Uncategorizedمقالات

مدينة الصويرة المغربية: أبنيتها من حجر وقلوب أهلها من ذهب..

د. عبد العزيز بودين

تعد مدينة (الصويرة) التي كانت تعرف قديماً باسم (موغادور) إحدى أجمل وأعرق المدن المغربية، لذلك تم إدراجها منذ سنة (2001م) ضمن لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، فالمدينة غنية بمآثرها التاريخية، وأماكنها الدينية وفضاءاتها الرحبة، التي تحمل جزءاً مهماً من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للمغرب. 

تاريخياً، أكتشفت مدينة (الصويرة) من قبل الفينيقيين خلال القرن السابع قبل الميلاد، وكانت تستخدم كمرسى يتم أستخدامه على الطريق المؤدي إلى الرأس الأخضر وخط الاستواء، وفي سنة (146) قبل الميلاد غزا الرومان هذا الموقع وجعلوه تابعاً لهم، ومع نهاية القرن الأول قبل الميلاد، عرفت المدينة شهرة كبيرة بسبب صناعة الصباغات الأرجوانية المستخرجة من المحار، والتي طورها الملك جوبا الثاني مؤسس مدينة وليلي. وفي العصور الوسطى قام البرتغاليون بإنشاء مشاريع تجارية مهمة، وأطلقوا على المدينة اسم (موغادور). غير أن المدينة الحديثة يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة (1765م) على يد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي أوكل وضع تصميمها آنذاك إلى المهندس الفرنسي (تيودور كورني) حيث رسم تخطيطاً لهذه المدينة وأحاطها بتحصينات مستلهمة من أعمال (فوبان) أستاذ الهندسة المعمارية العسكرية الفرنسية.

أما اليوم، فإن زائر (الصويرة) لا يمكن أن تخطئ عينه جمال وسحر هذه المدينة، وخاصة الجزء القديم منها؛ والذي تتصل وتتشابك فيه الطرق والأزقة ببعضها، فهذه الأخيرة مخصصة للمارة دون السيارات في أكثرها، وبعضها مغطى بالعقود الحجرية الجميلة، التي ترجع إلى العصور القديمة الغابرة، وهو ما يوفر الظلال المريحة للمشاة، ويخفف من درجات الحرارة، ويحول دون التسرب المباشر لأشعة الشمس. ويكمن سحر مدينة (الصويرة) أيضاً في كون أبنيتها من الحجر، مصبوغة باللونين الأبيض والأزرق، تعلوها قباب من الخشب والجير والطين، شبابيكها صغيرة المساحة، مفتوحة في جدران سميكة لتؤمن التهوية والإضاءة، وتمنع دخول الأشعة في الوقت ذاته، وبعض هذه الأبنية يطل على الطرقات، من خلال مشربيات خشبية جميلة الصنع، تستعمل للجلوس والأستراحة ومشاهدة ما يجري في الخارج، دون التعرض لنظرات المارة، وما يميز هذه الأبنية أيضاً هو أنها تتلاصق مع بعضها ، وكأن المدينة عبارة عن مبنى واحد متشابك الأجزاء.

وأهم ما يميز مدينة (الصويرة) هو كونها مدينة يتعايش فيها المسلمون مع الديانات الأخرى، جنباً إلى جنب منذ سنوات طويلة؛ فهي لم تعرف على مر تاريخها أي صراع أو عنف، بين مختلف مكوناتها الدينية، فالمؤرخون لم يسجلوا أي حالة اقتتال أهلي بين مكوناتها، منذ وجودهم وسكنهم المدينة وإلى يومنا هذا، ما طبع المدينة بطابع التعايش والسلام، ولو لم تكن كذلك ما أستمر هذا التعدد والتنوع والعيش المشترك، بين كل الجماعات المختلفة دينياً والتي تشكل المجتمع الصويري.

ومع بداية القرن السابع عشر عندما أعاد السلطان محمد بن عبد الله (محمد الثالث) بناء مدينة (الصويرة) على النمط العصري بشوارعها الواسعة، خلافاً للمدن العتيقة بالمغرب، وبنى فيها ميناء جديداً وقاعدة عسكرية بحرية، أستقدم إليها بدوره نخبة من التجار والدبلوماسيين. وتحولت (الصويرة) منذ ذلك الحين إلى العاصمة الأقتصادية للمغرب، وأستمرت في هذا الدور حتى بداية الحماية الفرنسية، التي حولت مركز ثقل الاقتصاد المغربي من (الصويرة) إلى الدار البيضاء.

تعد مدينة (الصويرة) نموذجاً يحتذى في مجال التعايش والتسامح والعيش المشترك، فقد آمن سكانها ومؤسسوها منذ القديم، بأن الأختلاف هو جوهر الوجود وشرطه الرئيس، الذي لا يقوم إلا به ولا يتأسّس إلاّ عليه، لذلك أكد المجتمع الصويري ضرورة قبول الآخر المختلف؛ عرقاً أو لوناً أو ديناً أو فكراً أو جنساً، حتى أضحى رفض الآخر في مدينة (الصويرة) فضيحة أخلاقية قبل أن يكون جريمة في حق الإنسانية، وأعتداء على حق عظيم هو الحق الطبيعي في الأختلاف.

ولابد أن نشير إلى أن سكان مدينة (الصويرة) والجمعيات الفاعلة في هذه المدينة، يعملون بشكل طبيعي ومتواصل، على تبديد المخاوف من التعايش المشترك بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، وذلك بعقد الندوات وإقامة المهرجانات والحفلات التي تحضرها جميع الأطياف دون تمييز، حتى صارت حكاية التعايش الفريدة أمراً حقيقياً، يعتز به سكان مدينة (الصويرة)، فالتعايش في هذه المدينة حقق معجزة الانصهار، وصار الناس بفضله إخواناً ورفاقاً يؤثثون الحياة بالقيم الإنسانية الرفيعة، التي تعلي بنيان الخير والحب والعدل والجمال. ومن أشهر أعلامها الطيب الصديقي وعبدالرحمن قيروش وعبدالرحيم الصويري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى