مقالات

طبيب تحت التدريب: مستشفى الرشيد العسكري العراقي كان صرحا علميا شامخا

د. سامي سلمان

في دائرة تجنيد الكرخ ببغداد والكائنة جنب (كراج العلاوي) وخلال دقائق تم تزويدي بكتاب تسويق (الملازم الطبيب سامي سلمان) الى (مديرية الأمور الطبية). كانت رتبة (ملازم) هي الرتبة التي تم تسريحي بها في عام 1976، أماّ اقراني أبناء دورتي فقد وصلوا الآن الى رتبة (نقيب) لكونهم مستمرين بالخدمة منذ عام 1980 ولغاية اللحظة!.

في (مديرية الأمور الطبية) ولكوني من حملة ثلاث شهادات عليا (واحدة من فرنسا وأثنتان من بريطانيا)، ولكوني (ممن لديهم واسطة)، فقد تم تعييني في مستشفى (الرشيد العسكري) كي أخدم عسكريتي هناك. بدأت الخدمة العسكرية فعلاً في الشهر الأول من عام 1986.

بعد ألتحاقي ببضعة أسابيع ألتحق زميلي (مصطفى خالد العزي)، وكان يحمل شهادة (MRCP) من بريطانيا، وبذلك حصل تغير نوعي في شعبة المفاصل في مستشفى الرشيد. حيث صرت ومصطفى العزي عضوين دائميين في (الإجتماع الإسبوعي السريري) ل(فرع الطب) في مستشفى الرشيد، وكنا نناقش معهم الحالات السريرية المهمة.

كان الإجتماع السريري يبدأ في ساعات مبكرة من الصباح حيث يرأسه عادة الدكتور الدكتور (إبراهيم طه)، ويحضره (د. عمر الكبيسي) و(د. مكي حمادي فياض) و(د. حمزة الصباح) و(إد. حسان الشماع) و(د. طاهرتوفيق) و (د. فاروق العزاوي) و(د. فلاح داود) و (د. غسان نوري) و(د. سرمد الفهد) و(د. فاضل الدوري) وآخرين لا تسعفني ذاكرتي بأسمائهم الآن..وكنت مع زميلي (د. مصطفى العزي) نحرص على المشاركة الفعالة في النقاشات، خصوصاً عندما كانت تتعلق بالأمراض المناعية وأمراض الأوعية الدموية و الرثوية. وخلال فترة وجيزة صار لنا حضوراً مهماً في ذلك الإجتماع، وأنا متأكد أن ذلك ساهم في تثبيت أقدامنا في مستشفى الرشيد العسكري والذي كان ينافس أرقى المستشفيات العالمية في مستواه العلمي.

ولما كانت تلك الأجتماعات بحضور طلبة الدراسات العليا، والذين كانوا يستعدون أما للحصول على(دبلوم الطب الباطني) أو لشهادة (المجلس العربي للطب الباطني) (البورد)، فقد صار أولئك الطلبة المتعطشين للعلم يحضرون دوراتي الصباحية على المرضى، والتي كانت تستمر لساعات طويلة كنت أبذل جهدي في تدريسهم جميع الأمور المهمة التي تواجه طبيب الباطنية في ما يخص أمراض المفاصل وأمراض المناعة.

كنت أول من أستحدث الإجتماع المشترك مع (شعبة الأشعة). حيث كنت أطلب من الأطباء المقيمين جمع الأشعات المهمة والتي تحتاج الى تفاصيل في الشرح والتوضيح من قبل مختص، ونذهب بها في الصباح الباكر الى (شعبة الأشّعة)، حيث نلتقي مع الزملاء الدكتور (عبد العظيم التميمي) والدكتور (مكي علوان الحلي)، نتدارس كل حالة ونناقش ما يعانيه المريض من أعراض وما وجدناه من علامات أثناء فحصه و نقارنها بما نراه من تغيرات شعاعية،  وكان في ذلك دروس عظيمة لطلبة الدراسات العليا والمقيمين الأقدمين.

وفي الأيام الأولى من دوامي، وحين كنت أجري الجولة الصباحية على المرضى، لاحظت إختفاء بعض المرضى من الردهة بعد دخولهم بيوم أو يومين!،  وحينما أستفسرت من الأطباء المقيمين كان جوابهم أن هذا المريض قد ثبت من تحليل دمه أنه مصاب بحمى (التيفوئيد) والآخر (داء السكري)، والثالث وجدنا عنده (إرتفاع ضغط الدم)، وبالتالي فإن جميع أولئك المرضى قد تمت إحالتهم وإدخالهم في الردهات الباطنية!.  وعندها صرت ألقّن الأطباء المقيمين درساً بأننا جزء من (فرع الطب الباطني)، وإن من الممكن لنا،  بل ومن واجبنا،  أن نعالج ارتفاع الضغط و السكّري وحمى التيفوئيد وغيرها من أمراض،  دون إحالتهم الى الباطنية إلا في حالة وجود مضاعفات مهمة.  وبذلك زرعت في المقيمين روح التقصي العلمي والأجتهاد في علاج مرضانا بشكل شامل. وربما زاد ذلك من ثقة منتسبي المستشفى بكفاءتي وكفاءة زميلي مصطفى العزي), ثم بعدها كنا اول من أدخل زرق فوق الجافية Epidural Analgesia  في علاج أنزلاق الغضروف القطني وعرق النسا.

وفي الأسابيع الأولى مررت على (مديرية الأمور الطبية) والتي تشغل جانباً من مستشفى الرشيد العسكري، ومديرها آنذاك المرحوم (راجي عباس التكريتي). وفي تلك الدائرة ابتدأت صداقتي بمدير(الدائرة القانونية) المرحوم العقيد (ياسين الأحبابي) والذي رحب بتلك الصداقة،  وصرت أستشيره في كل الأمور الرسمية التي كانت تواجهني!..

وكان قد مر أكثر من شهر على رجوعنا الى العراق وأخذنا ننشر إعلان الحاجة إلى دار للإيجار في منطقة (السيدية ببغداد) كي ننتقل إليها، فأثاثنا وحاجياتنا التي شحّناها من (إنجلترا) و(الكويت) قد ملأت أجزاءً كبيرةً من البيوت الثلاثة المتجاورة لأخوة زوجتي! وكوننا مازلنا ننام في غرفة الضيوف..الأمر الذي لم يرق لن..

علمنا أن هناك داراً معروضة للإيجار، قريبة جداً من أهل زوجتي,، وكان الدار يعود الى عائلة المرحوم (فريد قسطو) وهم عائلة فاضلة مسيحية، كانوا يسكنون سابقاً في الدار الصغيرة (400)متراً، ثم وبعد أن بنوا داراً اكبر (600)متراً مجاورة، فإنهم عرضوا الاولى للإيجار..

تفحصنا الدار ووجدناها جميلة جداً وتفي بكل إحتياجاتنا،  كما وإن الرائع فيها أنها تبعد أقل من مئة متر عن الدور الثلاثة المتجاورة لأهل زوجتي!..دعتنا زوجة المرحوم (فريد قسطو-ابونادر) لتناول القهوة في بيتهم الجديد المجاور، وهناك تم التعارف بيننا بشكل أفضل ووجدنا الكثير من الأفكار والقواسم المشتركة بيننا، ووافقنا فوراً على مبلغ الإيجار المطلوب..

في اليوم التالي ذهبنا ثانية للقاء عائلة المرحوم (أبو نادر) بعد أن أتصل بنا تليفونياً. كنا متوجسين خيفة أنه قد عدل عن رأيه في تأجير الدار لنا!، وصرنا نضرب أخماساً بأسداس.. ولكننا فوجئنا بعرض جديد من قبل(أبو نادر):.. أن نشتري منهم الدار! بدلاً من السكنى فيها بالإيجار!..

أعتذرت له بأننا لا نملك المبلغ الكافي لشراء الدار، والمعروض علينا بمبلغ (45) الف دينار.. وهو مبلغ كبير آنذاك! حيث إن راتبي لايزيد عن مئة دينار شهرياً.. قال لي أبو نادر:

-لكنك تملك سيارة تويوتا جلبتها من الكويت..كم ستجلب لك السيارة إذا بعتها.  

-أجبت: ” المبلغ الصافي بيدي سيكون عشرين الف دينارا.  

قال: ” وأنا موافق على أستلام مبلغ العشرين ألف دينار منك عن بيع الدار، وبإمكانك السكنى فيها فوراً، على أن تسدد المبلغ المتبقي بعد عام من اليوم، وعندها سوف نجري معاملة التنازل الرسمي عن الدار! وقد حررت عقداً قانونياً للصفقة بيننا، تم اعداده من قبل خبير قانوني مختص”! .

طلبت من (ابي نادر) تسليمي نسخة من العقد، وإمهالي بضعة أيام كي أفكر بالمشروع!..

في اليوم التالي أخذت العقد الى صديقي (رئيس الدائرة القانونية) العقيد (ياسين الأحبابي)،  وحكيت له القصة، وسلمته العقد والذي كان فيه (شرط جزائي) كان قد أقلقني..

ضحك المرحوم (ياسين) بعد أن قرأ العقد، ثم قال لي:

-دكتور.. ألا تقرأ ما بين السطور؟ ألا ترى ما يفعله صاحب الدار معك؟ إنه رجل في منتهى الكرم! أنه قد أعجب بك وبعائلتك ويريد أن (يشتريك) جاراً له طوال العمر!، هو على الأكثر انسان مسالم، وقد توخى فيك وفي عائلتك الطيبة، وهاهو يفعل المستحيل للإحتفاظ بك جارا له!.. لا تتردد دكتور.. وافق على الفور، وربّك يدبر لك بقية المبلغ من الآن الى عام”!…

وهكذا بعد شهرين من وصولنا من أنكلترا تسهّلت أولى عقباتنا.. صرنا أصحاب دارٍ جميلة جداً.. بها حديقة عامرة بالزهور والفاكهة، وتنازلوا لنا عن (المرجوحة) الممتازة!.. والأهم من كل ذلك أنها على بعد بضع خطوات من البيوت الثلاثة لأهل زوجتي!.. وفور انتقالنا الى بيتنا الجديد، جاءت (العجوز) جّدة اولادي لتسكن وتعيش معنا، وترعى أطفالي الذين يعشقونها..

في نفس تلك الفترة باشرت زوجتي في الكلية التي كانت تدرّس فيها سابقاً ك(معيدة) وهي (كلية طب الأسنان-جامعة بغداد), وهذه المرة بلقب (مدرّس مساعد) لكونها حاصلة على شهادة (الماجستير) من بريطانيا في (أمراض اللثة).

في شهر آذار 1986 حصل أمر لم يكن يخطر لنا على بال.. وأدخلنا في حيرة ودوامة جديدة..

وأترك لكم الموضوع كما هو مكتوب نصّاً في الويكيبيديا العربية:

حرب الفاو الأولى : العملية فجر ٨ كان قتال قد دار من 9 شباط -20 آذار 1986، ضمن معارك الحرب الإيرانية العراقية. قام (الإيرانيون) بهجوم مفاجئ على القوات العراقية في شبه جزيرة الفاو.

تم احتلال الفاو بعمل لوجستي، قام به 30 ألف جندي إيراني نظامي والذين قاموا بتحصين أنفسهم بسرعة وتمكنوا من مسك الأرض. (أنتهى الأقتباس)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى