الشاعر العراقي الكبير رشيد ياسين في ذمة الخلود..

41

كتب الدكتور عامر هشام الصفار:

عرفته جارا لي في مجمّع الصالحية السكني ببغداد وذلك في نهاية الثمانينيات من قرننا الماضي.

رشيد ياسين، الشاعر العراقي الكبير الذي جاءتني الأخبار البارحة بأنه قد غادرنا الى دار البقاء في يوم الأثنين الماضي الموافق الثلاثين من شهر نيسان 2012 وذلك بعيدا عن بغداده التي ولد فيها عام 1929..بعيدا آلاف الأميال..وهي هذه ال82 عاما التي قضاها شاعرنا المتميّز مسافرا في بحر اللغة والأدب والقصيد والنقد الشعري والمسرحي ومجالات الثقافة وتحديّاتها..وهو المتحدي للآخر.. الآخر الذي قد يكون جاهلا أو ظالما..

أنهى المرحوم رشيد ياسين دراسته الأولية كما تقول سيرته في بغداد ليتّم دراسته في علوم المسرح في بلغاريا ويحصل في عام 1971 على شهادة الماجستير ثم شهادة الدكتوراه في فلسفة العلوم من جامعة صوفيا في بلغاريا.

وقد عرفت شاعرنا مجيد ياسين أيضا من خلال زمالة مع أبنه البكر الدكتور نبيل والذي عرفته في كلية الطب ببغداد حيث أنهيت دراستي فيها عام 1981..وكان نبيل نابغة علم كما هو والده نابغة شعر ولغة..

وعرفت المرحوم ياسين من خلال أجتماع أسبوعي كان يضّمني به في مركز وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في بغداد حيث كان رئيس القسم الثقافي في جريدة الجامعة الصادرة عن الوزارة برئاسة تحرير من قبل وزير التعليم العالي نفسه الدكتور منذر الشاوي وذلك عام 1988-1989..

وكنت يومها مسؤول تحرير الصفحة العلمية في “الجامعة” الجريدة..والأجتماع الأسبوعي هو أجتماع ثقافي فكري لذيذ مع الشاوي ومع مجموعة من المثقفين ومن بينهم رشيد ياسين والمفكر الأقتصادي عامر حسن فياض..وكان ياسين مجّدا في تحضير الصفحة الثقافية ومتابعا للجديد وناقدا عَلَما..وللجريدة وقتذاك صوتها المسموع في الوسط الصحفي والثقافي العراقي. ثم أن الشاوي الوزير كان يحرص كل الحرص على أن يكون لجريدته التأثير المطلوب..ففي الرجل كانت تختمر روح الصحفي الذي يوجّه بأستعمال التخطيط للوجوه مثلا بدل الصورة الفوتغرافية. وهكذا كان الشاوي يدخل في تفاصيل التحرير مما يثير أحيانا أستغرابنا.. ولم يكن رشيد ياسين يطيق كل ذلك..

وقد أتيح لشاعرنا يوما في أجتماع هيئة تحرير جريدة “الجامعة” الأسبوعي أن يبدي رأيه بمقالة أفتتاحية للجريدة توسطّت الصفحة الأولى وموقعّة بأسم “النعمان بن المنذر”. ولم يألوا جهدا رشيد ياسين بأن يوضح الضعف والخلل في المقالة..وكم فيها من الهزال وعدم المنطق..والوزير الشاوي يسمع وينصت..فأتنبهنا انا وعامر فياض للموقف وكنا نعلم ان الوزير الشاوي نفسه هو من كتب المقالة الأفتتاحية حيث كان يحرص على توقيعها بأسم النعمان بن المنذر ( ونعمان ولده الذي كان يحضر اجتماعات هيئة التحرير وهو صغير السن يجلس في نهاية طاولة الأجتماعات لا ينبس ببنت شفة).. فهل يا ترى لم يكن رشيد ياسين يعلم بالأمر..؟ لا ندري..وما كان من الوزير الاّ أن خرج غاضبا من القاعة مع توجيه بعدم الترحيب برشيد ياسين في أجتماعات تحرير ” الجامعة” مرة أخرى.. وقد يكون ذلك ما أراده القدير ياسين..

قرأت للمرحوم الشاعر الكبير رشيد ياسين فأمتعني وأفادني وأدهشني بما أبدع..رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه…فهو عندي كان العالِم بالنفس البشرية فقد كنت أنظر أليه كمشروع طبيب نفساني قبل أن يكون شاعرا يغزل حروفه بمغزله الخاص وينسج من حرير حروفه قصائدا لا يستطيع أحد غيره نسجها..

من مؤلفات المرحوم رشيد ياسين:

ديوانه الشعري “أوراق مهملة” والصادر عن أتحاد الكتّاب العرب في دمشق عام 1972 وديوان “الموت في الصحراء” الصادر عن دار الشؤون الثقافية في بغداد في عام 1986 وديوان “فارس الموت” وكتابه النقديّ المتميّز في فن المسرح “دعوة الى الذات” وكتابه في الشعر والشعراء  والمعنون ب ” الثعلب الذي فقد ذيله” والصادر في صنعاء عام 2004.

أذكر للمرحوم رشيد ياسين قوله مما أردّده في بغداد:

بغدادُ كانت –مثلما تَروي لنا الأسفارْ-
أميرة ً ترفل بالحريرِ والنُّضارْ…
إن ْ أَومأَت ْ بإصبعٍ من يدها اليمينْ
خرَّ لها كلُّ عتاة الأرض ِ ساجدينْ
وفي المساء ، عندما تغتسل النجوم في دجلهْ
ويرسمُ النخلُ على صفحته ظلَّه
كانت على شرفتها فاتنة ُ الزمانْ
تصُغي ، وقد حفَّ بها السُمّارُ والقِيانْ ،
إلى النُواسيَّ وقد آبَ من الحانه
يبثّ في خمائل الشطّين ألحانَهْ ،
وتحملْ الريحُ إلى أسماعها الُحداءْ
تمشي على إيقاعه القوافلْ
مُثقلة َ الأكوار بالصَندل ِ والحنّاء ْ
وغُنوة َ البحَّارة ِ الآتينْ
بالخزّ والعنبر والتوابلْ
من جُزُر الهند وما جاورها ومن بلاد الصينْ!!
بغدادُ ! أيّ ُ حاضرٍ تشهدُه بغداد!
كيف غَدتْ أسيرة ًتنوءُ بالأصفادْ ؟!
عارية ًتُسحبُ فوق الجمرِ والقتادْ ؟
كيف تهاوى تاجها الوضّاء في الوحولْ ؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى