Uncategorizedمقالات

فيلم وقتٌ للقتل.. A Time to Kill

هادي ياسين

هذا واحدٌ من سلسلة الأفلام التي تتناول موضوع العنصرية ضد السود في أمريكا. تدور أحداث الفيلم في الستينيات من القرن العشرين، وتحديداً في ولاية مسيسبي والتي كان ينُظر فيها الى السود بإعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.

الفيلم مأخوذ، بالإسم ذاته، عن رواية للمحامي الأمريكي “جون غريشام” الذي ترك مهنة المحاماة لاحقاً و كرّس وقته لكتابة الروايات ذات الحبكة الجيدة، والتي كرّسته كروائي محترف، فدرّت عليه هذه الروايات ملايين الدولارات فأصبح بالغ الثراء، فإشترى في مطلع التسعينيات مزرعةً كبيرة و تفرغ فيها للكتابة، وإذ تجاوزت طبعات رواياته الثمانين مليون نسخة خلال خمس سنوات ـ حسب تقرير مجلة الأكسبريس- عام 1995، فأن هذه الروايات قد تحولّت الى أفلام بعد شراء حقوقها بملايين الدولارات.

إستقى “غريشام” رواياته من ملفات المحاكم الجنائية، بحكم كونه محامياً. وفي هذه المحاكم لم يكن شاهداً على ما يجري، بل كان مراقباً وراصداً بعين الروائي، فكان يتتبع خلفيات القضايا و خيوطها ويراقب المحاكمات ويخرج منها بروايات، ولكن هذه الروايات أثارت عليه حنق وحفيظة زملائه المحامين، لأنها وضعت المحاكم والمحامين والقضاة وجميع العاملين في سلك القضاء والمحاكمات تحت الضوء، وحسب تعبيره فأنه فتح عليهم باب جهنم، كما قال في حديث صحفي عام 1999.

 وقد أتـبع أسلوبَ التشويق على طول الرواية حتى يضرب الضربة المفاجئة في الكشف عن النهاية غير المتوقعة، كما لدى “أجاثا كريستي” في رواياتها و كما لدى “موريس لوبلان” في سلسلة قصص “أرسين لوبين” .

رواية (وقتٌ للقتل) كتبها “غريشام” عام 1989، فتم شراء حقوقها سينمائياً بستة ملايين دولار، لتتحول الى فيلم سينمائي عام 1996 على يد المخرج الأمريكي “جويل شوماخر” والذي أشتهر بإخراج الأفلام التي تتعلق بالجريمة. و قد أسند المخرج أدوار البطولة في الفيلم الى “ساندرا بولوك” في دور المحامية المتدربة (إيلين روارك)، و”دونالد سثرلاند” في دور المحامي المعتزل المدمن على الكحول (لوسيان ويلبانكس)، و”صامويل جاكسون” في دور الوالد  (كارل لي هايلي) و”ماثيو ماكونهي” في دور المحامي (جيك بريجانس) الذي يتولى الدفاع عن (هايلي)، و كان هذا الدور هو أجمل أدوار “ماكونهي” قبل أن ينال جائزتي (أوسكار) و (غولدن غلوب) عام 2014. كما قدّم “صامويل جاكسون” أداءً رائعاً في الفيلم كان قد إستحق عنه الترشيح لجائزة (غولدن غلوب) كأفضل ممثل في دورٍ مساعد.

منذ المشهد الأول، يكشف الفيلم عن جانب الإثارة التي سينطوي عليها، حيث تبدأُ الأحداثُ في قرية صغيرة تسكنها غالبيةٌ من السود. يفتتحُ المشهدَ طائشان أبيضان يقودان سيارتهما برعونة، أحدهما يحمل على زنده الأيسر وشماً يمثل رمزاً نازياً، و يتصرفان بتهور ويعتديان على سكنة القرية، فيما يضعان على زجاج سيارتهما الخلفي العلمَ الكونفدراليَ المحظور، ذا الشريطين الأزرقين المتقاطعين على خلفية حمراء وعليهما ثلاث عشرة نجمة، وهذا العلم كان قد تم تصميمه عام 1860، أي قبل عام من الحرب الأهلية الأمريكية ( 186 ـ 1865) بين الشمال والجنوب الأمريكي الذي كان يصر على أستعباد السود . تلك الحرب التي أنتهت بأنتصار الشمال وإصدار الرئيس الأمريكي السادس عشر “إبراهام لنكن” قانون إنهاء العبودية و مساواة السود و البيض في كل ولايات أمريكا، والذي على أثره تم إغتياله بإطلاق النار عليه ــ من الخلف ــ من قِبل شخص يُدعى “دون ويلكس بوث” أثناء حضوره عرضاً مسرحياً يوم 14 إبريل / نيسان 1865، أي بعد فترة قليلة من أنتهاء الحرب الأهلية. والغريب أن قاتله لم يكن من العنصريين البيض، بل من اليهود الذين يقال أن مصارفهم تضررت بسب إجراءات ” لنكن ” الحكومية، و لا أحد يدري إن كان هذا اليهودي مدفوعاً من قِبل العنصريين البيض لإخفاء أسباب الجريمة أم أنه تصرف بدافعٍ ذاتي .

الأبيضان الطائشان يُقدِمان على إغتصاب الصَبيّة السوداء (تونيا) ، ذات العشر سنوات، العائدة من محل البقالة، ورميها عند حافة الموت. ولا حيلة لدى السود المقهورين في القرية سوى الحنق، فيما يتخذ والد ( تونيا ) قراراً داخلياً مع نفسه بالإنتقام ووضع حد لإستهتار البيض، إذا ما فشل القانون في فعل ذلك. لذا يلجأ الى المحامي “جيك” بإعتباره كان قد دافع ـ قَبلاً ـ عن شقيقة “ليستر”، ويذكّره بأن الأشخاص الأربعة الذين أغتصبوا فتاةً سوداء ، في العام الماضي، إنما فلتوا من العقاب، ما يعني أستشراء حالة أستهتار البيض بالقانون في ما يتعلق بتقويض أمن وسلامة السود في ولاية ميسيسبي برمتها، و هي من الولايات الجنوبية ذات المنحى العنصري. بذلك يوحي والد الفتاة للمحامي بأنه سينتقم بنفسه لوضع حدٍ لهذا الإستهتار بالسود إنْ لم يتخذ القانون مجراه الصحيح.

هذه هي النقطة الأساسية التي يتمحور حولها الفيلم و تتصاعدُ أحداثـهُ، فيتصرف المحامي وَفق هاجسٍ يجعله مراقباً لما سيُقدِم عليه والدُ الفتاة، مؤمناُ برد فعله في ظل غياب هيبة القانون .

ردُّ فعل والد الفتاة كان حتمياً وصادماً، يعكس كمية الإحتقان والصبر تجاه أستهتار البيض الذين سمّموا حياة مواطنيهم السود، لا لذنبٍ سوى إختلاف لون البَشَرة .

لم تنس الرواية، التي أعتمدها الفيلم، حركة ( كو كلوكس كلان ) العنصرية الإجرامية التي دخلت على الخط و خلقت توتراً حاداً قبل وأثناء المحاكمة وأربكت الشارع ورواق المحكمة معاً، و هذا طبعُها. ولكن الأمر لم يكن في صالحها، رغم تهور أعضائها القساة وإمكانياتهم في تقويض أسس النظام الإجتماعي .

و حركة ( كو كلوكس كلان ) ظهرت في العام 1865، أي بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية مباشرةً، و يبدو أنها تشكلت كرد فعل على إنهاء نظام العبودية وتحرير العبيد ومساواتهم بالبيض كمواطنين، لذلك فأن هدفهم الأول هو القضاء على السود، بإعتبار أن البيض هم الجنس الأبقى ولا يستحق السودُ الحياة، ولذلك كانوا ينصبون المشانقَ الإرتجالية ويشنقون أي أسود يصادفونه، و دون أية محاكمة. وعلى هذا الأساس ذهب الكثير من السود ضحايا لهذه الجماعة العنصرية الحاقدة، وهم عادةً من المسيحيين البروتستانت، و لم يتوقف حقدهم على السود حسب بل إنهم يعادون السامية أيضاً وكذلك الكاثوليكية فراحوا يعتدون على كنائسها.

ويتميز أعضاء هذه الحركة بإرتدائهم الملابس البيضاء كرمز يميز البيض، كما أنهم لا يظهرون من وجوههم سوى عيونهم ..بإرتدائهم أكياساً مخروطية الشكل.

سنجد أن دخول هذه الجماعة على الخط في الفيلم أمرٌ متوقـع، لأن مناخ الواقعة هو المناخ الطبيعي لظهورهم وممارسة أفعالهم العدوانية.

إستُقبل الفيلم إستقبالاً إيجابياً من قبل النقاد والجمهور في كل مكان، وإذ كانت كلفته قد بلغت 40 مليون دولار فإن إيراداته كانت أكثر من 152 مليون دولار داخل أمريكا وفي دول العالم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى