طب وعلوممقالات

الكورونا بعد عام كامل.. أستراتيجية للخروج من الأزمة..

كتب د. عامر هشام الصفّار

لقد عانت البشرية خلال العام الماضي 2020 وأبتداءا من شهر كانون الثاني وما زالت تعاني من مشكلة الوباء الفايروسي نتيجة أنتشار فايروس الكوفيد 19 بين سكان المعمورة..فقد وصل عدد الأصابات اليوم في أكثر من 180 دولة في العالم الى ما يقرب من 100 مليون أصابة في حين وصل عدد الوفيات الى ما يقرب من المليونين من البشر. وعليه فسيكون واحدا من أهم واجبات العاملين في مجال الطب والعلوم هو المساهمة في أشاعة الوعي العلمي بين الناس لأهمية ذلك في السيطرة على الوباء، أضافة الى المساهمة في الجهود الحثيثة في توفير أفضل سبل الوقاية والعلاج. 

فايروسات الكورونا.. ما هي؟

من المعروف أن فايروسات الكورونا أنما هي فصيلة من الفايروسات الواسعة الأنتشار والمعروفة والتي سببت وتسبّب نزلات برد شائعة، وتسبّب الأنفلونزا المعروفة بأعراضها الفصلية، كما سببت أعراض وباء محدود في عام 2002/2003 مما سمي وعرف ب متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو(سارس)..مما كانت آثاره محدودة، حيث توفي أقل من 1000 شخص جراء الفايروس حينها وأعلن عن اختفاء حالاته عام 2004.  وقد أختلف الأمر هذا العام مع فايروس الكورونا والذي سمي ب الكوفيد19 حيث يمثل تحورا في التركيب الجيني لفايروس الكورونا نفسه.. وقد وضع الرقم 19 أشارة الى سنة التعرّف عليه وأكتشافه في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر/كانون أول 2019.. ومن المعروف ان العلماء الصينين قد نشروا الخارطة الجينية لفايروس الكوفيد19 في كانون الثاني من 2020، مما ساعد العلماء في جميع أنحاء العالم من التعرّف على التفاصيل التركيبية للفايروس، وبالتالي السعي الى أيجاد اللقاحات والعلاجات المؤثرة… 

لقاحات مضادة للكوفيد19:

وقد نجح العلماء فعلا في أميركا وبعض من دول العالم في تصنيع لقاحات مضادة للكوفيد19، حيث أثبتت المراحل الأخيرة من التجارب السريرية والتي أجريت على هذه اللقاحات وعلى الآلاف من المتطوعين، فعاليتها الكبيرة في الحد من فايروس الكورونا، والتقليل من تبعاته على الناس. ففي المراكز الصحية في العالم اليوم تتوفر لقاحات مضادة للكوفيد 19 منتجة من شركة فايزر/بايوتنك وشركة أسترازينيكا/اكسفورد، وشركة موديرنا وجونسون أند جونسون وغيرها من لقاحات من بينها اللقاح الصيني واللقاح الروسي.. حتى أن الدول ومن خلال منظمة الصحة العالمية قد سعت الى أنشاء مجموعة الكوفاكس والتي تضم ما يزيد على 120 دولة في العالم تسعى لتوفير اللقاحات لمواطنيها. ولكنه من المعروف أن أميركا وبعض الدول الأوروبية هي اليوم من أكثر الدول في العالم حصولا على ملايين الجرعات من اللقاحات وبنسبة تلقيح لسكانها تزيد على بقية دول العالم. وهذا بحد ذاته قد دفع رئيس منظمة الصحة العالمية للقول بأن لابد من توزيع للقاح بشكل عادل بين دول العالم، وأن هناك ضرورة قصوى لتلقيح ما يزيد على 70% من سكان الأرض ال 7 بلايين قبل أن نقول أننا سيطرنا على الوباء، وتمكنا من التعايش معه. 

التشخيص السريري أولا:

وقبل ذلك لابد من الأشارة الى أهمية التشخيص السريع للأصابة بفايروس الكورونا ولن يكون ذلك دون الأنتباه الى أعراض المرض نفسها ودون أجراء الفحص الخاص بالفايروس والقائم على اساس جيني وذلك من خلال مسحات من التجويف الفمي مثلا أو بنموذج من اللعاب لأثبات الأصابة مختبريا. كما أن تشخيص أعراض المرض يعتبر مهما جدا، ومن هذه الأعراض الشكوى من الحمى أو أرتفاع درجة حرارة الجسم والمعاناة من السعال الجاف وفقدان حاسة الشم والتذوق.. أضافة الى المعاناة أحيانا من ضيق التنفس بتقدم الحالة في الجسم. وقد يؤدي ضيق التنفس هذا الى أنخفاض مستوى الأوكسجين في الدم مما يستدعي الدخول الى المستشفى وأعطاء الأوكسجين.

الكورونا الطويلة الأمد:

كما أن البعض من مرضى الكورونا المتسبب عن فايروس الكوفيد 19 قد يعانون من الكورونا الطويلة الأمد بأعراضها حيث تبقى المعاناة عندهم من أعراض التعب والأرهاق وألم الصدر والسعال والغثيان والأسهال، وغيرها من أعراض أخرى، لفترة زمنية تزيد على الشهر مما يستدعي أهتماما خاصا، ورعاية طبية عامة بوجود فريق من المعالجين من بينهم المعالج الطبيعي والنفساني والعلاج بالغذاء الخاص الى غير ذلك مما له علاقة بالموضوع.

الكوفيد19..والسلالات الجديدة:

ولقد ظهرت مؤخرا بعض الطفرات الوراثية في فايروس الكوفيد19 ومن بينها الطفرة الوراثية التي شخصّتها المختبرات البريطانية، والتي أنتشرت في المملكة المتحدة بمقاطعاتها الأربع، أضافة الى الأستدلال على طفرة وسلالة أخرى جديدة هي سلالة جنوب أفريقيا من فايروس الكورونا والسلالة في لوس انجيلوس الأميركية والسلالة البرازيلية.. ومما هو جدير بالذكر أيضا أن اللقاحات المجازة للأستعمال والتي زرق بها الملايين من البشر (في بريطانيا تم تلقيح ما يقرب من 10 ملايين أنسان لحد الآن) لا زالت تعتبر فعالة ضد الفايروس بسلالاته المختلفة رغم التطورات أو الطفرات الوراثية الحاصلة..وعليه فأن العلماء وبالتعاون مع الجامعات والشركات المصنعة للأدوية تحاول جاهدة رصد أي تطور فايروسي مفاجيء قد يقلل من تأثير اللقاح مما يستعد له الجميع، بغية تطوير اللقاحات أيضا وجعلها تستجيب لتحدي السلالات الجديدة.

أستراتيجية للخروج من النفق:

ولكنه يبقى من الضروري بمكان رغم كل هذه التطورات الطبية الأهتمام بأسس الصحة العامة الرئيسة والتي تتلخص بالنظافة الشخصية وغسل اليدين لمدة 20 ثانية، وأتباع طرق التباعد الأجتماعي، وأرتداء الكمامات، والحجر الصحي في حالة رصد أنتشار للفايروس في منطقة معينة. كما يتوجب السعي من قبل جميع الحكومات في العالم للحصول على الكميات الكافية من جرعات اللقاحات المضادة لفايروس الكوفيد19 بما يكفي لتلقيح ما لا يقل عن 70% من عدد السكان للسيطرة على الوباء أضافة الى أتباع طرق الصحة العامة المشار أليها.   

الكوفيد19 والعلاجات الأفضل:

ومما يذكر أن العلماء يعملون بجد ومثابرة على التوصل الى العلاجات الكفيلة بالحد من تأثيرات فايروس الكوفيد19 على الأنسان.. ففي بريطانيا مثلا ومن خلال مجموعة الريكفيري البريطانية لأختبار علاجات الكورونا، تم التوصل الى طريقة للعلاج يالديكساميثازون (العقار المتوافر في أغلب مستشفيات العالم والرخيص السعر) والذي أصبح اليوم جزءا من البروتوكول العلاجي للمرضى بالكورونا، وخاصة للمرضى في حالاتهم الشديدة والتي سيحتاجون فيها الى الأوكسجين. كما يتم العمل حاليا ومن خلال التجارب السريرية التي تجري على ما يقارب من النصف مليون أنسان أختبار عقار الكولجسين (وهو أصلا من العقاقير التي تستخدم لعلاج مرضى داء الملوك أو النقرس) أضافة الى أختبار فائدة الأسبرين وعقاقير الأجسام المضادة أحادية السليلة.. وقد يتم في المستقبل القريب التوصل الى طرق علاجية بأستخدام العقاقير المضادة للفايروسات وكما هو الحال مع مرضى فايروس مرض الأيدز. 

ويبقى الأنسان يراهن على العلم والعلماء لأخراجه من نفق الوباء الفايروسي المظلم، كما خرج قبلا من أنفاق امراض وبائية أخرى تفشت بين بني البشر في سنوات ماضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى