أخبارمقالات

فيلم النمر الأبيض.. وصورة الهند سينمائيا

أقلام-خاص

يبدو النمر الأبيض الذي يتجول في فيلم المخرج رامين بحراني الجديد خطيرًا مثل وحش ضل الطريق فراح يقتنص الفرصة ليوقع بالفريسة. أسمه بالرام ( ممثل الجيل الجديد في الهند أدارش جوراف)، وهو شاب لطيف الوجه، يبدو متبسما طيلة الوقت، لكن طموحاته تتجاوز حياة الفلاح المتواضعة التي توفرها قريته الهندية الصحراوية الفقيرة والتي يسومها العذاب ثلة من قطاع الطرق بين آونة وأخرى.

بالنسبة إلى بالرام  فهو شاب لم يرض على نفسه أن يبقى فقيرا مدقعا، فأنتهج نهجا لم يكن في خاطر أحد، وهكذا أبدع مخرج الفيلم بحراني ليكيّف الفكرة برشاقة معتمدا على رواية أرافيند أديجا الحائزة على جائزة بوكر لعام 2008 والتي جاءت بنفس العنوان أي النمر الأبيض. وهي قصة دراما/كوميدي مثيرة عن الصعود الأقتصادي المذهل للهند. إنه فيلم بنظرة أوسع نطاقًا من أفلام أخرى هندية حازت على جوائز عالمية، ومع ذلك، فإنه ينفذ نفس الحيلة المتمثلة في إعادة توجيه النظام الطبقي لبلد بأكمله إلى نوع من المحركات الدرامية ذاتية الأستدامة، والقادرة على توليد أفعال مميزة ومثيرة للغاية من التوتر والمكائد.

بعد مقدمة قصيرة من الكليف هانكر، يُفتتح الفيلم في بنغالور في عام 2010، حيث يجلس بارام في مكتب غامض، محاطًا بكل زخارف النجاح البراقة. وهو بعيد كل البعد عن أصوله الفقيرة التي عاش في كنفها أثناء فترة الطفولة، حيث يُمنح الشاب اللامع بالرام منحة دراسية إلى دلهي ولكنه لا يمكنه قبولها، لأن عائلته الفقيرة المدقعة ووالده المريض بالسل تجعله يعمل في تكسير الفحم مقابل أجر زهيد. وفي وقت لاحق، على الرغم من ذلك، تظهر فرصة أخرى للهروب: فهو القادر على التحدث بلباقة وبراءة لمن يستطيع أن يمنحه وظيفة سائق لعائلة ثرية يمثلها الأب (ماهيش مانجريكار)، وابنه البالغ أشوك (راجكومار راو) والزوجة الجذابة التي تبدو ثائرة على التقاليد المتخلفة كونها نشأت في نيويورك.

ولكن من أجل المضي قدمًا، يتبنى بالرام بكل إخلاص ديناميكية الخادم الرئيس المطيع دائما، والمتأصلة في النظام الطبقي الهندي. يقوم المخرج بحراني مع ممثليه وبذكاء ووضوح بتجسيد هذا المزيج غير المتجانس والمعقد و(بالنسبة لمعظم المشاهدين) ليصور هذه الديناميكية الأجتماعية الغريبة للغاية بأسلوب السينما الواقعية المؤثرة، حيث سرعان ما نجد أنفسنا كمشاهدين في حالة من عدم الراحة نيابة عن بالرام.

“هل نكره أسيادنا وراء واجهة الحب، أم نحبهم وراء واجهة من الكراهية؟” يتساءل بالرام السائق الخادم المطيع في لحظة هادئة. إنه سؤال يرفض الفيلم إجابته بإثارة، حتى بعد أن تأخذ الأمور منعطفاً ميلودراميا، ويحين الوقت ليحول بالرام فساد أصحاب العمل وأحترامهم لذاتهم من أجل أتخاذ الخطوة الوحشية والخطيرة التالية في حياته، في مسعاه لتحسين أحواله المعيشية وليتشبه الضحية بسيده.

يقدم الممثل الشاب جوراف، المغني الذي تحول إلى ممثل، من خلال هذا الفيلم تعريفًا للأداء الفني المميز، مع كاريزما واضحة تشد المشاهد أليه. وقد ساعده بشكل كبير بقية الفريق التمثيلي، حيث إن مواقف الشخصيات تجاه الموظف الفقير تظهر حالات غضب ليس لها حدود – ففي بعض الأحيان يعاملونه كأنه شخص ضال محبوب تم إنقاذه، وأحيانًا مثل حمار عنيد، لكنهم لا يحبونه أبدًا.

تم تصوير الفيلم في موقع في دلهي وبنغالور، وأستفاد المخرج من الأزدحام والصخب الأستثنائي لتلك المدن في كل مشاهد الفيلم. وعلى الرغم من أن حبكة الفيلم تدور فقط حول حفنة من الشخصيات المذكورة أعلاه، إلا أنها تعج بشخصيات ثانوية مهمة، من جدة بالرام المريبة إلى السياسيين الفاسدين، وعصابة من زملائه السواق الذين يرفضون بالرام بأعتباره “فأرًا ريفيًا” ساذجًا.

ومع ذلك، فهو فيلم تجدر مشاهدته (متوفر على النيتفلكس)، حيث تميّز بسرعة أحداثه ومفاجآتها، كما تميّز بالموسيقى التصويرية التي تعتمد على موسيقى الهيب هوب والتي تؤكد أنه لا يزال هناك الكثير من المرح عند تناول موضوعات كبيرة من عدم المساواة والجغرافيا السياسية لبلد كبير كالهند.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى