مقالات

فيروس كورونا…إلى أين؟

كتب د. خالد الشفي/ أستشاري الأمراض المُعدية

ليس غريبا على الإنسان وهو سيد المخلوقات أن يقبل تحدي فايروس الكورونا الثاني أو السلالات المتطورة.. التي جاءت من قبله ومن بعده. فلقد أودع الله سبحانه في بني البشر مقومات التحدي لكل الكوارث وأصبح امرا طبيعيا أن يصارع الإنسان كل تهديدات وجوده على الأرض ليثبت انه حقا سيد المخلوقات بما اودع الله فيه من عقل وقدرة متجدده ليست في البقاء وحده ولكن أيضا في قوة الإبداع.. أنه بلا شك أهل لذلك وبذلك يستحق أعلى جزاء (الجنة) خصوصا عندما يرتقي في سلّم الأخلاق ويسمو عاليا.

وقد أستعمل العرب كلمة جرثومة للدلالة على أصل الأشياء الحية وصغرها، ومن ثم تطور الأستعمال ليدل على الأحياء المجهرية التي لا ترى إلا بالمجهر الذي يكبر الاشياء للعين المجردة .

قال تعالى في كتابه العزيز:

ومن أحياها فقد أحيا الناس جميعا. وهذا ليس حثا وإنما استنفارا له ليكون أهلا للتحدي من أجل بقاء نوعه ..فتأمل!!.

ولابد من القول بأن الأمراض المعدية (المتسببة عن الجراثيم) تختلف عن غيرها من الأمراض حيث أنها تنتقل من أنسان إلى آخر، ومن الحيوان إلى الإنسان، وتسبب بذلك العدوى والأوبئة والجائحات..أضافة الى ذلك فأن عملية العدوى (وهي أنتقال الجرثومة من شخص إلى آخر) أنما هي عملية صراع بين مخلوقين حيويين بغية البقاء والتطور.

وهنا نشير الى أن حدوث المرض من بعد العدوى وشدته يعتمد على أمور كثيرة منها مناعة الإنسان، فكلما كانت المناعة قوية، كلما كان المرض أخف وطأة على الإنسان. 

وفايروس الكورونا ليس حالة شاذة هنا، وإنما هو إحدى صور العدوى والأمراض المعدية.. وبما أن الجراثيم صغيرة جدا ولايمكنها أن تفكر كالانسان، فأنها ولكي تحافظ على بقائها تستعين بالطفرات الوراثية أو أكتساب جينات أخرى كي تتحدى الطبيعه من أجل البقاء، في حين أن الإنسان كونه مؤلف من من أنسجة في غاية التطور لا يتمكن من تغيير صورته أو أخذ جينات أخرى، بل أنه يستعين بذكائه كي يصنع الأدوية واللقاحات من أجل البقاء وأثبات القدرة على التحدي..

وتنقسم اللقاحات الخاصة بالكورونا إلى لقاحات تقليدية، ويتم تصنيعها بوضع الجينات الخاصة بإنتاج النتوءات التي تساعد الفايروس على الألتصاق بخلية الجسم ومن ثم الدخول فيه والتكاثر (gene that code for the spike proteins)، هذه الجينات توضع على فايروس أليف، وثم تزرق في جسم الإنسان بغية تحفيز جهاز المناعة لديه وإنتاج المضادات الحيوية وخلايا الذاكرة. 

أما النوع الجديد والجرئ فهو يعتمد على تقنية جديدة تسمى nanotechnology أي الأجسام الصغيرة جداً، وهي حبيبات دهنية يوضع فيها مرسال الأحماض النووية الذي بدوره يعطي الأوامر إلى مركز صناعة البروتين ribosomes ويأمرها أن تصنع النتوءات التي ذكرناها سابقا لغرض المناعة كما هي في حالة اللقاحات التقليدية. 

لقد أثبتت التجارب العلميه لحد الان قابلية التطعيم باللقاحات على تحفيز المناعة في جسم الأنسان ولكن لم يثبت لحد الان أثرها في الميدان، ولا المضاعفات التي من ممكن ان أن تضر الإنسان على المدى البعيد. وهذا ما سوف تثبته الأشهر والسنوات القادمة.

ومن المفيد ذكره أنه في الأسابيع والأشهر الماضية ظهر نوع متطور من فايروس الكورونا New variant يحتوي على أكثر من عشرين طفرة وراثية!. حيث أثبت قابليته على التأقلم، بحيث أصبح يمثل أكثر من70بالمئه من الأنواع الأخرى التي حصلت فيها طفرات بسيطة.

هذا الحدث أثار قلق الأطباء والعلماء لأنه ربما يتسبب في فشل اللقاحات أو ربما يكون أكثر شراسة.

المعلومات الميدانية بينت أن هذا النوع الجديد من فايروس الكوفيد19، والذي أكتشف أول الأمر في مقاطعة كنت، ومن ثم انتشر في انكلترا، وظهر في استراليا وجنوب أفريقيا وفي بعض الدول الاوربية ، هو لحد الان لم يكن أكثر شراسة وربما يكون أكثر ألفة بالرغم من سرعة أنتشاره.

وتجري البحوث المختبرية للتأكد من أن اللقاحات المتوفرة كافية لأحداث المناعة لهذا النوع الجديد أو ربما تحديثها كما هو الحال مع تجديد اللقاحات في مرض الأنفلونزا.

ومما هو مفيد ذكره هنا أن التشخيص المختبري قادر على أكتشاف التغيرات والطفرات الوراثية، وربما هو أيضا بحاجة إلى تطوير مماثل حتى يغطي توقعات المستقبل باستعمال multiplex PCR أي زيادة في قوة التشخيص المختبري.

ولكن يبقى هناك سؤال أكثر أهمية من كثير من التساؤلات وهو:

ماهي الصورة النهائية لهذه الجائحة ؟

هناك ثلاث أحتمالات:

الأحتمال الأول أن الفيروس سوف ينتهي ذكره كما أنتهى فيروسSARS1 الذي ظهر عام2002/3 وأختفى عام 2005.

او يكون شبيها بMers-Cov الذي يظهر بين الحين والآخر على شكل حالات متفرقة جدا وليس بشكل وباء والذي ظهر في الجزيرة العربية حوالي عام2010.

او لا سمح الله يفتك بكثير من البشر ويستمر الهلع مدة أطول.

ومع هذا فأن كل المؤشرات تدل على أن الفيروس سيكون أكثر ألفة، وسوف نتعايش معه كما كان وأصبح الوضع مع أنفلونزا الخنازير والذي أصبح جزءا من الأنفلونزا الموسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى