القصة القصيرة في الصحافة العربية المهاجرة

كتب عامر هشام الصفّار:

spring in jaderiaما زال العديد من وسائل الأعلام المقروء يهتم بنشر القصة القصيرة وأخبارها وإصداراتها الجديدة. وإذا كان هناك بعض الخفوت أو التروي في نشر نتاجات الكتّاب عبر العالم في القصة القصيرة فذلك لأن فعل السرد الروائي الغزير يحتاج الى المتابعة والرصد الدقيق، خاصة وان هناك اليوم العديد من جوائز الأدب مخصصّة للرواية في أنحاء العالم ومنها عالمنا العربي بطبيعة الحال.

وقد بدأت الصحافة العربية إبداء أهتمام واضح بنشر القصة القصيرة وهو الفعل الذي يجب تشجيعه لما للجريدة اليومية الورقية أو عبر موقعها عبر الشبكة العنكبوتية من تأثير على القاريء. وهنا أذكر بالذات جهد القسم الثقافي في جريدة الحياة الصادرة في لندن في نشر القصة القصيرة الأسبوعية ولأكثر من كاتب واحد أحيانا مما يحقق التواصل المطلوب بين القاص والقاريء عبر قصة قصيرة واحدة لكاتب أو كاتبة بدل أن يتعرف القاريء على كاتب من خلال مجموعته القصصية فقط مما قد لا يكون متاحا.

وقد قرأت خلال مدة ما يقرب من أربعة أسابيع أمتدت بين منتصف شهر آب/ أغسطس الماضي ومنتصف شهر أيلول/ سبتمبر سبع قصص قصيرة لكتّاب وكاتبات من أجيال مختلفة، وقد وجدت أن في القصص المنشورة من جميل السرد ما يستوجب الأنتباه أليه والتعريف به. كما أن القصة القصيرة المنشورة في صحيفة يومية لابد من أن تكون مواكبة لحدث معاصر يصير القاريء في لاوعيه جزءا منه من خلال فعل القراءة نفسه، وهذا ما وجدته من خلال قراءتي هذه للقصص المشار أليها.

قصة ” السيطرة على الأيقاع” للقاصة أسماء ياسين:

يهتم السرد في هذه القصة بموضوعة النفي والهجرة أو النزوح عن الأرض الأولى. وكل ذلك بما يعطي الأنطباع عن غربة الشخصية في القصة عن واقعها المعاش الحالي، لتذهب القاصة وعبر المونولوج أو الحوار الذاتي والتأمل عبر الصمت والمشاهدة، تذهب في التفسير والأستنتاج بشكل مكثف مركز. وكما تريد أن تقول عتبة العنوان حول الأيقاع، يجد القاريء وهو يضع نفسه مكان ضمير الغائب الذي كتبت به القاصة أسماء قصتها، أمام العديد من الإيقاعات والتي أذا أنصت القاريء لوقعها فقد يسمعها كما أرادت القصة..! ومن ذلك أيقاع دق عكاز الرجل العجوز ( شخصية القصة الوحيدة) وأيقاع رمي الحجارة في البئر وأيقاع الموسيقى التي يحبها وتراتيل الكنيسة وأيقاعات صدى صراخه هو. فكل ذلك أضافة الى صورة سيميائية معبرة كما في العشب الأصفر الذابل أو القهوة الصباحية أو المكعبات الزرقاء في السجادة التراثية، أنما يوظّف بشكل موجز ليخدم هدف القصة في تكسير حواجز غربة النفس والروح.

قصة “بقي الصباح لي” للقاص فؤاد قنديل

تتناول القصة بتكثيف وإيجاز مشكلة الفقد والخسارة من خلال الموت عبر حادث سيارة.. فهو ضمير المتكلم الرجل عند القاص قنديل والذي فقد زوجته بعد أن سحقت سيارتها الفارهة الجديدة مقطورةٌ أسطورية على طريق سانت كاترين.. فهذا هو مكان الحادث أذن والذي نتج عنه الفقد، وطلب سعر السيارة من قبل الدائنين الذين لا يعرفون الرحمة، فتم الحجز على ممتلكات الرجل والذي هو نفسه عانى من كسر ساقه التي حشيت بالمسامير.. وهنا تقرأ عن تعامل المثقف مع موضوعة الموت والخسارات، فهو التعامل الحضاري اذا جاز التعبير، والتعامل العقلاني الذي يخطط لصباحات جميلة في المستقبل رغم خسارته المفاجئة حاضرا..وها هو القاريء يعرفُ ان الرجل في القصة فنان يحب الأوبرا والكتب وأسطوانات الموسيقى العالمية والعربية ، أضافة الى حبه للطيور ولببغائه الذي ظلّ يصرخ . فعبر العلاقات بين هذا الأنسان المكلوم والحيوان الأليف (يملك قطة أيضاً) وعبر العلاقة مع الكتاب وأجهزة الموسيقى يتعمق الشعور بالحزن الذي رغم الأستسلام له ولكنه أدى بالرجل الى الأبتسام.. حيث ما زال مصرا على لبس أزهى الثياب ووضع العطر والتمشي وحيدا على الكورنيش، راقصا مثل زوربا حتى الشروق..trees

قصة لعنة ” الآي آي” للقاصة سعاد سليمان

تدور القصة في قاعة أنتظار المرضى في معهد أورام السرطان في مصر وكيف أن شخصية المرأة المتحدثة بضمير المتكلم يتراءى لها الرجل المريض بالسرطان وكأنه أبيها أو أحد أعمامها، حيث في ملامح وجهه المنحوتة شبها وأي شبه. وإذا كان مرض السرطان يسبب فقدان وزن الجسم مثلا إلاّ أن قصتنا هذه ركزّت على موضوعة الألم ومتانة الآهات الصادرة من صدر ضاق بما وسعه من ألم. وعليه جاءت عتبة القصة تناصا مع ألم وصفه القاص الكبير يوسف أدريس في قصته المعروفة ” لغة الآي آي” والتي وصف فيها ألم حصاة الكلى وهو الكاتب الطبيب. وإذا كنت لم أجد مبررا لزج حضور الصديقة العراقية التي لعب السرطان بأعضائها هنا في القصة المكثفة، إلاّ أن نهاية القصة بحوار الذات القاسي عن  طبيعة الذكريات التي تربطها بالرجل المصاب بالسرطان، لها ما يبررها في بناء الحال النفسي لمن فقدت أقرب أقربائها بسبب سرطانات أنتشرت في أجسام ناس أمتلأت بهم معاهد الأورام العربية.

قصة وظيفة خالية للقاص خالد عاشور:

تكشف هذه القصة بجلاء عن مشاكل الشباب العربي معتمدة السرد السريع بضمير المخاطب وكأني بالقاص يخاطب جموع الناس ليعلمها بجلال الخطب. أما البداية الصادمة ب ” مات صديقي..” فهي تجيء لتجذب القرّاء خاصة وانه مات بعد أن دهسته فتاة عشرينية تدّعي أنها خطيبته..!. تحاول القصة مرة واحدة ومن خلال قصة شاب بعمر ال ٣٥ عاما يبحث عن وظيفة تؤمن له مستقبله كشف الفساد الذي ينخر في الجسد العربي ونموذجه المصري في حالة القصة هذه بالذات. ومن نماذج الفساد:

١. الكذب والخلل العاطفي وزيف العلاقات الأجتماعية.

٢. الفساد العلمي من خلال سرقة البحوث العلمية في الجامعات وأتهامات الأساتذة بعضهم للبعض الآخر.

٣. ظاهرة البطالة بين الشباب المتعلم والإعلام الذي يتجاهل الحقائق حيث يشير مانشيت الجريدة الى تقلص نسبة البطالة في مصر عكسا للحقائق المعروفة من قبل الجميع.

٤. حاول القاص عاشور أن يردد شعارات خاصة بشخصية قصته ويضعها بين قوسين تحديدا وتحديا.. ومن ذلك ” كن فاسدا تحيا أفضل، فالبقاء للأفسد..” و ” أن الذين هلكوا بأيدي الأصدقاء أضعاف الذين هلكوا بأيدي الأعداء”..

قصة ورد للقاصة كارولين كامل وقصة طائرتان في عش للقاص محمد أبراهيم طه:

وما وضعي لهاتين القصتين في عنوان واحد إلاّ للإيحاء بأن القصتين إنما تعالجان موضوعا متشابها واحدا ألا وهو موضوع

المرأة في حالتها الأجتماعية وهي مطلقة في قصة ورد أو متزوجة من رجل بعمر أبيها في حالة ” طائران في عش”. ولعل دندنة هبة وتنهدها بأغنية يا ورد من يشتريك وعشق طفلتها لهذه الأغنية هو مفتتح ناجح لقصة عن معاناة أم موظفة في دائرة حكومية، تعيش وحدها مع طفلتها. وهي الأم التي تعشق أيضاً الموسيقى الصوفية وتنظر لطفلتها على أنها صديقة لها بعمر الأربع سنوات. وهي الأم الفنانة التي تزداد تحديا لظروفها الصعبة لتصبح أكثر إبداعا من خلال أنجازها للوحات جديدة كمعادل موضوعي لإنجازات في الحياة جديدة تتمنى أن تقلّدها فيها طفلتها ذات الأصوات الطفولية الرائعة ولكنها نصف مشروخة.!. ومن جانب آخر راح القاص محمد ابراهيم طه وعبر أستخدامه لضمير المتكلم يقص لقارئه عن علياء التي تنام حتى وقت متأخر والتي ينظر أليها كطفلة أكثر منها زوجة وهو الشخصية الكبيرة عمرا والذي يظلّ بعد سبع سنوات من الزواج من علياء مكتشفا لوجهها الآخر فيشعر بنغزة ألم في القلب. ويستدرج القاص قراءه بصور سيميائية تعبر عن حالات الكآبة والنهاية الحزينة المتوقعة في هذه الحالة حيث الغياب المفاجئ للشمس في الظهيرة وتراكم السحب والذي يقابله من جانب آخر غياب محمد أبن العمة المريض والذي يرقد في الطابق الخامس في معهد ناصر بالتحديد المكاني الذي قصد أليه الكاتب.

قصة سميراميس للقاص شعبان ناجي

حاول القاص في “سميراميس” وعبر أستخدامه لتقنية الحلم ونهوض الشخصية مفزوعا من نومه وعبر تناول سرده بإستخدام ضمير المتكلم، أن يدين الغنى الفاحش المفاجيء وأسلوب المعيشة الرغيد الذي تحوّل في طرفة عين الى جهنم حمراء. ومن خلال الكوابيس والأساطير التي توحي القصة بتحولها الى واقع يروي القاص ناجي بلغة سهلة الفهم واضحة كيف ان بيت الحزينة – دائماً وأبدا- عليه طينه.

وهنا لابد لي من أن أشير الى أهمية إيلاء فن القصة القصيرة والقصيرة جدا الرعاية الواجبة ومحاولة تعريف القرّاء العرب بكل ما هو جديد مبدع من أصول هذا الفن الذي يواصل التجدد والإبتكار والإدهاش دائماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى