الجديدمقالات

قراءة في كتاب “أشكال الحداثة في الرواية العربية”..

محمد الحمامصي

يضم هذا الكتاب “أشكال الحداثة في الرواية العربية” قراءات الكاتب فتحي أبورفيعة لعدد من الروايات المهمة التي توالى صدورها منذ أوائل القرن الحالي، ولقيت أهتماما كبيرا من قبل النقاد والمهتمين بالشأن الأدبي، ومنها روايات “حيث لا تسقط الأمطار” لأمجد ناصر، و”بروكلين هايتس” لميرال الطحاوي، و”بيت الديب” لعزت القمحاوي، و”التلصص” لصنع الله إبراهيم، و”وشم وحيد” لسعد القرش، و”عناق عند جسر بروكلين”، و”شجرة العابد” لعمار علي حسن، و”فتاة الحلوى” لمحمد توفيق، و”شهرزاد على بحيرة جنيف” لجميل عطية إبراهيم.
يؤكد أبورفيعة تصديره لكتابه الصادر عن مؤسسة بتانة أن أهم ما يميز هذه الروايات هو ما حفلت به من أتجاهات حداثية ميزتها عن غيرها من الروايات التي نشرت في الفترة نفسها، كما شهدت تلك الفترة أنطلاق ثورات الربيع العربي في تونس ومصر، ولعل بعضها تناول ـ إشارة أو تلميحا ـ هذا التطور البارز في التاريخ العربي.
ويرى أنه ربما يتفق نقاد الرواية الحديثة على أشكال الحداثة وسعت كل شيء، فصارت تنطوي على جميع الأشكال الحديثة للرواية. وإذا كان لي أن أختار نموذجا دالا على مثل هذه الرواية، فإنني أختار على الفور رواية “بروكلين هايتس” للروائية ميرال الطحاوي، وهي الرواية التي جمعت أكبر عدد من الموضوعات التي تتناولها الرواية الحديثة، والتي أخذت شكل المخيال أو “الكلاديسكوب” الذي يعرض على القارئ مختلف صنوف الحياة المعاصرة والمعقدة، بدءا من قضايا الأغتراب والهجرة إلى قضايا النسوية والنزوح الثقافي العابر للحدود، وشكلت “هند” بطلة الرواية شخصية تستعصي على الوصف أو الاختصار، وهي تنضم فورا إلى كوكبة الخالدات في الرواية المصرية مثل “زينب” في رواية محمد حسين هيكل التي تحمل نفس الاسم، و”سلوى” محمود تيمور في “سلوى في مهب الريح”، و”زهرة” نجيب محفوظ في “ميرامار”.

غلاف الرواية الأولى للراحل أمجد ناصر

وفي تقديمه يشير الناقد د.جابر عصفور إلى أن الكتاب يمكن وصفه بأنه نقد حداثي عن أعمال حداثية، ولذلك لم يكن من الغريب أن يطلق فتحي أبورفيعة على كتابه “أشكال الحداثة في الرواية العربية”، فهو يتناول أعمالا خارجة عن المألوف أو المعتاد، بعضها يفيد من الواقعية السحرية، لكنه لا يستوردها من الخارج، وإنما يعثر عليها في تراثه الديني بسير الأولياء، كما فعل عمار علي حسن في “شجرة العابد”، وبعض الروايات يحاول أن يصوغ تشكيلا أوبراليا من أوجاع المنفى وانفراط عقد العمر، كما فعل أمجد ناصر في روايته “حيث لا تسقط الأمطار”، بينما يلجأ البعض الثالث إلى نوع من الكرنفالية الصاخبة، كما فعل جميل عطية إبراهيم في “شهرزاد على بحيرة جنيف”، ويراوح البعض الرابع متاهة النص وغواية السرديات الكبرى، كما يفعل عزت القمحاوي في “بيت الديب”، والبعض الخامس يلجأ إلى شعرية القبح وخشونة الواقع السردي كما يفعل صنع الله إبراهيم في “التلصص”، أما سعد القرش فإنه يصوغ سردية ثورية تستحق التحية، أما عز الدين شكري في “عناق عند جسر بروكلين” فإنه يصوغ مرثية للأبطال الذين فاتهم قطار الربيع العربي، فظلوا متوحدين يواجهون غروب الحياة ومقدم الظلام، ويبقى محمد توفيق في “فتاة الحلوى” حيث يصفه أبورفيعة بأنه عالم أفتراضي يراوح بين ساحة الهروب من الواقع وإدانة للثورة.
ويوضح أن هذه الروايات تشغلنا بدوالها قبل مدلولاتها، وذلك على تفاوت بينها بالطبع، والفارق واضح بين رواية تبحث عن أصالة تحفر في شفرات النص التراثي بمناقب الأولياء كما يفعل عمار علي حسن في روايته التي لا تعترف بحدود الزمان والمكان، واصلة الغرائبية بالعجائبية في صياغات جديدة لسير الأولياء الشعبية بما يجعل منها نصا حداثيا بأمتياز. 
ويضيف جابر عصفور “وهناك هذا الشعور الغالب بألتقاط لحظات النهاية في حياة الشخصيات التي تشارف جميعها النهاية، كما لو كانت رواية من روايات النهايات التي تقف على الخط الأخير الذي يتحول فيه الخيط الأبيض إلى خيط أسود، كما يحدث في “عناق عند جسر بروكلين”. وهناك أوجاع المنفى التي تتفتت فيها الكتابة، فتتحول إلى حبات لا يجمعها عقد كما في رواية ميرال الطحاوي، لكن ما يجمع بين هذه الروايات جميعها ـ ما قرأت منها وما لم أقرأ ـ هو هذا الحس الحداثي الذي يجاوز المعاصرة إلى المغايرة التي تبحث عن شيء مراوغ تومئ إليه ولكنها لا توصلنا إليه، ولذلك جذبت هذه الروايات أنتباه أبورفيعة فكتب عنها كتابة حداثية، أعني تنشغل بالمراح الحر للدوال، لتصل إلى أبعاد غنية ومتعددة من الدلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى