Uncategorizedطب وعلوممقالات

حال الطب والأطباء في ظل وباء الكورونا

أقلام/خاص

مقالة مترجمة للدكتور أندرو كودارد/ رئيس كلية الأطباء الملكية البريطانية  والمنشورة في مجلة اللانسيت الطبية في 12 آذار 2021

ترجمة د. عامر هشام الصفار

مما لا شك فيه فأن الأحترافية الطبية medical professionalism لابد لها من أن تتغير مع تزايد الفجوة بين ما يتم تدريب الأطباء على القيام به تقليديًا، وحقائق ووقائع الممارسة السريرية الحديثة. ففي البلدان ذات الدخل المرتفع، والتركيبة السكانية المتغيرة هناك العديد من المرضى الذين يعانون من أمراض الشيخوخة، أضافة الى وجود نسبة كبيرة من المرضى الذين يعانون من الأمراض المزمنة،  مما يؤدي الى أرتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وإلى تسليط ضغوط هائلة على النظم الصحية على مستوى العالم.

لقد أدى التقدم في التكنولوجيا والعلوم إلى تغيير طريقة تفاعل المهنيين الصحيين مع المرضى، والى إضفاء الطابع الديمقراطي على المعرفة وتيسير سبلها للجميع مما أدى الى زيادة المسائلة الطبية. ولا ننسى هنا ما أضافته التوقعات المجتمعية إلى الطلبات المفروضة على الأطباء وبقية العاملين في المجال الصحي. وفي العديد من البلدان، يؤدي عدم كفاية مستويات التوظيف للأطباء، والنقص الحاصل في الكوادر العاملة في المراكز الصحية، إلى تفاقم هذا الوضع. وهذا بدوره سيؤدي الى أن تتراجع الروح المعنوية بين الأطباء بشكل عام. فعلى سبيل المثال، أظهر مسح أحصائي في المملكة المتحدة أن 54٪ من الأطباء أفادوا بأن الروح المعنوية عندهم منخفضة أو منخفضة جدًا، كما أن الإرهاق آخذ في الأرتفاع (انتشار حوالي 66-80٪).  ولابد من القول أن هناك أزمة في الاحتفاظ بالموظفين ففي بعض الدول يفكر 48٪ من الأطباء بترك المهنة.

لقد فاقم مرض الكورونا أو الكوفيد -19 هذه التوترات بين الأحتراف الطبي ورفاهية الطبيب. فلقد فرض الوباء أعباء كبيرة على النظم الصحية التي تعاني بالفعل من الإجهاد ونقص الموظفين ونقص الموارد. لقد أختبر  فايروس الكوفيد 19 الأطباء والعاملين في مجال الرعاية الصحية إلى أقصى حدود كفاءاتهم المهنية، وألحق أضرارًا كبيرة بصحتهم ورفاهيتهم.

ان المبادئ الأساسية للأحتراف الطبي – أي أولوية رعاية المريض وأستقلالية المريض والعدالة الاجتماعية، تم تحديها أثناء الوباء. فلقد أضطر العديد من الأطباء في جميع أنحاء العالم إلى تغيير طريقة عملهم، وأضطروا إلى إعطاء الأولوية لرعاية المرضى وأتخاذ قرارات صعبة بناءً على موارد غير كافية، بما في ذلك حجب وسحب العلاجات التي قد تنقذ الحياة. لقد تسببت كل هذه العوامل في شعور الأطباء بالذنب والتوتر والضرر المعنوي. ويحدث الأذى المعنوي في هذا السياق عندما يضطر الأطباء إلى أتخاذ قرارات تتعارض مع ألتزاماتهم المهنية والأخلاقية؛ التحدي المتمثل في معرفة ما يحتاجه المرضى من رعاية، ولكن عدم القدرة على ذلك وبالتالي عدم توفير هذه الرعاية بسبب قيود خارجة عن إرادتهم. ويساعد مفهوم الضرر المعنوي في إعادة صياغة مثل هذه التحديات بحيث يتوجب التركيز على مستوى النظام الصحي كله بدل التركيز على الفرد نفسه.  

لقد غيّرت جائحة الكوفيد 19 طريقة عمل المهنيين الصحيين، وكيف يتم التصرف والتفاعل داخل الفرق الطبية والمؤسسات الصحية. كما أدى هذا الفايروس من خلال آثاره ومضاعفاته الصحية الى تغيير في فهمنا للصحة الشخصية، والرفاهية، والصحة العقلية، والمخاطرالتي تحيط بها. ولابد من التذكير بأن أكثر من 300 ألف أصابة بالكورونا قد سجلت عالميا بين العاملين في مجال الرعاية الصحية في 79 دولة، كما توفي أكثر من 7000 منهم، أضافة الى ما عاناه الكثيرون نتيجة للإجهاد والإرهاق والتأثر الأخلاقي.

ولابد من التأكيد على أن هناك حاجة ماسة إلى نهج جديد على مستوى النظام وهيكيليته  لمعالجة المشكلات التي أوجدها فايروس الكورونا لحماية القوى العاملة الطبية وحمايتها بشكل أفضل للمستقبل. حيث يتوجب أن تركز مثل هذه الأساليب على الثقافة التنظيمية، ورفاهية الموظفين، كجزء لا يتجزأ من الأحتراف وشؤون رعاية المرضى . كما يجب الأعتراف برفاهية الأطباء وراحتهم  كمؤشر لجودة الرعاية لجميع الأنظمة الصحية. فتحسين الحياة العملية للأطباء يمكن أن يحسن أداءهم، كما أن له آثاره الأيجابية على الأنظمة الصحية عامة وعلى تحسين الخدمات المقدمة للمريض، وتعزيز صحة السكان، وخفض التكاليف.

ومن المحتمل أن تكون التدخلات المستهدفة أقل فاعلية إذا كانت تستهدف الفرد فقط. فخلال فترة وباء الكورونا، كان هناك العديد من مبادرات تحسين حال الأطباء. ومع ذلك، فلابد من دمج هذه المبادرات مع التدخلات التنظيمية بما في ذلك ترتيبات العمل المرنة، وتعزيز العمل الجماعي، وتقليل الأعباء الإدارية، والأستخدام الأمثل للتكنولوجيا.

كما يجب أن تتكيف المهن الطبية مع الأحتياجات المتغيرة للممارسة السريرية الحديثة. ويجب على المهنيين الصحيين البناء على التغييرات المفيدة لرعاية المرضى ومقاومة التغييرات غير المفيدة. لقد أظهر  فايروس الكورونا أنه يجب علينا الأبتعاد عن نموذج الأحتراف الطبي الذي يمكن أن يؤدي إلى ضرر معنوي، وننحو بأتجاه نموذج يوفر دعمًا أستباقيًا للمهنيين وبطريقة منهجية تركز على دعم الإصلاح الأخلاقي. اننا سنحتاج مع موجات الوباء الثانية إلى التأكد من أننا كمهنة ندعم أطبائنا ونعزز طرق العمل التي تشمل الطبيب والمريض، والفرق ومؤسسات الرعاية الصحية، وبيئة مكان العمل والأنظمة الصحية. فبمرور الوقت، سيؤدي نهج النظام الأوسع هذا إلى مزيد من التماسك داخل الرعاية الصحية، ودعم المهنيين الأفراد بطريقة أكثر أمانًا وأستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى