Uncategorizedمقالات

منازل المرأة في الشعر العربي

عبد الواحد لؤلؤة

إن أستعراض منازل المرأة في شعر الرجال، كما في شعر النساء، يُقدِّم صورةً عن المجتمع والحياة دونَها الصُوَر التي تقدِّمها كتب التاريخ. فمنذ أقدم أمثلة الشعر في الحضارة السومرية أو في الحضارة الإغريقية القديمة يكون للمرأة دورٌ مُهِم يتراوح بين ما تقدِّمه من خدمةٍ في المَعبد وبين دورها زوجةَ المُحارب أو الملك. ففي ملحمة كلكامش مثلاً تكون المرأة صاحبة الحان التي توجّه البطل في طريقه إلى غابه الأرز للقضاء على الوحش. وفي أقدم أمثلة الشعر الإغريقي نجد الأميرة سافو(630- 570 ق. م) تقدِّم في شعرها صورةً لحياة مجتمعها من النساء في جزيرة لزبوس التي كانت منفاها بعدما نُفي زوجُها بسبب المشاحنات السياسية. لقد كوّنت الشاعرة سافو حولها مجتمعاً نسائياً تُعلمهم فيه الشعر والموسيقى والرقص، وعندما تتزوّج إحدى الفتيات تقيم لها سافو حفلة وداع تشارك فيها جميع النساء في مدرستها. وفي العصور الحديثة أشاع بعض الباحثين غير الأوروبيين أن الشاعرة النبيلة كانت ذات ميول غير طبيعية في علاقتها مع الفتيات والنساء من حولها. وهذه تهمة ظالمة لأن من حولها من فلاسفة وشعراء مثل ميلييكر ما كانوا ليغفلوا عن تلك الوصمة لو صحَّت؛ ولكن ثمه الكثير من الإعجاب بشخصية سافو وشعرها من معاصريها، كما تذكر كتب التاريخ الإغريقي القديم. وليس لدينا اليوم من شعر سافو سوى جُذاذات عن 120 قصيدةٍ قال عنها النقاد الإغريق المعاصرون: «قليلات لكنها وردات». وفي تلك الجُذاذات صورٌ عن المجتمع الإغريقي القديم وبخاصةٍ عن مجتمع النساء.
وفي أقدم شعر باللغة الأنكلو سكسونية القديمة لدينا قصيدة من 3182 بيتاً تم تسجيلها عن صيغتها الشفوية في القرن الثامن الميلادي. ولكن أحداثها تعود إلى أقدم من ذلك عن الأعمال البطولية التي قام بها بيولف لتخليص البلد الإسكندنافي من وحش هائل كان يهاجم قصر الملك ويخطف عدداً من رجاله ويذهب إلى حيث يقتلهم ثم يغيب في البحر. فجاء البطل وستطاع القضاء على ذلك الوحش كريندل وأن يعيد الوئام بين مملكتين اسكندنافيتين. وفي حفلة المصالحة نجد ويلثياو زوجة الملك هروثكار تقوم بواجب الضيافة وتبدأ بتقديم كأس الرحيق للملك أوّلاً ثم للبطل بيولف. ولا نجد أثراً للمرأة في تلك الملحمة البطولية سوى الإشارة إلى فُلانة أبنة البطل فُلان أو فُلانة زوجة البطل فُلان، ولكن لا نرى المرأة المقصودة، إذ يقتصر الأمر على ذكرها وحسب.
لكن منزلة المرأة في الشعر العربي أشدّ بروزاً وأكثر حضوراً، وكأننا إذ نقرأ القصيدة العربية نتوقّع أن تطلع علينا المرأة من أولها. ففي معلقة امرؤ القيس، قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل/ بسِقط اللِّوى بين الدَخولِ فحَوملِ، يستمر ذِكر المواقع مما يوحي بأن للشاعر أكثر من حبيبةٍ في أكثر من مكان واحد. ومثل هذا الشعور بوجود الحبيبة في القصيدة يتكرّر في أغلب القصائد العربية أمتداداً إلى العصر الحاضر.

وفي صدر الإسلام لدينا المرأة الشاعرة الفارسة خولة بنت الأزور التي أسترعت أنتباه خالد بن الوليد في هجومها على جيوش الروم وهي تنشد:
نحن بنات تُبّعٍ وحِميَر/ وضربنا في القوم ليس يُنكر.
وعندنا الخنساء النجدية الصحابية (575- 646) وحضورها في الشعر يبرز حضور شقيقها صخر الفارس المغوار الذي قتل في الحرب. فرثاؤها وبكاؤها يؤكد حضور المرأة الشاعرة:
قذى بعينيكِ أم بالعين عُوّار/ أم قد خَلت بَعدنا من أهلها الدارُ؟

ولكن الدار لم تخلُ من أخيها صَخر لأنه حاضر في شِعرها إلى جانب حضورها:

وإن صخراً لتأتمُّ الهُداةُ به/ كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ…
وكيف يغيب مظهر الجبل الذي في رأسه نار!

ولدينا في الشعر الجاهلي المُنَخَّل اليَشكُري الذي وُلِد بعد عام الفيل بعشر سنوات. وبعض شعره يكاد يشبه شعر الخلاعة في بعض الآداب المعاصرة:

ولقد دخلتُ على الفتاةِ الخِدرَ في اليوم المطير/
الكاعبُ الحسناء ترفلُ بالدِمَقس و بالحرير.
ودفعتُها فتدافعت مشيَ القَطاةِ إلى الغدير/
ولثَمتُها فتنفّست كتنفّس الظبي الغَرير
وأحبُّها وتُحبّني ويُحبُّ ناقَتَها بَعيري

ونجد لحضور المرأة الشاعرة لوناً مختلفاً تماماً في شعر رابعة العَدَويّة البصرية (713- 801). فالحب عند هذه المتصوِّفة يختلف عما سبقه وما جاء بعده:

عرفتُ الهوى مذ عرفتُ هواكَ/ وأغلقتُ قلبيَ عمن سِواكَ
أحِبُّكَ حُبين حُبَّ الهوى/ وحُبّا لأنك أهلٌ لذاك
فاما الذى هو حُب الهوى/ فشُغلٌ بذكرك عمن سواك.
وأما الذي أنت أهلٌ له/ فكشفُك للحُجب حتى أراك.

الى جانب الحضور الصارخ الفاحش في العصر الجاهلي، والى جانب هذا الشعر الصوفي نجد للمرأة حضوراً ناعماً مهذّباً في شعر العذريين في العهد الأموي، إذ نجد الحُبّ يؤدي بصاحبه أحيانا إلى الجنون كما حدث لقيس ابن الملوّح في عشق ليلي:

أما عاهَدتَني يا قلبُ أني/ إذا ماتُبتُ عن ليلى تتوب؟
فها أنا تائبٌ عن حُب ليلى/ فمالكَ كلما ذُكِرت تذوب؟

والحب في الشعر العذري عفيف، فالشاعر يحب فتاةً واحدة. جميل بُثينة يقول: تَعلّق روحي روحَها قبل خَلقنا/ ومن بعد أن كنّا نطافاً وفي المهد.
لكن الحب العفيف في العهد الأموي أنقلب في بعض الأحوال إلى خلاعة ومُجون في العصر العباسي. وبعض السبب في ذلك شيوع الغنى والترف. وأمثلة ذلك في شعر أبو نواس.
أما في الأندلس فكان حضور المرأة في الشعر الأندلسي حضوراً طاغياً، كما نجد في شعر ولاّدة بنت المُستكفي. فهذه إبنة خليفةٍ أندلسي، لكنّها في مجمع الرجال كانت تمثال العشق الذي لا يخشى الحدود. فقد نقشت على ثوبها:

أنا والله أصلُح للمعالي/ وأمشي مِشيَتي وأتيهُ تيها.
أمكِّنُ عاشقي من صَحنِ خدّي/ وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها.

أما منزلة المرأة في الشعر العربي الحديث فيكفي ما قدّمه نزار قبّاني مما لا يمكن الحديث عنه في حدود مقالة واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى