مقالات

الراحل حسين سرمك.. الطبيب والأديب المبدع

كتب د. محمود محمد علي :

لقد شهدت الساحة العراقية منذ الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، بروز العديد من الأطباء، والعلماء، والمفكرين، الذين اتخذوا من الاصلاح والتجديد وسيلة وهدفاً، كل في مجاله، ووفق منهجه وأسلوبه، بحكم تنوع تكوينهم، واختلاف طبائع بلدانهم، وقراهم وأحوالها. وقد استطاع جلهم برغم ما كانت تشهده الدولة العراقية من ظلم، واستبداد، وتشرذم، وانقسام، تحقيق نتائج متفاوتة، كانت خير دافع لإيقاظ العراق الشقيق الأن من سباته، وانطلاقه إلي إعادة بناء حاضره، واستشراف مستقبله؛ والمتتبع لجهود تلك النخبة النيرة من المفكرين المصلحين، يلاحظ غلبة المنحى العقلاني علي مناهجها في التفكير، ومسالكها في الإصلاح، استجابة لمتطلبات المرحلة، مستنيرين بالنقي من موروثهم الحضاري الذي حظي فيه العقل التنويري بمكانة متميزة .

انطلق أولئك المصلحون يعالجون واقعهم بكل صدق وإخلاص، وبعيداً عن كل افتعال ومزايدة، مبشرين بمشاريعهم الإصلاحية، متحدين قوي الجمود والتخلف، غير مبالين بما يعترض سبيلهم من حملات التشكيك، حرصاً منهم علي إنقاذ ما سلم، وإصلاح ما فسد، دون خشية، ولا حياء من الاستئناس بكل محمود مما توصل إليه غيرهم من نظريات وابتدعوه من مناهج، وتحقق بفضل ذلك من انجازات ومكاسب، عملاً بقاعدة ” الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها” .

وكان من أولئك المصلحين الذين حملوا لواء التجديد، ورفعوا راية الإصلاح، العالم الكبير، والمفكر الجليل الدكتور” حسين سرمك حسن” – الطبيب والناقد العراقي المشهور، والذي وافته المنية في اليومين الماضيين، في أحد مستشفيات تركيا، بعد إصابته بعجزٍ كلويٍّ إثر مضاعفات جائحة كورونا أو كوفيد 19، وهو ممتلئ صحة وحيوية وشباباً، بعد عمل علمي مشرف، وكأن الزمن غضب لظهوره فبخل به عن الوجود، ورحل الدكتور حسين سرمك في غفلة، بعد صراع شجاع ومثالي مع كورونا اللعين، غادرنا جسداً، لكن ذكراه ستبقي طيبة، وسيظل زمراً في ميدان الطب، والأدب، والنقد، وبطلاً من أبطال العلم والثقافة، ورائداً هادياً في الأدب الشعبي، وفي الكشف عن مجاهل طرق التحليل النفسي في الأدب العربي.

والدكتور حسين سرمك حسن من مواليد العراق الشقيق، حيث عرفناه لطيفاً خدوماً، عميقاً في بحثه، جدياً في عمله، موسوعياً في اطلاعه، لم تصبه أمراض العظمة، ولا ” أكل لحم زملائه” حياً كما أصابت الكثيرين (من أشباه الباحثين والمتملقين)، كان يعمل ثم يعمل.

وأعترف، بأمانة المؤرخ: مؤرخ الأفكار لا مؤرخ السير، أن الدكتور حسين سرمك هو أحد المفكرين العراقيين المعاصرين، الذين جرُو علي إدخال مفاهيم التحليل النفسي في ميدان النقد والفكر، وعلي نحو خاص “دراسات الأدب والشعر”، وواحداً ممن أخذوا المضامين النفسية إلي ممارسات فضول معرفي ضروري تجاه الأدب والعلم، فقد جدف ضد تيار غالب في تلك المضامين النفسية المسكونة بالعلموية والوضعانية .

ولد فقيدنا عام 1956 في مدينة الديوانية، حيث حصل على بكالوريوس طب وجراحة عامة عام 1980- كلية الطب – جامعة بغداد، كما حصل على ماجستير في الطب النفسي والعصبي عام 1990- جامعة عين شمس – القاهرة ؛ وقد كان رحمة الله عليه عضوا اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وعضوا بجمعية الطب النفسي العراقية، وقد فاز بجائزة نقابة الأطباء لأفضل كتاب طبي (المشكلات النفسية لأسرى الحرب وعائلاتهم) مناصفة عام 2002 ؛ وهو الذي كان قد أسس موقع “الناقد العراقي” وكان أيضا المشرف اليومي عليه منذ 1/3/2009 ؛ علاوة علي أنه كانت له مشاركته في ملفات عديدة عن مفكرين ومبدعين عراقيين؛ مثل علي الوردي، وطه باقر، وسركون بولص، وعالم سبيط، ويحيى السماوي، وعبد الرضا علي، وفرج ياسين، وحنون مجيد، وغيرهم.. وقد نعتت الأوساط الثقافية في العراق، أول أمس الأحد الماضي (27 كانون الأول، 2020)، الناقد الدكتور حسين سرمك بكلام أبكاني .

ويعد الدكتور حسين سرمك من المنتمين إلي جيل مثقفي الثمانينات، وأحد الرعيل الثاني من جامعة بغداد، الذين سعوا بجهد علمي رصين، إلي وضع لبنات مشروع مجتمعي، ومعرفي حقيقي، يقطع كلياً مع المنظومات التقليدية، وبالتالي، التعبير ثقافياً بشكل من الأشكال عن تجليات الصراع التي كانت تدور رحاها داخل الأجهزة والمؤسسات السياسية بين القائم والممكن.

ولج الدكتور “حسين سرمك” ميدان الكتابة والتأليف من الباب الصعب، مختار الخيار الصعب، قطعاً، هو التراث الأدبي والعلمي الكلاسيكي، وهو صعب لأن الاشتغال علي التراث الأدبي والعلمي يتطلب من الباحث مجهوداً غزيراً، وصبراً جميلاً في قراءة مئات، بل آلاف المصادر الأدبية والعلمية، ودراسات من درسوها من الباحثين العرب والمستشرقين، مع ما يقترن بتلك القراءة من معاناة وجوه مختلفة من مشكلات الاتصال بالنصوص القديمة، ونظامها المفهومي، وصلاتها المعلنة والمضمرة بنصوص تراثات أخري.

أولا: المؤلفات النقدية: مثل التحليل النفسي لملحمة جلجامش، قطار الشظايا الندية (عن أدب الحرب)، والتحليل النفسي للأمثال الشعبية العراقية، وفي علم نفس الإبداع: مملكة الحياة السوداء (عن محمد خضير)، ومخيرون بالشعور، ومسيرون باللاشعور(عن مهدي عيسى الصقر)، والتحليل النفسي لأسطورة الإله القتيل (أسطورة نزول عشتار إلى العالم الأسفل)، وفؤاد التكرلي والجذر الأوديبي للموقف الوجودي، وميسلون هادي وأدب عصر المحنة، والتحليل النفسي لأدب المراسلات: بدر شاكر السياب وغسان كنفاني انموذجاً، وبئر المحارم (عن محمد أحمد العلي)، والقرين المعادي( عن حنون مجيد) – بغداد، واللعنة المباركة: جدل المقدس والمدنس في الأدب الروائي عند وارد بدر السالم، و ما بعد الجحيم (رواية) – دمشق- منشورات اتحاد الكتّاب العرب، والركابي عرّاب اللاشعور الماكر -(حول عبد الخالق الركابي)، والثورة النوابية: دراسة أسلوبية في الشعر العامي للمبدع “مظفر النواب، والفردوس المشؤوم: دراسات في منجز حكّاء المنافي: علي عبد العال، ورواية قرن الخراب العراقي العظيم (عن ذكرى محمد نادر)، وإشكاليات الحداثة في شعر الرفض والرثاء: يحيى السماوي أنموذجا، وإغماض العينين المميت: دراسات في أدب لؤي حمزة عباس القصصي، والتويجري ناقدا: في أثره وهو يقص أثر المتنبي، وشتاء دافىء- دراسة أسلوبية تحليلية في شعر عيسى حسن الياسري:القاهرة، وعيسى حسن الياسري: شاعر قرية أم شاعر انسانية، دراسة تحليلية أسلوبية في شعره.. الخ.

ثانيا: المؤلفات العلمية: مثل: المُرشد في مرض الصرع ( ترجمة)، والمشكلات النفسية لأسرى الحرب وعائلاتهم، والمُرشد النفسي في رعاية المعاقين، وأمراض الأشخاص المهمين جدا الـ(vips)، وموسوعة تاريخ الطب – (ثلاثة أجزاء) – ترجمة، وفاجعة تعذيب الأسرى العراقيين في أبي غريب (دراسة في سيكولوجية الشخصية الأمريكية) – بغداد، وموسوعة النمو النفسي للإنسان من الرحم حتى سن الثامنة عشرة، وموسوعة الأخلاق الطبّية والسلوك المهني للأطباء.. الخ.

وللدكتور حسين سرمك – المغفور له- مؤلفات عديدة، يمكن تقسيمها علي النحو التالي علي سبيل المثال لا الحصر:

ثالثاً / المؤلفات الفكرية مثل: الإزدواجية المُسقطة (محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي) (مشاركة مع الأستاذ سلام الشماع)، وعلي الوردي عدوّ السلاطين ووعّاظهم، والناقد ناظم السعود .. الخ.

ثالثاً: الدراسات المنشورة: مثل عشرات الدراسات والمقالات في جريدة (الزمان) اللندنية والصباح الجديد والصباح، وعشرات الدراسات والمقالات في المواقع الإلكترونية كالنور والمثقف والمرايا وأدب وفن وكتابات وغيرها، ودراسات في مجلة نزوى ودراسات الإماراتية وفكر السورية وغيرها .. الخ.

وفي تلك الكتابات وجدنا الدكتور حسين سرمك يمثل بحق علماً من أعلام العراق، ونموذجا للطبيب، الأديب، والناقد، والعاشق للشعر والأدب؛ فيكفيه سعيه طوال ثلاثين عاماً أنه سعي من خلالها إلي رفع مستوي الوعي الأدبي والثقافة العلمية في الدرس الأكاديمي؛ حيث اعتبرت كتاباته في الأدب والعلم منعطفاً ريادياً، كان لها أثرها في رفع الوعي الأدبي والعلمي – الاكاديمي في العراق الشقيق إلي مستوي علمي نقدي جديد لمجمل المفاهيم والأفكار في العلم والأدب والنقد .

ميزة أخري تميز بها الدكتور حسين سرمك في كتاباته، ألا وهي قدرته الفائقة علي الإفلات من الإسراف في النقل، موظفاً كل جهوده للفصل فيما هو أهم وأوكد، معرضاً عن الخوض في كل ما لا تدعوه الحاجة إليه من المسائل الأدبية والعلمية والقضايا الخلافية، جاعلاً غايته إفهام القراء وإقناعهم بما يجب عليهم الاهتمام به .

لقد أفلح الدكتور حسين سرمك في كتابته للوصول إلي جملة من النتائج غير المسبوقة، بفضل ما ألتزم به من دقة في الوصف، وعمق في التحليل، وواقعية في الاستنتاج، شعاره في ذلك شعار (الطاهر بن عاشور) – كما اعتقد، أن لا يخرج الفهم عما يصلح له اللفظ عربية، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل، ولا يكون تكلفاً بيناً، ولا خروجاً عن المعني الأصلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى