الجديدمقالات

العقد الأجتماعي

أبراهيم الولي

يدور الحديث في بلدي العراق هذه الأيام عن ضرورة العودة أو إلى إحياء عقد اجتماعي أو ربما عقد سياسي في وقفة حساب مع الذات  ربما بدأت إرهاصاتها بالدعوة الى إفعال حوار وطني، و ذلك لعمري أمر حسن، بعد أن بلغت بالبلاد فوضى في الأمن وعدم الشعور بالمسؤولية وتنمّر فئات على النظام العام، و ثلم لسيادة البلاد في عدوان على الجغرافية السياسية، بل وعلى الإرث الحضاري والثقافي الذي عرف العراق بهما في الماضي.

 هذا التدهور المؤسف جعل العراق عرضة لنقد من هبّ ودبّ بسبب أتهام حكوماته بالفساد وعدم الشفافية أو الحوكمة الرشيدة التي يجب أن يتوفر حد معقول منها كي يكون البلد مستعيدا مكانته في خريطة العالم الحضارية عموما، وفي مجال حقوق الإنسان المخترقة أمام المحافل الدولية ،التي تراقب بعيون ثاقبة ما يجري من خلال رجالها، دبلوماسيين كانوا أم عسكريين فكلٌ يرى من خلال منظار مصالحه وما تدرّ عليه من ربح أو خسارة. وقد يكون بعض هؤلاء هم أنفسهم ممن تسبب بوقوع البلاد في هذا النفق، ولا تسل عن الخسائر البشرية والأقتصادية الهائلة التي سببها سوء إدارة الحكم بدراية أو بجهل فالنتيجة واحدة، فأنت ترى العراق العزيز الكريم و يا ويحي عليه، يبدو رغم ثرواته الهائلة و تاريخه الحضاري وزرع و ضرع ومعادن وآثار وعقول نيّرة، رغم كل هذه الوفرة البائنة يبدو فقيرا يتلمس العون من أقوام طالما لجأوا لسماحته وكرمه  فما خذل منهم احداً.

يقول شومسكي: لايوجد شيء أسمه بلد فقير، إنما يوجد فقط بلد فاشل في إدارة موارد البلد). لقد حمل هذا الوضع المزري بعض المسؤولين على المناداة بوقفة جادة لتصحيح ما يمكن تصحيحه، فالمعوقات ـ ما أكثرها في هذا السبيل).  

فيا ترى ماذا حلّ بالعراق،  على الأقل منذ الإحتلال الأمريكي سنة 2003 ليومنا هذا؟.  

بٌددت ثروات البلاد وجٌهَّل أولاده وأُفقِروا، فعمّت ثقافة الجهل في التربية والتعليم،  وتردّت صحة المجتمع ،وأخطر من كل هذا تدهور الأمن المجتمعي بل لعل الاهم من كل ذلك هو أن النسيج الإجتماعي للشعب قد مُزق بإصرار وتبصر .

  كان للعراقيين بشكل ما فيما مضى عقل أو ضمير جمعي، يجمع الناس على عناصر هذا العقل الثلاثة : القيم والعادات والمعتقدات، Values , Costumes and Beliefes هذه العناصر هي القوة التي تعمل على توحيد المجتمعات من الداخل، أو هكذا يقرر الفلاسفة الوضعيون.

العقد الإجتماعي والضمير الجمعي

وأنا أتحدث عن النسيج الإجتماعي لبلادي،  فأنا أعني  أن اللجوء إلى عقد أجتماعي أو حتى سياسي سيكون غير مجدٍ مادام الضمير الجمعي للشعب Collective Conscience مهلهلاً كما هو الآن، فعلى المسؤول إذن وضع هذه الحقيقة أمام عينيه،  إذ يعلن عن ضرورة إحياء عقد اجتماعي يلملم ما تبعثر من هذا الضمير، ولم يكن ما جرى ويجري الساعة إلا محاولات هادمة في هذا المآل.

  فلنتوكل على الله ونخلص النية لبناء  عقد اجتماعي يعيد للعراق هيبته، فذلك لن يتحقق بالكلام المعسول غير ذي النفع.

العقد الإجتماعي

 هو اتفاق أفتراضي قد يكون مسجلا وموقعاً عليه من طرفيه الحاكم والمحكوم،  أو أن يكون دون ذلك، فهو واقع بين طرفين تتوفر فيهما الحرية والإرادة ويكون واضحاً تحديد حقوق والتزامات الطرفين المتعاقدين.  والعقد الإجتماعي الذي يكون عادة بين شعب من جهة وحاكم/ ملك أو رئيس دولة أو مجموعة حاكمة من الجهة الأخرى فليس هناك حدود لإختصاصات هذا العقد بما يخرج عن نية وإرادة المتعاقدين.

 أما إن كان القصد من العقد هي  السياسة وحسب، فتلك  مسألة أدنى  في سلم التعاقد من الأولى، أعني أن العقد السياسي سيقتصر على أجزاء من العقد الإجتماعي وليس كله. مثلُ ذلك ما تم الإتفاق عليه سياسيا من إنهاء نظام الفصل العنصري Apartheid في جمهورية أفريقيا الجنوبية بقيادة المناضل نيلسون مانديلا , فتحقيق الكل،  أعني العقد الاجتماعي يتضمن بالضرورة تحقيق الجانب السياسي الذي يكوّن أحد عناصر العقد الإجتماعي.  والعقد السياسي أتفاق قابل للتعديل عبر الوقت وبحسب متطلبات المرحلة بعكس العقد الأم، أعني الأجتماعي فهو غير قابل للتعديل وإنما يكون إغفاله أو إلغاؤه  عبر تطورات سياسية قاهرة كتغير نظام الدولة بثورة أو أنقلاب بأشكال مختلفة .

 من هنا يجيء مفهوم العقد الإجتماعي بأنه إنما يقع بين الشعب ككل وبين الحاكم أو السلطة الحاكمة،  بينما يقتصر العقد السياسي على التفاهم بين جهات ذات أختصاص فيما بينها لهدف محدد.

ربَ متسائل متشائم يقول ـ  و ما أكثرهم ـ أن لا فائدة  من الإصلاح فقد بلغ السيل الزبى حتى ليحار المصلح من  أية  غرزة يبدأ رتق هذا الفتق العميق في نسيج الأمة الإجتماعي.  وأنا المتفائل والواثق من أمكانات العراق الهائلة، والتي لطالما كانت نقطة جذب للأجنبي أكان قريبا أم بعيدا.  هذه الإمكانات وما أوفرها تتمثل بالبشر وبالأرض جغرافيا وتاريخ.

فأما البشر فهم فئات تبلورت ملامحها في ثورة شباب تشرين الذين فرضت عليهم ضغوط الحياة الإقتصادية والنفسية الملموسة، إضافة إلى تنورهم  ووعيهم بما أنتجت الحضارة العالمية وهم جزء منها، من تقدم علمي وتكنولوجي أشاع مفاهيم ومعايير أغلقها الفقر وسوء إدارة الحكم وما يسقط من إختلال ميزان العدل والمساواة في الحكم بين المواطنين.. بل لعل، كلمة المواطن والمواطنة التي هي مقياس أنتماء الإنسان إلى أرضه، فالناس ليسوا رعايا ولم يكونوا كذلك، فالإلتفات الصادق مع النفس والجاد حقاً إلى متطلبات هؤلاء الشباب بل والشيب من أهلهم ، هو اللبنة الأولى التي يبدأ بها الإصلاح. تأتي تبعا لذلك العودة إلى ما أنفرط من عقد سياسة الدولة .

 السيادة في الداخل والسيادة في الخارج، أما عن الداخل: فلابد من إشعار المواطنين، ولو بالقسر أن السيادة للقانون الذي تشرف على تنفيذه السلطة التنفيذية في حكم مدني يضع نصب عينيه أن الدين الحنيف لله وحده سبحانه فهو الحسيب الرقيب، فلا مجال مطلقا من السماح لجماعة أن تتسّيد على الناس بقوة المال التي اُكتسبته زورا وبهتانا، وعلى سلاح منفلت لا يؤمن بالشراكة الوطنية، فنرى بعضهم يتكئ على جهات خارجية لا يمكن أن يكون القصد من تدخلها غير مصلحة قومها.

وأما عن السيادة الخارجية التي تكون الهيبة في الداخل من مقوماتها الأساسية، فحدود البلاد التي أرتضاها النظام السياسي للدول هي خط أحمر لا يجوز المساس به.. فلا يدخل أجنبي إلا برضى القانون، ولا تفلت بضاعة مستوردة أو مصدرة من الرقابة المالية أو الصحية أو الاجتماعية من دون المحاسبة  النزيهة .

إن حصيلة الإلتفات الجاد لهذه المسائل سيرفع من سمعة البلاد في الخارج حتى لِيُعطي قوة إضافية للجهاز الدبلوماسي أو لأي متفاوض حين يمثل بلاده في خضم العلاقات الدولية. فالمفاوض الأجنبي ينظر إلى مستوى التقدم الإقتصادي والسياسي والأمني في البلد الآخر من خلال الرجوع إلى تقارير المجتمع الدولي بكل أدواته، والتي لا تخطئ في تبيان الوضع العام للبلاد وهو مكشوف أمام العشرات من المنظمات الدولية خارج الأمم المتحدة و وكالاتها المتخصصة ، فهناك البنك الدولي وصندوق النقد، ومنظمات حقوق الإنسان، ومنظمات الشفافية والنزاهة الخ……

العقد الأجتماعي.. فلسفته

هكذا أفهم أنا العقد الإجتماعي معنى  وتطبيقا وكفلسفة تناولها العديد من الفلاسفة عبر العصور، ولو أن ثلاثة منهم تلقفوها كفلسفة متميزة من شأنها تحقيق حياة آمَنَ وأفضلَ للإنسان في مجتماعاته، هؤلاء هم :

          •        توماس هوبز  Thomas Hobbes  1588 -1679

          •        جون لوك John Locke 1632-1704 

          •        جان جاك روسو Jean Jackues Rousseau  1712 -1778

هؤلاء الفلاسفة لم يُنشئوا فلسفة العقد الإجتماعي في القرنين السابع والثامن عشر و إنما رسموا حدودها وكشفوا أشراطها، وذلك لأن غروتيوس ومن قبله أرسطو وغيره كانوا قد نوهوا بهذه الفلسفة من خلال إجتهاداتهم.

يتفق هؤلاء الثلاثة في مفهوم العقد الإجتماعي إذ هو إتفاق إفتراضي غير مكتوب يقع بين حاكم ومحكوم من أجل استقامة حياة الإنسان في مجتمعات كانت بدائية تحكمها حياة الناس الطبيعية من غريزة حب البقاء وإلى تملك ما يديم حياة الإنسان،  إلى أن توصل الإنسان تحت الحاح الحاجة إلى أمن ذاته،  إلى الاتفاق فيما بينهم على ضرورة اللجوء إلى ذاتٍ أعلى منهم قوة  وسطوة   Super-Ego فكان أن لجئوا ، في نظر هوبز إلى حاكم قوي مستبد سماه بكتابه  التنّين، وهو حيوان خرافي، وله غير هذا كتابين في القانون وآخر عن المواطن، لهذا يكون هذا الحاكم غير مسؤول عن تطبيق ما أراده الناس منه، وهكذا كان الحاكم ملكا او كاهناً أو عسكريًا، يقول هوبز أن الانسان عاش أوائل أيامه حياة وحشية تحكمها شريعة الغاب فحسب، ولهذا يجد في التنين نعمة تٌخرجهم من حياتهم الأولى.

على أن أن جون لوك وروسو خالفا هوبز في أستنتاجاته.. فالأول يقول أن الأنسان ولد بطبيعة سليمة وعقل على الفطرة يظل فارغا حتى تملأه التربية والتعليم في الأسرة أو في المجتمع، فهو- أي جون لوك- ليبرالي حتى أُعتبر أباً لليبرالية ، ففى نظره أن العقد الاجتماعي يظل مشروطا بين الشعب والحكومة اوالسلطة وقد حذر من النظام الملكي المطلق قائلا: أن الغرض من اللجوء إلى العقد الإجتماعي هو صيانة الحقوق الطبيعية للأفراد وليس إغفالها لمصلحة الحاكم، فالسلطة المطلقة في نظره هي نوع من الأستعباد.  و يرى أن السلطة التي خٌولت صلاحيات بحسب العقد عليها ضمان الحرية والملكية الفردية للشعب، فإن قصّرت في ذلك فيصار إلى تعديل أو تغيير العقد، فالأصل هنا يكون ضمان صيانة الحقوق الطبيعية للناس على العكس مما يظن هوبز من ضرورة حصر السلطة المطلقة بيد الحاكم دون مسائلته، فالشعب هنا يكون قد تنازل عن جزء وليس عن  كل حريته وهو يجيز عزل الحاكم الظالم.

ويقول  روسو أن فلسفة العقد الإجتماعي هي أن يتحد كل واحد مع الكل،  حيث يضع الفرد قدراته مع شراكة الآخرين تحت الإرادة العامة، اي أن يضع الإنسان او المواطن نفسه بتصرف المشيئة العامة . فالتنازل لصالح الأمة لا يٌفقد الأفراد حرياتهم  إذ ستحل بدلها إرادة الأمة التي هي مستودع السيادة للدولة، فيكون الإنسان في هذه الحالة قد فقد حريته الطبيعية ليكسب الحرية المدنية بما فيها من تنظيم وتقدم حيث سيُحلّ العدل بدل الغريزة في مسيرته.

ذلك ما أرى في توصيف  العقد الإجتماعي، وإني لأرجو الخير والتوفيق لكل مسؤول عراقي في مسعاه نحو تحقيق هذه الغاية النبيلة من أجل عراق مسّه الضُر ولن تتراجع حيلة أبنائه الغيارى عن أسعافه لينتفض كالعنقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى