن دهسته فتاة عشرينية تدّعي أنها خطيبته..!. تحاول القصة مرة واحدة ومن خلال قصة شاب بعمر ال ٣٥ عاما يبحث عن وظيفة تؤمن له مستقبله كشف الفساد الذي ينخر في الجسد العربي ونموذجه المصري في حالة القصة هذه بالذات. ومن نماذج الفساد:

١. الكذب والخلل العاطفي وزيف العلاقات الأجتماعية.

٢. الفساد العلمي من خلال سرقة البحوث العلمية في الجامعات وأتهامات الأساتذة بعضهم للبعض الآخر.

٣. ظاهرة البطالة بين الشباب المتعلم والإعلام الذي يتجاهل الحقائق حيث يشير مانشيت الجريدة الى تقلص نسبة البطالة في مصر عكسا للحقائق المعروفة من قبل الجميع.

٤. حاول القاص عاشور أن يردد شعارات خاصة بشخصية قصته ويضعها بين قوسين تحديدا وتحديا.. ومن ذلك ” كن فاسدا تحيا أفضل، فالبقاء للأفسد..” و ” أن الذين هلكوا بأيدي الأصدقاء أضعاف الذين هلكوا بأيدي الأعداء”..

قصة ورد للقاصة كارولين كامل وقصة طائرتان في عش للقاص محمد أبراهيم طه:

وما وضعي لهاتين القصتين في عنوان واحد إلاّ للإيحاء بأن القصتين إنما تعالجان موضوعا متشابها واحدا ألا وهو موضوع

المرأة في حالتها الأجتماعية وهي مطلقة في قصة ورد أو متزوجة من رجل بعمر أبيها في حالة ” طائران في عش”. ولعل دندنة هبة وتنهدها بأغنية يا ورد من يشتريك وعشق طفلتها لهذه الأغنية هو مفتتح ناجح لقصة عن معاناة أم موظفة في دائرة حكومية، تعيش وحدها مع طفلتها. وهي الأم التي تعشق أيضاً الموسيقى الصوفية وتنظر لطفلتها على أنها صديقة لها بعمر الأربع سنوات. وهي الأم الفنانة التي تزداد تحديا لظروفها الصعبة لتصبح أكثر إبداعا من خلال أنجازها للوحات جديدة كمعادل موضوعي لإنجازات في الحياة جديدة تتمنى أن تقلّدها فيها طفلتها ذات الأصوات الطفولية الرائعة ولكنها نصف مشروخة.!. ومن جانب آخر راح القاص محمد ابراهيم طه وعبر أستخدامه لضمير المتكلم يقص لقارئه عن علياء التي تنام حتى وقت متأخر والتي ينظر أليها كطفلة أكثر منها زوجة وهو الشخصية الكبيرة عمرا والذي يظلّ بعد سبع سنوات من الزواج من علياء مكتشفا لوجهها الآخر فيشعر بنغزة ألم في القلب. ويستدرج القاص قراءه بصور سيميائية تعبر عن حالات الكآبة والنهاية الحزينة المتوقعة في هذه الحالة حيث الغياب المفاجئ للشمس في الظهيرة وتراكم السحب والذي يقابله من جانب آخر غياب محمد أبن العمة المريض والذي يرقد في الطابق الخامس في معهد ناصر بالتحديد المكاني الذي قصد أليه الكاتب.

قصة سميراميس للقاص شعبان ناجي

حاول القاص في “سميراميس” وعبر أستخدامه لتقنية الحلم ونهوض الشخصية مفزوعا من نومه وعبر تناول سرده بإستخدام ضمير المتكلم، أن يدين الغنى الفاحش المفاجيء وأسلوب المعيشة الرغيد الذي تحوّل في طرفة عين الى جهنم حمراء. ومن خلال الكوابيس والأساطير التي توحي القصة بتحولها الى واقع يروي القاص ناجي بلغة سهلة الفهم واضحة كيف ان بيت الحزينة – دائماً وأبدا- عليه طينه.

وهنا لابد لي من أن أشير الى أهمية إيلاء فن القصة القصيرة والقصيرة جدا الرعاية الواجبة ومحاولة تعريف القرّاء العرب بكل ما هو جديد مبدع من أصول هذا الفن الذي يواصل التجدد والإبتكار والإدهاش دائماً.

بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاته: خالد القصّاب وشعرية اللوحة الفنية

كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:

filemanagerعرفت الدكتور الجرّاح خالد القصّاب عام 1978 -1979 أستاذ جراحة فاضل له مكانته في الهيئة التدريسية لكلية الطب بجامعة بغداد. يدخل الأستاذ قاعة المحاضرات فيفرض هيبته علما وشخصية على طلبته الذين أحبوه وعرفوه طبيبا جرّاحا ولم يعرفوه فنانا، فهم طلبة طب على أي حال.

والحق أقول أنه كان يدرّسني عن السرطان ودور الجرّاح في العلاج ولم يشر الى فنه مرة واحدة فهذا مما لا أذكره.

وعودة الى سنواته الفنية فأني لواجده من المبدعين الذين ربطوا بين المبضع الجراحي وفرشاة الفنان وأوراقه وألوانه وحبه للناس والطبيعة ونزوع نفسه للأبداع والجمال.

وهو هذا النَفَس الأول في الطفولة وحبه للفن، وقرب روحه من جمال الطبيعة، وتوقه وأشتياقه الى التعبيرعن كل ذلك رسما وفنا..حيث قرّبته صداقته مع فناني العراق من تحقيق هدفه، وقرّبته ثقافته، وقرّبه علمه. ومن المعروف تاريخا أن خالد القصّاب كان أحد المؤسسين لجماعة الرواد الفنية العراقية حيث نظّم في بيته في كرادة مريم بغداد أول معرض فني للجماعة وذلك عام 1950. وعن جماعة الرواد يقول أحد فنانيها المتميزين الدكتور نوري مصطفى بهجت أن هذا التجّمع كان أول تجمع للفن التشكيلي الذي بدأ بالظهور منذ عام 1940 وأستمر بنشاطه لمدة 62 عاما حتى عام 2002.  ثم أن القصاب قد شارك في تأسيس أول جمعية عراقية للفنانين التشكيليين عام 1956 حيث كان أول سكرتير لها.

وأنتَ ترى لوحاته وتشاهد وتنفعل وتدهش فتقترب أكثر للتمتع بألوان اللوحة وتشكيلاتها ومعانيها وبساطتها، فأني لواجد القصاب خالدا وقد أرتاح وأنتعش وهو يمارس الرسم أبداعا فنيا بعد يوم متعب في صالة العمليات. وهكذا فهو يعالج روحه بعد أن يعالج مريضه..فالفن عنده ليس للمال وليس لأشياء الحياة المادية، بل هو متعته النفسية وراحة باله وتوقه للمشاركة الأنسانية عبر لوحاته ورسومه وما تبدعه فرشاته.

وقد تقرأ مسار خالد القصاب الشخصي من خلال لوحاته، وقد تقرأ فلسفته في الحياة ، وقد تقرأ أفكاره الأنسانية..وقد تقرأ منهجه الحياتي من خلال فرشاته، فهو الواضح الصريح المحّب والمغرم بطبيعة ساحرة. أو هي عنده تظل وما تزال تأخذ باللب وأي مأخذ. فيا ترى كيف له أن يرسم العراق وبلدات العراق وبساتين العراق على غير ما رسم؟!..أنه الكون العراقي الجميل عنده.spring in jaderia

وهي هذه الرؤية الفنية الكبيرة المتميزة التي عبّرت عنها لوحاته أحسن تعبير. وعليه فلا غرابة في تشبيه النقّاد لأسلوب القصاب في الرسم بما كان عليه الفرنسي الفنان بول سيزان الأنطباعي المعروف والذي أنتج وأبدع عالميا. ولابد لي من أن أستشهد بما كتبه د. خالد السلطاني من أن أسلوب القصاب العراقي أنما يضيف ضوء شمس بغدادية على اللوحة، وهي الشمس المتوهجة الحارة حيث تتشكل اللوحة عند الفنان القصاب من اللون الوحشي أذا جاز التعبير وكما يذكر السلطاني، أضافة الى التنبّه لضوء منبعث عن نور الشمس مما يغمر اللوحة من كل جوانبها.

ولعلي أستعير من نقاد الفن تعابيرهم ومصطلحاتهم فأقول أن لخالد القصاب ولوحاته فعلا لونيا مميزا..له طابعه الخاص.

وهو كما أراه يكاد يلتقي مع “بغداديات” الفنان العراقي ستار لقمان الذي هو أمتداد للمدرسة البغدادية في الفن العراقي الحديث، حيث أن الأثنين وجدا في جواد سليم المعلم الأول وهو الذي أسسّ المدرسة البغدادية في الفن الحديث.

ولعل التشكّل الجمالي للوحة عند القصّاب لن يتحقق في كليته بمعزل عن التخيّل الفني لحالة الطبيعة وروعتها في لحظة الزمن الحاضرة، والتي لا يفتأ الفنان الاّ أن يسجّلها بفرشاة التأمل والتفاؤل. ثم أن وظيفة اللوحة عند الفنان لن تكون بسيطة ذلك أنه يسعى لأن يملأ المساحة لونا وشكلا يستطيع الصمود أمام التغير والتحوّل بغية الخلود. وعلى ذلك عندما تأثرت أحاسيس الفنان القصّاب برؤية نهر دجلة من خلل شرفات غرفة الجلوس في بيت زميله الطبيب الكائن قبالة النهر، راح يرسم لوحته للتو سائلا لأن يهدي اللوحة لأبنة صاحب البيت وهي تعيش في غربتها في لندن، حيث أن الزميل نفسه بطبيعة الحال يرى المنظر أمامه يوميا!.

وأجد هنا أن أستشهد بما كتبه ماجد السامرائي حول لوحات الفنان ستار لقمان في عدد مجلة العربي الصادر في آب 2014 حيث يصّح فيه الأستنتاج على أبداعات فناننا القصّاب “ولعل أكثر أهمية في هذا التكوين هو الأنتقال الذي يعتمده من (المرئي) عينا وبرؤية العين الى الأحساس بهذا المرئي.، مما يجعله يوزع رؤيته الفنية في غير أتجاه، شاحنا ذاته بما يستعين به ويعينه في عمله هذا: الرؤية التخييلية واللون المتواشج مع عوالمها الزمانية والمكانية جاعلا منها منطلقه في تكوين لوحته”.silent life

وهنا أذكر ما قاله جواد سليم يوما من أن “الفنان الحق يجب أن يعرف ماذا يرسم ولماذا يرسم”. وحول جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 يقول جواد” ما يثيرهم كفنانين هو ما في طبيعتنا ومحيطنا المحض. وأنهم جماعة أنما يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة”.

أن خالد القصاب صيّاد ماهر للحظات الطبيعة الجميلة الموحية، المثيرة، المدهشة. أما موضوعات خالد القصاب فهي قريبة الى كل الناس: هي الحقل والبستان والهور والغابة والأشجار ودجلة الخالد.. هي قصائد تلملمها فرشاته لتشير الى نبض القلب /العراق.

وعليه فلوحاته لا يمكن أن تملّها العين. بل يراها المشاهد المتابع متجددة في المعنى. أما حرارة فرشاته والألوان، فهي الجمالية الممتعة بعينها مما تجعله عندي فنان الطبيعة والبيئة العراقية بأمتياز.

ولعلي أقول مع السامرائي ماجد مرة أخرى “أننا هنا نجد الموضوع بما له من بُعد تشكيلي يتقدم فيكتسب بُعدَ حضور الذات من خلال علاقة هذه الذات بالمكان في ما لها من زمانية العلاقة به التي هي علاقة الرائي بالمرئي، كون هذا المرئي موضوعا محقّقا ضربا من حركية التراسل بين المستوى الرؤيوي/التخييلي والمستوى التعبيري عند الفنان”.

أن كل ذلك هو ما أصطلح عليه بشعرية العمل الفني عند الأستاذ خالد القصاب.

ولن ينس قاريء كتاب الراحل الطبيب الفنان خالد القصّاب المعنون ب “ذكريات فنية” سرده التاريخي السلس لمسيرة الفن التشكيلي في العراق، أضافة الى تفاصيل العمل للفنان العراقي والأسلوب والتشكيل اللوني المتّبع عند كل واحد من الفنانين الذين عرفهم عن قرب، جعله يمتّع القاريء بقصص لم تكن معروفة عن حياة الفنانين الأصدقاء الخاصة. ولابد لي هنا من التذكير بأسلوب الفنان القصّاب الخاص في الكتابة التقريرية، فها هو يسطّر مشاعره بعد أن رأى وسمع عن أخبار الوطن وأحتلال بغداد في نيسان 2003 ليكتب في حزيران ذاك العام قائلا: “في الوقت الذي أكتب فيه هذه المذكرات، تزول عن بغداد هذه المعالم الجميلة ضحية القنابل الذكية والغبية، وتشتعل فيها النيران. فوزارة التخطيط تصاب بالصواريخ وتحرق، وكذلك بناية وزارة الخارجية التي صممّها المعماري سعيد مظلوم على شكل زقورة ، ثم بناية مركز الأتصالات في السنك وبناية المجلس الوطني وكلاهما من تصميم رفعة الجادرجي، ووزارة المالية على طريق محمد القاسم السريع والتي صممّها المعماري قحطان المدفعي، وكذلك بيت والدي الذي صممّه المعماري الحلبي بدري قدح في أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين. وقصف أيضا البيت الأبيض المجاور له وهو من تصميم جعفر علاوي وفيه أقمنا معرضنا الأول، معرض الرواد عام 1950. أحترقت بغداد وأبنيتها، كما نهبت متاحفها وكنوزها الأثرية وتحّول الكثير من تراثها الى فحم ودخان أسود يغطي سماءها الصافية”.baghdad and tigris river

أن مرور الذكرى العاشرة لوفاة الفنان الطبيب خالد القصّاب أنما تعتبر بحد ذاتها مناسبة للتذكير بأهمية المنجز الفني والعلمي له، أضافة الى أهمية الأنتباه لضرورة تدريس الفن والأدب في كلياتنا الطبية ولو لساعات قليلة، فذلك لعمري يجلي الروح ويعطي للمهارة العلمية رونقها وسحرها وأخلاقياتها الخاصة. ومثل هذه الدعوة هي اليوم موجودة بشكل واضح في المدارس الطبية الأجنبية وخاصة منها البريطانية. وقد يفيد التذكير هنا بأن المجلة الطبية الأميركية المعروفة ب “جاما” أنما تنشر عددا من لوحات الفن التشكيلي في كل عدد أسبوعي من أعدادها وبعد المقالة الطبية مباشرة.

قراءة في كتاب: ذكريات من مسيرة الحكم الملكي في العراق

image (1)كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:

لعل في تاريخ العراق السياسي الكثير من الأحداث التي تظلُّ بحاجة الى التذكير بها وتحليلها والتعرّف على أسبابها ونتائجها ودروسها المستخلصة بما يضيف للجيل السياسي العراقي المعاصر خبرة ماضٍ ، يبقى هو بالتأكيد بحاجة أليها.

ولعل ما بذله الأستاذ الطبيب الجرّاح نزار باقر الحسني في إعداده وتحقيقه لكتاب ذكريات من مسيرة الحكم الوطني الملكي في العراق يعتبر خير مثال في هذا الجانب. فالمحقق أهتم بمتابعة سيرة والده السيد باقر السيد أحمد الحسني والذي كان يكّنى بالسيد باقر البلاط وذلك لإشغاله منصبه المهم في البلاط الملكي العراقي ومنذ بداية نشأة الدولة العراقية حتى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي. ومن خلال هذا الأهتمام بالسيرة الشخصية توسعت أطروحات الكتاب لتشمل فترة الحكم الملكي نفسها والتي أمتدت منذ تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق في عام ١٩٢١ وحتى قيام الجمهورية في تموز عام ١٩٥٨. وعليه يقول المحقّق والمعّد للكتاب د. نزار الحسني “أن القاريء سيجد في الكتاب الكثير من تاريخ ما أهمله التاريخ في توثيق أحداث هذه الحقبة”. وهذا لعمري أنجاز مهم بحد ذاته فكيف وأنا بالمحقق يضيف بعضا من تحليلات السياسة من عندياته لتأتي معبرة عن درس تاريخي أستقاه صاحبه من سيرة والد كان قريبا جدا من زمان ومكان الحدث. ومع ذلك فالمحقق يترجى القاريء في مقدمة الكتاب من أن لا يعتبر ما كتبه عن الملك فيصل الأول والملك غازي والأمير عبد الآله دراسة تاريخية كاملة، حيث لم يكن مولودا أيام حكم الأول وكان طفلا أيام حكم الثاني وطالبا أيام حكم الثالث أو وصايته على الحكم. كما ان المحقق ما فتأ يذكّر القاريء من أن كتابه هذا أنما يأتي بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاة صاحب السيرة السيد باقر الحسني حيث أبتعدت الأحداث لتسمح بإبداء الرأي بموضوعية وحرية. وهي هذه الموضوعية ما يبغيه الباحثون المحققون.

ولقد أجاد المحقق بأن أستهّل الكتاب بفصل مهم حول تاريخ الأسرة الحسنية وتاريخ مدينة الكاظمية كما كانت عليه حالا في النصف الأول من القرن العشرين. فتراه يذكر جغرافية المدينة ومساجدها وساداتها وعلماءها وأطباءها ومحلاتها ومكتباتها ومعالمها المعروفة ومنها سوق الأستربادي الذي عمل على أنشائه الحاج عبد الهادي الأستربادي عميد الأسرة حينها. كما يشير الى خانات الكاظمية ومنها خان الكابولي الذي كان مأوى للزائرين وخيولهم حيث أتخذ في عام ١٩٢١ مقرا لفوج الأمام موسى الكاظم والذي هو أول فوج من تشكيلات الجيش العراقي.

وأعتمادا على مصادر تاريخية مهمة راح المحقق ومن خلال فصل الكتاب الخامس يسهب في مجريات عهد الحكم البريطاني للعراق بين عامي ١٩١٤-١٩٢١، مشيرا الى وعد مكماهون الممثل الأعلى لبريطانيا في مصر عام ١٩١٥ الشريف الحسين بن علي على أعتراف بريطانيا بقيام دولة عربية مستقلة في الجزيرة العربية وبلاد الشام اذا شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية. وقبل أن يجف حبر هذا الوعد قام وزير خارجية بريطانيا حينها مارك سايكس والوزير الفرنسي بيكو بتوقيع أتفاق سري يقضي بتقاسم بريطانيا وفرنسا أراضي الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بعد سقوطها. وفي ٢٤/٤/١٩٢٠ قرر مجلس الحلفاء الأعلى في مؤتمر سان ريمو تطبيق أتفاقية سايكس بيكو لفرض الأنتداب على أن يكون العراق وفلسطين تحت الأنتداب البريطاني. ويشير الكتاب الى اتصالات جعفر أبو التمن مع زعماء الكاظمية وعودة الشيخ باقر الشبيبي الى بغداد حاملا رسائل تدعو الناس للمحافظة على حقوقها. ولا ينسى المحقق المعد للكتاب من ذكر دور السادن للروضة الكاظمية حينها السيد باقر السيد أحمد في تبليغ الناس بمحتوى الرسائل حيث كان يصعد الى سطح الكشوانية التي تقع بين صحن القبلة وصحن قريش قارئا بصوته الجهوري محتوى الرسائل مطلعا العامة على فحواها. ثم يأخذك فصل خاص لتفاصيل قيام ثورة العشرين العراقية ضد ظلم الأنكليز، وكيف أن عدم نجاح الثورة قد أدى الى مطاردة عناصرها الوطنية، دون أن يغفل حقيقة أن العفو العام الصادر عام ١٩٢١ قد أستثنى الشيخ ضاري الذي كان لاجئا في تركيا.

وحول دور الملك فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية يفصّل الكتاب في فصله السادس وكيف أن الملك قد أختار السيد باقر ليكون أحد أربعة أمناء في البلاط الملكي عام ١٩٢١ بعد أن قابله أثناء زيارته العتبات المقدسة في مدينة الكاظمية وسأله يا سيد باقر أنت حسني من أي ذرية؟ فأجابه السيد باقر : سيدنا أنا من ذرية حميضة أبن أبي نمي الأول. وهنا قال الملك فيصل الأول: أنت أبن عمي وأنا من ذرية أخيه رميثة أبن أبي نمي الأول.. يا أهلا بك. وهكذا تبدأ مسيرة الرجل باقر السيد أحمد مع ملوك العراق وأمرائه وأميراته من عائلة العراق الملكية حيث كان شاهدا على زمن البدايات للدولة ومؤسساتها ووزاراتها ومشاكل السلطة مع رجال الدين والجيش مما يفصّله الكتاب تفصيلا على مدى صفحاته التي قاربت على ٥٠٠ صفحة. وقد زوّد الكتاب بمجموعة نادرة من الصور الفوتغرافية التي جاءت واضحة على ورق صقيل في الطبعة الثانية المزيدة والمنقّحة من الكتاب.

ولعلي أشير هنا الى الصفحات الخمس التي جاءت في نهاية الكتاب تحت عنوان الحكم الملكي في العراق والتي ركزّت على خلاصات واستنتاجات مستفادة من مصادر بعينها دون غيرها من مصادر لتقول بأن لعبة الديمقراطية على أمتداد العهد الملكي بقيت كما هي ( ولعل الأستاذ المحقق أراد أن يصفها بالهزيلة) ففي مجلس النواب وإن كان أعضاؤه يمثلون النخبة في المجتمع من اليمين واليسار والأقطاع ورجال الدولة والمتقاعدين الاّ ان تعيينهم يتم بموافقة البلاط الملكي ولم تجر أية انتخابات وفق الأسس الديمقراطية بحرية ونزاهة. وهكذا أستمر الحرس السياسي القديم كما يذكر الكتاب حاكما بمن يمثلّه في حلقة نوري السعيد والمدفعي والأيوبي والباججي والعمري.. حيث يتناوب الجميع رئاسة الوزراء أو يصبحوا وزراء ضمن تشكيلة الحكومة. وهنا يذكر الكتاب أحصائية ذات دلالة: فلقد تبوأ نوري السعيد رئاسة الوزراء ١٤ مرة وصار وزيرا ٤٧ مرة كما تبوأ المدفعي رئاسة الوزراء ٧ مرات والأيوبي ٣ مرات في حين شغل السيد محمد الصدر عضوية مجلس الأعيان ١٥ مرة.

كما لابد لقارئ كتاب الذكريات من مسيرة الحكم الملكي في العراق من أن يخرج بدروس أربعة لعلها تعتبر الخلاصة لمسيرة ٣٧ عاما من حكم العائلة المالكة مما يعتبر مفيدا لكل مَنْ يحكم العراق حاضرا أو مستقبلا، فقراءة التاريخ وتسجيل الذكريات وحدها لن تكفي ما لم تُستنتَج الدروس وتُستخلَص العبر:

١. أن العراق كوطن ودولة فيه من الإمكانيات والطاقات وأصحاب الكفاءة والمهارة والفكر ممن يستحق أن يكون له دوره في الحكم بغية التطوير والبناء والتغيير نحو الأحسن بجدية، بعيدا عن خطط محتلين أو منتدبين أو مستشارين أجانب فرضتهم مرحلة تاريخية معينة.

٢. أن ولاءات ومحاصصات رجال الدولة العراقية والقائمة على الأنتماءات الدينية المذهبية لن تحقق وحدة الصف العراقي الكفيلة بأختيار الرجل المناسب في المكان المناسب،  وبالحيلولة دون تفرّق أبناء الشعب الواحد.

٣. أن العشائرية لن تكون البديل عن الإنتماء الى أرض الوطن الواحد، فالوطنية الحقة هي ضمانة العيش الكريم.

٤. أن للجيش دوره المحدد في الحفاظ على أمن الوطن وسلامته دون تدخله المباشر تغييرا في الحكومات والوزارات.

لقد حفل كتابنا هذا بالعديد من روايات وشهادات ووقائع تاريخية جاءت على لسان مَنْ عاش تلك المرحلة من تاريخ الوطن، مما يجعل الكتاب كما أراده محققه (تاريخا) وليس (مذكرات).  كما سيظّل الكتابُ هذا عندي مصدرا مهما سيرجع أليه الباحثون في شأن السياسة العراقية. وفي هذا نجح الكتاب وأحسن المحقق المعّد.

حول ندوة العصر الذهبي للجراحة في العراق: الأستاذ زهير البحراني: أهدي كتابي الجديد لوطني وأبنائي الأطباء

m2

كتب عامر هشام الصفّار

في يوم السبت المصادف الثالث والعشرين من شهر أغسطس/ آب ٢٠١٤ أجتمع جمهور غفير من جراحي وأطباء العراق في قاعة المركز الثقافي العراقي في لندن للأحتفاء بأستاذهم الجرّاح الدكتور زهير البحراني الذي يزور لندن هذه الأيام، وللتواصل مع شؤون الطب حاضرا وخاصة منها ما يتعلق بعلم الجراحة وشؤونه.

وقد بدأت الجلسة العلمية الأولى للقاء والتي سميت جلسة يوسف النعمان تيمنا بأسم عَلَمٍ آخر من أعلام الجراحة في العراق، بمحاضرات طبية تناولت مواضيع مختلفة. فقد تحدثت الدكتورة يسر عامر جعفر عن التطورات الأخيرة في علاجات الحروق بأنواعها كما تحدث الدكتور الجرّاح أحمد البحراني عن تطورات العلاج الطبي والجراحي لمرض القرحة المعدية والأسترجاع الحامضي الذي يتسبب في مشاكل صحية يعاني منها الكثيرون. وفي محاضرته تطرق الدكتور سمير رحماني الى علاجات السمنة جراحيا حيث شاهد الحضور مقاطع فيديو لعمليات المعدة والأمعاء الخاصة بمثل هذه الحالات. وفي موضوعة سرطان الثدي عند النساء والرجال تحدث الدكتور الجرّاح محمد الكيلاني عن خبرته في هذا المجال مشيرا الى ضرورة الفحص الذاتي من قبل المرأة للثدي بغية الكشف المبكر لأورام السرطان اضافة الى أهمية الفحص الشعاعي الدوري للنساء في أعمار معينة وحسب الأجراءات الطبية المعمول بها عالميا. كما أشار د. الكيلاني الى أنه عالج بعض الرجال المرضى بسرطان الثدي أيضاً ولو ان نسبة الأصابة بالمرض عند الرجال أقل كثيراً مما هي عليه عند النساء لأسباب تتعلق بالعوامل الهرمونية بشكل أساس. وبعد ذلك فصّل الدكتور الجرّاح سلام موسى في عمليات ترتيب الأثداء، ليليه الدكتور مهند أموري متحدثا عن الجلطة الدماغية الصغرى ودور الجراحين في علاجات تضيق الشرايين مع عرضه لحالة من حالات مرضاه في هذا الجانب.m3

وفي الجلسة الثانية من اللقاء الطبي الجراحي العراقي ألقى الأستاذ المُحتفى به زهير البحراني محاضرة حول خبرته في علاجات أمراض الجهاز الهضمي في العراق وعلى مدى الخمسين عاما الماضية، حيث أشار الى أنه وبعد كل سنوات خدمته في مستشفيات العراق وكلية الطب بجامعة بغداد التي تبلغ نصف قرن من الزمان، ظلّ يسأل نفسه عن كيف  يخدم العراق أكثر وهو في مرحلته العمرية هذه. وقد أهتدى الى فكرته الجديدة بأن يضع كلَّ بحوثه المنشورة في المجلات الطبية العالمية بين دفتي كتاب متكامل ليكون مرجعا للأطباء وطلبة الطب في العراق والعالم. وقد جلب الأستاذ زهير نسخا من كتابه الذي وزعه على الحضور منبها أبناءه من الأطباء العراقيين الى:

١. ضرورة التحلي بالروح العلمية الباحثة عن أسباب الأمراض وكيفية علاجها بكل ما هو حديث من سبل العلاج الجراحي الطبي.

٢. ضرورة التحلي بمنهج البحث العلمي والتوثيق لحالات المرضى التي يتعامل معها الطبيب من خلال عمله اليومي.

٣. أهمية الوحدة الوطنية للحفاظ على العراق وطنا للجميع، ولعل أول ما يصحّ ذلك على المثقفين الواعين الذين يجب عليهم الإبتعاد عن كل ما يفرقهم عن بعضهم.

٤. التحلي بالصبر في تحقيق أفضل النتائج في العلاج الطبي والعمل على نشر البحوث الطبية الرصينة التي تحافظ على مصداقية الطبيب وتحفظ لمؤسسته الخدمية والجامعية الرفعة والتقدم.

وفي معرض حديثه عن كتابه الجديد أشار الأستاذ زهير البحراني الى انه أحتوى على ما يربو من خمسين بحثا طبيا أصيلا تناول فيها مختلف الحالات المرضية التي تصيب الجهاز الهضمي عند مرضاه من العراقيين. وتنبع أهمية هذه البحوث من حيث أنها تتضمن أعدادا من المرضى عالية ومتميزة أحصائيا مما له قيمته العلمية الكبيرة. وقد أشار الدكتور البحراني الى تصنيفه لأورام اللمفوما السرطانية التي تصيب الأمعاء مثلا وكيف أن هذا التصنيف أعتبر الأهم عالميا في مؤتمر طبي للأورام عقد في أميركا قبل ما يقرب من ثلاثين عاما. وقد نشر الدكتور البحراني مؤخراً بحثا تفصيليا عن حالات مرض اللمفوما عند ٣٧٨ من العراقيين المرضى وذلك في مجلة الدراسات العليا الطبية العراقية لهذا العام. وقد أجاب الأستاذ المحاضر على أسئلة الحاضرين من أبنائه وطلبته الذين حرصوا على نسخهم من كتاب البحراني حول خبرته على مدى نصف قرن في الجراحة.

وفي الجلسة الأخيرة من اللقاء ألقى عدد من الأطباء قصائد بالمناسبة عبروا فيها عن حبهم للوطن العراق وحرصهم على وحدة الوطن وسلامته من كل مكروه.

وبمناسبة مرور عشر سنوات على وفاة الجرّاح العراقي الفنان الدكتور خالد القصاب ألقى صاحب هذه السطور محاضرة حول العلاقة بين مبضع الجراحة وفرشاة الفن نالت أستحسان الحضور. كما شارك المحاضر زملاءه شرائح عن لوحات خالد القصاب التي رسمها خلال مسيرة حياته، أضافة الى عرضه لصور خاصة بالراحل وهو في مرسمه وبين صحبه من فناني العراق المعروفين.

تأوهات في قصائد…

lifeكتب عامر هشام الصفّار:

تأوهات:

ما بين الدمعة والصرخة

ينزفُ تاريخُنا العربي

دمَه حتى الشحوب

ليُختزلَ في كائنٍ مجهول

ليس له هيكلٌ عظمي

ولا ملامح

تكسوه الندوب..!

ما بين الدمعة والصرخة

يظلُّ العالم مرائيا

مثل بائعة الهوى اللعوب

تستبدلُ الزبائنَ حينما تشاء

أو مثل خائن يكتب رسالةَ

الإنتحار والفناء

ما بين الدمعة والصرخة

يشهق الطيبون

ويبكي الأنبياء…

باب المسرح:

كلُّ شيءٍ محتمل الحدوث

أمامَ باب المسرح..

قد تُفتَحُ البابُ وتشرقُ منها

الشمسُ ليلا..!

أو تبقى مغلقةً مثل باب السماء

يغلقها الربُ عن الظالمين

مغلقةً حتى تَضّجّر النادلة..

فتبدأ بالضحك..الهستيري

مثل تلك التي خانت حبيبَها

فراحت ترقصُ عاريةً

في طرقات الحياة

وأمام أعين العابرين..

كلُ شيءٍ قد يحدث أمام باب

المسرح..

قد يخرجُ كلبٌ مصاب بالجنون منها

فيرمي حمما من البارود

ليقتل أطفالا نائمين..

أو تخرجُ منها حمامةٌ بيضاء

هديلُها يطرب السامعين

أمام باب المسرح..

سأظلّ أنتظر..

الصوت

صوتُ قنبلةٍ أم صاروخ

لا ضوء يسبقه

هذا الصوت..!

يهدمُ بيتي

يقتلُ طفلي

يدفنني تحت ركام الحقدِ

حتى المووووتتت

عميد كلية طب البصرة السابق الدكتور خليل عبود مكي في ذمة الخلود

Maki

كتب الدكتور غانم مصطفى الشيخ:

تنعى الجمعية الطبية العراقية العالمية فقيدها الدكتور خليل عبود مكي عميد كلية الطب في جامعة البصرة سابقا حيث وافاه الأجل يوم أمس 11/7/2014 في عمّان. وعن ذلك كتب الأستاذ الدكتور غانم مصطفى الشيخ قائلا:

ولد المرحوم الأستاذ الدكتور خليل عبود مكي في محافظة البصرة في العراق عام 1946 وأنهى فيها دراسته الأعدادية حيث ألتحق بعد ذلك بكلية الطب في جامعة بغداد عام 1964 وتخرج منها عام 1970. أنهى الدكتور مكي أقامته الدورية في مستشفى البصرة الجمهوري ،وقد ألتحق بالخدمة العسكرية في القوة البحرية بعد ذلك. وفي عام 1973 اصبح الفقيد معيدا في قسم علم الأدوية في كلية الطب بجامعة البصرة حتى التحاقه عام 1976 بدراسة الدكتوراه في بريطانيا حيث حصل عليها عام 1979 من مستشفى سانت بارثولوميو بجامعة لندن في الفارماكولوجي السريري (علم الأدوية السريري). وقد عاد بعد ذلك الى جامعته في البصرة مدرّسا في الفارماكولوجي حيث تدرّج حتى أصبح أستاذا تتلمذ على يديه عدد كبير من الأطباء العراقيين.

وقد أهتّم المرحوم الدكتور خليل عبود مكي بالبحث الطبي، فقد نشرت له المجلات العلمية العالمية بحوثا مهمة في علم الأدوية وأختصاصاته المختلفة. أضافة الى هذا فقد كان للمرحوم باع طويل في العمل الأكاديمي والأدارة الجامعية، حيث شغل منصب معاون عميد لشؤون الطلبة ومن ثم معاون عميد للشؤون العلمية والأدارية منذ 1981 ولحين تعيينه عام 1986 عميدا لكلية الطب بجامعة البصرة وحتى عام 1993.

وقد عمل الفقيد بعد ذلك أستاذا في كليات الطب في جامعات طرابلس وسيرت في ليبيا والأسراء في عمان، كما عمل عام 2006 أستاذا في كلية الطب بالجامعة الأردنية للعلوم والتكنلوجيا في أربد.

كان المرحوم الدكتور خليل عبود مكي دمث الأخلاق، صديقا صدوقا يحب الناس، ويسعى لفائدتهم،  فأحبّه الجميع ومنهم طلبته الكثر في كل الجامعات التي عمل بها، وسيذكره أصدقاؤه وطلبته ومحبوه بالطيب من أعماله طيلة مسيرته المهنية الممتدة منذ 1970 وحتى يوم وافاه الأجل المحتوم بعد صلاة الجمعة 11/7/2014 في عمّان.

سوف تبقى ذكرى الدكتور مكي كذلك في أولاده الثلاثة حفظهم الباري وهم: أياد (مهندس علوم فضاء) وديما (صيدلانية) وأياس (طبيب أسنان). أسكنه الله القدير العظيم فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

أنا لله وأنا اليه راجعون.

أمسية ثقافية عن مبدعين عراقيين

acs june 14

تقيم الجمعية العربية للثقافة في ويلز أمسيتها الثقافية وذلك يوم السبت المقبل المصادف 21/6/2014 وعلى قاعة موركان في المركز الثقافي الفني العالمي في كارديف، عاصمة مقاطعة ويلز. وستبدأ الأمسية في تمام الساعة السادسة مساء. وستتطرق لحياة وأبداعات عدد من الذين رحلوا من مبدعي ومثقفي العراق وهم: الكاتب القاص عبد الستار ناصر والخطّاط الفنان الشاعر محمد سعيد الصكار والفنان الكبير نوري الراوي.. الدعوة عامة للجميع.. التفاصيل في الملصق المرفق..



أقاصيص أنتخابية

أقاصيص أنتخابية

عامر هشام الصفّار

11

1

في ظهيرة بغدادية نيسانية قرّر السيد تعبان العراقي التجولَ في شوارع مدينته علّه ينفّسُ عن صدرهِ ألماً أحسّهُ لأول مرة. أندهشَ لرؤية كل هذا العدد من لافتات مرشحاتٍ ومرشحين لأنتخابات ما… اللافتاتُ ملونةٌ كقوسِ قزح، وعليها البنات والبنين والسيدات والسادة، والكلُّ يعدُ السيدَ تعبان العراقي بالدجاجِ الطيبِ والخبزِ الحار ومعجونِ الطماطم والطحين وتحقيق أمانيه الأخرى في حالة الفوز. في ذاك اليوم ظلَّ السيد تعبان يدعو ربَّهُ لأن يجعلَ كلَّ أيام بغداد أنتخابية على مدارِ العام حتى يظلَّ يأكل الدجاج ويثير العجاج..!

2

تذكرّت أم عبد الله وهي تحكي لحفيدها الصبي كيف أن نوّاب بغداد القدامى كانوا يتمتعون بروح الدعابة.. تشاهد هي الآن على شاشة التلفزيون أمامها منظر المرشحين والمرشحات لإنتخابات هذا العام، وتردّد بصوت عالٍ يسمعه حفيدها ” وبمجلس النواب أخطب بقلبي..” و ” أبو حسين يابه .. تكه وكباب يطعّمه للشعب لو نابه” .. يضحك صبي العائلة وهو يفتحُ كتابَ الرياضيات المعاصرة أمامه مهيئا نفسه لأمتحان الغد.

3

على صوت الموسيقى الشعبية أرتدى أبو سلام العراقي أحلى بذلاته التي أشتراها مؤخراً..وراح يتحضّر للذهاب الى مركز إنتخابي قريب.. حدثّته نفسه بأن مَنْ سينتخبه لن يكونَ أحسن منه…ترك الورقة بيضاء، ثم بعد هنيهة كتب أسمه هو ( أبو سلام العراقي). طوى الورقة بين يديه، ودفعها بتحدٍ الى صندوق التصويت.

4

قبل أن يصلَ ألى السوق العربي البغدادي، توقفت سيارته في إزدحام شارع الرشيد، وقعت عيناه على ملصقات إنتخابية ملأت الشوارع بشكل مزعج. رددّ مع نفسه: تناقضات وتفاهات. بعد أقل من عشر دقائق أرتجّت سيارته بعد أن أصطدمت بها سيارة شاب مراهق، ظلَّ يحدق بسفاهةٍ على ملصقٍ انتخابي ملوّن توسطته صورة أمرأة حالمة.

5

جلس أبو هادي البارحة مفكرا مع نفسه، مشغولا..وأستمارة الإنتخابات أمامه. تذكّرَ تحذيرات وفتاوى السادة والشيوخ، فأخذ قلبه ينبضُ كأنه ماكنة قطار تستعد للسفر..ثم تذكّرَ إنقطاع الكهرباء المزمن وسيارته التي خسرها بسبب حفر الشوارعِ وقاذوراتها.. ثم إن الدموعَ ترقرقت في عيني “أبو هادي” وهو يتذكّرُ كيف أن مستشفى المدينة لم يستطع علاج إبنه الصبي.. ثم تذكّرَ جاره الذي فقد أبنته الشابة في إنفجارٍ جبان قبل أسبوعين قرب سوق المدينة.. تذكّرَ كلَّ ذلك في ساعة زمنٍ صعب، فأخذَ نفسه الى الشارعِ سائلا كلَّ النَّاسِ لأن يسيروا معه محتجين، رافعين أستمارات الإنتخابات عاليا نحو السماء التي لن تنساهم أبداً…

6

أرتاح العم أبو ياسر وهو ينهي كتابةَ الصفحات الأخيرة من كتابهِ ” الديمقراطية في العراق”. كان يكره حُكم الحزب الواحد ويحبُ أن يشاركَ في إنتخابات مجلس النوّاب. في عام ٢٠٠٥ أصرَّ العمُ وهو في غربته على الذهابِ لمقرٍّ إنتخابي فُتِحَ للعراقيين في لندن. لامسَ قلبَهُ شعورٌ غريبٌ وهو يغمسُ أبهامه في الحبر البنفسجي. راحَ يتطلّعُ الى وجوه لم يكن قد شاهدها قبلا. العراقُ منذ ذاك الزمن ظلَّ يتشظى، والعم أبو ياسر بقي في غربته منكّبا على تأليف كتابهِ الجديد ” ضياعُ وطن”.

7

خالتي أم مصطفى إمرأة في السبعين من العمر..أتصلت بي قبل يومين لتشرح لي عن مشكلتها مع مرض السّكر وكيف أن المستشفى القريب على دارها في اليرموك لا يوفر لها حقن الأنسولين.. قبل أن تنهي أتصالها سألتني فيما اذا كُنْتُ قد سمعت عن الإنتخابات.. قلت لها نعم.. قالت وَمَنْ سيفوز برأيك؟ وهل تعرف أن قريبك السيد أحمد قد رشّح نفسه البارحة؟..راحت تسألني بطلاقة وأنا أنصتُ أليها دون أن أحار جوابا، في حين رحتُ أرتب لها شحنة أنسولين تداريها من هموم مرض مزمن..!

8

صديق ١: الذي سيشارك في الإنتخابات إما واهم أو منتفع…

صديق٢: أنا واهمٌ آذاً، ولكن أريد أن أثبت وجودي..

صديق٣: لن تفوز بلعبة اليانصيب دون شراء بطاقتك..

صديق٤: أشترينا كلنا بطائق يانصيب في الماضي ولم نفز!..

مسؤول عراقي بأمتياز: الانتخابات لن تؤجل ولابد لكم من أن تصوّتوا لي..!

صديق قديم: لا تتعبوا أنفسكم، فعطاشى العراق لن يغرّهمُ السرابُ…

9

المركز الإنتخابي بعيد….

قائمة التسّوق طويلة

لم ينم البارحة إلاّ ساعة واحدة

مرض القرحة عاوده ثانيةً

مزّقَ أستمارة الأنتخابات وراح في غيبوبة…!