الأستاذ الطبيب محمد علي خليل المدامغة في ذمة الخلود

almadamegha

كتب الدكتور عامر هشام الصفار:

أنتقل الى رحمة الله تعالى في 17/1/2013 أستاذ الطب والأطباء الدكتور محمد علي خليل المدامغة وذلك في أرض الغربة في أميركا بعيدا عن تربة وطنه وعراقه العزيز الذي أفنى حياته خدمة لأبنائه وشعبه. فقد كان المدامغة علما من أعلام طب الباطنية في العراق وأستاذا تدريسيا ماهرا في شؤون تدريس الطب لطلابه، وله نظرياته وأساليب عمله بهذا الخصوص،  حيث وجدت خير مركز للتطبيق عندما أصبح عميدا للكلية الطبية الأم في بغداد وذلك عام 1978-1979.

ولد محمد علي خليل في مدينة الكاظمية المقدّسة عام 1929 وترعرع فيها ودرس ونشأ، حتى تمّ قبوله في كلية الطب الملكية ليتخرج منها عام 1953 بعد أن كانت سنوات دراسته سبعا، مما أعتبر أستثنائيا لدورته في الدراسة يومها. وأذا كانت سنوات الخدمة الطبية الأولى لكل طبيب مهمة لمستقبله، حيث تحدّد أختصاصه المستقبلي بحدود أهتماماته، فأن للمدامغة كما توضّح بعد ذلك أهتمامات في تدريس الطب لم تكن خافية على أحد. فقد بدأ بتدريس طلبة الطب وهو الطبيب المقيم في ردهات الباطنية وساعد مرؤوسيه بتهيئة طلبة الصف الرابع/ طب للأمتحانات السريرية. ولهذا كلّه وغيره مما له علاقة بالألمعية المهنية تمّ أيفاده للدراسة التخصّصية في الطب الى بريطانيا ليحصل من أسكتلندا وكلية الأطباء الملكية فيها على أختصاص عام في الطب الباطني وذلك سنة 1961،  مما أهلّه لأن يتمّ ما كان قد بدأه في سنوات تخرجه الأولى من أهتمام بأمراض الغدد الصماء في العراق فكان له أن أختّص بهذا الفرع من فروع الطب الباطني فأبدع علما وتدريسا.

ولم يكن الأستاذ الطبيب المدامغة دون خبرات أدارية أضافة الى مهاراته الطبية السريرية، فكان أن أسّس مع مجموعة طيبة من زملائه جمعية لمكافحة السرطان في العراق، وذلك بعد عودته مباشرة من بريطانيا عام 1962، حتى كان تعيينه على الملاك التدريسي لكلية الطب بجامعة بغداد عام 1963 فاتحة لمستقبل واعد على الجانبين السريري العملي والأكاديمي المهني. وقد تمّ أنتخاب الأستاذ المرحوم محمد علي خليل المدامغة مسؤولا للوحدة الطبية الباطنية الرابعة في المستشفى التعليمي أو مدينة الطب ببغداد وذلك بعيد أفتتاحها في عام 1970. وما كان منه وهو الذي يعرف أهمية دور الأختصاص والمهارة السريرية في توفير أفضل الخدمات الطبية للناس، ألاّ أن شارك بأستحداث العيادات الطبية الأستشارية التخصّصية في مدينة الطب وذلك عام 1971. كما أنه تمكّن من أقناع المسؤولين في وزارة الصحة حينذاك بأيجاد وحدة تخصصية لأمراض الغدد الصماء في العراق وذلك في مستشفى مدينة الطب في بغداد.

وقد أختير الأستاذ محمد علي المدامغة ليكون عميدا لكلية الطب بجامعة بغداد للفترة ما بين 1978-1979، حيث كانت له مساهماته المتميّزة في تطوير التعليم الطبي لطلبته في المراحل الأولية، كما كانت له أفكاره ومشاريعه لتطوير الدراسات العليا للأطباء المتخرجين حديثا. وهكذا شارك ومنذ بداية السبعينيات في أقرار قانون التفرغ الجامعي لأساتذة الكليات الطبيّة العراقية على أمل أن يكون مثل هذا القانون محفّزا لأستاذ الطب في التركيز على موضوعة البحث والتدريس الأكاديمي. ولم تكن مثل هذه القوانين واقرارها دون مشاكل أبدا، وهكذا ساهم أستاذنا المدامغة في نقاشات اللجان المختلفة المشكلّة لدراسة قانون التفرغ الجامعي ليكون مهمازا تستدل به تجارب الكليات الطبية الأخرى. ومما له علاقته بشؤون الدراسات العليا فقد ساهم المرحوم المدامغة في أقرار البرنامج التفصيلي لدراسة الطب الباطني بغية منح الطبيب العراقي شهادة الأختصاص من المجلس العربي للأختصاصات الطبية أو ما يعرف بالبورد العربي نسبة الى البورد الأميركي في الطب الباطني.

ومما يذكر على الصعيد الطبي العلمي المتخصص أن للمرحوم المدامغة بحوثه ودراساته العديدة في مجال طب الغدد الصماء وخاصة دراساته حول مرض السكر وأمراض الغدة الدرقية في العراق. كما وأنه كان قد أنضّم الى فريق علمي أميركي في عام 1976 ضمن تفرّغ علمي لمدة عام واحد لدراسة البنكرياس الأصطناعي. ولا ننسى أن نذكر أنه كان عضوا في الهيئة التأسيسّية لجامعة الخليج في البحرين وذلك عام 1979. كما أنه رحمه الله كان في لجنة تقييم الكليات الطبيّة العراقية عام 1998 ورئيسا فخريا لجمعية أطباء مرض السكر العراقية عام 2000.

لقد عرفت الدكتور محمد علي خليل المدامغة أستاذ طب فاضل، قريبا الى طلابه وراعيا لهم وموجّها حكيما. ولعمري فكم كنت أتمنى ان لو قرأت له كتاب مذكراته عن فترة من فترات التاريخ العراقي المهمة.

أن التذكير بأساتذة الطب العراقيين المبدعين الأوائل يعدّ بحق أمرا مهما وذلك لأخذ العبر والدروس من تراثهم العلمي الخالد، وليكون ما أنجزوه درسا لأجيال الطب العراقي الحاضرة، وهو الدرس الذي ما أحوجنا أليه اليوم. رحم الله المدامغة طبيبا وأستاذ طب عراقي لن ينساه التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى