قراءة في كتاب “معنى حياتي” للدكتور منذر الشاوي

كتب عامر هشام الصفار:

أتذكر جيدا ما كتبه الروائي المعروف نجيب محفوظ في رائعته “السّمان والخريف” ..:” لكنه سيصمد للمحنة، ويتألم .. ثم يحيا، وأخيرا سيجد للحياة معنى”.. وهو هذا المعنى الذي يخصّص له أستاذ القانون العراقي الدكتور منذر الشاوي جهده الجهيد فيصدر قبل ما يقرب من السنتين كتابه المعنون ب “معنى حياتي” مع أهداء الى الأب الذي أعطانا الحياة، والأم التي علّمتنا الحياة. ولم يكتف بذلك بل راح المؤلف يفسّر أكثر في ضرورة أن يكتب كل منا كتاب ذكرياته، ليبحث في المعنى وراء الحياة، فتقرأ في غلاف الكتاب الأخير : ” أخاطب ذاكرتي، فتخاطبني الأيام: أين أنت من حياة مضت؟ فأجيب: أنها في قلبي وكياني، ولن تزول عبر السنين والأيام. أيام تعارفت فيها وبها مع الحياة، فكانت دهشتي.”.
وقد أرتأى الأستاذ المؤلف الاّ أن ينوّه في صفحة أولى في الكتاب الى ” أن الحقيقة تبقى ترصد من يتخاذل عن ذكرها، كما تثير خيارا هو الموقف والمسؤولية تجاه الذات”. وهكذا يأتي كتاب الذكريات لمنذر الشاوي على ما يقرب من 200 صفحة من القطع المتوسط وعلى عشرة فصول كاملة كانت قد بدأت بفصل أول تحت عنوان ” نور الحياة” ولتنتهي بفصل أخير هو “أيام في حياة العراق السياسية” ليشعر القاريء بعد ذلك أن عند المؤلف الكثير مما لم يقله، فينتظر الجزء الثاني من معنى حياة أستاذ قانون، كان يوما وزيرا في الدولة العراقية للعدل والتعليم العالي، وفي فترة من تاريخ العراق عصيبة. life
البدايات الأولى
ويفصّل الكاتب عبر سرد سلس أنيق العبارة في بدايات الحياة الأولى وسنوات الطفولة، فيأخذ القاريء معه الى رحلة جميلة في عراق العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، حيث ولد الشاوي في بيت جده لأمه في بغداد الكرخ، وليكن بعد ذلك في مدينة العشّار بالبصرة الفيحاء حيث نقل والده هناك مديرا لشرطة البصرة، ليقضي الطفل مع أخوته السنوات الثلاث في دار قريب الى القشلة وهي مقر مديرية الشرطة في المدينة. وهكذا ظلّ المؤلف ينهج في فصول كتابه النهج الحكيم، فتراه في كل فصل يهتم كل الأهتمام بالمكان وبالناس فيصف ويستذكر ويقص ويسرد ويستنتج العبر والدروس ويحاكم أحداث تاريخ مضى ليفهم معنى الحياة، ومن ذلك:
1.المكان: البصرة: “ومن يعش في البصرة لا يمكن الا أن يعشقها، لا لمناظرها فحسب، بل وأيضا وربما أكثر، لخلق أهلها وأدبهم”. هذا ما يقوله نصا الكاتب منذر الشاوي.
واللقاء مع بغداد والدار الجديدة للعائلة في منطقة الصالحية، والمحلة وناسها، ودكاكينها وأصدقاء العمر والنشأة الأولى. فتقرأ في طبيعة المكان البغدادي: ” وأذا عدنا الى التقاطع وأتجهنا يمينا، فأننا نكون في شارع يمتد الى الشارع العام ذي الممرين في أحدهما دار الأذاعة، وفي الآخر مدرسة المنصور الأبتدائية. وفي الركن المنتهي لهذا الشارع، يوجد بيت رستم حيدر.”. ونظل في المكان، فأذا بالمدرسة التي يستذكرها المؤلف بتفصيل يحسد عليه تأخذ فصلا كاملا، فمن مدرسة باب السيف الأبتدائية الى مدرسة المنصور النموذجية، في نهايات العقد الثالث من القرن الماضي، “حيث يشاء القدر أن يجمعنا بباقة من الزملاء في مدرسة المنصور، ولا أوفى وأصدق من زمالة هذه السنين الأولى”.. حتى يتذكر أحدهم من أعزائه فيقول عنه أنه : هيكل رياض رأفت .. نلتقي ونفترق عبر السنين وحكم الزمن، تلك هي الحياة في معناها ولا معناها!.”. وفي أعداده الثقافي يمر الشاوي القدير على متوسطة الكرخ فيستذكر بتفصيل طبيعة الدراسة فيها ومعلميها، وكذا الأمر مع متوسطة الرصافة في بغداد والأعدادية المركزية المعروفة بمستوى معلميها الممتاز.
شخصيات عراقية
2. الشخصيات: وكأن المؤلف يقول لقارئه وهو يعرض بتفصيل لا يمّل وبأسهاب لا يخل، أن الأنسان في معنى من معاني الحياة عنده أنما لا يكون الاّ نتاج هذا التفاعل بين المكان وسكانه من الأقربين والأصحاب والمعلمين والأساتذة وحسب مراحل الحياة المختلفة .. لنقرأ ما يقوله الشاوي في وصفه الجميل لأحد أساتذته في المدرسة المتوسطة: ” وكان معلم الرياضيات في مدرسة المنصور صالح كرجي، يهودي الديانة، في الخمسين من العمر، بدين الجسم، متوسط القامة، ذو شعر أسود مسرّح الى الخلف، كفوءا ومقتدرا في أختصاصه، وشديد التعامل معنا، فكنا نخشاه ولا نحبه في قرارة أنفسنا”. ومن الشخصيات التي يكتب عنها المؤلف الشاوي ببعض من تفصيل هو الشاعر الشعبي والشخصية العراقية السياسية الصحفية المعروفة الملا عبود الكرخي. فقد جاور الكرخي دار الشاوي في بغداد، “وهكذا كان الملا عبود جارنا ومتقدما في السن.. ولا يوجد شعر على رأسه حيث كان يغطيه بسدارة من الجبن (الصوف) رمزا للوطنية، بأعتبار أن السدارة المصنوعة في أيطاليا لا تمت الى الوطنية بصلة، وللملا عبود عصا يحملها معه دائما عندما يخرج ويداعب بها من (يعجبه) من المارة”.
ومن الشخصيات التي كتب عنها الشاوي مستذكرا، السياسي العراقي ناصر الحاني، والذي كان مدرسا متدرّبا في متوسطة الكرخ حينذاك في نهاية الثلاثينيات في بغداد، فيقول المؤلف منذر الشاوي: ” وناصر الحاني متوسط القامة قريب الى السمار في سحنته، أسود الشعر، بطيء في مشيته، متزن في خطواته، هاديء الصوت وواثق. وسحرنا الحاني بسعة علمه بالأدب العربي وفتح أمامنا أفاقا واسعة وشجعنا كثيرا على قراءة الكتب الأدبية فتوسعت مداركنا”. وتراه يستذكر صادق الملائكة (والد الشاعرة العراقية المعروفة نازك الملائكة) حيث لا ينسى الشاوي مشية الملائكة الهادئة في المدرسة وسيكارة “المزبن” التي لا تفارق شفتيه”. ويستذكر أستاذ الفيزياء في الأعدادية، العراقي المعروف ناجي عبد الصاحب، فيقول عنه ” وناجي عبد الصاحب ترجع أصوله الى مدينة العمارة، منفتح، معتد بنفسه على الطريقة العراقية، كفوء في مادته، ومدرس للملك فيصل الثاني، جذاب في علميته وشعبيته في آن واحد”. ثم يستذكر الكاتب العراقي ذنون أيوب وهو قاص عراقي رائد، فيقول عنه” رأيته يدرّس الرياضيات في شعب أخرى من شعب السنة الثالثة في متوسطة الرصافة. كنا نهابه، بقامته الطويلة الممتلئة ووجهه الأحمر وقبعته الخضراء”.
وثم كان لابد من ذكر أساتذة الجامعة في العراق وعلى رأسهم عميد كلية الحقوق التي تخرّج منها الباحث عن معنى الحياة المؤلف الأستاذ منذر الشاوي، فكان الفصل الخاص عن الكلية وأساتذتها ومناهج التدريس فيها. ولعل ما كتبه المؤلف عن الأستاذ منير القاضي عميد الكلية حينها في أواسط الأربعينيات، يعتبر الدليل على الوفاء للرعيل الأول من علماء الوطن. يقول الشاوي ” والأستاذ منير القاضي درّسنا ثلاث سنوات متتالية “مجلة الأحكام العدلية”، ورغم تعقيد المجلة التي وضعت في العهد العثماني، فأن درسه الذي يلقيه دون نظر في كتاب أو ورقة، كان من أمتع الدروس عندنا، بفضل سيطرته التامة على الموضوع، وتبسيطه لنا بحيث نشعر معه وكأننا في خضم التعامل الحياتي بعيدا عن التعقيدات المصطلحية والشروح المعقدة لمجلة الأحكام العدلية”.
أن كتاب “معنى حياتي” لمؤلفه الدكتور منذر الشاوي لهو رحلة ممتعة في تاريخ الوطن العراقي بمدنه وقصباته ونواحيه وناسه وشخصياته وتاريخه وتقاليده وعاداته وقيمه. وكل ذلك مما يساعد القاريء في المسعى الذي سعى أليه المؤلف وهو أن يكون ما يكتبه ممثلا للعودة ” الى وجود الذات والى وعيها وحقيقتها”.

شارك بتعليقك