مقالات

أحمد بوزفور..والتصور العميق للأبداع القصصي

كتب صالح لبريني

أحمد بوزفور، واحد من أبرز القصاصين الذين نذروا حياتهم الإبداعية للقصة القصيرة، وسلك فيها مسالك شتى، تميزت بالفرادة والمخالفة، سواء على مستوى الموضوعات أو البنى النصية، هذه الأخيرة لم تكن صدى للبنية التقليدية، بقدر ما تمكنت من خلق بنيتها القصصية من الداخل.

وفي هذا تعبير عن مسارات التحول والتبدل، التي شقتها القصة المغربية، من خلال الميل في اتجاه تكسير المنوالية المألوفة والسائدة، بخلق قصة تنصت للواقع، وتبتعد عن محاكاته، في الوقت الذي تصوغ متخيلها النصي ، ومن ثم خطابها القصصي الموسوم بالجدة، والجدير بمحبة القراءة. فالقراءة من دون المحبة لن تنتج معرفة حقيقية قمينة بالاستمرارية.

فالقصة عند بوزفور، لا تقول العالم؛ وإنما تبنيه وفق رؤية إبداعية وتصور عميق للكتابة. فجاءت تجربته القصصية مستفزة لكهنة الإبداع الذين يؤمنون بالقوالب الجاهزة؛ ويرفضون سيرورة التحول والتغير على مستوى الكتابة الإبداعية، لأن عقيدة الكاتب الإبداعية، كانت الأقوى والقادرة على كشف واكتشاف مناطق السرد المجهولة، باختراق الكائن السردي بلغةٍ قصصية تثير الاستغراب والدهشة، وتحدث صدمة بالنسبة إلى الذائقة المتعودة على ثبوتية الشكل، لهذا انمازت القصة القصيرة عند بوزفور، بالتغنج والدلال، والعصيان على الترويض القرائي، إن صح التعبير، تمارس غوايتها على القارئ بشكل سردي مكسر لأفق الانتظار، ومحققاً المسافة الجمالية التي تستثير المتلقي لمواصلة الحفر والتأمل، وولوج عوالم قصصية متخيلة ذات نفَسٍ تجديدي وروح جديدة، تسري في شرايين النص القصصي، لكونها تجاوزت التنميط على مستوى السرد، بخرق القواعد القصصية المتكلسة. لذا؛ فهي تحفز وتحرض على مطاردتها ومناوشتها، من خلال القراءة الفاحصة والحافرة في طبقات الحكاية. على اعتبار أن القصة، عند بوزفور، ذات بنية سردية متساوقة مع الإبدالات، التي مست البنى الفوقية والبنى التحتية للمجتمع المغربي.

إن المتن القصصي الذي خلفه القاص أحمد بوزفور، بدأ من (النظر في الوجه العزيز)، مروراً بـ(الغابر الظاهر)، وقوفاً عند (صياد النعام)، وآخر يتمثل في (ققنس). وفي النقد نشير إلى أعماله النقدية المتميزة، منها: (الزرافة المشتعلة: قراءات في القصة المغربية الحديثة) دون نسيان أطروحته (تأبط شعراً) التي تناول فيها الشعر القديم برؤية تتسم بالجدة في المقاربة والعمق في القضايا المطروحة. من هذه المعطيات؛ فأحمد بوزفور متعدد، وفي هذا التعدد نجد الاختلاف المثمر والبناء.

وما يميز تجربته القصصية كونها تعبّر عن مراحل تطور النص القصصي بالمغرب، ذلك أنها تجسد التجلي التاريخي والنفسي والإيديولوجي، خصوصاً المجموعة الأولى التي كانت تقول الواقع أو المدلول، حيث نجد مظاهر الظلم متجلية عبر ثيمات العنف والانحراف والقمع والاستبداد، فجاءت ملامح الخطاب تزخر بالسمات الدرامية العاكسة لمأساوية الشخوص ومفارقات المجتمع المغربي، والكاشفة عن كون العنف مظهراً من مظاهر وضع اجتماعي مأزوم. لكن القصة عنده، ستنسلخ من هذا الملمح الواقعي، مع الثمانينيات في المجموعة الثانية، حيث غدا الانكباب عن قضايا بعيدة عن الانشغالات السياسية والإيديولوجية، إلى قضايا أشد ارتباطاً بكل ما له علاقة بالكتابة والإبداع، مع ملاحظة استمرارية آثار بعض التجليات السابقة للمرحلة الواقعية، ويمكن وصفها بالكتابة المتأثرة بصدى الخارج النصي وحرارة المرحلة التاريخية والسياسية، التي دمغت علاقة السلطة بالمثقف، وهي علاقة التوتر والصراع.

لكن المجموعة الثالثة (صياد النعام) ستحمل تغيرات على مستوى الموضوعات، إذ نلمح كل مظاهر الاحتفاء بتجربة الكتابة الإبداعية ورؤيته الفكرية العميقة، تجاه الحياة والمجتمع، وهي رؤية معبرة عن عوالم الإحباط والشعور بالخيبات. وبالتالي فشخصيات بوزفور، شخصيات تختار العزلة ملاذاً، والصمت عن الكلام موقفاً، وتنشد الوحدة باحثة عن معنى وجودها، وعن معنى الحكاية باستثمار جمل سردية نقية من كل ما يشوبها من عوالق، هذا دون التضحية بالحكاية. فهذه الأخيرة كانت هاجسه وانشغاله في جل متونه القصصية. وهذه السمات في الكتابة القصصية لدى بوزفور، استجابة منطقية للإبدالات العميقة، التي أحدثت حلحلة في التصورات المهيمنة في كتابة القصة القصيرة، وتغيير المواقف من وظيفة الإبداع بصفة عامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى