Uncategorizedطب وعلوممقالات

من تراثنا الطبي: عمّار بن علي الموصلّي ومكانة طبيب العيون في المجتمع

د. محمود الحاج قاسم محمد

كانت مكانة الطبيب في المجتمع الإسلامي عالية جداً، وذلك لسبب ( شرف المهنة) فقد أعتبر الطب (أشرف الصناعات).

ومن بين الصناعات الطبية إعتبر طب العيون أهمها وأشرفها، ذلك أن نعمة البصر هي أعظم النعم التي من بها الخالق على عباده. لذلك فقد كانت منزلة طبيب العيون في المجتمع الإسلامي منزلة سامية.

وقد أطلق العرب على إختصاص (طب العيون) إسم الكحالة. ذلك لأن الكحل هو كل ما يوضع في العين للزينة أو لغرض المداواة. فالكحال إذاً هو الذي يداوي العين. ومن هنا جاء إصطلاح الكحالة للدلالة على هذا الفرع التخصصي من العلوم الطبية .

 أبو القاسم عمار بن علي الموصلي [1]: هو أبو القاسم عمار بن علي. يعتبرأكثر أطباء العيون العرب أصالة وإبداعاً، وهو عراقي الأصل، ولد في الموصل وتعلم الكحالة (طب العيون) فيها. مارس الكحالة وعملياتها في كثير من الحواضر التي تجول فيها، من ذلك  بغداد، الكوفة، خراسان، ديار بكر، سوريا، وفلسطين ومكة المكرمة. وآخر مطافه كانت مصر حيث دخلها زمن الحاكم بأمر الله الفاطمي (386 – 411 هـ / 996 – 1020م) الذي جعله أحد أطباءه المقربين، فألّف له كتاب المنتخب في العين حوالي سنة ( 401 هـ / 1010م ).

وفي الكتاب كثير من الأفكار الأصيلة التي لم يذكرها قبله الكحالون العرب، وتفصيلات دقيقة في وصف علامات وأعراض أمراض العين وتداويها لم يسبقه إليها اليونانيون. ولهذا يعتبر كتاب المنتخب هذا أكثر الكتب العربية أصالة في هذا الاختصاص.   
كما وذكر الموصلي في كتابه هذا ست طرق لإجراء عملية القدح للماء الأبيض النازل في العين (مرض الساد Cataract) كانت إحداها بالمص.

وقد ترجم كتابه إلى اللاتينية من قبل داؤد هيرمانوس وبقي من مفردات التدريس في كليات الطب بأوربا حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

عملية القدح للماء النازل في العين ( Coushing  Operation  ) : لقد كانت العملية السائدة عند البابليين والمصريين هي دفع العدسة المعتمة إلى داخل العين بواسطة إدخال إبرة حادة في العين، وعند وصولها إلى العدسة، تدفع الأخيرة بلطف إلى الأسفل لتستقر داخل كرة العين بعيدة عن منطقة البؤبؤ. وأستمرت هذه الطريقة في الحضارة اليونانية وأستعملها أبقراط وجالينوس. ثم أقتبس العرب عنهم هذه العملية وطوروها وحوروا بها .

فقد ذكر الرازي أنه من الممكن أستخراج الماء الأبيض من العين بعد قص قسم من قزحية العين. وعملية قص القزحية لتوسيع البؤبؤ هي الخطوة الأولى في العمليات الحديثة لهذا المرض والتي تعرف ( Iridectomy ) .

  وجاء عمار بن علي الموصلي وذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، بأن استعمل أنبوباً معدنياً دقيقاً ليدخله في مقدمة العين، ويفتت العدسة المعتمة ثم يمتص هذه العدسة المتفتتة. وكانت هذه العملية هي أول عملية حديثة لمرض الساد، وهي تشبه إلى حد كبير العملية الحديثة للساد وعلى نفس القاعدة ولكن بآلات حديثة. ظلت هذه العملية سائدة في الشرق ولم تنتشر في الغرب في القرون الوسطى (الدكتور عبد المنعم عبد الحميد: الساد ( الماء الأبيض ) بين القديم والحديث، مجلة جامعة الموصل عدد 15 السنة 2 ص 67)، حتى أنتقلت بواسطة العرب إلى أوربا فمارسها برسفال بوث بإنكلترا سنة 1780 م.  

وصنّف عمار بن علي في كتابه هذا مرض الكاتاراكت (الساد = الماء الأبيض) وحذر من معالجته بالقدح قبل نضج المرض. وشخّص النضج حين يفقد المريض القدرة على تمييز الألوان. ووصف وصفاً دقيقاً عملية الساد وأستعمال المقداح الصمد بالسحب، والمقداح المجوف بالمص. ويعزى له أختراع المقداح المعدني ويذكر أن الموصلي قد عمل في البيمارستانات، وفي تعليم صناعة الكحل وكان يستطحب تلاميذه معه حين يعود مرضاه في منازلهم، وحين يذهب ليجري العمليات على عيونهم .

وقد ترجم كتابه المنتخب للاتينية، وبقي من مقررات التدريس في كليات الطب بأوربا حتى أوائل القرن الثامن عشر.


[1] – اقرأ عنه / ابن أبي أصيبعة ج 3 ، ص 147. تراث الإسلام لمايرهوف ص 476 – 501. العشر مقالات لمايرهوف ص 11 . الطب العربي: خير الله ص 180. السامرائي: مختصر تاريخ الطب ج 2، ص 21 – 22.  علاج أمراض العين. محمود الحاج قاسم _ الطب عند العرب والمسلمين تاريخ ومساهمات ص 307 .   

EZGIN: 3 / 329 – 331 / Uilmann , Mediz , Islam p. 209 – 210 .

Leclere , Medicine Arabic 1 / 533 – 538 Brockelmann 1 / 240 .

Myewhof – the cataract operation of AMAR IBN ALI MOUSILI the preface

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى