قراءة في كتاب ” كلية طب بغداد في ثمانية عقود”

sarmed khonda

كتب الدكتور عامر هشام الصفار:

أصدر الأستاذان القديران الدكتور ظافر الياسين والدكتور سرمد سامي خوندة كتابهما المشترك المعنون ” كلية طب بغداد في ثمانية عقود” وذلك قبل ما يقرب من عام. وقد أحسن المؤلفان في جهدهما التوثيقي هذا، فالكلية الطبية بجامعة بغداد هي أول كلية طب في العراق حيث لم يخلو أمر تأسيسها من مشاكل في البداية، فقد كان الوطن بأمسّ  الحاجة الى عدد مناسب لسكانه (حين ذاك) من الأطباء العراقيين الذين يعرفون مجتمعهم وهم أبناءه.

وجاء الكتاب الذي صمّم غلافه بلون أزرق فاتح محلّى بشعار الكلية الحالي على تسعة فصول وخاتمة مع توثيق مهم للمصادر المعتمدة فيه.

ولابد من أن أشير الى أن الأستاذين الياسين وخوندة هما من أساتذة الطب ومدرسيه في بغداد وممن كانت لهم أياديهم البيضاء في الخدمة الطبية في الوطن كما هو الحال في تدريس الطب لطلابه.

ولابد من الشارة أيضا الى أن الدكتور سرمد خوندة قد كان عميدا لكلية الطب نفسها ولمدة ثلاث سنوات ومنذ عام 2006- 2009 وهي فترة زمنية لم تكن سهلة في حياة الكلية، مما أشار أليه المؤلّف بوضوح في مقدمة الكتاب المذكور.

كما أن الأستاذ عبد اللطيف البدري عميد الكلية الأسبق كان قد أشار في مقدمة مختصرة للكتاب الى غناه بالصور الفوتغرافية التاريخية المهمة، وهو ما وثقّه جهد الأستاذيين بشكل يدعو للثناء حقا.

وفي موضوعة فكرة أنشاء كلية الطب، يشير الكتاب الى حالة الوضع الصحي الصعبة عراقيا في أوائل القرن العشرين، وكيف أن عودة الرعيل الأول من الأطباء الى أرض الوطن كان مهما لفكرة تأسيس كلية للطب في المدينة العاصمة.

وهكذا كتب الكولونيل البريطاني  (لين) في تقريره السنوي لعام 1929عن ضرورة أنشاء معاهد صحية لتأمين كادر صحي مؤهل من العراقيين.

حتى أذا عقدت الجمعية الطبية البغدادية أجتماعها في حزيران لعام 1921 كانت فكرة تأسيس الكلية في بال الجميع مما تمّت مناقشته بأسهاب في ذلك الوقت.

ومن هذا الأسهاب التطرق للكلفة المادية وعدد المدرسين المطلوبين وكيفية تحضير لوازم النجاح لمركز علمي مهم ككلية الطب، والتي تم أفتتاحها في التاسع والعشرين من شهر آب لعام 1927 كفرع من فروع جامعة آل البيت وبأسم الكلية الطبية العراقية، حيث بدأت الدراسة فيها من خلال ردهات وأجنحة المستشفى الملكي حينذاك.

ويفصّل الكتاب التوثيقي هذا في شؤون السنوات الأولى من تأسيس الكلية وأسماء الأساتذة الأوائل وأسماء الطلاب النابهين الذين درسوا الطب فيها خلال سنوات العشرينيات والثلاثينيات، وكيف تمّ تصميم الشعار الخاص بالكلية على يد زوجة الدكتور البريطاني سندرسن باشا  (العميد الأول للكلية) حيث وضعت الشعار المتمثل برمز الرافدين دجلة والفرات مع كتاب وثعبان وهو أشارة الطب العالمية أضافة الى عجلين بابلين. وفي هذا الشعار توجّه حضاري علمي يربط بين التراث والمعاصرة.

ويشير الكتاب أيضا الى أن أول دفعة من خريجي كلية طب بغداد كانت في عام 1932، ومن بينهم كان الدكاترة: فؤاد مراد الشيخ، أحسان القيامقجي، عبد المجيد الشهربلي، عبد الحميد شلاش وعلي البير.كما أن الصور المرفقة في آخر صفحات الكتاب توضّح أن من أساتذة الكلية العراقيين كان الدكتور حنا خياط وشوكت الزهاوي وهاشم الوتري. ونشير هنا الى ان أول عميد للكلية من الأطباء العراقيين كان قد عيّن عام 1934 وهو الدكتور حنا خياط حيث أرتبطت أدارة المستشفى الملكي بعمادته ليتم التوازن بين الدرس النظري والعملي السريري لأطباء المستقبل.

ويشير كتاب ” كلية طب بغداد…” الى أنه في العقد الثاني من تأسيس الكلية والذي يمتد من عام 1937 وحتى عام 1946تمّ قبول 744 طالبة وطالب منهم 69 طالبة طب فقط.

وقد أزداد عقد المقبولين من طلبة العراق في كلية الطب في عقدها الثاني الى ما يقرب من ثلاثة أضعاف المقبولين في عقدها الأول.

sarmed1وفي فصل الكتاب الثالث يعرض المؤلفان لمرافق الكلية وبشيء من التفصيل المحبب فيتم أستذكار مكتبة الكلية الطبية ومراكز العلم في الكلية ومنها مركز البحوث الطبية ومركز زرع الأجنة وشعبة أطفال الأنابيب حيث بدأت خدمات الأخصاب المساعد في قسم النسائية والتوليد ببغداد/ مدينة الطب وذلك عام 1986.

كما تتم الأشارة الى مركز حيوانات التجارب والحاسبة الطبية. كما لا ينسى المؤلفان مجلة كلية الطب فيفصّلان في طبيعة اعدادها وبحوثها المنشورة ومنذ سنوات تأسيسها، حيث قررت عمادة الكلية عام 1936 أصدار النشرة الدورية الخاصة بأطباء الكلية.

ويخصّص المؤلفان الفصلين الخامس والسادس للتفصيل في المنهاج الدراسي للكلية، حيث ثبتّه الكتاب باللغة الأنكليزية لغرض الدقة. أضافة الى التفصيل في طبيعة عمل فروع كلية الطب وطبيعة مهماته وأسماء القائمين عليها.

ولم ينس الكتاب-الوثيقة أن يفصّل في السيرة الذاتية لعمداء كلية طب/ بغداد على مدى الثمانين عاما من عمرها. لينتقل وفي خطوة غير مسبوقة وفي فصله الثامن للحديث عن التنظيمات الطلابية وتأسيس الأتحاد الطلابي لكلية الطب.  وفي ذلك من المعلومات ما هو مهم تاريخيا حيث يذكر الأستاذان المؤلفان أن الدكتور فؤاد حسن غالي كان رئيسا لأتحاد طلبة كلية الطب عام 1948 وقد كان للأتحاد دوره في المسيرة الكبرى ضد معاهدة بورتسموث المجحفة بين العراق وبريطانيا.  كما أنه يشير الى أن الدكتور أحسان البحراني كان المنظّم لأضراب طلابي (وهو رئيس أتحاد الطلبة في كلية الطب في عام 1950) بالضد من مشروع لم يحقق للطلبة مصالحهم مما أدى الى ألغاء المشروع بأمر من رئيس الوزراء حينذاك نوري السعيد.

ومن الذكريات عن نشاطات الطب في كلية الطب في خمسينيات القرن الماضي يذكر الكتاب أنه في أحد مهرجانات الكلية التي نظمها الأتحاد قام الطلبة بالتمثيل في مسرحية لويس الثالث عشر وعلى قاعة الكلية، حيث شارك في التمثيل وليد الخيال واحسان البحراني وسميرة بابان وعفاف خليل اسماعيل وغيرهم حيث حضر الحفل أساتذة الكلية وعدد من شخصيات ووزراء الحكومة.

وكم كنت أتمنى أن يفصّل الكتاب أكثر في مساهمات الكلية الطبية وأساتذتها في تطوير الواقع الصحي العراقي والعربي. فالعديد من الأساتذة الأطباء كان لهم قصب السبق في شؤون الصحة في العراق.

كما أن مذكرات أساتذة الطب أحسان البحراني وعبد الحميد العباسي كانت قد أشارت الى قانون التفرغ الجامعي لأساتذة الكلية في السبعينيات مما لم يتطرق له الكتاب أيضا. ولم نقرأ كذلك عن موضوع احالة ال 48 طبيبا وطبيبة من أساتذة الكلية على التقاعد في عام 1979 مما أعتبر حدثا غير مسبوق في تاريخ الكلية.

أتمنى أن يلحق الطبعة الأولى من هذا الكتاب المهم طبعة ثانية تشمل ما أقترحته أعلاه أضافة الى ما قد يثار في الذاكرة وما يقترحه القرّاء لتعم الفائدة وتتحقق الأهداف المرجوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى