طب وعلوممقالات

دفاعا عن ثاني أوكسيد الكاربون

كتب د. عبد الحميد العباسي

كثيرة هي المصائب والكوارث والمخاطر التي إنصبَّ اللومُ فيها على غاز ثاني اوكسيد الكربون. أمطارٌ وفيضاناتٌ وثلوج وحرائق وأمراض ووفيات يقولون أنه هو مسئول عنها، ويقولون: أنه نتاج أفعال مستهلكة للطاقة. ذلكم بهتانٌ، ليس اكثر منه بعداً عن الحقيقة.

فثاني أوكيد الكربون، عنصرٌ أساس في خَزن الطاقة ورافدٌ لها: سَلْ أية شجرة مُورقة، ستقول لك *اعطني شيئا من ثاني أوكسيد الكربون وستقتنص أوراقي من ضوء الشمس فوتوناتِه Photons، ثم تستخدم طاقة تلك الفوتانات لتسلخ ألكترونين أثنين في المدار الخارجي لذرة هيدروجين الماء، ومن ثَمَّ تستعمل طاقة هذين الأكترونين لتحريك (تفعيل) التفاعل الكيميائي :6CO2 +6H20 = C6H1206+6O2 أي: ثاني اوكيد الكربون + ماء + طاقة = نشويات + اوكسجين. ومن النشويات ممكن للشجرة نفسها تركيب سكريات وزلاليات (بروتينات) و شحوم (وزيوت) وأخشاب (سلليلوز) وفحم ونفط (قيل من الاشجارٍ التي طُمرت منذ أقدم الازمان، هذا فضلا عن الأوكسجين (02) المتحرر عن التفاعل أياه، إذ تشير دراسات الى أن ما تنتجه غابات الأمزون من الاوكسجين، يعادل نصف ما يستهلكه البشر على الكُرَة الارضية. فها أنت ترى أن في أنتاج الأخشاب والفحم والنفط والأوكسجين، يكون لثاني أوكسيد الكربون دور محوري في توليد الطاقة لا أستهلاكها. وهو الى ذلك غاز أساس في تركيب الأحجار والصخور ومركبات كربونية أُخرى. فثاني أوكسيد الكربون حيوي لأدامة الحياة في خلية المخلوق وفي أداء أعضائه لوظائفها على الوجه الاكمل، ويتجلى ذلك عند الأفراد الذين يشّح عندهم هذا الغاز وأخص منهم أولئك الذين يعانون من متلازمة فرط التهوية Hyperventilation Syndrome إذ وبمرور الوقت، يشح ثاني أوكسيد الكربون في أجسادهم عندما يطرحون من هذا الغاز الى خارج الجسم عن طريق التنفس أكثر مما يتكون في أجسادهم جراء الأفعال الحيوية المختلفة، لأسباب نفسية. وهو غير نوبات التنفس العميق والسريع التي تصاحب نوبات القلق الشديد والخوف والتي يسميها البعضHysterical Hyperverntilation ويعزوها الى أسباب نفسية أيضا.

في المتلازمة (المزمنة) التي نحن بصددها ترتبك كاقة الأفعال الحيوية والوظيفية للشخص حالما يهبط مستوى ثاني أوكسيد الكربون الى حد حرج. ومن هذه الأضطرابات ما يخلق أعراضا شديدة وخطرة. أما حالة العدم Depersonalization ففيها يحس المريض بحالة من عدم التماس بمحيطه، وكأنه يقف على سحاب والعالم خارجه. أو هو خارج ما حوله. وهي حالة ممكن الوصول اليها بالتنفس العميق السريع لمدة دقائق، وآليتُها هو حدوث تقلصُ الأوعيةِ الدموية في الدماغ وأنخفاض مستوى ثاني أوكسيد الكربونCO2 وتقلص الأوعية الدموية التي تغذي الدماغ يعني نقص ما يصله من أوكسجين، وأرتباك وخمول خلايا الدماغ. وهذه ظاهرة يستفيد منها جرّاح الدماغ في حالة أرتفاع الضغط داخل القحف: High intracranial pressure، وذلك بزيادة تهوية الرئة فيزيد ماطرح من غاز الى خارج الجسم ويهبط مستوى ثاني أوكسيد الكاربون فتتقلص الأوعية الدموية، ويقل مرور الدم الى الدماغ فيهبط الضغط داخل الجمجمة. وقد يكون هبوط ثاني أوكسيد الكربون وتقلص الأوعية الدموية في الدماغ كما ذكرت هو الآلية وراء أحساس الصوفي (أتباع مذهب الصوفية المعروف) -وقد رأينا طقوسهم في اللف والدوران المستمر- بحالة العدم، حيث يصاحب الطقوس فرط التهوية الذي أسلفنا وتقلص أوعية الدماغ وشحة ما يصله من أوكسجين، والتي عرجنا عليها أعلاه، مما يصل بالممارس لتلك الطقوس ألى ما يقرب من حالة العدم تلك، وتبعا لذلك شعورهم بأنهم وصلوا أوكادوا أن يصلوا الى حالة تقربهم من التعرّف على الخالق او الأحساس بقربه سبحانه، والله أعلم.

أما أن تراكم ثاني أوكسيد الكربون في الطبيعة أو في الجسم وما يترتب على ذلك من تداعيات، فهذا ليس ذنب هذا الغاز بل ذنب من أسرف في تكوينه في المحيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى