Uncategorizedمقالات

فيلم المرأة الكريهة جداً في أمريكا The Most Hated Woman In America

هادي ياسين
هذا الفيلم ـ المثير للجدل ـ من انتاج 2017، و كان من الإنصاف لو أن بطلته “ميليسا ليو” قد رُشحت لجائزة الأوسكار، كأفضل ممثلة في دورٍ رئيس، لِما قدمته من أداءٍ مُتقـنٍ و باهر لدور الناشطة الأمريكية “مادلين موراي أوهير” التي شغلت الرأيَ العامَ الأمريكي بشدة، طَوالَ خمسين عاماً، بإلحادِها العلني وفضحِها للكنيسة والكتاب المقدس وفكرة الدين، حتى وفاتها قتيلة ًعام 1995، غير أن كواليس الأوسكار تنطوي على اتجاهاتٍ غيرِ مُنصفة، و مُريبة، تعصفُ بالقيـم الفنية الخالصة، خصوصاً في السنوات الأخيرة .
ولكن جائزة الأوسكار ليست جديدة ًعلى “ميليسا ليو”، فقد سبق وأن نالتها عام 2010 كأفضل ممثلة في دور رئيس عن فيلم (المقاتل) ونالت قبلها جائزة (غولدن غلوب) لذات الفئة عن ذات الدور.

يبدأ الفيلمُ بمشهدٍ أساس: بعد نشرة الأخبار، يظهر الشاب الأسود ( كالييه ) وهو يدخل منزل “مادلين” التي رعته بعد أن لفظه أهلهُ، كونه مثلياً. هذا الشاب يبلغ الشرطة عن غياب العائلة المُريب، الذي من علامة الريبة فيه هو أن كلبَي العائلة تُركا في البيت دون العائلة، وقد عبثا بالطعام، إذ من المستحيل تركهما وحدهما. ولكن الشرطة تسجل محضرَ الدعوى دون أهتمام جاد .
ثم يظهر ثلاثة أشخاص مقيدة أيديهم وموضوعة رؤوسهم في أكياس سوداء، يتبين أنهم “مادلين” ذاتها، و إبنها “غارث” الذي وقف الى جانبها، وحفيدتها التي كانت “مادلين” تتوقع أنها ستدير منظمتها الإلحادية بعدها. من هذه اللحظة يبدأ سرد الأحداث.


عندما نقرأ عنوان الفيلم نعرف أننا أمام فيلم يتناول سيرةً ذاتية. سيرة مَن؟.. إنها سيرة المرأة التي هزت الحياة الدينية والإجتماعية والسياسية والثقافية في أمريكا وأسست (منظمة الملحدين الأمريكيين)، والتي جعلت الأمريكيين ينتبهون الى أن السلطات الدينية تدفعهم الى نسيان الدستور الأمريكي. ففي لحظة ما، تنتبه “مادلين” الى أن إبنها تأخر عن اللحاق بحافلة المدرسة بسبب الصلاة، فتجهرُ برأيها أمام مدرّسته أن ذلك مخالفٌ للدستور في أمريكا، فيصل الأمر الى المحكمة العليا التي تقرر منع صلوات الطلبة، و يؤيد الرئيس “جون كنيدي” قرار المحكمة حتى لو حصل عدم الإتفاق معها. لقد كان هذا انتصاراً للملحدة “مادلين” وقد قسّم الشارع الأمريكي الى خندقين متضادين في العقيدة.

تظهر “مادلين” في أكثر من وسيلة إعلام. و في كل مرة تشغل المواطنين الأمريكيين وتثير الجدل بين العائلات، بأفكارها الصادمة الواقعية الجريئة. و كأنها (مارتن لوثر) بهيأة امرأة..ولكنها تنوي القضاء على ما تبقى من المسيحية هذه المرة، بل و تنوي نسف جميع الأديان .
وفي مناظرة تلفزيونية مع قس، يسألها عن مشكلتها مع الله، فتجيبه صراحة ً: ( أولاً، الله غير موجود. ثانياً أظهر اللهُ وجودَه من خلال الكنائس المنظمة وحركاتك المنظمة، و كلكم ـ بما فيهم أنت ـ مهتمون بالنقود. أرِني مناسبةً ًواحدة ً يقومُ فيها يسوعُ المسيح بتوزيع صينية التبرعات). 
بل أنها تُـقدِمُ على تمزيق الإنجيل، في مناظَرةٍ علنيةٍ على الهواء في بث تلفزيوني مباشر، مُعلنة ً أن (العهد الجديد) مكتوبٌ من قِبل مجموعةٍ من (المثليين )، وتضيف أن: (يسوع نفسه كان مثليا).
و عند هذه اللحظة، يُرينا الفيلمُ أن كل شيءٍ في أمريكا، إن لم يكن في كل البلدان التي (تحترم) الدين، قائمٌ على الصفقات المالية، حين نكتشف التصرف المريب من قبل القس، وهو يتلقى الأموال من (منظمة الملحدين الأمريكيين) نفسها، بأعتباره يروّج لها ـ ضمناً ـ من خلال المناظرات.
عام 1995، كان عمر “مادلين” 77 عاماً، و صحتها في تدهور، قبل قتلها من قبل فرد من خاطفيها بقيادة منظّم حساباتها المالية (دايفيد وارتز) الذي مات في السجن عام 2003 بفعل سرطان الرئة، والذي مثّل دورَه في الفيلم الممثل الأمريكي “جوش لوكاس” .

بعد موتها، يستعيد الفيلمُ محاورةً تلفزيونية ً مع “مادلين”. يسألها المذيع : (هل تشعرين بالقلق، مع أنك حين تموتين لن يكون هناك نيرافانا* )؟، فتجيب : ( عندما أموت، لا أريد من مخبول متدين إدخال مسبحته في مؤخرتي، أو يضع قرباناً مقدساً في حلقي، لكنني لا أطمع بقبرصغير في الخارج، حيث يمكن للشمس أن تتغلل عبر الأشجار و تداعبُ وجهي بلُطف، أريد ثلاث كلمات على شاهدة قبري : “إمرأة”، “أم”، “جَدّة”، لإنني كنتُ كذلك، وهذا ما أحب أن يتذكرني الناسُ به، وأُحبُ نقشَه على قبري، ولكن نظراً لطبيعتي، فإنني لا أتوقعُ أن يضعوا لي شاهدةَ قبر ).
بعد كل هذه السنوات، مازالت ( منظمة الملحدين الأمريكيين ) تعمل على فصل الكنيسة عن الدولة، ولكن إبن “مادلين”، الآخر، الذي كانت تصفه بـ (الخائن) ما زال يعمل على إعادة طقوس الصلاة الى المدارس.

يكادُ الفيلمُ يشغلنا بالأفكار التي يطرحها من خلال “مادلين”، و يُنسينا فن السينما، لولا أن السيناريو يتنقلُ بنا من زمن الى آخر.
عند المشاهدة سننشَدُّ الى الحوار والأحداث، سننتبه متأخرين الى التصوير و الموسيقى..بفعل قوة الأحداث .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 * ( نيرافانا ) طقسٌ تأمليٌ عميقٌ في الديانة البوذية ، هدفه التطهير الروحي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى