طب وعلوممقالات

ذكريات طبيب عراقي: تعلّم السباحة.. في مستشفى الحميّات ببغداد

كتب د. سامي سلمان

في30 حزيران 1973 تخرجت من كلية طب بغداد، حيث تم توزيع الخريجين على مستشفيات بغداد أولاً حسب درجات المعدّل العام، ثم تليها المحافظات الأخرى. وقد كانت حصة مستشفيات (بغداد) الستين الاوائل من الخريجين من مجموع 230 طبيبا من الذين تخرّجوا ذلك العام.  ولحسن حظي فإن إسمي كان ضمن الستين الأوائل الذين تم توزيعهم في بغداد. واذكر أني استلمت الكتاب الرسمي من (مديرية الخدمات الطبية) في وزارة الصحة الذي ينص على كوني قد صرت ألآن وبصورة رسمية (طبيباً).  والطبيب دوري هي الدرجة التي نبدأ فيها مهنتنا الطبية الحقيقية. فكلمة (دوري) تعني أن علينا ان ننتقل للتدريب على أربعة أنواع من الإختصاصات الطبية خلال سنة واحدة، كل واحدة منها لمدة ثلاثة أشهر. وهذه الأختصاصات هي (الباطنية) و (الجراحة) و (النسائية والتوليد) ثم ثلاثة أشهر نقضيها في واحدة من إختصاصات متفرقة تعرف ب(الفرعيات). أما الكتاب الرسمي الذي أستلمته فقد كان ينص على أن تكون إقامتي الأولى في (مستشفى الحميّات ببغداد)، على أن أباشر في اليوم التالي لإستلام كتاب المديري. وعندما سألت عن هذا المستشفى وأين يقع؟ أخبروني انه في منطقة (تل محمد)..!.وعندما سألت أين (تل محمد) هذا؟ اإذ إنني (كرخي) الأصل! ولا أعرف شيئاً عن جانب (الرصافة) عدا منطقتي (الباب المعظم) و(الباب الشرقي)..! أخبروني إنّ (تل محمد) والمستشفى الذي تعينت فيه يقع مقابل (كراج الأمانة). ولم أعرف كراج الأمانة هذا فقالوا لي أه في منطقة كمب سارة ببغداد..!..  (كمب سارة) ؟؟ وهل أنا أعرف أين (تل محمد) حتى أعرف أين (كمب سارة)؟ ثم من هي الأخت (سارة) هذه؟ التي عندها (كمب) سمي بإسمها؟!…(كمب باللهجة العراقية تعني نفس كامب camp  بالإنكليزية وتعني المعسكر.

وفي النهاية عجزت  عن تصور مكان المستشفى، فركبت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يأخذني الى (مستشفى الحمّيات) في (كمب سارة).!.

دار الأطباء

ووصلت هناك..فاذا انا قبالة  حائط طويل ركن يحيط بمباني ثلاثة قديمة من الطابوق. وربما انها كانت قد بنيت في الأربعينيات.. سلّمت (الأمر الأداري) الى المدير، وتبين فيما بعد انه خريج (روسيا). وقد أرسل المدير معي من يوصلني الى(دار الاطباء).. ذاك المكان الذي أسكنه في الأشهر الثلاثة القادمة، حيث ألقيت بحقيبتي وحاجاتي هناك. لم يكن المكان فعلاً (داراً) وانما (غرفتين) من طابق علوي في نفس بناية الادارة، سميّت مجازاً (دار الاطباء).

هناك ألتقيت بزميلي وهو أحد طلاب دورتنا إلا أنني تعرفت عليه لأول مرة عند لقائي به في هذا المستشفى، وربما هو الآخر لم يكن يعرف اسمي قبلاً!. ولم يكن في المستشفى أي أطباء (مقيمين أقدمين).. فقط  نحن الإثنان من الأطباء ال(مقيمين الدوريين).

نظام تدريب الأطباء ومشاكله

 أما نظام التدريب والإقامة في المستشفيات فهو يقضي بتقسيم المقيمين الى (مقيم دوري) وهو المتدرب  في سنته الاولى، و(مقيم أقدم) وهو الذي قد أكمل سنة في الإقامة الدورية، وسنة ونصف أو أكثر في الخدمة العسكرية، وسنة في الأرياف، ثم عاد ليتدرب بشكل  مفصّل وموسّع  في المستشفى وعلى إختصاص واحد ولمدة سنتين.  لذلك فهو أكبر سناً من المقيم الدوري بثلاث سنوات على الأقل، وأكثر خبرةً بالحياة و الطب والأمور الإدارية، وهو عادةً أفضل من يقوم بتدريب (المقيم الدوري)). ولو شبهنا الأمر بعمّال البناء.. ف(المقيم الدوري) هو (العامل البسيط) أما (المقيم الأقدم) فهو (ألخَلفَه أو الأسطة).

 ومن اليوم الأول كنت أنا (الطبيب الخافر) بعد الدوام! هكذا… بدون أي تدريب أو إرشاد أو وجود (مقيم أقدم) يشرف على عملي ويوجهّني!. كان هناك طبيب (مقيم دوري) واحد من الدورة التي تسبقنا، حيث كان هو نفسه ينتظر مجيئنا بفارغ الصبر، لاّن عليه الأنفكاك للألتحاق بالخدمة العسكرية!، لهذا فقد شرح لي بإختصار شديد وعلى عجل ما يتوجب علي فعله أثناء الخفارة، ثم تركني لوحدي، ولسان حاله يقول (اذهب أنت وربك فقاتلا).!.

الطبيب الخافر..التجربة المرعبة

وأذكر أن أول خفارة كانت لي كارثة بمعنى الكلمة! بل هي كانت تجربة مرعبة لن أنساها!. فقد كنت قد نسيت كل شئ! كل ما درسته وتعلمته في (كلية الطب)!. يا إلهي أنا لاأعرف شيئاً!.جاءت سيارة الإسعاف وقد سلمتني رسالة (إحالة من عيادة خاصة) ومعها مريض مصاب ب(ألتهاب الكبد الفيروسي)، حيث أدخلته المستشفى، وقد غاب عن ذاكرتي كيفية البدء بمعالجته!، وأستلمت آخر مصاباً بالتهاب السحايا!، وكنت قد نسيت تمامأً ما درسته وما هو العلاج الذي يتوجب اعطاؤه له!.

وقد كانت ردهات المستشفى في الحميات موزعة بشكل غريب لا تجده في أية مستشفى أخرى في العالم!. فهناك ردهة كاملة (سحايا رجال) وردهة (سحايا نساء)، و ردهة (ألتهاب كبد فيروسي-رجال) ومثلها للنساء!، وردهة (التيفوئيد) و أخرى (خنّاق)!. مستشفى أبنيته قديمة مهترئة، وممرضاته أوشكن على سن التقاعد، أو من (المنفيّات) المغضوب عليهن في وزارة الصحة!. وبعد أيام أنتابني إحساس بأن المستشفى بأطبائه وممرضاته والعاملين فيه هو (منفى) لكل مغضوب عليه أو معاقب من قبل وزارة الصحة!.

في البداية كنت لا أزال ساذجاً!.لايمكن ان أنسى الساعات الطوال جداً التي كنت أضع فيها كمادات ثلج لطفل مصاب بحمى عالية جداً دون ملل أو كلل. وأنا أضع الكمّادات وأراقب  الطفل برُعب مخافة أن تقتله الحمى,  كما لو كان إبني انا!.. وأبقى معه حتى يصيبني الإعياء!. . 

ولكني وبعد أسابيع قليلة تعلمت أن اكون أكثر واقعية، وأن الموت والحياة بيد الله.. وليست بيدي.

السباحة.. ومستشفى الحميات

 وفي مستشفى الحميات ببغداد مررت بأيّام وليالٍ مريرة تعلمت فيها الكثير!. وأظن أن أفضل طريقة لتعليم أي أنسان مبتدئ السباحة هو إلقاءه في الماء بدون أي تعليمات،  ثم إلقاءه  ثانية وثالثة وتعريضه للغرق عدة مرات!. فيكون أمام خيارين إمّا الغرق، او تعلم السباحة لإنقاذ نفسه!. وهذا ما حصل معي بالضبط!.

 ومن الحالات التي يصعب نسيانها في ذلك المستشفى، ذلك الطفل المصاب بألتهاب الكبد الفيروسي، وكان الأصفرار يزداد عنده بشدة، وكان (الطبيب الاختصاصي) الذي يأتي في النهار، يزيد ويزيد من جرعات (الكورتيزون) الذي نعطيه للطفل بحجة أن هذه هي حالة ألتهاب كبدي شديد.. وفي عصر أحد الايام نادتني الممرضة لرؤية ذلك الطفل على وجه السرعة كان قد وضع رأسه في (سطل معدني) وأخذ يتقيأ بشدة ودون توقف حتى خرجت آخر واحدة من كتلة كبيرة من (ديدان الأسكارس) العملاقة! وبعد يوم واحد أخذ اللون الأصفر يتلاشى ويزول تدريجياً من جسمه وعينيه، وتعود العافية بدون (كورتيزون)!، فقد كان السبب في مرضه هو انسداد (قناة الصفراء) الرئيسية عندما أستقرت فيها إحدى تلك الديدان التي يزيد طول أنثاها عن الشبر احياناً.

الطفل .. والنمل في العيون

وفي نهار أحد الأيام كنت أجري الدورة المعتادة على المرضى، فدخلت إحدى الغرف التي تخصص لعزل المرضى شديدي العدوى.. حيث كان يرقد فيها طفل لايتجاوز عمره الأربع سنوات.. وكانت الغرفة شديدة الظلام بسبب غلق الستائر والضوء الكهربائي..وما ان فتحت الضوء فيها حتى رأيت الطفل وقد غطى محجر كل عين من عينيه النمل!، فلا يمكنك أن ترى عينيه من خلال تلك الكتل من النمل..وقد جلس جنبه المرافق الشاب (خاله) والذي لم يلحظ النمل الذي ألتهم جزءاً من جفني الطفل.. أصبت بذعر أوشك بي على فقدان وعيي!، ثم وبسرعة ومع أستعمال الكحول المطّهر والقطن أخذت أمسح النمل وأبعده عن عيني الطفل.

طفل مريض بداء الكلب

وفي أحد الأيام في مستشفى الحميات ببغداد أدخلنا طفلاً لايزيد عمره عن العشر سنوات كان قد عضّه كلب مصاب ب(داء الكَلَب)، فبدأت أعراض المرض واضحة على الطفل. وكنا ولغرض التأكد من التشخيص نضع بعض الماء في راحة يدنا ثم نقربه من وجه الطفل، وكان الطفل المسكين يصاب بالرعب الشديد، ويبدأ بالتشنج والصرع كلما رأى الماء يقترب منه!.. وحينما أزدادت حالته سوءاً، رغم كل المهدئات التي كنا نعطيها أياه،  صار يصاب بالتشّنج والصرع كلما قمنا بتشغيل مروحة الغرفة، أو كلما مرت به نسمة هواء رغم شدة حر تلكم الأيام ببغداد. وبدأ الطفل المريض يموت شيئاً فشيئاً هكذا أمام اعيننا.. دون أن نتمكن من عمل أي شئ لايقاف التدهور السريع  في مرضه.

 كان طفلا طيباً جميلاً قد جئ به من إحدى قرى كردستان، وشيئاً فشيئاً أصيب بالإعياء وغاب عن الوعي.. وكان يوم موته يوماً حزيناً مؤلماً أبكاني وأبكى كل من في المستشفى من أطباء وممرضات وعاملات.

طبيب عراقي يتحدى أطباء فرنسا

 وبعد ذلك بعدة سنوات وبعد حصولي على أجازة دراسية في فرنسا لدراسة طب المفاصل، كنت العربي الوحيد ضمن مجموعة من ثمانية أطباء.. وكنت أتباهى أمام أقراني من الأطباء الفرنسيين وأتحداهم أن كان احد منهم قد مرّت به حالة مرضية لم أرها سابقاً.. فبعد سنة إقامة دورية في مستشفيات بغداد، ثم فترة الخدمة العسكرية، فالخدمة بالأرياف ثم الأقامة القدمى، كانت كلها كفيلة بمنحي خبرة بكل الحالات المرضية حتى النادرة منها..  ثم كنت أقوم انا بدوري بتحّدي زملائي الفرنسيين أن كان أحد منهم قد رأى أو مرّت به حالة مريض مصاب بداء الكلب!، وكان يصيبهم الوجوم فوراً و يعلنون إستسلامهم.. إذ لم يكن أحد منهم قد رأى ذلك ابداً.. وكنت أفوز دوماً بالرهان ويبدأوا بالإنصات والإستماع لي باهتمام بالغ وانا منهمك بتعليمهم أعراض وعلامات ذلك المرض.

 في ذلك المستشفى-مستشفى الحميات ببغداد-  رأيت المصائب من الأمراض الصعبة والمستعصية. ورأيت ألتهاب الدماغ عند الأطفال، كأحد مضاعفات مرض (الحصبة).. فبقيت مرعوباً من مرض (الحصبة) بعد زواجي، بحيث أنني كنت أسارع الى تلقيح أولادي ضد الحصبة بأسرع ما كان يمكنني ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى