Uncategorizedأخبارمقالات

فيلم –الهدية- أفضل فيلم بريطاني قصير

حصد فيلم “الهدية” للمخرجة البريطانية – الفلسطينية فرح النابلسي جائزة أفضل فيلم بريطاني قصير في حفل توزيع جوائز بافتا (أكاديمية فنون السينما والتلفزيون البريطانية).

ويعزز هذا الفوز حظوظ الفيلم الذي يتنافس للفوز بجائزة أوسكار أفضل فيلم روائي قصير، حيث أختير ضمن القائمة القصيرة للأفلام المتنافسة على الجائزة هذا العام.

وقد أُقيم حفل توزيع جوائز بافتا هذا العام على غير العادة أفتراضيا وعلى مدى يومين بدلا من الحفل التقليدي الذي يقام بحضور النجوم سنويا، بسبب ظروف تفشي فيروس كورونا.

وقد شكرت المخرجة النابلسي في كلمتها التي وجهتها عبر الإنترنت لحظة اعلان الجائزة، القائمين على الجائزة والكادر الذي عمل معها على أنجاز هذا الفيلم، مهدية فوز فيلمها للشعب الفلسطيني.

كثافة عاطفية

نجحت فرح النابلسي في تجربتها الإخراجية الأولى في لفت الأنظار إليها عبر أختيارها قصة بالغة البساطة تركز على جماليات اليومي والعادي والمألوف، وذات كثافة عاطفية في الوقت نفسه، لتقديم معاناة الفلسطينيين على حواجز المعابر الإسرائيلية.

وتوسلت بالتأثير العاطفي لعلاقة أب بأبنته الصغيرة وسط عالم قاسٍ يُحيط بهما لجذب متابعة مشاهديها وتعاطفهم مع عملها الفني، وقد عمّق ذلك الأداء المميز للممثل صالح بكري بدور يوسف (الأب) والطفلة مريم كنج بدور الأبنة ياسمين.

وقد أتاحت منصة “نتفليكس” عرض الفيلم عالميا مع ترجمة إنجليزية بدءا من منتصف الشهر الماضي على الرغم من أنه ليس فيلما روائيا طويلا.

ويلتقط الفيلم، الذي أشتركت في كتابة السيناريو له مع المخرجة النابلسي، الشاعرة والمخرجة هند شوفاني، (من أفلامها رحلة في الرحيل 2015 وعدد من الأفلام القصيرة)، حكايته من المعاناة اليومية للسكان الفلسطينيين عند تنقلهم عبر المعابر ونقاط التفتيش الأمنية الإسرائيلية، فتختار رحلة أب مع ابنته الصغيرة عبر المعبر نحو بلدة قريبة لشراء هدية لأمها بمناسبة عيد زواجهما.

وتفتتح النابلسي فيلمها بمشهد للأب (الممثل صالح بكري) نائما قرب الجدار العازل على قطع من الورق المقوى (الكارتون)، كي يلحق بأفتتاح المعبر فجرا وسط زحام العمال الفلسطينيين الذاهبين للعمل في إسرائيل، ثم نراه بعد هذا المشهد التمهيدي مستلقيا في بيته، حيث يبدأ مع ابنته بتحضير قائمة المشتريات المطلوبة للمنزل. وينطلق معها من جديد في رحلة عبر المعبر نفسه، للذهاب إلى السوق في بلدة قريبة، فيعترضه أحد الجنود الإسرائيليين ويخضعه لتفتيش دقيق يقتضي بقاءه في الانتظار بعيدا عن أبنته الصغيرة، ثم يذهب مع أبنته سيرا على الأقدام ليكتشف أنها قد تبولت على بنطالها من طول الأنتظار والسير في الطريق.

وعند الوصول إلى البلدة وشراء أحتياجاتهما يذهبان إلى محل لبيع الأجهزة الكهربائية، حيث يشتري ثلاجة هديةً لزوجته بدلا عن ثلاجتهما القديمة المستهلكة، ويتفق مع صاحب المحل على أن يقوم بإيصالهما إلى البيت بشاحنته، لكنهما يجدان نقطة تفتيش عسكرية قد أغلقت الطريق، فيستعير من البائع عربة دفع يدوية ويواصل مع أبنته رحلة العودة تحت المطر.

وفي المعبر يواجه من جديد مشكلة مع جنود نقطة التفتيش، حيث يصعب إخراج الثلاجة من البوابة الحديدة المدورة المخصصة لمرور الأشخاص من الفلسطينيين إلى الجهة الأخرى، حيث يصر أحد الجنود على مروره من البوابة الحديدية، حيث لا يمكن للثلاجة أن تمر، وليس من الشارع الرئيسي ويؤنب زميله الذي يتعاطف معه ويحاول اقناعه بالسماح له. فيفقد الأب أعصابه ويتوتر الموقف مع الجنود الذين يصوب البعض منهم أسلحتهم إليه.

وهنا تقدم النابلسي ضربة النهاية في فيلمها حيث ينتبه الجميع وسط أصوات الشجار العالية إلى أن الطفلة ياسمين قد دفعت العربة والثلاجة عبر الشارع الرئيس وأنتقلت بها إلى الجهة الأخرى مستغلة فوضى شجارهم ، ليلحق بها والدها بعد ذلك دافعين هديتهما بأتجاه منزلهما.

اعتمدت المخرجة أسلوبا سينمائيا متقشفا يعتمد على الإيجاز والاختصار والتلميح، وهذا ما تفرضه بنية فيلم روائي قصير لا يتجاوز زمنه 24 دقيقة.

لذا توزعت أحداث فيلمها على يومين فقط. ولم يتجاوز مواقع الأحداث الخمسة مواقع؛ (الحاجز، المعبر، والبيت والبلدة وشارع العودة) وهي مواقع خارجية في معظمها، وقد صور بعض المشاهد في المعبر الحقيقي الذي يربط القدس وبيت لحم المعروف باسم المعبر 300 أو معبر راحيل.

وتمسكت النابلسي بالبساطة والواقعية نهجا أساسيا لها، من دون التوسل بالسعي وراء جماليات فنية مصنوعة، فبدا المشهد لديها طبيعيا يجري بسلاسة، وركزت على تلك العلاقة الحميمة بين أب وطفلته، والشحنة العاطفية العالية التي تحملها.

بيد أن بعض النقاد الإسرائيليين عابوا على الفيلم ما رأوه إخلالا بشرط الواقعية مثل لهجة الممثلين الفلسطينيين الذين أدوا أدوار الجنود الإسرائيليين وهم يتحدثون العبرية بلكنة واضحة، كما أدانوا ما وصفوه بتوسل الفيلم بالبعد العاطفي لتقديم موضوعه.

وقد ترسم مدير التصوير الفرنسي، بينوا شامايار، (من أفلامه طريق إلى أسطنبول لرشيد بوشارب وزيزو أو عطر الربيع لفريد بوغدير وانتقام الفرسان لبرتران تافرينييه)النهج ذاته، فجاءت صُوره طافحة بالبساطة والأقتصاد بالتفاصيل، وقد أستثمر القضبان والأقفاص الحديدية التي في المعبر للتعبير بذكاء عن عزلة الشخصيات ونشدانها الحرية، كما بدا الكثير من المشاهد مصورا من وجهة نظر الطفلة التي ترافق والدها، ففي مشهد الأنتظار في المعبر نراه يصوّر الجنود من زوايا منخفضة من وجهة نظر الطفلة التي كانت تجلس على الأرض في أنتظار والدها.

وينطبق الأمر نفسه على الموسيقى التصويرية التي وضعها أدم بن عبيد (رصيده وضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام القصيرة)، والتي ظلت حاضرة في مساحة محدودة جدا من الفيلم الذي طغت على شريط صوته الأصوات الطبيعية من مشاهد التصوير.

وعلى خطى والده الممثل المعروف محمد بكري، شق صالح بكري طريقه إلى مقدمة المشهد السينمائي بتجارب أدائية مميزة من بينها مواجهته لوالده في فيلم “واجب” للمخرجة آن ماري جاسر والذي نال عن أدائه فيه جائزة أفضل ممثل في مهرجان دبي السينمائي الدولي في 2017 مناصفة مع والده.

وقد حصل على أدائه في هذا الفيلم على جائزة أفضل ممثل في مهرجان مانهاتن للأفلام القصيرة. وما يلفت الانتباه في أداء بكري هنا؛ هو تلك العلاقة التي بناها مع الطفلة التي تؤدي دور ياسمين فبدت العلاقة بينهما وكأنها علاقة طبيعية بين أب وأبنته وليس بين ممثلين. وبدا بكري بارعا في التعبير عن أنفعاله في حديثه بإنجليزية غير متقنة ولكن واضحه وسط مشاهد متوترة في نقطة العبور، أو التلميح بأنفعالاته الداخلية عبر حركة عينيه وعضلات وجهه وسط محاولته لأن يفتعل الهدوء ورباطة الجأش والسيطرة على أنفعاله في نقطة التفتيش.

لقد قدّمت فرح النابلسي إلى الفن السينمائي من خارجه، فهي المولودة في لندن في عام 1978 من أبوين فلسطينيين، كانت تعمل في المجال المالي كمحلل مالي معتمد في مدينة لندن، بيد أنها أنتقلت إلى العمل في السينما في عام 2013 وأسست شركة سينمائية، وتقول إنها قررت تغيير مهنتها بعد زيارتها للأراضي الفلسطينية باحثة عن جذور عائلتها.

بيد أنها استطاعت عبر فيلمها القصير الأول أن تضع خطوة واثقة في عالم الإنتاج والإخراج السينمائيين، وهي خطوة رشحتها لأثنين من أعرق وأبرز الجوائز السينمائية في العالم، وهما البافتا البريطانية والأوسكار الأمريكية، وقد قطفت الأولى (بافتا) وفي أنتظار إعلان نتائج الثانية في حفل توزيع جوائز الأوسكار أواخر الشهر الجاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى