حول المحاصصة الثقافية

الدكتور عامر هشام الصفّار

1474559_546226482137786_1540779525_n[1]قد لا يُتعبك التقصّي عن معنى كلمة “ثقافة”، فقواميس اللغة تُسهب في ذلك وتفصّل. فما نقصده بمَنْ يثقّفُ نفسَه، هو توفر الرغبة عنده، وأمتلاك الأرادة، بأن يكون حاذقا، فطنا. فثقّفه تثقيفا أي سوّاه، حتى أن العرب قالت بأن فلانا ثقّفَ الرمحَ، أي سوّاه وعدّله وقوّمه.وتتطور المفاهيمُ بمرور الأزمان، فيصبحُ الفعلُ الثقافيّ اليوم له وسائله التقنية المتطورة، وهو فعلٌ فيه الخَلق والأبداع والتبادل مع الوسط المحيط والتأثّر بالآخر والتأثير به. وعلى ذلك تنظر الشعوبُ الحية لنتاج مبدعيها الثقافي، نظرةً حضارية، حيث تتنافسُ الأممُ مع بعضها من خلال أبداع في القصيدة أو الرواية أو السينما والفن أو فروع العلوم والتقنيات، فيكون ذلك في عصر العولمة مدعاة للتأثير في العقول وللتغيير في الأرادات.

أما اذا بحثتَ عن معنى كلمة “محاصصة” فلن تجدَ في اللغة ما يُنجِدك ويعينك، فتذهب الى التفكيك. حيث تقولُ المعاجمُ ان الحِصة هي النصيب أو المقدار. ونظامُ الحصصِ إنما يفي بتوزيع مواد التموين بكميات محدّدة تبعا لعدد أفراد الأسرة. وعلى ذلك سيتم توزيع مواد التموين السياسي (اذا جاز التعبير) فتكون المحاصصة سياسية معروفة عند أهل العراق، حيث عاشوا معها لما يزيد عن عقد من زمان ولا زالوا.

ولكنّ محاصصةَ السياسة كالوباء، أخذت اليومَ في الوطن العراق صورا وأشكالَ شتى. فتراها محاصصةً ثقافيةً أيضاً، تتأسف لها ولا تحبّذ ما يسعى أليه ويستهدف طلابُها أو مريدوها. حتى اذا أقيم معرضُ كتاب، أستُثنيت منه كتبٌ معينة، وأستُثني منه مؤلفون، قام الآخر بالفعل نفسهِ فأستثنى مَنْ أستثنى، وجذب جمهوره أليه، تحاصصا في الثقافة مقيت.

وإذا يعرضُ ناقدٌ لمؤلَّف ثقافي، روايةً أو ديوان شعر مثلا، فهو لا يعرض لفلان أو علاّن من مثقفي وطنه المعروفين، حيث تمنعه محاصصةٌ أخترعها لنفسه عن ذلك، فغزت قلمه بفرض سياسي ما أتى به العقل. وقس على ذلك في العلوم وفي مؤتمرات ومهرجانات ونشر كتب. أما في العلوم فحسبنا أن نعلم أن عدد كليات الطب اليوم في العراق قد تجاوز عدد محافظات الوطن، فترى في كل محافظة كلية طبٍ، حيث لا يستطيع طلبة محافظة معينة من السفر لأخرى حيث يُفتقد الأمان، مما نتج عن محاصصة سياسة في جزء من الأسباب. فقد يتخرج الطبيب مثلا في محافظة ما، رغم أن مناهج الدراسة الطبية غير وافية أو مكتملة، إلاّ إن المحاصصةَ البغيضة فرضتها فصارت أسلوب حياة .. وأية حياة.

أكاد أقولُ ان محاصصةَ الثقافة عندي، أخطر من محاصصة السياسة. فالسياسي مجبرٌ، فاقد للإرادة . اما المثقف فيجب أن يكون غير ذلك، مثقفا حقاً، عنوانا للوطن ولأنسانه وتاريخه الجليل.

(اللوحة للفنان الطبيب العراقي أصلاح حبيب)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى