Uncategorizedمقالات

شيخ الصحافة العراقية يكتب عن: أخطاء الصحافة

محسن حسين

خلال عملي 65 عاما في الصحافة أستطيع ان أؤكد ان  الصحف تحفل  بالكثير من الأخطاء المطبعية وغير المطبعية، وليس هناك من سبيل إلى منع وقوع هذه الأخطاء التي يعود معظمها إلى السرعة التي يتطلبها عملنا الصحفي، مما يتطلب من الصحفي ومن يعمل معه المزيد من الدقة والمراجعة قبل النشر.

وقد أشتهرت صحيفة (الأخبار) التي كانت تصدر في بغداد في الخمسينيات والستينيات بأكبر عدد من الأخطاء الفادحة التي يذكرها الصحفيون القدامى من أمثالي، وليعذرني القراء لأنني لا أستطيع نشر تفاصيل تلك الأخطاء لأنها (بذيئة)!! وكانت إحداها تتعلق بزيارة الملك فيصل الثاني إلى بريطانيا عام 1958.

ومن الأخطاء التي أذكرها كانت في الصفحة الأولى من إحدى صحفنا، وفي عنوان بارز نقلا عن تصريح لمسؤول كبير قوله (لا استعمار بعد الأمس)!! وسبب هدا الخطأ أن محرر الصفحة الأولى اعتاد شطب كلمة (اليوم) في الأخبار التي ترد من وكالات الأنباء ووضع كلمة (أمس) وهذا أمر طبيعي لأن الصحف تصدر في اليوم التالي، وما يحدث هذا اليوم يكون قد حدث أمس، ولكن ذلك المحرر وفي زحمة العمل ليلا أستبدل كلمة اليوم بكلمة الأمس في حديث للرئيس أحمد حسن البكر في عبارة (لا أستعمار بعد اليوم) فظهرت (لا أستعمار بعد الأمس)!.

ومن أشهر الأخطاء المعروفة في الوسط الصحفي، ما وقع في خبر وفاة أحد الأشخاص إذ طلب رئيس التحرير نشر الخبر (إن وجد له مكان) وكتب بخط يده تلك العبارة. وفي اليوم التالي ظهر خبر الوفاة وفي نهايته أسكنه الله فسيح جناته إن وجد له مكان!!.

    وتحدث بعض الأخطاء في أستخدام الصور من الأرشيف، ففي تحقيق عن حوادث المرور، نشرت صحيفة العراق في بداية السبعينيات مع التحقيق صورة من الأرشيف لحادث أصطدام سيارة، وكانت السيارة تبدو مهشمة تماما، غير أن رقم السيارة كان واضحا. ونشرت الصحيفة تحت الصورة تعليقا يقول أن هذا الحادث المروع نتيجة تهور صاحبها، وأتضح في اليوم التالي أن صاحبها الذي قتل في الحادث هو أبن الرئيس احمد حسن البكر. وكانت النتيجة أعتقال كل العاملين في الجريدة.

والخطأ في الصورة يذكرني بخطأ شهير حدث في الأسابيع الأولى لثورة 14 تموز 1958. ففي تلك الأيام بدأت الخلافات بين عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء ونائبه عبد السلام عارف. وكان عبد السلام يصدر بأسمه صحيفة الجمهورية التي كان رئيس تحريرها الدكتور سعدون حمادي، وكنت أحد العاملين فيها، وبمناسبة مرور شهر على الثورة تقرر أن أعد لقاءات مع كبار المسؤولين وفاتحت عبد السلام عارف بذلك، فطلب أن أحضر إلى وزارة الدفاع مع مصور الصحيفة الزميل حازم باك لإجراء المقابلات حيث يجتمع هناك كل ليلة أعضاء الحكومة، والتقاط صورة له مع عبد الكريم قاسم ننشرها في (الجمهورية) مع كلمة (الأخوان) تعبيراً عن حسن نية عارف وجماعته تجاه قاسم وجماعته.

وذهبت مع حازم باك وأجريت المقابلات، وألتقط حازم الصورة المطلوبة بعد أن أقنع عبد السلام عبد الكريم قاسم بالوقوف إلى جانبه لألتقاط الصورة، مبينا أهمية نشرها في تلك الظروف لتعزيز علاقاتهما الأخوية!!. لكن الذي حدث أن تلك الصورة عززت خلافاتهما، فقد نشرتها صحيفة الجمهورية في عددها رقم 25 الصادر في 14 آب 1958  مقلوبة عن طريق الخطأ، إذ ظهر اليمين يسارا واليسار يمينا ويدل على ذلك وضع المسدس، لكن عبد الكريم قاسم وجماعته ظنوا أن ذلك كان مقصودا!.

وأجري تحقيق في الموضوع، كان حازم باك متأكدا أنه طبع الصورة بشكل صحيح ولدى تفتيش شعبة الزنكوغراف حيث كانت الصور تحفر تمهيدا للطبع حسب طريقة الطبع في تلك الأيام، لم يعثروا على الصورة فقد أختفت تماما، ولدى الرجوع إلى الفلم السالب ظهر أن الصورة صحيحة في الفلم، وأخيرا تأكدنا أن الخطأ كان من الزنكوغراف لكن جماعة قاسم ظلوا على رأيهم!!.

وعلى أية حال فأن من واجب مَنْ يعمل في الصحافة أن يكون حذرا وأن يدقق في مواضيعه أو مواضيع غيره قبل النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى