مقالات

الولايات المتحدة والرقابة على الأفلام

ميسون أبو الحب

تُنتج الولايات المتحدة ما يقارب من 800 فيلما سينمائيا سنويا، بعضها صالح للعرض في كل مكان في العالم، وبعضها الآخر غير صالح إلا في مناطق معينة، بسبب رقابة تفرضها هذه المناطق. والسؤال المطروح الآن: هل هناك رقابة على الأفلام داخل الولايات المتحدة نفسها؟.

الجواب على هذا السؤال هو لا واضحة في ما يخص الوقت الحاضر، ولكن الحال لم يكن كذلك في الماضي على الإطلاق.

وما أثار الحديث عن هذا الموضوع هو تشكيكات أخيرة بصلاحية بعض الأفلام للبث، ومنها أفلام تاريخية مثل ذهب مع الريح وذلك إثر “انتباه” البعض إلى أنه يحمل في طياته نوعا من العنصرية. منصة عرض مهمة مثل HBO Max سحبته من مكتبة أفلامها القديمة، ثم أعادته مع شريط تمهيدي يُعرض قبل الفيلم يشرح الظروف المحيطة بإنتاجه وسياقاته التاريخية.

مع ذلك، لا يمكن إدراج هذا الحدث ضمن خانة الرقابة لأن الرقابة الحقيقية تعني أكثر من هذا بكثير. ولو عدنا إلى الوراء وإلى بدايات القرن العشرين، عندما بدأ الإنتاج السينمائي يزدهر في الولايات المتحدة ويشغل حيزا كبيرا في حياة الجمهور والعاملين في هذا المجال على حد سواء، لوجدنا الكثير من الحديث عن رقابة وعن ضوابط كانت تحكم الإنتاج السينمائي.

بدأت الرقابة عندما قررت ولايات ومدن أميركية إنشاء مجالس خاصة مهمتها أختيار ما يصلح للعرض في صالاتها السينمائية. وكانت شيكاغو هي الأولى إذ بدأت بفرض رقابة أعتبارا من عام 1907 وكلّفت قائد الشرطة بهذه المهمة. بعد شيكاغو أتخذت مناطق أخرى عديدة خطوات مشابهة. وبالطبع كان ذلك يعني أن جمهور مدينة تمنع عرض فيلم ما فلن يستطيع مشاهدته أحد لاحقا على الإطلاق، لأن التكنولوجيا الحالية لم تكن متوفرة أولا، ولأن إمكانية التنقل بين الولايات والسفر في ذلك الوقت كانت محدودة أيضا. وكان أحد الأمثلة البارزة على ذلك فيلم ميلاد أمة من إنتاج عام 1915 ويتطرق إلى الحرب الأهلية الأميركية، إذ منع عرضه في مدن وبلدات كثيرة.

هذا النوع من الرقابة فرض على منتجي الأفلام رضوخا كاملا للضوابط المفروضة، لا سيما وأن هذا الإنتاج كان من وجهة نظر القانون في تلك الفترة عبارة عن نشاط تجاري لا علاقة له بحرية التعبير. أي أن أي إنتاج كان هدفه تحقيق أرباح مادية لا غير.

وللإلتفاف على هذه القيود قررت هوليوود إنشاء مجلس خاص بها يحمل إسم-منتجو الصور المتحركة في أميركا وموزعوها- وتغير أسمه لاحقا إلى -جمعية الصور المتحركة الأميركية- ونصبت على رأسها أحد كبار المتنفذين في مجال الرقابة وهو وليم هيز، بهدف إقناع الجمهور بأن هوليوود تسعى بنفسها إلى فرض رقابة على نفسها. وأصدرت الجمعية أولى ضوابط الإنتاج السينمائي في عام 1927 وبعدها تقرب هيز إلى أقطاب المعارضة الرئيسيين وأهمهم رجال الدين، الذين كانوا يشنون حملة ضارية ضد النتاجات السينمائية ويتهمونها بترويج الفساد. وفي عام 1930 أصدر هيز “دليل الإنتاج” الذي وضعه في الأصل رجال دين ووقعه رؤساء شركات الإنتاج، وتضمن محرمات عديدة منها منع المشاهد الجنسية والعلاقات بين الأعراق وأمور عديدة أخرى. وبالأختصار أي شيء يمكن أن يكون له تأثير سلبي على معايير الجمهور الأخلاقية.

ومع ذلك أُنتجت أفلام تجاوزت هذه الضوابط مثل: بيبي فيس، والعدو العام، والمنقبون عن الذهب، وفيها مشاهد عن علاقات بين الجنسين، وأستهلاك للكحول وجرائم. وبالطبع تحركت الجماعات الدينية ووجهت نيران مدفعيتها لهوليوود، وأعقب ذلك تأسيس ما يدعى بفيلق الآداب الكاثوليكية الذي وضع ضوابطه الخاصة لملاحقة -النتاجات الخارجة عن القانون-. وأمام هذا التطور وضعت هوليوود ضوابط جديدة أعتبارا من عام 1934 لإنقاذ سمعتها ودفع تهم الفساد عنها، وكانت هذه الضوابط شديدة بحيث لا يمكن لأي منتج تجاوزها، إذ يحق للمشرفين إزالة أي مشهد لا يعجبهم وفي أي مرحلة كانت من الإنتاج. وفي حالة الرفض يُمنع الفيلم من العرض وتفرض على أصحابه غرامات كبيرة. وكانت هوليوود وشركات الإنتاج فيها هي التي تسيطر على الغالبية العظمى من صالات العرض السينمائي في تلك الفترة، وبالتالي فإن الفيلم الذي يُفرض عليه منع لن يجد صالة تجازف بعرضه. ويعني ذلك بالنتيجة عدم تحقيق أي مكسب مادي. ويُذكر هنا أن هذه الضوابط أثرت على حياة العديد من النجوم، لا سيما ممثلات كن يعتمدن على أنوثتهن الطاغية مثل ماي ويست التي خسرت الكثير جراء ذلك.

ولكن هذه الضوابط لم تكن الوحيدة التي تطارد المنتجين، بل هناك أيضا مجالس الرقابة التي ظلت تفرض ضوابطها الخاصة. من الأمثلة على ذلك منع ولايات جنوبية عرض فيلم “كوخ في السماء” من إنتاج عام 1943 وكان فيلما استعراضيا،  وكل أبطاله من أصل أفريقي. مُنع أيضا عرض فيلم “شارع سكارلت” في نيويورك وميلووكي لكونه -فاحشا وغير لائق وغير أخلاقي ويروج للجريمة-.

وفي عام 1948 أمرت المحكمة العليا بتنويع ملكية صالات العرض السينمائي، فجاء هذا القرار لصالح أصحاب الأفلام المتمردة على القوانين خاصة وأن الولايات المتحدة كانت قد تغيرت كثيرا بعد الحرب العالمية الثانية، مما جعل قوانين ما قبل الحرب بالية. تغيرت أيضا مواقف الجمهور من الأفلام وما تحتويه من مشاهد.

وفي عام 1956 تمت مراجعة دليل الإنتاج لأول مرة وألغي منع التطرق إلى قضايا المخدرات والعبودية والإجهاض وما شابه، كما ردت المحكمة العليا طلبات منع عديدة لأفلام في مختلف المناطق مما ساهم في تعزيز حرية شركات الإنتاج. وأشارت المحكمة في قراراتها إلى أن منع العرض يمثل انتهاكا لحرية التعبير وهو ما غير كل شيء، وبعدها قامت كل الولايات بإلغاء مجالس الرقابة فيها عدا ولاية ميريلاند.

ومع ذلك لم يتوقف المعارضون من الإحتجاج على أفلام هوليوود وربما كان أفضل مثال هنا هو فيلم طارد الأرواح الشريرة The Exorcist من إنتاج 1973 الذي دفع الجماعات الدينية الكاثوليكية إلى احتجاج واسع على طريقة عرض الدين. واعترض المتفرجون أيضا لأن المنتجين لم ينبهوا الآباء إلى ضرورة عدم اصطحاب أطفالهم لمشاهدته. وكان هذا الفيلم سببا في تشديد معايير تصنيف الأفلام من ناحية صلاحية عرضها على الفئات العمرية المختلفة.

وأخيرا لا توجد أية رقابة حاليا على إنتاج الأفلام في الولايات المتحدة، ولكن هناك رقابة تفرضها دول أخرى تؤثر على عرض الأفلام على الصعيد العالمي، وهو ما يدفع المنتجين إلى مواكبة معايير هذه الدول وضوابطها، كأن يعمد المنتجون إلى قطع العديد من المشاهد. وكما هو معروف فأن هناك دولا مثلا ترفض عرض أي فيلم أميركي جملة وتفصيلا، كما أن هناك دولا أخرى ترفض رفضا قاطعا عرض أفلام عن شاذين جنسيا أو مثليين. وتختلف هذه المعايير من دولة إلى أخرى بالطبع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى