Uncategorizedمقالات

ماركيز في زمن الكورونا

سلوى جرّاح

سلوى جراح روائية عربية تقيم في لندن

منذ مطلع العام الماضي، ومع ظهور وباء الكورونا، تذكر الكثيرون رواية ماركيز “الحب في زمن الكوليرا” واستبدلوا الكوليرا بالكورونا.  بل أصبحت في نظر البعض الرواية الأهم التي أرتبطت بغابريل غارثيا ماركيز.  وكان على البعض أن يذكروا أن شهرة ماركيز الحقيقية بدأت قبل سنين حين نشر روايته “مئة عام من العزلة” عام سبعة وستين، وأصبحت علامة مهمة في أدب أمريكا اللاتينية وقدّمت للعالم كله مثالاً جديداً لرواية “الواقعية السحرية”، والتي تعني ببساطة، مزج عناصر تتعارض مع قوانين الواقع كما نعرفه مما يضفي سحراً على النص ينقل القارئ إلى عالم لا ينتمي لعالمنا المعاش. رواية “مئة عام من العزلة”، ترجمت لسبع وثلالثين لغة، وبيع منها أكثر من ثلاثين مليون نسخة، وقدّم فيها ماركيز صورة للحياة في مدينة متخَيلة في كولومبيا، تعيش فيها أجيال متعاقبة من أسرة تنتسب لخوزيه أكارديا بوينديا، باني المدينة العجيبة “ماكوندو”، التي يسير كل ما فيها حسب رغبات صاحب السلطة. 

“الحب في زمن الكوليرا”، نشرت بالإسبانية عام خمسة وثمانين وأحبها الناس لأنها تبحث في الحب، ولم تصدر ترجمتها الإنكليزية إلا بعد ثلاث سنوات. وفي عام ألفين وسبعة، تحولت إلى فيلم سينمائي لقي الرواج والنجاح، من إخراج مايك نويل وبطولة خافير باردن بدور فلورنتينو أريزا، وجيوفانا ميزوجيورنو، بدور فيرمينا دازا، وبينجامين برات بدور الطبيب جوفينال أوربينو، في حكاية حب لا تشبه غيرها من حكايات.  فهو حب دام خمسين عاماً رغم البعاد، حب فلورنتينو لفيرمينا الذي بدأ في سنين الشباب المبكر وتُوج بخطوبتهما ثم فرّقت بينهما الظروف، وتزوجت فيرمينا الطبيب جوفينال، الذي كرّس كل بحوثه لعلاج وباء الكوليرا. وبعد زواج أستمر خمسين عاماً، يتوفى الطبيب، فيزورها فلورنتينو معزياً ويعبّر لها عن حبه، رغم أنه لم يستغن خلال كل تلك السنين الطويلة عن النساء في حياته، بل وأحب بعضهن، لكن حبه لها، حبيبته الأولى فيرمينا، لم تنطفئ جذوته أبداً. في البداية تغضب منه فيرمينا وتطرده، لكنه يصر على ملاحقتها، فيعودا عاشقين في سني الشيخوخة يدوران في مركب نهري وقد أنتشر حولهما وباء الكوليرا. 

ماركيز قال في معرض حديثه عن روايته “الحب في زمن الكوليرا” إنه أستوحى الفكرة من حكاية سائحين أمريكيين على مشارف ثمانينيات العمر كانا يلتقيان كل عام في أكابولكو.  وفي أحد الأماسي خرجا في نزهة في قارب فقتلهما المراكبي بمجذافه، وأنتشرت حكايتهما وأثارت الكثير من الجدل، فقد كان كل منهما متزوجاً ورب أسرة. أما روايته فتجعل الحب ينتصر على الوباء، ولعل هذا هو السر الذي جعلنا نتذاكرها. فنحن اليوم نعيش ما نعيشه من أحداث عالمية فيها ما فيها من قتل وعسف وانتخابات، تحت رحمة زائر خفي يتسلّل من جسم لآخر ليتسلط على الأنفاس؛ يحبسها ويدور بين أعضاء الجسم يعبث بها ويدمرها.  وما يزيد الطين بلة، ما نسمع من شائعات عن المؤامرة الكبرى التي تحاك ضد البشر، حتى اللقاح الواقي منه قيل إنه مؤامرة للسيطرة على البشر وقتلهم متى أراد صانعوه رغم أنه اليوم متوفر من عدة مصادر عالمية.  فالمرض “المتوج” أثار الكثير من الشائعات التي تخذل العلم والعلماء رغم كل جهودهم المضنية في علاج ووقاية البشر. ما يبشر بالخير هو أن العقلاء منا يطمئنون أنفسهم ويعدوها أن يكونوا ضمن ملايين البشر الذين لن يصيبهم المرض وسيحميهم اللقاح. 

عزلتنا التي نعيشها منذ أنتشار فايروس الكورونا، لا تشبه عزلة مدينة “ماكوندو” في “مئة عام من العزلة” لأنها عزلة في مكان اعتدنا العيش فيه وملأناه بالكثير مما نحب، وأضفنا له ما يمكن أن ينسينا عزلتنا في زمن الكورونا.  رغم ذلك علينا أن نعترف أنها حالة لم نعرفها من قبل، أن يتفشى وباء لا دواء له سوى عزل البشر عن بعضهم، وعدم ممارسة ما أعتادوه من حياة وعمل. فجيلي الذي صار اليوم من كبار السن الذين قد تستضعفهم الكورونا أكثر من غيرهم، هم الجيل الذي بهره ماركيز بواقعيته السحرية، فهل يجوز أن نستعير منه عنواناً؟.  أظن أن ماركيز سيسمح لنا بذلك، وقد أختار زمناً للعزلة، مئة عام، قرن كامل.  ونحن اليوم نعيش عزلة صرنا، رغم ما فيها من قسوة، نجدها الحل الوحيد للتغلب على الوباء. تعلّمنا بل تعوّدنا أن نسترخي في بيوتنا ونبحث عن جديد نفعله، نكتب، نقرأ، نبحث في الخزانات عن كل ما يمكن أن يكون مفتاحاً لفكرة، الصور والرسائل، وحتى عتيق الملابس والأشياء. سيأتي يوم نحكي فيه لأحفادنا حكايات عن زمن العزلة، وقد نضيف لها شيئاً من الواقعية السحرية لنجعلها مشوقة، ممتعة، يحكيها أحفادنا لأبنائهم في قادم السنين.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى