قصة قصيرة: الزمن المحترق للقاص عبد الله حدادي

384250_10150384034524557_577209556_8197064_610437926_n[1]

كتب القاص عبد الله حدادي:

إضاءة:

الماضي حاضر آخر..

أحس بصدى الصمت الرتيب يتردد في دواخله..مسح الفضاء الأبكم بنظرات صمّاء، تجرعت عيناه شحوب الخريف المنسدل على الجدران،ليترسب في أعماقه إحساسا سديميا قاتما، ضاعف من وحشة هذا المساء الخريفي المحتضر.

تائها في أمداء هذا الفراغ..أستشعر ذرات دفء تذوب في عروقه.فأنتبه إلى المدفأة أمامه كأن لم يرها من قبل،معلقا بصره على ما تبعثه من رهيف نور،بعد أن انكتم ضوء المكان داخل عتمة ثقيلة..

عدل جلسته على الأريكة،شرد للحظة،قبل أن يهم بفتح علبته القديمة،الهاربة من الماضي، بعد أن اعتقها اليوم من منفاها السحيق بركن مظلم من أركان دولابه الباريسي العتيق.نافضا عنها الغبار ليقضي على ألفة جمعت لسنين بين ذراته وسطحها المنمنم الأنيق..

متمردا على صوت داخلي، نزع عنها الغطاء،ألقى بنظرات وجلى إلى الداخل.. تسارعت فجأة دقات قلبه، تضخم صوتها في أذنه..اهتز وجدانه..تقطعت أنفاسه..تلبسته نوبة اضطراب مستعرة عجز عن مغالبتها..

عاوده تحديه المحموم،فأرسل أنامله إلى الداخل متحسسا أشياءه القديمة،التي طمرها النسيان بين أركان هذه العلبة،لزمن حتى هو لا يذكر مداه..اشتعلت مواقد الذكرى في رأسه،صفده الحنين،فطفق يخرج أشياءه من مستقرها الطويل،جاعلا يتذكر كل شيء عنها – تقريبا كل شيء – ربما لا يتذكر كثيرا من أسماء زملائه الذين في صورته المدرسية هاته،لكنها كفيلة بغمسه في بعض من ذكريات خامس صفه الابتدائي.. بما في ذلك قهقهات زملائه عليه وتجريحهم له بعد تسرب خبر تبوله اللاإرادي..لا تزال إلى اليوم عبارات الشماتة والإذلال عالقة في ذهنه،يتردد صداها في جونـه مؤلما جارحا:

–       والـ……………………………………..

–       ………………………هـا..هـا..هـا !!..

–       واهو الـ…………………………………

بأنفاس منتظمة وئيدة، وبابتسامة(عجزت عن وصفها !) جعل يلتهم تفاصيل الصورة معريا أدق أبعادها..ماسحا وجوها كانوا يوما زملاء له.لم يسامحهم يوما كما سامحهم اليوم.ولكن أ إنقدحت ببال أحدهم في ذروة شطحات تجريحه له أن سترافقه حالات تبوله تلك إلى اليوم؟! هو لا يظن أن خيالهم الغض كان ليلامس هذه الحقيقة، أو هذا ما يقنع به نفسه على الأقل..

عاودته ذات الابتسامة الموجوعة/ المتألقة/ المنكسرة/ الساهمة….وهو يهم بتصفح مجلاته الجنسية، بصورها الخليعة، ركام أجساد ولا ورقة توت..يذكر أن كان مجرد الاحتفاظ بها وإثـوائه لها مع أخص أغراضه، يستفز حواسه بقلق لذيذ، يشبع شيئا من رغبته الفوارة للجسد..أما اليوم فيرمق صورها دون أن تستثير في مسامه أدنى رعشة.

شيء بداخله وجّه بصره إلى أضمومة رسائله داخل العلبة..مد يده..أخرج إحداها– اعتباطا–..تأملها طويلا، بصعوبة ميّز حروف سطورها الأولى( هي قلة الضوء إذا،أو ربما…) ليسترسل في قراءتها في شبه استظهار:

إلى التي علمتني أبجدية القلب:إلى حبيبتي

في الصف،رأيتك اليوم تجلسين، على مقربة مني،تاركة لشعرك المنسدل فوضاه،تغازل أطرافه الكتفين،لأغازل ابتسامتك في ذهني.

مسرنما إلى شرودي،تتلقفني دروب الحلم،رشقني السؤال..انتفضت..وجمت..تمتمت..فسمعت الضحكات،وكنت أحد الضاحكين…………………………………………………………..

……………………………………………………………………………………….

توقف فجأة عن قراءتها، اتسعت حدقتا عينيه،أحس كأنما طعن..أحس بجرح قديم قد نكيء..معفرا بالألم، جمع أطراف الرسالة طاويا إياها بعناية، ليرجعها بين رسائله التي لم يقرأها غيره.

بين الأشياء،أثارته قطعة نقدية اعتلاها سواد( أدركت حينها أنها قديمة، لكني لم أتبين مصدرها !) أسكنها راحة اليد..تأملها..ضمها بين أصابعه بقوة العناق، قبل أن يعيدها إلى حيث كانت.أسلس له خيط الذكرى قياده،قطعه بأن لملم أشياءه في العلبة..سرح عينيه على المكان..أغرق العلبة في النار،ابتسم وانصرف..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى