قراءة في كتاب “معنى حياتي” للدكتور منذر الشاوي

كتب عامر هشام الصفار:

أتذكر جيدا ما كتبه الروائي المعروف نجيب محفوظ في رائعته “السّمان والخريف” ..:” لكنه سيصمد للمحنة، ويتألم .. ثم يحيا، وأخيرا سيجد للحياة معنى”.. وهو هذا المعنى الذي يخصّص له أستاذ القانون العراقي الدكتور منذر الشاوي جهده الجهيد فيصدر قبل ما يقرب من السنتين كتابه المعنون ب “معنى حياتي” مع أهداء الى الأب الذي أعطانا الحياة، والأم التي علّمتنا الحياة. ولم يكتف بذلك بل راح المؤلف يفسّر أكثر في ضرورة أن يكتب كل منا كتاب ذكرياته، ليبحث في المعنى وراء الحياة، فتقرأ في غلاف الكتاب الأخير : ” أخاطب ذاكرتي، فتخاطبني الأيام: أين أنت من حياة مضت؟ فأجيب: أنها في قلبي وكياني، ولن تزول عبر السنين والأيام. أيام تعارفت فيها وبها مع الحياة، فكانت دهشتي.”.
وقد أرتأى الأستاذ المؤلف الاّ أن ينوّه في صفحة أولى في الكتاب الى ” أن الحقيقة تبقى ترصد من يتخاذل عن ذكرها، كما تثير خيارا هو الموقف والمسؤولية تجاه الذات”. وهكذا يأتي كتاب الذكريات لمنذر الشاوي على ما يقرب من 200 صفحة من القطع المتوسط وعلى عشرة فصول كاملة كانت قد بدأت بفصل أول تحت عنوان ” نور الحياة” ولتنتهي بفصل أخير هو “أيام في حياة العراق السياسية” ليشعر القاريء بعد ذلك أن عند المؤلف الكثير مما لم يقله، فينتظر الجزء الثاني من معنى حياة أستاذ قانون، كان يوما وزيرا في الدولة العراقية للعدل والتعليم العالي، وفي فترة من تاريخ العراق عصيبة. life
البدايات الأولى
ويفصّل الكاتب عبر سرد سلس أنيق العبارة في بدايات الحياة الأولى وسنوات الطفولة، فيأخذ القاريء معه الى رحلة جميلة في عراق العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، حيث ولد الشاوي في بيت جده لأمه في بغداد الكرخ، وليكن بعد ذلك في مدينة العشّار بالبصرة الفيحاء حيث نقل والده هناك مديرا لشرطة البصرة، ليقضي الطفل مع أخوته السنوات الثلاث في دار قريب الى القشلة وهي مقر مديرية الشرطة في المدينة. وهكذا ظلّ المؤلف ينهج في فصول كتابه النهج الحكيم، فتراه في كل فصل يهتم كل الأهتمام بالمكان وبالناس فيصف ويستذكر ويقص ويسرد ويستنتج العبر والدروس ويحاكم أحداث تاريخ مضى ليفهم معنى الحياة، ومن ذلك:
1.المكان: البصرة: “ومن يعش في البصرة لا يمكن الا أن يعشقها، لا لمناظرها فحسب، بل وأيضا وربما أكثر، لخلق أهلها وأدبهم”. هذا ما يقوله نصا الكاتب منذر الشاوي.
واللقاء مع بغداد والدار الجديدة للعائلة في منطقة الصالحية، والمحلة وناسها، ودكاكينها وأصدقاء العمر والنشأة الأولى. فتقرأ في طبيعة المكان البغدادي: ” وأذا عدنا الى التقاطع وأتجهنا يمينا، فأننا نكون في شارع يمتد الى الشارع العام ذي الممرين في أحدهما دار الأذاعة، وفي الآخر مدرسة المنصور الأبتدائية. وفي الركن المنتهي لهذا الشارع، يوجد بيت رستم حيدر.”. ونظل في المكان، فأذا بالمدرسة التي يستذكرها المؤلف بتفصيل يحسد عليه تأخذ فصلا كاملا، فمن مدرسة باب السيف الأبتدائية الى مدرسة المنصور النموذجية، في نهايات العقد الثالث من القرن الماضي، “حيث يشاء القدر أن يجمعنا بباقة من الزملاء في مدرسة المنصور، ولا أوفى وأصدق من زمالة هذه السنين الأولى”.. حتى يتذكر أحدهم من أعزائه فيقول عنه أنه : هيكل رياض رأفت .. نلتقي ونفترق عبر السنين وحكم الزمن، تلك هي الحياة في معناها ولا معناها!.”. وفي أعداده الثقافي يمر الشاوي القدير على متوسطة الكرخ فيستذكر بتفصيل طبيعة الدراسة فيها ومعلميها، وكذا الأمر مع متوسطة الرصافة في بغداد والأعدادية المركزية المعروفة بمستوى معلميها الممتاز.
شخصيات عراقية
2. الشخصيات: وكأن المؤلف يقول لقارئه وهو يعرض بتفصيل لا يمّل وبأسهاب لا يخل، أن الأنسان في معنى من معاني الحياة عنده أنما لا يكون الاّ نتاج هذا التفاعل بين المكان وسكانه من الأقربين والأصحاب والمعلمين والأساتذة وحسب مراحل الحياة المختلفة .. لنقرأ ما يقوله الشاوي في وصفه الجميل لأحد أساتذته في المدرسة المتوسطة: ” وكان معلم الرياضيات في مدرسة المنصور صالح كرجي، يهودي الديانة، في الخمسين من العمر، بدين الجسم، متوسط القامة، ذو شعر أسود مسرّح الى الخلف، كفوءا ومقتدرا في أختصاصه، وشديد التعامل معنا، فكنا نخشاه ولا نحبه في قرارة أنفسنا”. ومن الشخصيات التي يكتب عنها المؤلف الشاوي ببعض من تفصيل هو الشاعر الشعبي والشخصية العراقية السياسية الصحفية المعروفة الملا عبود الكرخي. فقد جاور الكرخي دار الشاوي في بغداد، “وهكذا كان الملا عبود جارنا ومتقدما في السن.. ولا يوجد شعر على رأسه حيث كان يغطيه بسدارة من الجبن (الصوف) رمزا للوطنية، بأعتبار أن السدارة المصنوعة في أيطاليا لا تمت الى الوطنية بصلة، وللملا عبود عصا يحملها معه دائما عندما يخرج ويداعب بها من (يعجبه) من المارة”.
ومن الشخصيات التي كتب عنها الشاوي مستذكرا، السياسي العراقي ناصر الحاني، والذي كان مدرسا متدرّبا في متوسطة الكرخ حينذاك في نهاية الثلاثينيات في بغداد، فيقول المؤلف منذر الشاوي: ” وناصر الحاني متوسط القامة قريب الى السمار في سحنته، أسود الشعر، بطيء في مشيته، متزن في خطواته، هاديء الصوت وواثق. وسحرنا الحاني بسعة علمه بالأدب العربي وفتح أمامنا أفاقا واسعة وشجعنا كثيرا على قراءة الكتب الأدبية فتوسعت مداركنا”. وتراه يستذكر صادق الملائكة (والد الشاعرة العراقية المعروفة نازك الملائكة) حيث لا ينسى الشاوي مشية الملائكة الهادئة في المدرسة وسيكارة “المزبن” التي لا تفارق شفتيه”. ويستذكر أستاذ الفيزياء في الأعدادية، العراقي المعروف ناجي عبد الصاحب، فيقول عنه ” وناجي عبد الصاحب ترجع أصوله الى مدينة العمارة، منفتح، معتد بنفسه على الطريقة العراقية، كفوء في مادته، ومدرس للملك فيصل الثاني، جذاب في علميته وشعبيته في آن واحد”. ثم يستذكر الكاتب العراقي ذنون أيوب وهو قاص عراقي رائد، فيقول عنه” رأيته يدرّس الرياضيات في شعب أخرى من شعب السنة الثالثة في متوسطة الرصافة. كنا نهابه، بقامته الطويلة الممتلئة ووجهه الأحمر وقبعته الخضراء”.
وثم كان لابد من ذكر أساتذة الجامعة في العراق وعلى رأسهم عميد كلية الحقوق التي تخرّج منها الباحث عن معنى الحياة المؤلف الأستاذ منذر الشاوي، فكان الفصل الخاص عن الكلية وأساتذتها ومناهج التدريس فيها. ولعل ما كتبه المؤلف عن الأستاذ منير القاضي عميد الكلية حينها في أواسط الأربعينيات، يعتبر الدليل على الوفاء للرعيل الأول من علماء الوطن. يقول الشاوي ” والأستاذ منير القاضي درّسنا ثلاث سنوات متتالية “مجلة الأحكام العدلية”، ورغم تعقيد المجلة التي وضعت في العهد العثماني، فأن درسه الذي يلقيه دون نظر في كتاب أو ورقة، كان من أمتع الدروس عندنا، بفضل سيطرته التامة على الموضوع، وتبسيطه لنا بحيث نشعر معه وكأننا في خضم التعامل الحياتي بعيدا عن التعقيدات المصطلحية والشروح المعقدة لمجلة الأحكام العدلية”.
أن كتاب “معنى حياتي” لمؤلفه الدكتور منذر الشاوي لهو رحلة ممتعة في تاريخ الوطن العراقي بمدنه وقصباته ونواحيه وناسه وشخصياته وتاريخه وتقاليده وعاداته وقيمه. وكل ذلك مما يساعد القاريء في المسعى الذي سعى أليه المؤلف وهو أن يكون ما يكتبه ممثلا للعودة ” الى وجود الذات والى وعيها وحقيقتها”.

أقاصيص في عيد الميلاد

أقاصيص  في عيد  الميلادIMG_1006

كتب عامر هشام الصفّار

تساؤل:

ماذا سيقول الناس عني هذه اللحظة..وأنا أمشي لوحدي في شارع أكسفورد في لندن دون أن أستطيع مشاركة الناس فرحهم بأعياد الميلاد؟.. لماذا خرجت من الشقة أذن…؟ ولماذا وفرّت مبلغ المال لأشتري هدية فاخرة لحفيدي الوحيد في بغداد..؟.. أرفع رأسي لأنظر لزينة الشارع الذي أكتظ بالناس من كل حدب وصوب..أراه القمر في عليائه وقد راح يسألني .. ماذا جاء بك الى هنا…؟ أبتسمت له وأنا أذكر جيدا كيف كان القمر يضحك لي في سماء مدينتي الجميلة ذات يوم…

السحرة:

هل رأيتها جيدا..؟ سألني صديقي الذي معي الآن في سوق كرسمس في كنغستون قرب لندن… هل أعجبك شكلها..؟ ما رأيك بما تلبس..؟ وهل هي يا ترى وحيدة تبحث عن شريك حياة..؟!.. هبّت نسمة هواء بارد الآن.. في حين راحت خطواتي تسرع نحو خيمة كبيرة كتب عليها “هنا أرض السحرة”…

محاولة :

لم تنتبه الى أنه كان متخفيا قرب جدار القصر القريب الى سوق المدينة في كارديف.. جلست مع بقية صديقاتها وهي تلبس قبعة حمراء توسطتها ريشة طاووس.. راحت تغني بصوت عال نفسها الأغاني التي يسمعها كل يوم في “راديو القلب” كما يسمونه.. راحت تتبادل النكات مع الصديقات وتضحك بصوت مسموع.. ها هو الآن يفكر بالخطة الجديدة ليغزو قلبها من جديد…

ثقة:

تقول لنفسها أنها تستطيع أن تخيط ثوبا أجمل وهي تتفحص ماصنعته أياديهن في سوق عيد الميلاد بالمدينة.. محلات خشبية على شكل أكواخ صغيرة أصطفت على جانبي الشارع المؤدي الى مسرح المدينة الكبير… وها هي هذا المساء تملأ رأسها بأفكار جديدة ستجعلها تملأ وقت فراغها بأشياء تعيد الى نفسها الفرح الذي ما زالت روحها تنتظره….

شجرة الميلاد:

لم تصدق الخبر وهي تسمع عن أن أكبر شجرة عيد ميلاد قد وضعت هذه الأيام في حديقة الزوراء في بغداد قرب بيتها القديم…أهكذا كلما هاجر الناس تكبر الأشجار الوهمية؟.. تساءلت مع نفسها، وهي تتحضّر لمحاضرة ستلقيها الأسبوع المقبل عن رواية “يا مريم” العراقية…

مجموعة قصصية جديدة للكاتب المصري احمد الخميسي

صدر عن دار كيان للنشر والتوزيع المجموعة القصصية «أنا وأنت» للكاتب أحمد الخميسي، التي تضم خمس عشرة قصة تتنوع بين القصة القصيرة والطويلة، تدور بعض القصص عن علاقة الرجل بالمرأة، وما يربطهما، وما يفصلهما من عذابات روحية، ويعود بعضها الآخر إلى تناول ظاهرة أطفال الشوارع وقسوة أنظمة الحكم وعلاقة الوالد بابنته حين تقبل على الزواج.1
المجموعة تضم عدة قصص طويلة مثل «بيت جدي» الأقرب لعالم ذكريات الطفولة، وأخرى قصيرة مثل «مرآة»، وهناك أيضا قصة واحدة تتسم بطابع فكاهي هي «بالميرو».

الشاعر الشيخ محمد رضا الشبيبي.. في ذكرى رحيله الخمسين

كتب عامر هشام الصفّار:

حرصاًّ من الجمعية العربية للثقافة في مقاطعة ويلز /بريطانيا على أستلهام العبر والدروس من تاريخ الشخصيات الفكرية والأدبية الثقافية العربية، عقدت الجمعية يوم السبت الموافق العاشر من شهر تشرين أول /أكتوبر 2015 ندوتها الخاصة عن الشاعر الشيخ العلاّمة الوزير محمد رضا الشبيبي بمناسبة ذكرى وفاته الخمسين (1965). وقد بدأت الندوة التي حضرها جمهور غفير متعطش للثقافة وفعالياتها، بأستعراض موجز لأهم الأحداث الثقافية عربيا وعالميا حيث تمت دعوة الحاضرين للتفاعل مع الوسط الثقافي البريطاني ونتاجاته والأنفتاح على الفعاليات الثقافية الفنية  المحلية وهي كثيرة.10521328_893990970694667_233598985431387867_n[1]

وقد حاضر في الندوة المخصّصة للعلاّمة الشبيبي الدكتور منوّر المظّفر، سبط الشيخ ومن أهله مما وفّر له مادة تاريخية وثائقية مهمة لم يتناولها الأعلام مسبقا.  وقد بدأ المحاضر حديثه بالقول أن الشيخ محمد رضا الشبيبي ولد في مدينة النجف الأشرف عام 1889 ودرس في مدارسها الدينية وكتاتيبها، كما نشأ في ظلّ عائلة تحب الشعر والأدب لدرجة أنها كانت تتراسل وتتخاطب مع أفرادها شعرا. ومما يذكر هنا أن والد الشيخ الشبيبي كان نفسه شاعرا وله ديوان معروف بأسم “اللؤلؤ المنثور على صدور الدهور”. ويذكر الشيخ محمد رضا الشبيبي عن والده في مؤلّف له أن للوالد مجلس أدب : ” ولم يزل ناديه من أبهج نوادي الأدب في النجف، تلقى فيه المحاضرات النافعة، وتجري فيه المناظرات المفيدة، والمذاكرات العلمية فهو مجتمع الطبقة العليا من المهرة الذين يفعل أحاديثهم في الألباب مالا تفعل السحرة”. وقد تناول المحاضر بعد ذلك السيرة الوطنية للشيخ الشبيبي ودوره في ثورة العشرين ضد المحتل البريطاني حينذاك، كما كان حاضرا معركة الشعيبة والتي حدثت عام 1915 بين البريطانيين والأتراك حول مدينة البصرة العراقية. ويذكر التاريخ أن الشيخ الشبيبي كان عام 1917 قد وقف أمام الحاكم البريطاني للعراق قائلا “أن من حق العراقيين أن تتألف لهم حكومة وطنية مستقلة أستقلالا تاما”. 12144939_893991050694659_8983037841014907324_n[1]وقد أستفاض المحاضر الدكتور المظفر في سيرة الشبيبي الفكرية الأدبية فذكر أنه كان من الزاهدين بالمناصب الحكومية حيث كان رجلا نزيها وحكيما ولم يقبل يوما بمنصب في الدولة أذا ما أستشف منه عدم تمكنه من أداء الواجب من خلاله على خير ما يكون. وهكذا كانت له رئاسته لمجلس الأعيان العراقي عام 1935 ومجلس النواب عام 1944، كما أختير وزيرا ولو لفترات تاريخ قصيرة حيث كان وزيرا للمعارف كما أنتخب رئيسا للمجمع العلمي العراقي وكان عضو المجمع العلمي في دمشق والمجمع اللغوي في القاهرة أضافة الى نادي القلم العراقي.alshbibi

ومن خلال عرضه لمقتنياته الخاصة من صور شاعرنا الشيخ الشبيبي أستعرض المظّفر مراحل حياة الشاعر الشيخ وصولا الى العهد الجمهوري بعد ثورة تموز 1958 في العراق حيث كان للشيخ مكانته الأجتماعية والثقافية الأدبية المتميزة والمهمة حتى أذا توفاه الله بعد عودة له من سفرته الى القدس العربية شيعّته جماهير العراق في مسيرات حافلة كما شيّعه الكثيرون من الأدباء والشعراء وكتبوا القصائد التأبينية بحق الراحل الكبير.

الشبيبي .. شاعرا

يبقى الأنسان ابن ظرفه المحيط وبيئته الخاصة التي يعيش في كنفها ويستجيب لتحدياتها. فالشاعر أنسان حسّاس يتفاعل مع الحياة ويستجيب. ثم أن اللغة الشعرية ما هي الاّ تراكيب مكونة من كلمات مصنوعة بأنساق معينة، وهي على ذلك فن لغوي لأنتاج نوع من الوعي لا تثيره فينا مشاهدات العالم اليومية.. وعليه فأن الشعر هو فن اللغة، فبمقدار ما يتميّز الشاعر في خلق لغته الخاصة بمقدار ما يتجلى أبداعه وفنه الذي به يعرف. alshabibi booksوعليه فالبناء الشعري ما هو الاّ بناء لغوي يعتمد على أمكانات اللغة الصوتية والوجدانية والتصويرية والأيحائية. وقد عاصر شاعرنا صاحب الذكرى محمد رضا الشبيبي الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي (توفي عام 1936) والقائل: “ليكن ميزان الجديد هو ما هزّ النفوس وعبّر عن الشعور، وميزان القديم كل ما مجّه السمع وعافته النفس مما لا علاقة له بالشعور”. يقول الزهاوي : أذا الشعر لم يهززك عند سماعه….فليس خليقا أن يقال له شعر، كما قال يا شعر ثب وتجدّد… وعلى القديم تمرّد. وأستنادا على ما مضى تم التعريف في الأمسية الثقافية بشعر شاعرنا الكبير الشيخ الشبيبي والذي وثّق من خلال ديوانه الصادر عام 1940 أحداث الوطن الجسام وعبّر عن موقفه منها خير تعبير فكان المعلّم الموجّه والمصلح الثائر والحكيم الأنسان، العروبي الذي لم يفرّق بين أبناء وطنه في تعامله وأتجاه فكره وأدبه. يقول الشبيبي في قصيدة له معروفة كانت قد نشرت عام 1920 بعنوان ” رجال الغد” :

أنتمُ   متعّتمُ      بالسؤددِّ                يا شباب اليوم أشياخ الغد

يا شبابا درسوا فأجتهدوا               لينالوا    غاية    المجتهد

وعدَ اللهُ بكم    أوطانكم                 ولقد آن نجاز     الموعد

أنتمُ جيلٌ جديد   خُلقوا                  لعصور مقبلات   جدد

كوّنوا الوحدة لا تفسخها                نزعات الرأي والمعتقد

أنا بايعت على أن لا أرى            فرقةًّ، هاكمْ على هذا يدي

عُقد العالم شتى فأحصروا            همّكم في حلّ تلك العقد

لتكن   آمالكم     واضعة             نصب عينيها حياة الأبد

لتعش أفكاركم   مبدعة              دأبها أيجاد ما لم   تجد

وقد قرأ الدكتور المحاضر منوّر المظفر قصائد أخرى للشبيبي ومنها تلك التي نشرت عام 1918 بعنوان ” دمشق وبغداد”:

ماذا بنا وبذي الديار      يراد؟                فُقِدت دمشق وقبلُها بغدادُ

من موطن الميلاد قامت نزّعا                 خيل لهنّ بجلّق    ميعاد

وردت مياه الرافدين مغيرة                   شقر من القبّ البطون وراد

هُجُنٌ طُردن من الجياد كرائما               عربية    فكأنهن     جياد

(بردى) وأودية (الفرات) و(دجلة)           (والنيل) غضّ بمائك الورّاد

حال العلوج من الأحامر بيننا               وتعذّر الأصدار     والأيراد

وللشبيبي قصيدة بعنوان “أغنية الروح” جاء فيها:

شغل السمير جوارحي، وشغلتم             روحي، فكنتم دونه سمارّها

ما شأن جثماني؟ وما أوطاره؟              الروحُ بالغةٌ بكم اوطارَها

أنىّ تهش الى حديث محدث           روح تكاشف مثلكم أسرارها

نلتم حقيقتها التي خلُصت لكم         طوعا، ونال سواكمُ أثارها

ما آثرتكم بالولوع،    وأنما          جهل الورى وعرفتمُ مقدارها

عيّ اللسان لأن روحك أوقعت      ألحانها، وتناشدت أشعارها

العود والوتر الفصيح لأنفس         جسَّ الهوى بمروره أوتارها

خانتك في حجب الغرام ضمائر    كان الغرام-ولا يزال- شعارَها

وفي نهاية الأمسية الثقافية أجاب المحاضر المظّفر عن أسئلة الحضور فيما يخص مسيرة الشاعر الشبيبي حيث ذكر أن عائلة الشاعر تعّد لأصدار طبعة ثانية من ديوان شعر الشبيبي حيث ستضاف أليها مجموعة جديدة من قصائده تلك التي نُشرت ولم يحتويها ديوانه الصادر عام 1940، أضافة الى تضمين الديوان مجموعة من الصور الوثائقية التاريخية التي تأرشف لفترة مهمة من حياة الوطن العراق نفسه من نواحي الفكر والسياسة والأدب.

شخصيات في حياتي: الأستاذ الدكتور زكي الملاّح

zaki almallahzaki almallah1كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:
شخصيات في حياتي
الدكتور زكي الملاّح

يسعى الطبيب عبر حياته العملية الى تطوير خبراته ومهاراته عبر مواصلة البحث والدراسة بعد سنوات التخرج والحصول على شهادة عليا تؤهله لممارسة دوره الأنساني كأستشاري طبيب. ولما كنت مدرسا مساعدا وطبيب علم الأمراض أو الباثولوجي في كلية طب جامعة بغداد في عام 1982 فكان من الضروري أن أسعى للحصول على مقعد دراسي في هذا العلم وفي جامعتي الأم أذا أمكن أو في أية جامعة عريقة أخرى. وجاءت الفرصة في عام 1985 حيث أفتتحت جامعة الموصل وعبر كليتها الطبية دراسة الماجستير في علم الأمراض، فما كان عليّ الاّ تقديم أوراقي الخاصة بطلب الدراسة وأنتظار رد عمادة الكلية المسؤولة، والتي ستشرف على دراستي العليا لمدة سنتين. ولا يخفى على القاريء أن العراق في تلكم الفترة الزمنية كان في حالة حرب حيث كان ظروف الدراسات العليا صعبة وغير يسيرة. فأذا بي في ذلك العام أتعرّف على الأستاذ الفاضل المرحوم الدكتور زكي الملاّح عميد كلية الطب في جامعة الموصل حينذاك، حيث قررّت عمادة الكلية حينها أن تقابلني لغرض قبولي في فرع علم الأمراض طالب ماستر. وهكذا سنحت لي الفرصة لأن أتعرف على الأستاذ الملاح بشكل أقرب وأن أتعرف على المدينة الحدباء أم الربيعين وأعيش فيها خاصة وأني لم أكن قد زرتها من قبل. وقد كان العميد الأستاذ الملاح طبيبا معروفا في المدينة الموصل من خلال أختصاصه في الطب الباطني العام وخاصة منه ما يتعلق بأمراض الجهاز التنفسي، حيث كان قد حصل على شهادة عليا من جامعة كارديف في مقاطعة ويلز البريطانية عام 1961 وذلك في طب الجهاز التنفسي فوفق فيه علما وأختصاصا.

كما وأصبح بعد ذلك في أواخر الستينيات من قرننا الماضي عضوا في الكلية الملكية البريطانية للأطباء مما مكنّه من تبوأ مكانة علمية مرموقه في مدينته الأم. وقد كان الدكتور زكي الملاح محاضرا وعلما في الطب مجّدا وقريبا على طلبته كما يحرص هو أن يشعرك. وفي الوقت نفسه تراه أداريا ناجحا بل ومتميزا حتى أنه عندما ألتقيت به وهو العميد للكلية الطبية في جامعة الموصل عام 1985 وجدته مستبشرا خيرا بأن فروع كليته العلمية ستستطيع خلال سنوات قلائل من أفتتاح دراسات عليا فيها جميعا، حيث أن عدد الأطباء العائدين من خارج العراق ومن أبناء مدينة الموصل وخريجي جامعتها قد بدأ بالأزدياد رغم ظروف الحرب حينذاك. ومن المعروف أن الأستاذ الملاح قد أستمر عميدا لكلية الطب لمدة تقرب من عشر سنوات وللفترة ما بين 1982-1992 حيث توفاه الله.
وقد أتاحت لي فرصة الدراسات العليا في كلية الطب بجامعة الموصل التعرّف على أطباء المدينة من خلال طبيعة الدراسة والبحث الذي قمت به حينها، والذي كان حول الأصابة بسرطان القولون حيث أشرف على البحث وقتذاك الدكتور نوئيل الصقال وهو من أطباء علم الأمراض أو الباثولوجي المعروفين في الموصل. كما تعرّفت عن قرب على أطباء فرع علم الأمراض في جامعة الموصل فكان منهم الدكاترة الزملاء: قاسم سعيد، حذيفة الديوه جي، بدور أرحيم والقدير الدكتور عبد الرحمن الحسو والذي كان رئيسا لفرع الباثولوجي حينذاك، وفارس يونس بشير والأستاذ الراحل عبد الوهاب الجلبي الذي كان يقوم بتدريس مادة الطب العدلي.
لقد تعلمت الكثير من القدير الأستاذ زكي الملاح فقد كان رجل العلم الباحث المجتهد والذي يسعى لأن تكون كلية الطب في أبهى وأفضل صورة من خلال جهود هيئة التدريس فيها والتعاون مع الكليات الطبية العالمية أضافة بالطبع الى التعاون مع الكليات الطبية الأخرى في الوطن. وهكذا كان الأستاذ الملاّح حريصا على زيادة مساهمة كلية طب الموصل في المؤتمرات الطبية المحلية والعالمية. وقد علمت في عام 1988 أن الدكتور الملاّح قد أختير كأفضل عميد لكلية طب عراقية حينها بعد تقييم من قبل خبراء في وزارة التعليم العالي حينها.

عن الفنان الدكتور خالد القصاب

خصّ الدكتور عامر هشام الصفّار  موقع أقلام بشرائح محاضرته الأخيرة عن الأستاذ الدكتور الجرا ح الفنان خالد القصاب..وقد فصلّت المحاضرة في نشأة الدكتور القصاب وحياته وأسلوبه الفني.

خالد القصابlecture1

عبد الجليل البرزنجي.. الطبيب والأعلامي في ذمة الخلود

ABDUL jALEEL

كتب الدكتور عامر هشام الصفّار:

أنتقل الى جوار ربه يوم الرابع من شهر شباط/فبراير 2015 أستاذ طب الأطفال العراقي الدكتور عبد الجليل البرزنجي. وقد عرفته في كلية طب جامعة بغداد في نهاية السبعينيات من قرننا الماضي طبيبا للأطفال فاضلا، حريصا على تدريس الطب لطلابه الذين سعوا للأستفادة من خبراته العملية في مجال كان ولا يزال العراق بأمسّ الحاجة أليه.

ولد الدكتور عبد الجليل خليل البرزنجي في الرابع من نيسان /أبريل عام 1932 في مدينة بغداد. وقد تدرّج في دراسته حيث تخرّج من كلية الطب بجامعة أنقره التركية وعمل بعد ذلك في مستشفى كندر في مدينة برلين الألمانية حيث أكمل دراسة الماستر الطبية. وفي عام 1966 زار المملكة المتحدة وعمل كطبيب مقيم دوري في أحد مستشفيات الأطفال فيها وذلك عام 1967/1968، كما عمل خلال نفس الفترة في مستشفى السنت ماري في لندن حيث ألتقى بزوجته ساندرا. وقد أكمل المرحوم البرزنجي دراسة الدبلوم في طب الأطفال حينذاك ليكون مؤهلا للعمل في واحدة من كبريات مستشفيات الأطفال في بريطانيا تلك هي مستشفى:

Great Ormond Street Hospital

وقد كان عمله الطبي وقتذاك بأشراف الأستاذ البريطاني بونهام كارتر، طبيب الأطفال المعروف عالميا. كما عمل الدكتور البرزنجي كرئيس الأطباء المقيمين في طب الأطفال في مستشفى شمال مدينة شفيلد الأنكليزية وذلك للأعوام بين 1969-1972. وقد توضحت عنده الرغبة في التثقيف الصحي لعامة الناس وذلك من خلال مشاركته في برنامج للتلفزيون البريطاني في بداية السبعينيات كان بعنوان عالم الغد.

وقرّر الدكتور البرزنجي أن يصحب عائلته ويعود للوطن الأم عام 1972 حيث عيّن حينذاك طبيبا للأطفال في مدينة الطب وعضوا في قسم طب الأطفال في كلية الطب بجامعة بغداد. وقد غادر العراق لأتمام دراسة الدكتوراه في طب الأطفال في لندن وذلك عام 1974 حيث أنهى دراسته في 3 سنوات وطلع ببحث متميز دار حول حول وفيات الأطفال الرضع المفاجأة. وبعد أن أنهى دراسته وحاز على شهادة الدكتوراه عاد الى العراق ومنصبه العلمي السريري وحتى عام 2001 حيث تقاعد من عمله.

وقد عرف عن الدكتور الأستاذ عبد الجليل البرزنجي حبه وموهبته في الرياضة وسباق الركض السريع حيث كان يتفوق على الكثيرين. كما كان ينظّم السباقات الرياضية لطلبة وأساتذة الكلية الطبية وله خبرته وباعه الطويل في ذلك.

أضافة الى خبرته في مجال ألقاء المحاضرات العلمية على طلبة الدراسات الأولية والعليا في كلية طب بغداد، تميز الدكتور البرزنجي بقابليته في الأعلام العلمي ونشر المعرفة والثقافة الصحية بين أوساط المجتمع من خلال شاشة التلفزيون. وحول ذلك أستطاع من أقناع أدارة تلفزيون بغداد في بداية الثمانينيات من قرننا الماضي ليقوم بأعداد وتقديم برنامج الأسرة والطفل الأسبوعي التلفزيوني والذي كان له دوره المهم في تعليم الأم العراقية على العادات الصحية الأيجابية في رعاية الطفل وفي مختلف المراحل العمرية.

لقد توفي الدكتور عبد الجليل البرزنجي بين أهله في ليدز البريطانية بعد أصابته بمرض الجلطة الدماغية وهو بعمر ال82 عاما. قال عنه الأستاذ الجرّاح عبد الهادي الخليلي وهو حاليا المستشار الثقافي العراقي في واشنطن:

“تميز جليل بخلق عال وحب للمريض والابتسامة الدائمة على محياه وحبه للرياضة وتميزه بها ورغبته الصادقة في تثقيف الامهات من خلال التلفزيون والإذاعة.

يتساقط الأحبة في ميدان الحياة ممن رعى الوطن بكل طاقاته بتفان واخلاص من خلال الطب وغيره،   وينتقلوا الى الرفيق الأعلى ولكن بعيدا عن الوطن الحبيب، غرباء حتى لحظة مغادرتهم الحياة وفي القلب حسرة وفي الحلق غصة من فراق تراب الوطن الحبيب. ولكن هذا هو الزمن يقسو كما يحلو له”

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

“العيون السود” لميسلون هادي بين تلقائية السرد ووحدة المكان

كتب عامر هشام الصفّار:

eye1تعتبر الروائية والصحفية العراقية ميسلون هادي من صاحبات القلم العربيات العراقيات اللواتي لهن خبرتهن في مجال السرد وعلى مدى زمني يقرب من الأربعين عاما. فقد أصدرت الروائية ست روايات، وعددا من مجاميع القصص القصيرة، كما كان لها مساهماتها في المقالة الأدبية والكتابة في أدب الأطفال. وقد تابع النقد الأدبي نتاجات الروائية ميسلون هادي وترشّحت روايتها “شاي العروس” لجائزة في الكتاب العربي عام ٢٠١١ كما فازت لها رواية بعنوان ” نبوءة فرعون”. وعليه فلا بد وأنتَ تقرأ كل هذا من أن تتذكر الكاتبات الروائيات، عراقيا وعربيا، من اللواتي ساهمن في رفد المنجز السردي بما يغنيه، ومنهن: غادة السمّان وعالية ممدوح والمرحومة رضوى عاشور وحنان الشيخ ولطفية الدليمي وميرال الطحاوي وأحلام مستغانمي ولينا الحسن ورجاء عالم وهدية حسين وغيرهن. ولابد من أن تتذكّر ما قالته يوما الكاتبة العالمية التشيلية الأصل أيزابيل الليندي من أن “على المرأة أن تبذل جهدا مضاعفا ثلاث مرات عن الرجل كي تحصل على نصف الأحترام”، لتدرك صعوبة المسار ووعورة الطريق في الوصول الى التأثير المطلوب من خلال عملية الأبداع.

العيون السود..حكايات زقاق بغدادي

لقد أصدرت الروائية ميسلون هادي رواية ” العيون السود” عام ٢٠٠٢ لتنهيها توقيعا تحت تأريخ يقول بأنها كتبت في بغداد في شباط/فبراير عام ١٩٩٨ وكملت بشكلها النهائي في معان الأردن عام ٢٠٠٠، ولتكون على ٢٦٥ صفحة من الحجم المتوسط بغلاف لوجه فتاة جميلة بشعر أسود منسدل على الكتفين، وعيون سود واسعة، تكاد تقول من خلالها أنها هي الشخصية الرئيسة يمامة، لولا أن الكاتبة وصفت هذه اليمامة ذات الخامسة والثلاثين عاما بأنها ذات شعر فاحم السواد، وعيناها زرقاوان تبرقان كالبلّور عندما تنعكس عليهما أشعة الشمس”. وهي بالتالي قسّمت الرواية الى عشرة فصول معنونة وغير مرقّمة، متبعة زمنا خطياً بوحدة زمنية مستمرة متواصلة بأنسيابية دون أنقطاع، لتصل الى نهايتها التي يبدو أنها قد خطّطت لها لتبقيها مفتوحة على كل أحتمالات أحداث يضج بها زقاق بغدادي، لا يختلف كثيرا عن أي زقاق عراقي آخر في تلكم الفترة الزمنية التي تدور أحداث الرواية فيها، وهي فترة حصار العراق أقتصاديا في التسعينيات من قرننا الماضي. ثم أن الساردة العليمة وهي تستعرض شخصيات زقاقها هذا مستعملة ضمير الغائب الذي يحرّرها من قيود القص، تروي عن شخصيتها الرئيسة يمامة لتقول بأنها رسامة تحاول أن تعيش مما ترسمه بعد أن تركت التعليم، ثم أن لها أخوين هاجرا خارج العراق بعد أن ماتت الأم وتوفي الأب كمدا على موت أبن له آخر. ويبدو أن ليمامة حبيب من أهل هذا الزقاق هو حازم، هذا الذي تركها وهاجر فظلّت كلما ألتقت بجارها الجديد مثنى تذكر حازما: ” إن له جبهة حازم النظيفة العالية وعينيه السوداوين الصغيرتين..”. وتتواصل الحكاية لنتعرف على الخالة هنوة تلك التي ظلّت على مدى ثلاثين عاما وحتى مماتها تسكن هذا الزقاق وتعرف عنه تفاصيل بيوتاته وأسرارها. وكيف لا وهي صاحبة قراءة الطالع في فناجين القهوة حيث قالت يوما لليمامة من “أنك ستتزوجين من رجل مجنون”.

ثم أن اليمامة التي تفصّل الساردة في تفاصيل لوحاتها ورأي صديقها حسن الخطّاط فيها وهو الجار الذي كان يمكن له أن يصير ناقدا تشكيليا يوما، لابد لها من أن تكون الشاهد على عودة أسير الحرب (نسبة الى الحرب العراقية الأيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨) جمال الى خطيبته جنان والتي ظلّت صابرة منتظرة حتى عودته لتصاب بصدمة رؤيتها للأسير العائد الذي ” لم يعد هو نفسه فراح يبذل المجهود الخارق ليعود كما كان…كما تريده”. كما أن يمامة هي الشاهدة على غرائبيات الزقاق البغدادي حيث أجهاض أجنة

( كما في حالة شخصية أخرى بأسم يمامة أجهضت جنينها بعد غارة جوية أدت لتهشم زجاج البيت والمعاناة من آلام مخاض في غير موعده)، ومرض الجار وحش البحر كاظم الذي لم يكن يضيع أية فرصة سانحة للتهكم على الأشتراكية: هيّه هاي أشتراكية؟، وعودة حياة أبنة هنوة لتبحث عن إرث مفقود فتسرق ذهب أمها المتوفية وتُقطع كفها خلال عملية السرقة لتتعالى النداءات “أين القاتل وأين المقتول؟..”. وهي خاتمة الرواية “العيون السود” التي يأتي فصلها الأخير بعنوان “جموع لا مفرد لها” ليجمع الدلائل على المقصود فيكون كف سارقة الذهب  الذي رُمي به الى الخرابة حدثا متزامنا مع السؤال ” ترى هل ستضرب أمريكا يوم غد؟!!” كناية عن القصف الجوي لبغداد في عواصف الصحراء التي نالت من الوطن. كما أن يمامة الرواية سترسم في لوحتها الأخيرة كل أهل زقاقها (الوطن ) بقاماتهم الفارعة وأجسادهم النحيلة “كأنهم  أعواد بخور” تتمنى هي أن يُنظر الى أبطالها بعد عشرات السنين (المستقبل) ليكون “حدس الرائي شيئا آخر”..

العيون السود وتلقائية السرد

ومما يحسب للروائية ميسلون هادي هو قدرتها على السرد التلقائي بلغة سهلة غير مركبة، تشتغل عليها بتروٍ وصفاء بال لتجعل القاريء يعيش اجواء الزقاق البغدادي القريب الى “شارع الخلفاء من جهة الشورجة الى سوق العربي، ومن هناك الى شارع الرشيد، ومن شارع الرشيد الى شارع المستنصر، ومن شارع المستنصر الى نهر دجلة..” وكأنها هنا وفي أكثر من موقع في فصول الرواية تحرص على حجز موقع للقاريء على بساط الريح وهو يمخر عباب المدينة.. ثم ان ميسلون هادي لا تستخدم الوصف الأنشائي كثيراً فالأحداث في زقاقها كثيرة وما لديها من حكايات ستسّود صفحات وصفحات. غير أني وجدت الساردة حريصة على أطلاع قاريء “العيون السود” وهو ما أحسنت فيه، على أجواء بغداد في ظل حصار فترة التسعينيات الجائر فكان الحديث عن فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، وكانت الأشارة في أكثر من موقع الى انقطاع الكهرباء داعية الى ان ” يرفع الله هذه الغمّة عن أهل العراق”..كما لم تستخدم تقنية الحوار كثيرا ولم تشغل بال القاريء الذي تهتم به الى أقصى حد، بالطروحات الفكرية السياسية الأيديولوجية مما صار يحيط بالأنسان العربي عبر وسائل الأعلام والفضائيات ويصيبه بالغثيان والدوار .

زقاق بغداد وزقاق المدق

ثم أنه زمن العيون السود كما أرادته الساردة ولكنها جاءت بشخصيتها الرئيسة يمامة (وللأسم دلالة) ذات لون قزحية العين الزرقاء لتكون هذه الشخصية خارج هذا الزمن الذي تتمنى الرواية من خلاله لمدينتها وزقاقها مستقبلا أفضل لم يتحقق وللأسف. وبذلك تتجلى أهمية  الرواية وتشخيصها لأمراض زقاق بغدادي عاش أهله فترة عصيبة من فترات زمن مرَّ به الوطن كله. وهنا لابد من الأشارة الى روايات عربية أخرى تناولت حكايات أزقة عربية. ولابد أن يأتي في البال حالا رواية الراحل نجيب محفوظ “زقاق المدق” والصادرة عام ١٩٤٧ اي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لتفصّل في حال زقاق قاهري (نسبة الى القاهرة ) إبان فترة الأحتلال البريطاني وتأثير كل ذلك على حياة المصريين القاهريين. وكلنا نتذكر شخصيات زقاق المدق المحفوظية، فتلك حميدة الشخصية الرئيسة والفتاة البسيطة التي تصف زقاق المدق بزقاق العدم تنفر من حياة الفقر لتنتهي بين أحضان جنود الأحتلال. ولا ينسى القاريء العربي شخصيات زيطة والمعلم كرشة تاجر المخدرات وشخصية الشيخ درويش مما أبدع في رسمها محفوظ. وعلى ذلك تتعدد حالات وحكايات ووقائع الزقاق العربي شرقا وغربا ليكون الحاضر أصعب بكثير من ماضي مدن كانت على الأقل موجودة ببيوتها وأسواقها وناسها وليس كما هو الحال حاضرا حيث أصبح الزقاق عند بعض العرب مغيّبا، ممزقا بل جثة هامدة.

رواية “نازك خانم” بين شعرية السرد وتطرّف الشخصية

nazek

كتب عامر هشام الصفّار:

عُرف عن الروائية السورية الصحفية لينا هويان الحسن ولعها وأهتمامها برواية النموذج النسائي البدوي والذي قد تتوافر فيه بعض صفات ومقومات السرد الناجح. وعليه أصدرت الحسن خمس روايات سابقة كان محورها شخصيات نسائية بدوية تمتح من واقع، عرفته بيئةً وتقاليد، الروائية نفسها حيث ولدت بين أحضانه. وفي مسيرة البحث الذي لا يكلّ منه القلم تهتدي الحسن الى شخصية تقول عنها أن لابد هنالك بين الدمشقيين من يتذكّرها، فهي الجميلة نازك خانم تلك التي جلست عارية أمام بيكاسو الفنان، وكانت ضمن العارضات العشر الأوائل اللواتي ألبسهن أيف سان لوران الفرنسي بدلة السموكينغ لأول مرة في التاريخ. وعلى ذلك تحددّت معالم رواية لينا الحسن الجديدة والتي أخذت من أسم شخصيتها الرئيسة عنوانا لها، كما أخذ غلاف الرواية صورة فوتغرافية لسيدة حسناء بلباسها الأحمر الغامق مع كلبها المدلَّل، مما يشي بعدم مألوفية الشخصية للقاريء العربي، وهو بالتحديد ما قصدت أليه الروائية.

ماذا تريد نازك خانم؟

ولابد للقاريء في رواية “نازك خانم” من أن يسأل عن السر وراء الأهتمام سردا ذاتيا من خلال ضمير الغائب بلسان الراوي العليم بشخصية نسائية غير مستقرة عاطفيا، رغم كونها تحمل من صفات الجمال ما يجعلها قريبة الى الأسطورة؟. فهي أي نازك المضيئة اللامعة والأسم على المسمى، شهاب نزل من السماء ووصلها بسلام، لم يحترق كبقية الشهب لهذا من حقه البقاء وإشعال نار الغيرة والفتنة والحب. فعلى ذلك تكون هذه السيدة التي تركت مدينتها الأولى دمشق وهي صبية لتدرس القانون في السوربون ولا تكمل دراستها وتعمل عارضة أزياء وتدخل أوساط الفن والثقافة في فرنسا، مستعدة لأثارة مشاعر الغيرة وفتنة الوله والعلاقة مع الرجل ولكن على أرض الوطن الأول والمدينة الأولى دمشق. وهكذا تصل دمشق وهي بعمر ال ٣٩ عاما ( يذكرني الرقم برائعة هيتشكوك السينمائية ال ٣٩ عتبة) لتدخل في علاقة حب جارف تنتهي بزواج غير متكافئ أو غير متجانس فكريا ينتهي مأساويا بقتل نازك خانم على يد زوجها كمال بيك بعد أن صار لها الخيار بين الورد الأحمر وطلقة المسدس. ولا يفوت الروائية من أن تقدّم لفصول روايتها بأقوال لحكماء أو لشعراء أو لفلاسفة تضعها بين قوسين، لتشير تلميحا الى ما سيقرأه المتابع لسيرة نازك خانم. ومن ذلك ما أقتبسته: ( لحياة راعٍ بمثل هذا الجمال، لابد من ذئاب) لريلكه، وقول بابلو نيرودا ( ما أطول الدرب، يا حبيبتي، لبلوغ قبلة)، أو قول نيتشه ( هذا ما يخلص من كل الألم ولَك الأختيار: الموت العاجل، أو الحب البطيء).  وهنا لابد أذن من اضطراب شخصية وعدم أستقرار في سلوكية الخانم وما يحكم منهجها في الحياة، لدرجة تجعل من القاريء المتابع مندهشا غير مصدق أحيانا لما يرسمه قلم الساردة عن نازك خانم، تلك التي صرفت من حياتها عشرين عاما في فرنسا ودخلت في علاقات غرامية ومارست هواياتها في فن وأدب، وصالت وجالت في ميادين أهل الثقافة الفرنسيين، وعقدت معهم الحوارات مستغلة الجمال دون الذكاء، وعملت في التصوير الفوتغرافي والتمثيل لتستقر عارضة أزياء مثيرة. وهي لعبة السرد ذاتها في البحث عن الأستثناء في الشخصية وتأطير ذلك بالخيالي الروائي لشّد القاريء تحقيقا لهدف.

تطرّف الشخصية بين الخدعة والوهم

على أن قاريء رواية ” نازك خانم” لابد له من أن يستدّل على اللامعقولية في بعض أحداثها، مما يترك الأنطباع بأن الشخصية المتطرّفة قد بلغت درجة من ممارسة الوهم حتى يصبح ذلك من المألوف غير المستغرب. وعلى ذلك تجد هذه الخانم وهي في فرنسا تقع بين أحضان الأيراني الثري مجيب شان بعد أستدراجه وهو العاشق لغيرها (وسيلة بوسيس) التي تنتهي حياتها بطلقة من ثري مغربي عاجلت رأسها خطأً. وثراء مجيب هذا من نفطه أو نفط بلاده حيث تذهب الأموال هدرا على متعه بين نساء وقصر وحدائق غنّاء، حتى أنه اذا خسر في مغامرة معينة، يعود لأوهامه فيقنع النفس ويخدعها بأنه قروي ليس من الأثرياء. ولكن ماذا عن أوهام وتطرّف الشخصية الرئيسة في الرواية ” نازك خانم ” نفسها؟. ذلك التطرّف الذي قد يعود سببه الى عقدة زوجة الأب التي عانت منها نازك في بداية حياتها في دمشق، حيث دخلت في علاقة عاطفية وهي بسن ال١٧ عاما مع محام قادم من باريس، فوصفتها زوجة أبيها بالوقحة الفاجرة٠

ومن معالم تطرّف الشخصية:

٠ شاركت نازك خانم الثري شان الفراش في فرنسا لمدة عشر سنوات تشرب عصير البرتقال وتقرأ مجلتها المفضلة ماري كلير.

٠ عشقت أحد كتّاب اليسار الفرنسيين وتركته لأنه جلب لها وردة حمراء حيث رأت ذلك أمرا سخيفا يتداوله العشّاق فيما بينهم٠

٠ أيمانها بالنزوات حيث تقول نازك ” لابد من النزوات، فلنكن شيطانيين قليلا”. وتقول ” الأستقامة تحد الحياة، بل وأكثر من ذلك، ستضع بوجهنا الحواجز”.

٠ زواجها من الثري السوري كمال صاحب الفكر الديني الذي طلب منها أن تلبس الحجاب والذي لم يغفر لها ماضيها الملون والذي تعرفه كل دمشق.

٠ ولع نازك بالحروب حيث تذكر الساردة على لسانها أنها مغرمة بالحروب، ولولا الحروب لما تغيّرت خريطة العالم.

وهنا يتبادر الى الذهن ما قاله الروائي الفائز بجائزة نوبل في الآداب في عام ٢٠١٠ ماريو فارغاس بوسا من “أن الأدب يسمح بآن نعيش حيوات أخرى، وأن نخرج من فضاء متقلص، وأن نعبّر عن أنفسنا بأقدار تحطّم الروتين، تلك الأقدار التي تجعلنا نعيش مشاعر متوهجة تحولنا لكائنات مغامرة”. وإذا كانت البدايات من الصفر في أي عمل أدبي مستحيلة ولابد للروائي من أن يتأثر بإبداعات الآخرين  قاصدا واعيا أو عبر عملية اللاوعي، فأني رصدتُ روايات عربية أولى سابقة ركزّت جهدها على الشخصية النسائية التي يعشقها الآخرون. وهكذا كانت الرواية الأولى عربيا، رواية ” زينب” لمحمد حسين هيكل وهو الذي تأثر بفيلسوف فرنسا وكاتبها جان جاك روسو، حيث كان لزينب عشاقها وتجربتها وهي صبية في الحب، لتموت وهي شابة محافظة على قصة حبها ومخلّدة أياها. وهذه هي رواية فتحي غانم ” بنت من شبرا” وهي تعرض لحياة فتاة أيطالية أسمها ماريا تعيش في حي شبرا في مصر، لترتبط بعلاقة حب مع رجل عربي حتى يتطور الأمر فيصبح صراع الأفكار والديانات واضحا. والحكاية بعد ذلك في ” بنت من شبرا” أنما تُروى على لسان محامٍ طلبت منه ماريا الكاثوليكية أن يدافع في ساحات القضاء عن حفيدها عضو الجماعة الأسلامية المتطرفة!.  وهنا لا ننسى أن كمال زوج نازك خانم في رواية لينا الحسن أنما هو من أثرياء سوريا الذين ينتمون لتنظيم حزبي ديني متشدّد ( نص في الرواية: وما هذا الأخوان حزب حقاً؟) وذلك في فترة السبعينيات في دمشق والتي يحكمها حزب كان يحارب تنظيمات الأحزاب الدينية حينها، ويضع في أهدافه تحقيق الوحدة والحريّة والأشتراكية، تلك التي تتندر عليها نازك خانم على لسان عمتها فتقول : في الشام أصبحت الأشتراكية بوفرة الانفلونزا.

وهنا تصبح اللعبة الروائية في رواية ” نازك خانم” قائمة على تناقضات شخصياتها. فتطرّف نازك نفسها وحبها المظهري الشكلي للماديات في الحياة: العطر، الفستان، اللوحة الفنية، الكاميرا والصورة، مسابقات ملكة الجمال وتسريحات الشعر، والولع بجلود الثعالب، أنما يقابله من جهة أخرى تطرّف كمال الثري الذي أقترنت به وهو الذي رغم الثراء إلاّ ان شخصيته قد حوّرت بشكل يتناقض تفصيلا وشخصية نازك التي تتعمد أغاضة كمال (لماذا؟) بحديثها عن العصر الجاهلي وفكرة تعدد الأزواج!. على أن كمال الرجل الناقم “لم يكن قادرًا على تغيير شيء في قناعاتها”، ولكنه أتهمها مرة قائلا: “أنتِ مثل أوربي يزور الشرق ليسخر من عادات مجتمع متخلف وسلوكه”.

الرواية بين اللغة ووحدة الزمن

وأما لغة الرواية فهي التي أهتمت في جانب كبير منها بالوظيفة الأخبارية والثقافية معبرة من خلال شاعريتها وأستعاراتها عن تشتّت الروح عند الشخصية الرئيسة نازك خانم، التي تسهب الرواية في وصفها لترسم هالة خاصة حولها تقرّبها من شخصيات الأساطير. وإذا كانت الوحدة الزمنية في الرواية تستعاد بين فصل وآخر بشكل تداخلي غير مشوش فأن الحرص على رسم صورة قلمية زاهية لنازك خانم يجعل القاريء يعيش معها وكأنه يراها تتجسد قادمة من ماضٍ جميل. وهكذا يتم التذكير بمناسبة أو دونها بكوكو شانيل وبيكاسو وبريجيت باردو  وصوفيا لورين وراكيل وولش ومارلين مونرو وجين فوندا وفريق البيتلز والموناليزا وأدونيس وفينوس والأسكندر المقدوني وكليوباترا. أضافة الى التذكير بعام ١٩٦٨ في باريس وأضرابات الطلبة وتظاهراتهم. كل ذلك دون أن تنسى الروائية دفع قارئها للتزود بمجموعة من الأحكام والتي تقولها نازك الحكيمة ومنها: النساء لا يقمن وزنا كبيرا لنساء شغلن ماضي الرجل، بينما الرجل تفترسه خبايا الماضي في تاريخ أي أمرأة، والحب يأتي ولا يوجد، والطرقات الطويلة تبث الخوف وتبيح نفسها للأشرار.

ولابد من أن أذكر أنني شعرت في نهاية رواية “نازك خانم” من أن هناك ما سيتبعها سردا قد يركّز بشكل واضح على الحوار، وقد يدخل في ميدان صراع الأفكار بين الحداثة والمعاصرة من جانب والماضي والتاريخ والتراث من جانب آخر.

حول مجموعة القص “وثابة كالبراغيث”: تكثيف السرد وتحقيق الهدف النبيل

كتب  عامر هشام الصفّار
image
عندما حضرتُ الندوة الأولى للقصة القصيرة جدا العربية والتي عقدت في مدينة الناظور المغربية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، كان الهدف الأساس التعرّف عن قرب على مجموعة فاضلة من كتّاب هذا الفن السردي الجريء الذكي والأطلاع على التجارب الحديثة في القصة القصيرة جدا. وقد تحقّق جلَّ ذلك وزيادة بأن أتيحت الفرصة للحصول على مجاميع قصصية في هذا الفن لكتّاب شباب من أهل هذه المدينة الجميلة “الناظور” ومن الذين بدأوا حياتهم الأدبية نشرا لمجاميع قَص قصير جدا يشبه ومضات تختلف بدرجة تألقها، تهدي السائرين الى طريق مقصود بعينه، ينقذهم من حفر وفجوات زمن لا يرحم. وهكذا ألتقيت بالقاص جمال الدين الخضيري أبن مدينة الناظور وحامل لواء جمعية الجسور الثقافية التي أشرفت على تنسيق ندوات فن القصة القصيرة جدا حينذاك. وكان لي أن أمرّ على مكتبة في المدينة لأقتني مجموعة القاص الخضيري للقص القصير جدا والمعنونة ب ” وثابة كالبراغيث” لتذكرّني بالمدينة والأنسان وهموم القصة في مغربنا العربي. وما ذلك إلاّ لأنها مجموعة قَص أحتوت على ٨٧ قصة قصيرة جدا هن عندي وفي خاطري تلخيص لمعاناة وتفصيل مركز مكثف لواقع حال إجتماعي-سياسي- أقتصادي عربي مغربي له طابعه الإنساني أيضا. وهكذا تبقى عندي القصة القصيرة جدا متابعة لقضية الأنسان بتركيز وتكثيف يحترم ذكاء البشر في الوقت الذي يفجر عند المتلقي أسئلة وجودية سياسية فكرية وأجتماعية لتحقيق المراد والمطلوب. وفي واقع الحال فأن المتلقي القاريء لا ينفر من قراءة مثل هذا السرد الممتع القصير السهل الممتنع أسلوبا لأنه يحاور عنده خياله وتوقعاته وواقعه اليومي المعاش، والذي يوّد القاريء أن يستزيد هو تفصيلا فيه وعليه فيكتسب النص القصير جدا أبعادا أضافية كان يبغيها القاص أصلا وأساسا.
ولعل في مجموعة ” وثابة كالبراغيث” دلائل على كل ذلك. فالقاريء يجد في القصص ما يدين ويكشف الفساد والمفسدين مما تميّزت به نهايات قصص بعينها. فها هنا في قصة ” الرقص في زمن ذي مسغبة” تقرأ : والغريب أنه الى يومنا هذا ما زالت تتناسل الرقصات وتتناسل معها المسغبة. وفي قصة ” أكتشاف” تقرأ: المنطقة طاردة ولا يمكن أن يعيش فيها الا ذئب ومعلّم. وفي قصة “أنبعاث وحش” تقرأ عن سؤال : ما هو الحيوان الذي ضاقت عليه دائرة سقوفه، فأجبر على التنقل من سقف خيمة الى سقف مظلة ثم الى سقف عمامة إنطبقت عليه مشنقة؟.. وفي قصة “أكياس في مهب الريح” تقرأ: رأيت حشودا من بني جلدتي يصيحون ويمجدون زعيم الحي، وهو الزعيم نفسه الذي نددّوا به صباحا ولاطوا صورته بالأرض.
ثم أن المجموعة القصصية لجمال الدين الخضيري تغوص في عمق مشاكل المجتمع وثابة بمعول حاد لتكشف المرتشين في قصة ” شفيرة تفيد المرتشي” والمدمنين في قصة ” جحر الضب” والمنحرفين سلوكا أجتماعيا كما في قصة ” ذوبان” لتذهب أبعد من ذلك فتعالج موضوعة السياسة وما سمي بالربيع العربي فتكون قصة ” آخر المنقرضين” دلالة ومعنى، كما تكون قصة تراجيكوميديا رمزا لمشهد سياسي عربي يوصف بالمضحك المبكي: قال لنا المخرج المسرحي الكبير: منذ مدة لم أقف عند مشهد تراجيكوميدي بشكل دقيق في ركحنا العربي الا عندما استمعت الى كلامه وتتبعت أفعاله، فأقعيتُ وتعصفرتُ بالتراب من شدة ضحكي، وفي الوقت نفسه ندبتُ وجهي ومزّقتُ ثيابي من شدة بكائي وتأثري.
أبعاد  جديدة للقصة القصيرة جدا:
وفي المجموعة القصصية ” وثابة كالبراغيث”  تناص تراثي لا تخطأه عين القاريء كما فيها البلاغة من جناس وطباق وتورية كما فيها الحكمة والقول المأثور: عندما رأيته متصنعا الأرتجال، تيقنّتُ أنه أزف موعد الأرتحال ( قصة أرتحال)، قبّح الله حرفا ساق حتفا ( قصة خصلة)، ومتى ما عمَّ المصابُ هان ( قصة جريرة وتوأمان)، اذا ما سحّ العقلُ شحّ الكلام ( قصة ماخط الماء). ثم أن القاص الخضيري متأثرا بتشيخوف وغوغول راح يسخر قاصا فيثير مشاعر حزن عند متلقيه الذكي المدرك الواعي، وهكذا تصبح خوذة (المحارب) مثلا تلك الملقاة في شارع، مادة للتندر: تحلّق حشد من الناس حول خوذة حديدية ملقاة في الأسفلت. همسات تتساءل: أي ريح حملتها هنا؟
قيل انها خوذة محارب غابر أو هارب
قيل أنها لمتسابق دراجات نارية
قيل أنها لن تكون إلاّ خوذة باطنية منجمية
جاءت من أقصى الزقاق أمرأة تتعثر في سمنتها، تنعى زوجها وخوذته التي كان يرتديها حين يقتسم معها السرير (قصة نعي في الأسفلت).
الجنس والقصة القصيرة جدا:
ولابد لقاريء قصص ” وثابة كالبراغيث” من أن يلاحظ وهو يتمتع قراءةً من أن القاص الخضيري قد أستعمل الرمز الجنسي والفعل الجنسي بدلالات مختلفة كان منها ما يثير فكاهة وسخرية، وكان منها ما يشمئز منه البعضُ ويستنكر، وكان منها ما يدين سلوكا أو يثير أسئلة حول مجتمع تنحدر عنده وفيه قيم أخلاقية: ففي موسم الأرانب (الدلالة في عتبة النص) تقرأ عن بضاضة وفضاضة ونطّ أرانب وغض أبصار، وفي “ذوبان” تقرأ عن حمام شعبي وكشف وشاح وأنفراج غيمة، وفي ” الرجل المنجل” تقرأ عن سروال تقليدي مسدود وحمم تسيل من السيقان ليقول الرجل: ملعون معقوف هذا المنجل، ملعون مأفون هذا السروال الذي يغلي كالمرجل. وفي الوعد الصادق تقرأ عن الباسقة كالشمس والحاسرة المتهالكة جنبه على السرير كأنها فقمة لفظها البحر، وفي “المطارد” كان ثالثهما الشيطان اليقظ.. وفي “معاذير آفلة” تقرأ وتستغرب عن “ممرضة ناعمة فائرة كالموزة.. ( كيف تفور الموزة؟؟) وتقرأ عن سنجاب يزحف ويتمطط وينوء بكلكله مزاحما ناطحات السحاب”..ثم تستمر قارئا فإذا بقصة “الحسناء والحصان” وملابس البيكيني التي تجري بها هي على شاطيء البحر والحصان الذي يلاحقها وثورة المخرج مدمدما: ركَّز على الفتاة..
لقد أثبتت القصة القصيرة جدا قدرتها على التأثير في المتلقي من خلال جملتها المختصرة الواعية المكثفة الوجيزة ذات المعاني والأهداف، وعليه فهي فن الحاضر المعاصر وفن المستقبل. وإذا كان القاص المغربي الخضيري قد أصدر مجموعته القصصية هذه في عام ٢٠١١ وأصدر قبلها مجموعة ” فقاقيع” كما أصدر بعدها مجموعة قصصية أخرى حسب علمي  فأن المسؤول الثقافي لابد له من التعريف الواسع بنتاجات هذا الأديب القاص ومحاولة تشجيع نشر مجاميعه في مجلد واحد وأستخدام تقنيات التواصل الأجتماعي الحديثة لنشر أبداعات القاص وتشجيعه بما يلزم لعمل ذلك.. ففي مثل هذا العمل المهم فائدة لمجتمع، وتشجيعا لأدباء آخرين أغنوا واقع القصة القصيرة جدا العربي بكل ما هو مبدع ومؤثر ومدهش وجميل.