حول الطبابة العسكرية العراقية

mg - Copy

كتب الدكتور عامر هشام:

أن أستكناه دروس التاريخ يعتبر من الأعمال الأنسانية المهمة والمفيدة لمسيرة مستقبلية لا يمكن أن نتكهن بها بعض الأحيان، ولكننا بالتأكيد نتمكن من تصورها ووضع أفكار أولية عنها. وما مرور ذكرى تأسيس جيش العراق ال91 الاّ المحّفز لأستذكار تاريخ الطبابة العسكرية العراقية، ودور الأطباء العراقيين المتمّيز في تقديم خدمات طبيّة جيدة نوعيا لأفراد الشعب من منتسبي الجيش وأفراد أسرهم.

لمحة تاريخية

من المعروف تاريخيا أن أول وحدة طبية عراقية عسكرية أنما تأسست في شهر آذار من عام 1921 وهو العام الذي شهد يومه السادس من كانون الثاني تشكيل الجيش العراقي ووزارة الدفاع العراقية. وقد تولى أحد الضباط الأطباء اللبنانيين رئاسة وحدة الطبابة العسكرية حينذاك حيث كان العقيد أمين فهد المعلوف (وهذا هو اسمه) طبيبا خاصا للملك فيصل الأول ملك العراق.

وكان أن أنشئت المستشفيات العسكرية العراقية الأولى أو المستوصفات على الأصح ببساطتها، في العقد الثاني من القرن الماضي، لتشغل المستشفى الأولى منطقة الكرنتينة (الثكنة الشمالية) وبعدد أسرّة لم يتجاوز الستين سريرا. وكانت هناك مستشفيات صغيرة عسكرية في رصافة بغداد، وبالتحديد في كرادتها الشرقية، أضافة الى المستشفيات العسكرية الأولى في الموصل وبسعة ال 40 سريرا والحلّة وكركوك وقد كانت الأخيرة مستشفيات لا تتجاوز سعة ال10 أسرّة.

ومما تذكره المصادر أن مستشفى الرشيد العسكري في بغداد كان قد تأسّس في الثلاثينات من القرن الماضي، وبالتحديد في عام ،1938 حيث أعتبر بحق أكبر وأهم مستشفى عسكري في المنطقة العربية.

طلبة الطب على نفقة وزارة الدفاع

يذكر أستاذنا المرحوم الكتور سالم الدملوجي في كتابه القيّم والمعنون “الكلية الطبية الملكية العراقية” أن وزارة الدفاع العراقية قررّت في عام 1939-1940 أن تفتح أبواب القبول لطلبة الطب بالدراسة على نفقتها، على أن يمنح الطبيب المتخرّج رتبة عسكرية،  ويتعهد بالخدمة لمدة لا تقل عن 15 عاما في المستشفيات والمراكز الطبية العسكرية. ومن المفيد ذكره هنا أن الطبيب الجرّاح البريطاني نوئيل أبراهام والذي أجرى عملية أستئصال الزائدة الدودية لملك العراق فيصل الأول، كان قد دعي الى بغداد وعيّن رئيسا للوحدة الجراحية في كلية الطب العراقية الملكية ببغداد وذلك في عام 1935. وقد منح الجرّاح أبراهام رتبة عقيد في الجيش العراقي من قبل السلطات العراقية الملكية حينذاك ليتمكن من الأشراف على طب الجراحة في مستشفى الرشيد العسكري في بغداد. ومما يذكر أيضا أن هذا الطبيب البريطاني قد توفي في عام 1942 ودفن في العراق.

مستشفى الرشيد العسكري

ويطول الحديث حول الدور الريادي والمهم لمستشفى الرشيد العسكري وكوادرها الطبية المتميزة في مسيرة التطور الطبي والجراحي في العراق. وللأفادة يتوجب التركيز على الأهم من جوانب الخدمات الطبية التي اضطلعت بها هذه المستشفى ومن ذلك أجراء عمليات القلب المفتوح وترقيع الشرايين التاجية المريضة.ففي عام 1988 أنشئت شعبة جراحة القلب في المستشفى وبأدارة الكفوء من الأطباء ناجح الأسدي، جراّح القلب والصدر والأوعية الدموية، والذي كان قد تدّرب مع الدكتور صدّيق الخشاب حينذاك (جرّاح القلب المعروف في العراق). وقد أجريت أول عملية قلب مفتوح لغلق فتحة ولاّدية بين الأذينين في عام 1988 كما أجريت عمليات ترقيع الشرايين التاجية أيضا لتصبح مستشفى الرشيد العسكري بعد ذلك مركزا طبيا تدريبيا مهما في العراق.

البحوث الطبية العسكرية: مجلة الطبابة العسكرية العراقية نموذجا

ولا تقدّم في الطب وعلومه دون بحث وتمحيص طبي يشارك به النخبة من الأطباء العاملين في المراكز الصحية المختلفة، ليكون نتاج فريق البحث مفيدا ومساهما في تطوير الخدمة الطبية العامة.  وهكذا كان الحال عندما تقرر عام 1983 أصدار العدد الأول من مجلة الطبابة العسكرية العراقية وأعتمدت بحوث أطبائها المنشورة للترقية العلمية والخدمية.

وقد أصدرت المجلة الطبية هذه 13 مجلدا حيث كان المجّلد الواحد يتكوّن من عددين فقط. ومن المعروف أن آخر عدد من المجلة كان قد صدر عام 2002 حيث تضمن عددا من البحوث المتميّزة، ليس في شؤون الطبابة العسكرية الصرفة فقط، بل وفي شؤون الصحة العامة للمجتمع ككل. ومن بحوث العدد الأخير من مجلة الطبابة العسكرية العراقية: علاج جروح القولون للدكتور فاتك عبد السلام وغيث أحمد، الدراق أو أمراض الغدة الدرقية في العراق للفترة من 1985-1995 للدكتور حسام كريم، أورام الجهاز العصبي المركزي  عند الأطفال العراقيين ..دراسة ل 613 حالة للدكتور في علم الأمراض سهيل نجم السلام، ودراسة عن أورام الغدة الدرقية للباحث عادل الحمداني وغير ذلك.

المؤتمر الطبي العالمي للطبابة العسكرية

أدرك الوسط الصحي العالمي بعد الحرب العالمية الأولى أنه بحاجة ماسة لتقديم  رعاية طبية أفضل لضحايا الحروب أضافة الى ضرورة التعاون الطبي بين الخبراء في هذا المجال من الطب. هذا كله كان مدعاة لتأسيس الجمعية العالمية للطبابة العسكرية عام 1920.

وقد كانت بغداد وقصر مؤتمراتها في عام 1984 مركز أنعقاد المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للطبابة العسكرية والذي تميّز بنسبة حضور ومشاركة عراقية كبيرة كان لها أثرها على الصعيد العلمي للمؤتمر، حيث كان ما يقرب من نصف البحوث المطروحة على المؤتمرين عراقية ولباحثين أطباء عسكريين عراقيين. ففي قراءة موجزة لبرنامج المؤتمر المذكور يلاحظ القاريء أهمية الموضوعات التي بحثت حينذاك:  اصابات الوجه والفك في الحرب الحديثة، التأهيل الطبي لما بعد الحرب، أصابات الأعصاب المحيطية، جروح الأنفجارات في الأذن للجّراح نبيل المختار، وجروح الحالب في الحرب للجرّاح منير العلي، ودور التخدير الموضعي في جروح الحروب، وتطورات علاج جروح الأطراف السفلى للجّراح مظفر حبوش، وأصابات العمود الفقري للجّراح طارق كركجي.. وغير ذلك.

أن توثيق مسيرة الطب العراقي لا يمكن أن تتكامل دون بذل الجهد في التوثيق العلمي الدقيق لتاريخ الطبابة العسكرية العراقية.

( أستفدت في مقالتي هذه من مصادر عدة من بينها: دراسة الزميل الدكتور سعد الفتال حول بدايات الطب العسكري في العراق والمنشورة على موقع الجمعية الطبية العراقية العالمية:www.iraqimsi.com كما أستفدت من موقع مديرية الخدمات الطبية العسكرية لمحرره الدكتور شاكر العينه جي http://iraqmma.wordpress.com/)

شارك بتعليقك