نصوص

رواية جديدة للكاتب سلام أبراهيم

يكتب الروائي العراقي هنا لغز الحياة وعنفوانها برغم الفظائع المرتكبة والقتل اليومي عبر علاقة حميمة ربطت صديقين قاوما الولوغ في مباءة الأنحدار بصورة منحت رحلتيهما المتباينتين المعنى والعمق. فنرى عبرهما عرامة وعنف الحياة بالعراق على مد أربعة عقود، وما تركته تلك العقود الدامية بالحرب والحصار والاحتلال في النفس العراقية.

(مجلة الكلمة)

أييييييي .. خِلْصَتْ

رواية

سلام أبراهيم

– وقع ما كنت أخشاه.

قلتُ مع نفسي. وسقط الهاتف الجوال من يدي وتبعثر على الرصيف.

عبرت صوب الرصيف المقابل. سرتُ متوتراً وسط الزحام، ثم طفقت أرتجف وخيال المشهد المروع يجعلني أكاد أنهار على الرصيف، تماسكتُ بعناء ونقلتُ خطوي الواهن مقترباً من ساحة كهرمانة، متجها نحو “الكرادة داخل” حيث شقته. لا لم تكن شقته فهذا التعبير ليس غير دقيقٍ فحسب بل مجافٍ لواقع الأمر، فهو لا يملك شيئاً، فبعد وفاة والدّيه باع بيتهم الكائن في محلة “الإسكان” في كربلاء، وانتقل إلى بغداد مكان عمله كسائق حفارة ويعيل أخاً وأختين طلبة في المرحلة المتوسطة والثانوية وأختاً ثالثة مطلقة مع ولديها، أستأجر بيتاً بمنطقة “الصحة” في مدينة الحرية، يعود لعائلة هُجِرتْ إلى إيران بحجة التبعية في أواخر سبعينيات القرن الماضي. آواه حتى الاحتلال 2003، إذ عادت العائلة وطردته من البيت فوراً، على الرغم من أنه كان يدفع الإيجار الشهري بانتظام، لأخت المُهَجّر الساكنة في المنطقة نفسها، فوجد نفسه وعائلته قد تضخمت بثلاث بنات وولد وزوجة، بلا مأوى، فسارع إلى احتلال الطابق الأرضي من شقة رئاسية من شقق تقع على (أبو نؤاس) وتطل على نهر دجلة وكأنها سور أمني عبر النهر يقابل ما سمي بالمنطقة الخضراء بعد الاحتلال.

– ربيّ.. كسّر ركبّي!

رددتها نائحاً ووجهه الجميل يحجب عني الظهيرة، الناس، الرصيف، الشمس والعالم. اضطربتْ ساقاي فرحتُ أرتطم بالمارة. وبغتةً فقدت ساقيّ فهويت على الرصيف. هرع إليّ المارة. ساعدوني على النهوض، وأسندوني حتى مقهى صغير قريب في زقاقٍ جانبي، أرخيتُ ظهري إلى مسندِ مقعد خشبي بائد القوى، حملقتُ حولي زائغ النظرات فوجدتني في نفس مقهانا الذي كنا نجلس فيها البارحة وفي كل مساء لنتفرج على الصبايا الجميلات، كان معجباً بذكاء صاحب المقهى، الذي طوره من مقهى صغير إلى مقهى أحتل الرصيف والرصيف المقابل. حكى لي قصته فقد جُرِحَ جرحاً بليغاً بتفجير سيارة مفخخة على الجانب الآخر من الشارعِ الرئيسي، لكنهُ نجا وواصلَ الحياة بعنفوانٍ ليحولَ المقهى إلى إطلالةٍ على نهر الصبايا المتدفق مساء كل يومٍ حسب تعبيره. كان يطمئنني .. أنا القادم من بلد آمن في شمال القارة الأوربية قائلاً: عشتُ وأعيش في بغداد منذ أن غادرتَ، عشت فيها الحرب مع إيران وما تلتها من حروب وحصار إلى الاحتلال، فالحرب الطائفية خلال العامين المنصرمين، وكل يوم أتجول في بغداد، لكنني مازلت حياً .. حبيبي الموت جزء منا، أنت عايش في بلد يحدث فيه الموت لضرورة أما لدينا فالموت مثل الماء قد تنفجر في هذه اللحظة تلك السيارة، ويشير إلى سيارة متوقفة إلى جانب الرصيف، ويشدني إلى جنبه فأحس بجسده ينبض حباً، وهو يقول ضاحكاً:

– لا تخاف نموت سوه مثل ما كتب صديقك الشاعر!.

يبتسم لخاطر فكرته بسمته الخفيفة ويضيف:

– وهذي أحلى موته سوه يا صديقي ورفيقي، ولو أنت تتحسس من كلمة رفيق .. غيّرتكْ أوربا!.

لم يكف عن الإشارة إلى سخريتي من السياسة في العراق بعد عنف التجربة، ومعيشي في دولة لم تدخل حرباً منذ أكثر من قرن، وبنت شبه مدينة فاضلة تحترم الإنسان، بينما وجدت الإنسان في مدينتنا التي كنا نظن أنها فاضلة “موسكو” مسحوقاً يلهث خلف لقمة الخبز، مذلا، مُهانا!

وجدتُ صعوبةً بجعله يفهم تلك المعادلة!

كان واقعياً ومنطقياً برغم قلة كلامه إذ أن كلماته تذهب إلى غرضها ومكانها المضبوط، هذا ما لمسته حينما دخل في حوارٍ مع صديق لي يكتب القصة القصيرة جداً وهذه قصة الحوار:

قبل أربع سنوات من هذا اليوم الكالح، قصدنا اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس، أمام قاعة المشرب، صافحني بحرارة شخص لم أتعرف عليه، بل أراه للمرة الأولى معرفاً نفسه:

– الروائي علي مقداد!.

احتفظ بكفي اليمنى بين أصابعه وأضاف ما فسرّ سر معرفته بيّ:

– تعرف؟!.. خلف محمود

وخاف أعرفه منذ صباي إذ كنت أتابع بشغف ما ينشره من قصص قصيرة في الصحافة العراقية، ثم ألتقينا بعد أن رست بنا أقدار المنفى في “كوبنهاجن” حينما قدمته في أمسية أدبية، كتبت وقرأت تحليلاً لمجموعة قصصية كان قد أصدرها ذلك العام، وقضي في بيتي ليلة حدثني فيها عن الكثير من التفاصيل المتعلقة بالنخبة الثقافية اليسارية التي عمل في صفوفها كشيوعي قيادي، ومدى زيف العديد من تلك الشخصيات، التي كانت ومازالت تدعي اليسارية والنضال، وبقينا نتراسل في المناسبات، ودأب على بعث ما يصدره من كتب طوال تسعينيات القرن الماضي. سألته:

– عندك تلفونه!

– قبلْ نص ساعة كان هنا، راح أتصل بيه!.

طلبهُ وناولني جواله. ابتهج حال سماعه صوتي وسألني عن مكاني فأخبرته فقال:

– دقائقْ وأكونْ يمكْ!

جاءَ في سيارةٍ حديثةٍ وبصحبته شاب وسيم قدمه لنا قائلا:

– ابن أخي .. مقاول!.

أخذنا ركناً في بارِ الضيوف بعيداً عن قاعةِ الأدباء المكتظة. عرفتهما ببعض، ورحنا في حديث يتعلق بشخصيات اليسار العراقي التي عايشناها، هو في الخارج وأنا في الجبل، وعندما علم أن “حسين” مازال يعمل في صفوف الحزب الشيوعي سأله وفي نبرته سخرية:

– أنتَ مقتنع بجد بالعمل الحزبي؟!

– …!.

– أخي عقولهم مغلقة، أكثر من خمسين سنة قضيتها من عمري أعمل بحماس، خفت وتشردت وجعت لأكتشف عبث عمري، ما ينفعون عقول تعبانه ما تشوف! والعمل معهم بلا نتيجة!.

عندها خرج “حسين” من صمته:

– خلي نفسك بمكاني، مواطن عراقي لدي وعي ونشاط سياسي في ظروف مثل ظروف العراق؛ احتلال أمريكي، تيارات دينية طائفية تريد العودة بالمجتمع إلى قرون مظلمة! لا توجد حركة أو حزب غير الشيوعيين من يريد حياة أفضل للعراقيين، حياة مثل اللي أني أحلم بها. وتجربتي بالعمل معهم تشير إلى العكس وجدتهم أناساً صادقين، يعملون بجد وتفانٍ ضد الفساد والطائفية وتقسيم العراق. وأقدّر أنهم أنظف من جميع القوى السياسية، فإذا ما عملت بصفوفهم ويا من أعمل وما معنى وجودي. أستاذ أني أريد إشاعة الثقافة والنور، وما أريد أقف على الرصيف أتفرج أش لون ينهبون الوطن. إذا بقيت أراقب فقط معناه أني ميت! مو صحيح يا أستاذي؟!

كان وضوحه قد أحرج “خلف” وجعلهُ يلزم الصمت، ويرمقه بنظراتٍ عميقةٍ وكأنهُ يتأمل نفسه، بعد إعلان رأيه الصريح اختلفت لهجة صديقي الكاتب، فكف عن السخرية وصار يتحدث بخشية واحترام، و”حسين” لا يدري بأن “خلف” وقّعَّ عقد عملٍ مع المحتل الأمريكي، وقدم حال سقوط بغداد ليساهم في بناء وزارة الثقافة العراقية، وبررّ ذلك بدوافع وطنية عندما هاجمه العديد من المثقفين العراقيين الذين لديهم موقف من الاحتلال، وكان التبرير واهياً فلا وزارة الثقافة بنيت ولا العراق. وحقيقة الأمر؛ أنه باع تاريخه النضالي اليساري مقابل حجم الراتب الشهري المغري الذي جعله ثرياً، بحيث أخبرني في الجلسة نفسها أنه اشترى بيتاً ضخماً في منطقة “الأعظمية” والشاب الذي أتى به وذهبَ في مشوارٍ كلفهُ بإعادةِ بنائه بتصميم غربي فيه مسبح مغلق، ودعاني كي أقيم عنده في زيارتي القادمة للعراق.

عقب تلك الجلسة وحواره مع “خلف”، تحاشيت الدخول معه في نقاشٍ، عن جدوى عملٍ حزبي وجدَ فيه معادلاً موضوعياً لوجوده الاجتماعي، فهو كما أخبرني، يجد لذةً في العملِ السياسي العلني، ويحمد المصادفات التي أبقته حياً، ليرى ذهاب الدكتاتور، وينشط علناً وهو في الخمسينات من عمره.

لكنهُ ظلَّ يذكرني بين الحين والحين بالضيق الذي يبدو على قسماتي كلما نعتني بالرفيق عامداً، وكنت أذهب إلى أقصى ما يعنيه كلامه من أبعاد، فأتخيل لحظة عبورنا إلى الأبدية في شارعٍ ما وسطَ بغداد، فأرتجفُ من هولِ اللحظةِ الخاطفةِ وأبتهج فرط محبته، وأعلق ضاحكا:

– نموت سوه كصديقين بلا رفيق بلا بطيخ!

فنهدر ضاحكين في زحام الشارع والمساء، وننحدر نمسح بعيوننا المذهولة وجوه الفتيات الجميلات الحالمات على الرصيف، ننحدر في بحر الناس كطفلين ضائعين حالمين.

أجلس على الكرسي الواطئ خائر القوى، مهدود المفاصل، عسير الأنفاس حتى أنني بدأت ألهث مختنقاً، وحبيبي القريب البعيد صار مستحيلاً.

أجلس في لهب الظهيرة قرب موقد الشاي، النار تضطرم فيّ، فأتقلب على صدى صوت أبنه “أمير” المنكسر من بين نشيجه وهو يخبرني عبر الهاتف. تمسّكتُ بقوائمِ الكرسي. أطبقتُ أجفاني، سابحاً بالنضح الغزير من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ. حاولتُ النهوض لكن جسدي خانني. هرع إليّ صاحب المقهى الشاب وقال:

– أنتَ تعبانْ عمي لا تتحركْ .. ارتاح .. ارتاح

وابتعد، ليجلب قنينةَ ماءٍ من البرادِ الصغيرِ القائمِ جوار الموقد. فتحها وملأ لي كأساً:

– اشرب الدنية ما تسوهّ!

– …!.

وكأن جملته أسقطتني في باطنِ صحراء فسارعتُ إلى ارتشاف ما في الكأس من ماء.

– صح أشْ تِسْوَه الدِنْيا بعده؟!.

*     *     *

سمعتُ صوتاً يناديني بخفوت. كنت ساقطاً في نومٍ عميق، فلم أنم ليل البارحة إلا مع نداء “سيد محمد” جارنا، نائب الضابط الورع، من مكبر الصوت المعلق على عامود خشبي على سطح داره، وهو يدعو الصّيام للنهوض كي يتسحروا. أسهرني كتاب المفكر الفرنسي “هنري برغستون” وهو يجوب الكون من البذرةِ إلى أبعد نجمة، تكرر النداء بصوتٍ ارتفعتْ نبرته قليلاً، باعدتُ أجفاني وكأنني أخرج من جبٍ، فتخايلتُ ملامحَ أبي قريبةً وهو ينحني نحوي ويردد:

– بويه إگعد .. وقتي ضيق!

صوتهُ يشي بحنانٍ قديمٍ غريزي، بدا قادماً من طفولتي البعيدة. كانت قسماته قوية نشطة رغم شربه الليلي. البيت ساكن. أجبت بخفوت:

– صار بويه!

وأسدلتُ أجفاني سامعاً خطواته الحذرة المبتعدة وهو يتجه نحو المطبخ ليعد الفطور، كان ذلك في سحر يومٍ من خريفِ 1974 وقتها كنتُ في سنتي الجامعيةِ الأخيرةِ، أعود من بغداد إلى المدينة في عطلة نهاية الأسبوع وفي العطل الرسمية. شدّني البعد والتأمل إليها، فلأول مرة أفارق الديوانية والمحلة والعائلة، فمع بدءَ خفوتِ تمردي الصاخب على كل شيء، شعرتُ بالآسف لبعدي عن أقرب الناس إليّ. لا ليس أقرب بل طلعتُ من جسديهما فرعاً، عزوتُ ذلك إلى ظروف الحياة، عنفها، فقرها، طبيعة ونمط وتقاليد البيئة العراقية، عدد الأبناء غير المعقول، فنحن عشرة؛ ست بنات وأربعة أولاد. كنا نتكدس شتاءً في غرفةٍ من حجرٍ وننتشر صيفاً في ساحةِ البيتِ الفسيحةِ. لا وقتَ لديهما للكلامِ معنا، فهو في الدكانِ يعمل من الصباحِ حتى المساء، وهي في شؤون العشرة الصاخبين في ضيقِ المكان، فعدتُ أقضي وقتاً أطول مع أمي في البيتِ.

والبارحةَ طلبتُ من أبي مصاحبته إلى مكانِ عمله في ورشةِ نجارة شركة “سكابانيوس اليونانية” التي كانت تقوم بحفر قنوات بزلٍ لاستصلاح الأراضي الزراعية من الحلة وحتى الناصرية، وكان مقرها في مدخل المدينةِ الشمالي على الطريق القديم الذاهب نحو العاصمة. نهضتُ وأديتُ طقوسَ الصباحِ. تناولنا فطورنا. بيض مسلوق، وجبن، وخبز حار جلبته من فرن “حاج جاسم” الكائن عند مدخلِ شارعنا. تخطينا عتبةَ الدارِ، فرشقتنا نسمات خفيفة. لم يطّر الفجر بعد. سحبنا دراجتينا الهوائيتين إلى حافةِ الرصيف، ركبناهما وسرنا من حي العصري إلى شارع سينما الثورة في صوب المدينة الصغير، مخترقين مركز المدينة. كان الصمت والفضة وحفيف أقدامنا وهي تدوس على دواسةِ الدراجةِ الهوائية تجعلني أطوف في هوام اللحظة حالماً، شاعراً بغبطةٍ لم يزل طعمها غضاً في روحي وجسدي وأنا أكتب الآن.

كنا نخترق الأمكنة بذكرياتها. مررنا على محّله القديم خلف بناية البريد حيث قضيتُ طفولتي في ذلكَ الشارعِ المكتظِ بالباعةِ والحدادين والتنورچية وبائعي الخمور، والحلاقين. أحسستُ، ونحن نخوض في فضة الفجر على ترابِ قصتنا، بأننا نصل إلى أقصى السعادة بهذه المصاحبة وكأننا ننبثق من جديد كعلاقة مع انبثاق الفجر، في يومٍ بدا غير عادي، خضنا بصمتٍ مغمورين بمزيج الفضة وبقايا العتمة، كنت مخدراً برائحتهِ التي رسختْ في شمّي منذ الطفولة، مزيج فريد من نشارة الخشب والعرق العراقي الصرف. وحمدتُ ربيّ على يقظتي الباكرة بالتفكير بجوهر علاقة الابن بالأب، كانت تلك المسافة من أسعد المسافات التي قطعتها بصحبته كل عمري. كانت مرةً وحيدةَ، لم نكررها، فالحياة أخذتنا إلى مناحٍ لا مجالَ فيها للتأمل، فقد تحولتْ إلى مجردِ ركضٍ لاهثٍ للحفاظ على الكينونة الفيزيقية فقط وكأننا في غابةٍ. ركنّا دراجتينا على رصيف شارع فرعي يجاور قاعة سينما الثورة. وصعدنا حافلة الشركة. قدّمني أبي بفخرٍ إلى زملائه العمال:

– هذا أكبر أبنائي .. طالب بالجامعة!

ضجت الحافلة بالترحيب، والتعليقات الداعرة التي وشتْ بمدى ما يكنزه أبي من روح مرحه خفيفة، تختفي ما أن يحلّ في البيت. سمعتُ خلال المسافة القصيرة نوادره، ولمستُ خفةَ روحه وكيف يخلق النكتة والتعليق في مزاحه مع رفاق العمل. ترجّلنا في فسحةٍ واسعةٍ مرتبةٍ، وضوء السماء سطع َبفضتهِ وأضاءَ الأشياء، لم أدرك وقتها كم جميلة هي لحظة شروع الإنسان بالعمل الجسدي التي تعني الحفر في الحياة، وتوطيد تلك العلاقة الخفية بين جسد وروح الإنسان والمحيط، فقد كنتُ مدلهاً بالقراءةِ والأحلامِ، فأحيل كل شيء إلى الكتب!

تفرّقَ الجمع كلاً إلى مكانِ عملهِ. تبعتُ أبي الذي يقصرني قامةً نحو سقيفةٍ كبيرةٍ مفتوحةٍ، أشار نحوها قائلاً:

– ورشة النجارة!

وقبل أن ندخلها أقبلَ شابٌ جميلٌ نحونا مبتسماً، فتوقفَ والدي ضاحكاً وقال بصوت عالٍ:

– هذا “حسين” من جماعتكم!

“والجماعة” شفرة سرية يفهمها كل يساري عراقي، وهي أيضا مفتاح يجعلك تثق بالمشارِ إليه، فتبوحَ برأيك دون خوفٍ، والبوح وقتها يتعلق بالموقف من سلطة البعث تحديداً! ضجّا معاً في ضحكٍ صاخبٍ على تعليقاتهما حول مواقف وأشياء مبهمة بالنسبة لي، تعليقات بلغة العمال الصريحة الواضحة والتي تضيع لشدة سطوعها عليّ أنا المدله بالخط، والجمل الفلسفية، والقيم العليا التي كنت وقتها أجدها هي الحقيقة، قريبة ودانية لكن لا يراها البشر، وهذا ما ضيّع عليَّ بهجة ذلك الضحك العاصف الخاطف الذي وجدته آنذاك ساذجاً وأنا أتأمل “حسين” بوجههِ المدور المصبوب صباً بدقة خالقٍ تأنى طويلاً في رسمِ قسماتهِ المتناغمةِ. عينان واسعتان عميقتان تسبر غورك، عينان فيهما من نظرة الصقر الشدة، ومن عين العاشق الرقة، أنيق الملبس رغمَ أنه ذاهبٌ إلى العملِ، كما علّق أبي وهو يعرفني عليه وسط صخب تعليقاتهم وضحكهم، بلا شوارب، أطلق شعره حتى غطى أذنيه، نحيفاً رشيقا، متوسط القامة، فبدا وكأنه لعبةً جميلةً في ذلك الفجرِ الذي سيعصف في حياتي:

– أي فجر ذاك .. إلى أين أفضى بنا وأنا في توالي العمر! .. أي فجر صاخب بضحكة أبي وضحكة “حسين” وذهولي!

*     *     *

في صبيحة مشمسة من أصباح تلك الأيام المسكونة بالرعب توجهت نحو كراج بغداد سيراً على الأقدام، حالماً بلقاء “حسين” الذي انتقل إلى بغداد. كنتُ آمل ذلك بعد أن أنجز مهمتي الثقيلة، تحاشيت الشوارع الرئيسية سالكاً أزقة فرعية من منطقة “أهل الشط” إلى أزقة “الجديدة” الضيقة القديمة فالجسر الحديدي، فشارع الصيدليات، فالشارع المؤدي إلى محطة الحافلات. لم يشغلني شيء سوى النجاح في تسليم بضاعتي الخطرة، وثائق مسروقة عبأتها في جيوبي لو أمسكوها معي لكانت نهايتي. من المفترض أن ألتقي بـ”علي عبد الباقي” ابن عمتي “نعيمة” المتخفي ذلك الوقت عن الأنظار (سيلقى القبض عليه ويعدم بعد ثلاث سنين من ذلك التاريخ وتضيع جثته إلى الأبد) لتسليمه تلك الوثاق. كان ذلك يوم الجمعة المصادف 6 – 6 – 1980. لم أتُب ولم أكف بالرغم من اعتقالي أكثر من أربع مرات وتعذيبي فلقةً؛ ذلك الضرب المبرح على باطن القدمين المربوطتين إلى خشبةٍ وحبالٍ يمسكها شخص لا تراه وأنت معصوب العينين مقلوباً رأسك يتدلى يمسح البلاط وعندما تخدر قدماك من شدة الضرب يفلّونك ويجبرونك على الركض فتحس وكأنك تسير على إبرٍ، وهم يعلمون جيداً، بأن ليس لدي أي صلة بتنظيمٍ سري، بعد ما ظهر أن غالبية محلية الحزب الشيوعي في الديوانية متعاونة سراً مع الأمن، وفي المرة الأخيرة أجبروني على التوقيع على المادة “200” التي تحكم بالإعدام على كل من ينشط في حزب غير حزب البعث.

برغم كل ذلك لم أستطع الكف عن اللقاء سراً بمجموعة من شباب المدينة، طلبة جامعة، وإعدادية، وعمال اختفوا في العاصمة بغداد، وتقديم ما بوسعي من مساعدات مادية ومعنوية، وفي المرة الأخيرة شكوا لي انحسار أمكنة الاختفا،ء وترجوني تدبير وثائق تساعدهم على التنقلِ بين المدن ونزول الفنادق وتأجير الغرف. لم أوفر جهداً، فاتحتُ العديد ممن أثق بهم من الأصدقاء، فكان من أسّر له بالأمر يهرب الدم من وجهه ويتلعثم بالكلام ويعتذر هارباً، وكأنه في حضرة شيطان، فأغلب من فاتحتهم ذاق مذلة وعذاب الاعتقال. ولا أدري لِمَ لَمْ أدرك وقتها هول أن تُطالب أحداً بوثائقه الشخصية كي يستخدمها سياسي مطلوب، لَمْ يتجاوب معي سوى “هاتف حسين”. كان زميل دراسة قديم بمرحلة الإعدادية، وموظف معي في دائرة آل بدير الزراعية (سيلتحق بعد هذا التاريخ بسنوات أربع إلى الثوار في الجبل، ويلقى عليه القبض في وشاية مندس ويعدم في سجن أبي غريب عام 1987). قَلّبتُ الأمر طويلاً، فجذبني مشهد خزنتهُ ذاكرتي، رأيته في دائرة تجنيد الديوانية، حينما ساقوني جندياً قبل خمسة أشهر لخدمة الاحتياط، فبينما كنتُ أستفسر من نائبَ ضابطٍ يجلس خلف منضدة صغيرة عن مكان وحدتي العسكرية، تركني وأشار إلى شابٍ بالبحث عن دفترهِ في صندوقٍ من الكارتونِ مركون قرب الباب قائلا:

– دَوْرْ عليه هناك!.

أدركت أن الصندوق يحوي دفاتر الطلبة المؤجلين حتى إكمال دراستهم. فكرت بالسرقةِ بعد أن تعسّر الحصول على وثائق من متبرعين، قصدتُ دائرةَ التجنيد مرتين وحاولت لكنني لم أنجح؛ ففي المرة الأولى وجدت الغرفة خالية من المراجعين الذين يوفرون لي مهمة إشغال الموظفين، وفي الثانية كنت أنحني على الصندوق وأهم بتعبئة كيس جلبته معي فسمعت أحدهم يسألني، التفت فوجدته جندياً يبدو أن دخل لتوه إلى الغرفة المكتظة:

– هل لديك دفتر في الصندوق؟

ارتبكتُ وخفق قلبي بشدة. تماسكت حابساً رجفتي وأجبت:

– لا أبحث عن دفتر أخي فهو مريض!.

فأخبرني بعدم جواز تسليم الدفتر لغير صاحبه. قصدتُ “وصفي” صديقيّ الجريء، له أخٌ مختفٍ أيضاً، وشرحت الأمر. هزّ رأسه ولم ينبس بكلمة، وفي اليوم التالي جاءني بأكثر من عشرين دفتراً، ذلك يعني أن عشرين مناضلاً سيتخلص من احتمال القبض عليه مدة سنة على الأقل، ترقد موزعة في جيوبي وأنا أقترب من سيارات بغداد. كنتُ أتخيل فرحتهم حينما يجدونها بين أيديهم، وأتخيل مدى مشاعرهم التي ستتقد نحوي. (ولم أحسب حساب ذلك اليوم الذي قبض فيه على أحدهم “سلام رءوف” طالب سادس ثانوي يحمل دفتراً من تلك الدفاتر التي سرقناها، فيطالبونني بالاختفاء وأنا على وشك الزواج، لكن ذاك الشخص صَمَدَ وأنكرَ معرفته بقضية دفتر خدمته المسروق، وأدعى بأن أحدهم سلمه له ممن كان مختفياً وقتهاً، وسلام وجدوه مقتولاً بظروفٍ غامضةٍ على سطح بيتهم في “حي العروبة” بالديوانية بعد أشهر من إطلاق سراحه). ليس دهشتهم فحسب بل دهشة “حسين” الذي أضطر هو الآخر إلى ترك عمله ومغادرة المدينة ليعمل في بغداد تاركاً فراغاً هائلاً في يومي، بعدما تعودنا على بعضٍ، فقد كنا نلتقي في عطلة نهاية الأسبوع في مقهى “قدوري” وسط المدينة فعرفته على “سعد” وكان قد مرّ على عودته من بيروت قرابة سنتين، وعلى “أحمد” الذي كان وقتها يعمل في استعلامات مقر محلية الديوانية. وفي إحدى العطل أخبرني “حسين” بأنه سيذهب إلى بغداد يوم غد، موعد تقديمه إلى “محكمة الثورة”، إذ سبق وأن حكى لي قصته والمشكلة التي سيقدم إلى المحاكمة بسببها؛ كان قد تعين في مديرية الطرق والجسور، فوجد أن الأجور قليلةٍ جداً لا تتناسب مع طبيعة العمل ووقته فطالب وزملاؤه زيادة، فجوبهوا بالرفض من قبل النقابات الحكومية، فنظموا إضراباً عن العمل، فألقيّ القبض عليهم وعذبوا وفصلوا من العمل، وقدمت أوراق قضيتهم إلى محكمة الثورة. سلمني مفتاحَ غرفتهِ بالفندق، وطلب مني الاحتفاظ بملابسه وأوراقه وأشيائه فيما لو حكم عليه. لم يرجع من بغداد فاصطحبتُ بعد ثلاثة أيام “أحمد” إلى فندق “الثورة” في جانبِ المدينة الصغير، صعدنا السلالم إلى غرفة الإدارة، فرافقنا موظف الاستعلامات إلى غرفتهِ المطلةِ بنافذتها العريضة على شارع سينما الثورة الضاج بمحلات الباعة والمطاعم. لملمنا حاجياته. كنتُ حزيناً وعطره يعوم في فضاء الغرفة، متضوعاً من ملابسه، مالئاً أنفاسي، بينما صدى صوته الناعم يتردد في حفيف حركتي وأنا أدس أغراضه في جوف حقيبةٍ جلديةٍ.

لم أستطع زيارته طوال فترة سجنه لعام كامل في سجن “أبو غريب”، فقد كان ذلك ضرباً من المستحيل فوقتها كنت جندياً مكلفاً، وتحوم حولي الشبهات. وقتها منعت “السلطة” النشاط السياسي في المؤسسة العسكرية لغير حزب البعث، دأب على كتابة رسائل تصلني بيد من يزوره، رسائل يصف فيها أحواله في السجن، وكيف يشطب الثانية والدقيقة والساعة واليوم حالماً بالشارع وجلسة شرب معي. سطور قليلة تقطر وداً وشوقاً، يحملها سعد أو أحمد بالتناوب كلما ذهبا إلى مواجهته نصف الشهرية. كانوا يقصّون عليّ أحواله، فأقصها بدوري لوالدي الذي لم يكفَّ عن السؤال عنه منذ غيابه عن العمل. وحينما أكملت مدة خدمتي أكمل هو مدة سجنه فعدنا إلى الديوانية، وعدنا نلتقي كل يوم، لا يفرقنا إلا وقت العمل حيث عملتُ موظفاً في دائرة زراعية نائية. صار تلازمنا يغيظ “أحمد” و “سعد” المتزوجين. كنت أقول لهما حينما ينهضان في المقهى:

– الله وياكم!.

– يعني ما توصّلنا!.

كنت أرافقهم كلاً إلى باب بيته قبل ظهور “حسين” بحياتي.

أقول هازلاً:

– لا .. أنتم ينتظركمْ فراش وجسد حار، دعونا نسهر أني و “حسين”!.

نسهر مبحرين في شؤون الحياة ومشاغلها فاكتشفتُ أنه مدله بالتصوير، ولديه محاولات بالرسم. أراني العديد من تخطيطاته بالأسود والأبيض، أغلبها نساء عاريات في أوضاع مختلفة لقطتها عين فنان حساس حاذق. ومن ناحيتي تفننت في توفير طقوس شرب الخمر. ففي رمضان تغلق النوادي أبوابها، فنتيتم ونلقى إلى الشارع. كان لا يطيق الشرب في غرفة الفندق بعد تجربة السجن. فاقترحتُ السكر في الشارع. فالتفت نحوي محملقاً بعينيه الواسعتين ثم قال:

– أش لون؟ أووين؟!.

– لا تسأل خل ينزل الظلام وما عليك!

في ذلك العام 1979 جاء رمضان في لب الشتاء. ابتعنا قنينتي عرق وفستق من بارٍ يبيع سفري. قلت له وأنا أسحب معطفه الأسود الثقيل مظهراً جيبها الداخلي:

– ضعها هنا!

وفعلت مثله

رمقني بعينين باسمتين فيهما دهشة وتساؤل:

– وبعدين؟!.

قالها مبتسماً فأجبته:

– هيا بنا!.

أبتعدنا عن مركز المدينة إلى شارع “الإسكان” العريض المؤدي إلى معمل الإطارات. ومن حافة سجن “حي العصري” الشهير بدأنا نسير بخطواتٍ بطيئةٍ على رصيفِ الشارعِ، واضعينَ بستانَ النخيل على يميننا والبيوت المعتمة على يسارنا، وبالعكس في رواحنا ومجيئنا، بينما نرتشف العرق خالصاً من فم القنينة، مخففين طعمه الحاد بحبة فستق مملح، نقّص على بعضنا مغامراتنا مع النساء. كنتُ كعادتي أسّوي الحبة قبة مضيفاً على كل قصة عابرة ما يجعلها تكتظ باللمس والسر والإثارة. وكان شحيح الكلام، أنتزع مغامراته انتزاعاً. حسدتهُ على عمله كمصورٍ في أستوديو بكربلاء، لامساً بمخيلتي الجامحة حشد النساء اللواتي يدخلن غرفة التصوير. أشكالهن، أطوالهن، أجسامهن، ملبسهن، حركاتهن، أصابعه المقتربة من أفخاذهن، ألمس وأتخيل وأمتلئ غيظاً، حينما يتوقف عند حدود نزع الثوب مضمراً المشاهد الأكثر إثارة. كنا نهرب من الرعب الرابض في ليلتنا، وعلى عتبة الفجر وبحر أيامنا القادمة.

لا أتذكر الآن بالضبط بما كنا نحكي بهِ حول ما ينتظرنا من هولٍ بعد حديث النساء، لكن ما أتذكره فقط بوضوح حديثنا عن النساء، بعزم محاربٍ قديمٍ شرسٍ محاصرٍ يقاتل وهو يتأرجح على حافةِ هاويةٍ سحيقةٍ والمرأة قشته، كنتُ واقعاً في حبِ “ناهده” الصبيةٍ في الخامس الثانوي زميلة أختي الصغيرة في المدرسة. سمعتُ صوتها وأنا ألوذ في غرفتي المعتمة، فأخرجني إلى فسحة ضوء نفسي، وجعلني أنهض من سريري، وأفتح بابها المفضي إلى الصالة، فباغتني وجهها الفاتن ورقبتها الطويلة، وهي تحدق بعينيّ بجرأة، فوقعتُ في الحب من أولِ نظرةٍ، بادرتها بالتحية، فجاءت إلى غرفتي، لتتحدث عن الكتب حديثاً أدركتُ ما خلفه لنسقطَ بعدها في الجنون، فنلتقي يومياً لنذوب، على سريري في عتمة غرفتي وتحت أدراج الكتب.

كنا نتدفأ بالنساء وقصص الحب فأحكي له عن صغيرتي الفاتنة، وجحيم القُبل الذي نتضور فيه ظهرَ كلِ يومٍ فتبرق البهجة في قسماته التي يضيئها مصباح يتدلى من عامود طويل يتوسط الشارع، كنا نرطّب لحظاتنا بالسكرِ وأخيلةِ النساء، لنغفل قليلاً عما يثقل صحونا ونومنا. نغفل عن خاطر خطاهم لحظةَ القبض علينا.

وقتها كنت خارجاً للتو من اعتقالٍ رابعٍ، وفاقداً أحبة كان يوميَّ ينّور بهم.

– وأنت “حسين” ما تحب؟!.

تلمع عيناه، ويلوذ بالصمت، ألح، فيقول:

– بعدين أحچي لك!

– يعني أكو!

أقول في صوت عالٍ قبل عبّ رشفة أخرى وألحّ، فيخبرني بأنها “وفاء” بنت خالته طالبة خامس ثانوي أيضا، لكن المشكلة أن أختها التي تكبرها بسنة متعلقة به أيضا، هو يحس ذلك بالعيون والوجه دون كلام، لكنه يحب الصغرى التي سيتزوجها لتصبح رفيقة عمره.

ركبتُ الحافلةَ المتوجهة إلى بغداد، انتخبتُ مقعداً جوار النافذة، الدفاتر المسروقة تثقل لحظتي، عظامي ترتعد بين الحين والحين من خاطر اكتشاف أمري في نقطة تفتيش، لم أكن جباناً، لكنه الخوف الغريزي الذي ينتاب الجسد لحظة الخطر، توترت طوال الطريق وشرطي عسكري صعدَ بعد دقيقةٍ من جلوسي يحمل عصاه، ورشاشته تتأرجح على كتفه، أتجه نحوي تماماً وجلس على المقعد في الجانب الآخر، يفصل بيننا الممر الضيق، قبل أن تتحرك الحافلة صعدَ رجل مخابراتٍ، وهو شاب أنيق أعرفهُ ابن المطهرچي الفلسطيني “سعادة”، لبثَ واقفاً قربَ السائقِ لحظات يحدق نحوي قبل أن يجلس على المقعد المجاور له، وظلَّ يتلفت بين الفينة والفينة نحوي، فكنت أتصنع الغفلة واللامبالاة، بينما دمي تجَمّدَ في عروقي، تجمد فعلاً وليس مجازاً، قلت مع نفسي:

– سيطبقون عليّ ولن أرى حسيناً إلى الأبد!

أبادَ الخاطر قواي، فعدتُ أحدق بعينين كليلتين إلى ذراعيّ الساقطتين في حضني كشيئين هشين لا علاقة لهما بجسدي. سقطتُ في دوامة الوهن حتى وصلنا مدينة “الحلة”. توقفتْ الحافلة على الطريق الخارجي المؤدي إلى بغداد، وهمّ الشرطي العسكري بالقيام، فانكمش جسدي وذراعه أثناء نهوضه اقتربتْ مني. أغمضتُ عينيّ متمنياً التلاشي، ولم أفتحها إلا حينما تحركت الحافلة، فلم أجدَ لا ابن الفلسطيني ولا الشرطي العسكري، فسقطتُ على الفور في نومٍ مثل ميتٍ، ولم أرجع إلى الحياة إلا على ضجيج الركاب وهم يترجلون من الحافلة المتوقفة داخل كراج “العلاوي” في بغداد.

بين حواري وأزقة باب الشيخ وحي الأكراد تخلصت من الدفاتر بتسليمها لـ”علي”، الذي سألني عن وجهتي، فأخبرته بأن لدي موعداً مع صديقٍ، فأوصاني بالحذرِ الشديدِ لأن الحملة بلغت ذروتها، وحذرني من ارتياد البارات لأنها المصيدة الأهم التي يقع فيها اليساري وأردف ضاحكاً:

– يعني مثل الجامع والحسينية للمتدينين!

جئتهُ خفيفاً. كنا قد تواعدنا تحت نصب الحرية في ساحة التحرير، فاجأني قائلاً:

– سنلتقي بصديق مختفٍ أيضاً!

أمام مكتبة النهضة جعلنا نتفحص الكتب المعروضة المنشورة على مدخلها. كان الوقت غروباً والاكتظاظ على أشده. قدرتُ أن موعده في مكانٍ قريب. وفعلا بعد دقائق معدودة أقبل شابان عانق الأول “حسين” بشوق وعرفت لاحقا بأنه “ميثم جواد” كان متوسط القامة، أنيقاً، يرتدي بنطلون جينز، وقميصاً أبيض مبقعاً بورودٍ حمراءَ صغيرةَ تنتشر في تناغمٍ على صفحةِ البياض الناصع، يضع نظارة طبية عريضة، تمنح ملامحه الوسيمة رزانة مبكرة. صافحني شادّاً كفي بين أصابعه القوية، يصحبه شابٌ أقصر قامة، أسمر، قميصه لاهث البياض مفتوح على صدر كثيف الشعر، يدعى “أحمد” تصافحت معه أيضاً. ومشينا باتجاه ساحة النصر. من خلال الحديث تبين أنهما مختفيان، وأن مسؤولهما ألقُيَّ عليه القبض قبل أسبوعين. فأبديت مخاوفي ناقلاً تحذيرات “علي” لكن “ميثم” خفف من حذري معلقاً:

– بغداد كبيرة جداً، من غير المعقول تسيطر السلطة على كل شيء فيها!

كنا نتصببْ عرقاً. عبرنا ساحةَ النصر وسينما بابل. كان المساء قد هبط فأضاءت مصابيح الشارع الأرصفة والوجوه. بغتةً هاجمني هاجسٌ يلح؛ ثمة من يتعقبنا، ففي دوار نصب “الجندي المجهول” القديم، وكنا نتداول في أي بار نجلس توقفنا، فلاحظتُ شخصاً طويل القامة سميناً، يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق. تسمّر مرتبكاً، واستدار عائداً وكأنه بوغت بعيني المصوبتين نحوه وتوقفنا المفاجئ. لم أخفِ خشيتي، قلت لهم ذلك. لكن الرجل غاب في زحمة الشارع عائداً من حيث أتى. صعدنا باتجاه “أبو نؤاس” وقصدنا بار فندقٍ يواجه “دجلة” منقادين لـ “حسين” ملك البارات، دلفنا من خلال بابٍ جانبي إلى ممرٍ مسفلتٍ طويلٍ انتهى بنا إلى حديقة واسعة مكتظة بالرواد والضجيج، جلسنا حول أول مائدة تحت شجرة تتدلى من أغصانها مصابيح يسقط ضوؤها من بين الأغصان على سطح المنضدة والكراسي الأربعة المحيطة، مع أول كأس عرق سرت النشوة ونشط العقل وذهبت الخشية، فانشغلنا بحوارٍ عويص حول الأفق القادم، طرحت سؤالاً عن جدوى أن يختفي المناضل وهو لا يحمل سوى صحيفة بحروفها الصغيرة وأوراق وكتابات لا تغني شيئاً، كنت وقتها متحمساً لفكرة الكفاح المسلح، وأجد به وسيلة وحيدة للسيطرة على السلطة وإقامة نظام اشتراكي عادل.

لا أتذكر كم عببنا من الكؤوس، وكان “أحمد” قد غادرنا قبل ساعة، فبقينا نحن الثلاثة نتحاور، ناسين الرواد والمخاوف والقصة، وكأننا نحلق في الهواء حتى أن “حسين” تَعبَ من الشرب والكلام فغفا على كرسيه. قمنا نترنح. لم نفلح بإيقاظه، لكنه تمكن من الوقوف دون أن يفتح عينيه، سندتهُ بذراعيّ وخطونا نحو الممر الضيق، قلتُ لـ “ميثم”:

– سنأخذ تاكسي وتبات معنا الليلة!.

ما أن قطعنا نصف الممر حتى أنقض علينا من باب جانبي مفتوح على بناية الفندق، جمع من الرجال. لووا أذرعنا خلف ظهرنا وسحبونا إلى الشارع سحباً. أيقنت هذه المرة بوقعتي واعتقدتها الأخيرة، وأحدهم يهمس بأذني بفحيح:

– گتلنا الجوع أولاد الگحبة!.

قلت مع نفسي:

– كانوا في انتظارنا إذن!

لفحتني أنفاسهم، كانوا أنيقي الملبس وجوههم تلتصق بوجهي أو تكاد، جرّونا جرّاً إلى زقاق جانبي يقف في ركنه شرطي مرور في كابينه خشبية حارساً لمكتب دائرته. وبغتةً دوتْ في نفسي جملة تشبه صرخة فاجعة:

– لقد انتهيت!

لم أُقاوم. انصعت بيسرٍ مع خطواتهم المسرعة المقتربة من سيارات ثلاث يقف أمام أبوابها المفتوحة ثلاثة رجال. عندما صرنا قرب أول سيارة، جمعت كل ما بيّ من قوة ونجحت في دفعهم بعيداً عن جسدي، لم ألحق، أنقض عليّ أربعة منهم، فأستغل “ميثم” ارتباكهم، كانوا قد أدخلوه الحوض الخلفي، فخرج من باب السيارة الأخرى، وركض باتجاه شارع أبو نؤاس، فسّدَ عليه شرطي المرور الطريق في اللحظة التي هوى فيها أحدهم بمقبض مسدس على وجهي. تصنّعتُ الإغماء. حملوني حتى الباب المفتوح وألقوني في الحوض الخلفي، جلس أحدهم جواري. خاطبه السائق:

– شِدْ عيونه!.

– سيدي نهيته بالضربة .. لمن نوصل!.

كنتُ أحاول معرفة وجهتهم بقياس المسافة بين المكان الذي قبضوا علينا فيه، والمكان الذي يقصدونه، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى رأيت عارضة خشبية ترتفع وصوت قدم تضرب الأرض مؤدية التحية العسكرية، فقدرت أنها “مديرية الأمن العامة” الكائنة في شارع النضال؛ مكانُ نُسجتْ حوله أساطير مفزعة عن عمليات تعذيب وقتل تجري به سراً:

– إذن دَخلتَ العالم السفلي مع أعّز صديق!

همدتُ بلا حراكٍ، على مقعدِ السيارةِ الخلفي، متصنعاً فقدانَ الوعي ومستسلماً تماماً لكفيّ شابٍ قويتين تمسكان بذراعيّ.

كما هو شأني، حينما أجدني في مصيبةٍ تجلدتُ، وبدأت أعد نفسي، لمواجهةِ الوضع الجديد، هذه المرة ليس أمامي سوى الصمود، بعد أن وقعّت في الاعتقال الأخير تعهداً بعدم العمل بالسياسة، لكن ماذا عن صديقي هل سيتمكن هو الآخر من الصمود؟! دونَ ذلكَ سيكون مقتلنا شنيعاً.

قبل أن يسحبني من جوف السيارة وَضَعَ قطعة قماش سوداء على عينيّ، وقيدَّ يديَّ بجامعةٍ حديديةٍ ليس خلف ظهري كما يجري هذه الأيام بل إلى الأمام مما سمح لي بحركة نسبية، دفعني خطواتٍ عن السيارة، فوقفت مثل غريق أعوم في الفراغ وجلبة سيارات أخرى توقفت، أعقبها صوت أبواب تفتح وتغلق بصخب، ثم ذراع تطبق على زندي وتعتّني فخطوت معها مسافة أمتار قليلة.

– أوگف هنا منيوك!

 قالها محرراً ذراعيَّ من كفيه القويتين، أرهفتُ سمعي متابعاً خطواته المبتعدة حتى خفتت تماما فساد سكون لثوانٍ معدودة أعقبه جلبة باب حديدي فُتِحَ بأزيز ويدٌ سحبتني بعنفٍ. فكدتُ أسقط على وجهي. ثم بعد خطوات قليلة انحدرنا على ممرٍ بدا وكأنه يغور بباطن الأرض يهب من عمقه هواء بارد جعل جسدي يقشعر، فرحتُ أرتجف بشّدة قال ساخراً:

– ها خفت!

– …!.

ليس أمامي سوى الصمت، صمت حتى لحظة التحقيق فقط والجواب على قدر السؤال بالضبط؛ هذا الدرس تعلمته من تجارب اعتقالي السابقة. تعثرتُ بشيءِ فنهرني ضاحكاً بسخرية:

– أعمى.. مو درج ما تشوف!

أحصيتُ ست درجات، رفعتُ قدمي لأصعد السابعة فهبطت على أرضٍ مستوية، أختل توازني مما جعل الشرطي يضحك مكرراً شتائمه البذيئة المبتدئة جملة

– أعمى ولك أنتَ!

أمرني بالجلوس، فهبطت على بلاطٍ باردٍ على الرغم من أننا في عزّ الصيف.

– أين حسين وهيثم؟!

تساءلت مع نفسي، إذ سادَ سكونٌ تامٌ عقبَ جلوسي، وسمعت أحدهم يقول:

– سيدي.. نأخذهم للحفلة!

 فردّ عليه صوتٌ شديد النعومة:

– سكارى ما راح يحسون بالضرب! خليهم للصبح.

 وسمعت صوت “ميثم” يطلب سيجارة من سجانه فقال له:

– أكو تدخين هنا .. راح ندخنك ألك يا إباحي يا ملحد يا كلب!.

قلت مع نفسي:

– إذن أنهما إلى جواري.

خَفَتْ وحشتي قليلا. وما أن أرحت ظهري للجدار البارد حتى شعرتُ بهم يقيدون يديَّ إلى شيءٍ باردٍ صلبٍ. بعدها سكنَ كل شيء.

من أين يأتي النوم وما ينتظرنا غداً خبرناه أنا وحسين جيداً أما “ميثم” فيبدو أنه أول اعتقال له و إلا لما شحذ سيجارة من الجلاد، مددتُ ساقيَّ وقربتُ وجهي من كفيَّ والشيء الصلب، أزحتُ طرفَ قطعةِ القماش إلى أعلى قليلاً باليد الحرة فوقع بصري على يديَّ الأخرى مربوطةً إلى قنينة غاز مليئة وجواري يهمد “حسين” دون حراك وكأنه ميت. لم أجد “ميثم” ولم يقع بصري عليه إلا عام 2010 أي بعد ثلاثين عاماً حينما دعيت إلى “كربلاء” لإقامة ندوة أدبية فرأيتهُ مبتسماً بنفس ملامح شكله تلك الليلة الليلاء، يطلُ بنظرةٍ ثابتةٍ من صورته الفوتوغرافية المعلقة على حائط غرفةٍ وسط صور حشد من شهداء شيوعي كربلاء بمقر “الحزب الشيوعي”.

كّنا لصق جدار ممرٍ عرضه ثلاثة أمتار خالٍ تماما فقد انقطعت حركة الحراس منذ أكثر من ساعة، كورتُ جسدي بشكل جانبي كوضع الجنين معانقاً البلاط مما مكنني من رؤية أبواب غرف الممر المغلقة والممتد من مكاني قرابة سبعة أمتار ينكسر بعدها نحو اليسار مشكلاً زاويةً قائمةً، لمحت في أعلاها قرب السقف الخفيض عين كاميرا تتحرك مارةً على الموضع الذي أجلسونا فيه في طريقها نحو عمق الممر، ثم تعود ببطء لتمسّحنا ثانية في طريقها لرصد الممر الآخر. حسين على هموده بحيث لم أستطع سماع صوت أنفاسه على الرغم من شدة السكون، وحده صوت حركة الكاميرا مسموعاً، كنتُ أركز كل طاقتي الفكرية لإيجاد وسيلة تجعل إفادتينا تتطابق في التحقيق سواء في جهنم التعذيب، فإذا تمكّنا من عبورها سيحاولون إيقاعنا في جلسات التحقيق عن طريق أسئلة تتعلق بتفاصيل صغيرة.

الثواني تمرّ مثل البرق وأنا مضغوطٌ بين الكاميرا وصمت حسين، وهول يوم غدٍ، أحاولُ تكثيف قصة علاقتنا بكلماتٍ قليلةٍ أسرّها له في وقتِ دورة الكاميرا بعيداً عنا.

تابعتها حتى عبرتنا في طريقها نحو الممر الآخر. همستُ قرب أذنه القريبة:

– تعارفنا في الديوانية، التقينا صدفة اليوم، ما أعرف صاحبك!.

وصمتُّ والعين الزجاجية المعلقة سقطت علينا. انتظرتُ حتى رجعت من عمق الممر وعبرتنا، فأضفت جملة أخرى بصوتٍ شديدَ الخفوتِ:

– ما نحچي بالسياسة، بنات وشرب وكرة قدم!.

– …!.

لم يحرك ساكناً وكأنه لم يسمعني. لا أدري، كيف انقضى الوقت، لا أدري إذا كنت قد نمت أم لا. كنتُ في ليلٍ أظلمَ وسكونٍ ورأيتُ نفسي في أمكنةٍ موحشةٍ عارياً أرتجف برداً، وحبيبتي الصبية المطحونة سماراً صارت نائية بعيدة، لكن ملمس جسدها اللدن الأسمر الغض طرياً أحسه بلحمي، ثم رأيت أمي بوجهها الحزين توشك على البكاءِ وهي تنحني نحوي، وأبي بوجهه الصارم يعيد على مسمعي حكمته القديمة بعد أطلاق سراحي من أول اعتقال عام 1970:

– ولدي الموت حق .. فلا تمت ذليلاً!

ثم رأيت “حسين” يسحب عارياً وهو يصرخ، وثبت المشهد الأخير فأصبح الصراخ متصلاً متصاعداً فأيقنت أنني لم أكن أحلم بل أسمعه وهو يستنجد صارخاً بأن لا علاقة له بالسياسة ومسؤول عن أخوته القُصْرْ. صراخه مزّقَ أحشائي، وكان أشدَّ عليَّ من لحظات تعذيبي التي تلته.

ظلوا يعذبوننا أكثر من عشرين يوماً على فترات متقاربة، فلقة، ضرب عشوائي، أسْمَعونا موسيقى تثير الرعب، صعقونا بالكهرباء في أماكن حساسة، يجري كل ذلك دون أن نرى شيئاً، فقطعة القماش أسقطتنا في عالمٍ سفلي مثل بئرٍ فيها دوامة، ليس له علاقة بالعالم الذي في الأعالي. أصررتُ على أقوالي طوالَ جلسات التعذيب، وكنتُ لا أكف عن إزاحةِ قطعة القماش قليلاً إلى الأعلى، فوجدتُ أنهم نقلونا إلى غرفةٍ صغيرةٍ كأنها مدخل، وكنا نرقد جوار بعضٍ، “حسين” ثابتٌ على صمته وهموده، وعلى الجدار المقابل لم تزل صورة للرئيس “أحمد حسن البكر” الذي أزاحه صدام العام الفائت معلقةً وهو يبتسم بوجهه البليد لعين الكاميرا، كفوا عن أخذنا إلى غرف التعذيب، فسقطنا في رتابةِ الأيام والصمت والعتمة، نستمع كل يوم إلى معزوفة العذاب التي تنطلق من غرفٍ مجاورةٍ، صراخ مخلوط بشتائم بذيئة، صراخ رجال ونساء وأطفال نتخيلهم يتضورون ألماً.

وقليلاً .. قليلاً أصبحت أشياء العالم حلماً قديماً رأيناه مرة في طفولة بعيدة، وحبيبتي صارت طيفاً يعاشر حلمي ويقظتي. في تلك اللحظات أسفتُ جداً على عودتي من بيروت، ولو كان بوسعي لعضضت على أصابعي ندماً، لكن الذي فات فات، لعل وعسى يطلقون سراحنا، سأترك كلَ شيءٍ وأتزوج وأعيش بعيداً عن تداخلات السياسة وهذه المذلة، مذلة ما هذه المفردة المسالمة الواهية، فالأمر كابوسٌ أصبحَ الاستيقاظ منه شبه مستحيل وأنا مربوط إلى قنينة غاز جوار صديقي منذ ما لا أدري كم من الأيام! داخلني شعور بأنهم نسونا منشغلين بأعداد المعتقلين المتزايدة والذين نسمع وقع أقدامهم وصراخهم وهم يعذبون، كنتُ مسروراً لصمود صديقي، فآخر حفلةٍ بقيت الأسئلة أثناء التعذيب نفسها وكان ذلك من عوامل مقاومتي وثباتي، لم يبقَ أمامنا سوى عبور التحقيق حينما يحررون المحضر.

يوماً بعد آخر احتشد المدخل الذي نحن فيه بالعديد من المعتقلين، ومن خلال حركتي وأسئلتي عرفت أن جلّهم مشتبه بهم، اعتقلوا مع مطلوبين غالبيتهم من اليسار، مما فتح لي كوةَ ضوءٍ جعلتني أحلم برؤية الشارع مرة أخرى.

أيقظني صوت فيه أنوثة يردد أسمي متسائلاً، فأجبته وأنا بين النوم والصحو بنعم، ساعدني على النهوض وقادني بصمت، صعد بيّ سلالم، سارَ بي مسافاتٍ ثم هبطَ على سلالم أخرى إلى أن أوقفني بحركةٍ من كفه الممسكة بساعدي الأيمن، سمعتهُ يقرع باباً قرعاً خفيفاً ثلاث مرات، فأتى صوت غليظ، واثق:

– ادخل!.

سحبني أمتاراً في عمق الغرفة وأجلسني على بساط وثير. أحسست بأن المكان واسع، وضوء ساطع اخترق عصابة عيني فبان من خلال نسيجها أو تخايل لي هيكل منضدةٍ واسعةٍ عليها مصباح قراءة قوي يضيء جلستي. أمر الصوت نفسه الشرطي بالانتظار خارج الغرفة. قدرت أن هذا المكان هو غير غرفة التعذيب الضاجة والتي يحسها المرء ضيقةً خانقةً كأنها البرزخ. سقطتُ في صمتٍ امتد، فانتابتني رعشة خفيفة هزّتْ جسدي لأعشارِ الثانية، توارت وعادت تطوف في جلدي المقشعر، ولو امتد الصمت أكثر لرحت أرتعش، لكن المحقق بدأ بأسئلته التقليدية عن اسمي وعمري وعملي، قبل أن يأتي إلى الأسئلة الحارة عن قصة علاقتي بالمعتقلين. تماسكت وأنا أجيب فقد حزرتُ من خلال الأسئلة بأنهم لم يدققوا بتاريخي حتى لحظة التحقيق. لم أحِد عن القصةِ التي رتبتها مع “حسين”، كوني لا أعرف سواه والتقينا صدفة، ورويداً .. رويداً بدأ الغضب يعتري المحقق، فقد صار يلقي أسئلته بنبرة عصبية، وكلما تصاعد سخطه، وثقتُ من قوة قصتي ومن براعة صوغي، إلى أن وصل إلى سؤال كان يعتقده الأهم، فبعد أن لزم صمتاً طويلا نسبيا قال:

– زين صدقنا كلامك، لكن شنو اتجاه صاحبك السياسي؟!

لم أتلكأ ثانية واحدة إذ قلت وكأني أحدث غريباً في مقهى:

– ما أدري .. ما نحچي بالسياسة، بس بالنساء وكرة القدم والعرق!

سمعتُ خبطاً على المنضدة، وأزيز كرسي يزاح، فانكمشتُ ووقع خطوته تقترب مني. ثم أحسسته ينحني عليّ ويصرخ بحقدٍ أملسَ سام وبلهجة أرياف تكريت.

– أنعل روح “فهد” بقبرو!

وأنهال علي ركلاً عنيفاً جعلني أتكور ملتماً على نفسي مثل جنين أئن على السجادة إلى أن كّلّتْ قدماه فداس على رأسي وفركه بحذائه لاعناً فهد، وسلام عادل، وكل شيوعي ساقط!

برغم شعوري بالانسحاق مثل حشرةٍ، أحسستُ بنشوةٍ غامضةٍ انتشرتْ في أعماقي لهزيمته، وهو يطلب مني بصوتٍ خفَّ غضبه بالتوقيع على الورقة التي من المفترض أنه سجل أقوالي عليها، إذ أدركت أن إفادتي تطابقت مع إفادة حسين. وقعّتُ ورجع بيّ الشرطي، ساد السكون فتلصصتُ من طرفِ قطعة القماش متأكدا من خلوه الغرفة وهمست له:

– سنخرج قريباً!

– …!.

ورحتُ أتأمله كان يضع ذراعيه المقيدتين بين ساقيه المضمومتين، محنيَّ الرقبة كأنه يحدق بالسجادة عبر كمامة عينيه المحكمتين والتي لم يحاول قط إزاحتها مرةً واحدةً كما سيخبرني لاحقاً.

تأملّتهُ، وتمنيت عناقه، سيخبرني في جلسة على نهر دجلة في قابل الأيام بأنه كان يود عناقي أيضاً لصوني السر. وتخيّلتهم يطلقون سراحنا معاً، فنهرع إلى أول بار يصادفنا لنحتفي بخلاصنا من موتٍ أكيد في عالمِ جحيمٍ سفلي، لكّن الأمر جرى بطريقة كانت مرعبة بالنسبة لي، ففي اليوم التالي لم أجد حسيناً جواري بل بقيت أياماً إلى أن أخذوني يوماً مع معتقل آخر في سيارة لا ندري أين تقصد، لم نكن مقيدين، وبعد أن قطعت السيارة مسافةً أمرونا بإزاحةِ قطعة القماش عن عيوننا. فتعرفتُ على الشارع عبر زجاج النافذة، كنا نقتربُ من ساحةِ الطيران في طريقنا إلى ساحةِ التحرير. كان الوقت مساءً والشوارع مكتظةً بالمارةِ، همستُ مع نفسي:

– ما أجمل الحياة يا إلهي!

حركت حدقتيّ ببطء شاملاً حيز المركبة. فوجدت شاباً أنيقا بربطة عنق يجلس لصقي من اليمين والمعتقل الآخر من اليسار، بينما شغل شابٌ صغير السن المقعد المجاور للسائق، كُنّتُ أتوقع حالماً باللحظة التي سيطلبون فيها منا النزول من العربة والذهاب وأتوعد مع نفسي:

– أخذْ تكسي لبيتْ حسينْ أولْ ما يفكوني!

لكن حينما عبرت السيارة ساحة “الميدان” ومرت أمام الباب الرئيسي لوزارة الدفاع، لتستدير يساراً نحو الشارع المؤدي إلى جسر “الصرافية”، ثم إلى اليسار أيضاً لتتجه نحو باب جانبي للوزارة يقف إلى جانبيها جنود مسلحون يئست. إذ سأدخل تجربة جحيمية أخرى في زنازين الاستخبارات العسكرية.

*     *     *

ضاقت بيّ السبُلُ!.

أبي يداري قلقه في الدخول والخروج من غرفتي، يشرع بالقول لكنه قبل أن تتحرك شفتاه يخطو خارجاً، أتابع قامته القصيرة من الخلف بلباسه الداخلي الطويل وفانِلته الداخلية البيضاء، وهو يجتاز الباحة الداخلية ويدخل المطبخ ليعود ثانية بعد ثوانٍ ويسألني:

– ابني أنت متأكد من مكانك الجديد!.

أجيبه بنعم، فيضيف بصوتٍ فيه رعشة:

– يعني أمين!

يسمع جوابي ويخطو دائراً بأرجاء البيت. أسمعه يحدث أمي الجالسة بمواجهة باب الصالة كعادتها كل غروب تسهم شاردة بعينيها الحزينتين نحو نخلة الحديقة وباب البيت، مبدياً قلقله من قراري.

ضاقت بيّ السُبُلُ!.

لم يعد لدي مكان آمن في مدينتي التجئ إليه، إذ استنفدتُ كل الأمكنة الممكنة، بيوت الأقرباء، الأصدقاء، أرسي عمتي التي أخفتني شهوراً وعانيت فيها تجربة مرّه فقررت اللجوء إلى بيت أهلي وهو أخطر الأمكنة التي من الممكن أن تُفتش في أية لحظة فيما لو انكشف أمري من الجبهة، إذ لم تبعث وحدتي العسكرية إلى مدينتي كتاب هروبي، فقد كنا تشكيلاً جديداً ضيفاً على وحدة مدفعية من فرقة أخرى، وهربت في إجازة في شدة الهجوم الإيراني الشهير على شرق البصرة منتصف تموز 1982 فقد عدت إلى بيتي المستأجر وقلت لزوجتي:

– خلص ما أرجع للجبهة إلى الأبد!

– وأش لون بعدين؟!

– ما أدري! .. ما أدري، لكن ما أريد أموت بهذي الحرب!.

وبقيت مختفياً لمدة شهر في البيت، إلى أن وجدت من يوصلني إلى الثوار في الجبل فالتحقت تاركاً زوجتي وابني في الشهر التالي، ولما لم تكتب وحدتي العسكري إلى دوائر الأمن فقد أشيع في مدينتي الديوانية كوني مفقوداً. لذا ارتدت زوجتي السواد حداداً، وبقي الأمر هكذا. لهذا كان من أشدّ مخاطر اختفائي في بيت أهلي لَمْحِيَّ من أي طفلة أو جار أو أي واحد فسيشاع على الفور كوني لست مفقودا وسأنكشف وتكون الكارثة.

كان أبي ليس غير مكترثٍ لخطورة وجودي فحسب، بل كان سعيدا بقربي وأحاديثنا المتشعبة حول كل شيء، الحياة والناس والتاريخ والسلطة والمستقبل والنضال، بينما كانت أمي مضطرة لقبول الوضع وأسمعها تقول مع نفسها بعد أن يتعبها التفكير في النتائج المهولة عندما تتخيلهم يقبضون عليَّ في البيت، فالعديد من العائلات أُعْدِمَتْ بالكامل لإخفائها هاربين فكيف بوضعي وهي تعرف أني عدتُ من الثوار المسلحين في الجبل:

– أش يريد يصير خلي يصير .. أبنّه لو أحنه ما نحميه منو يحميه!

ما ضيّق عليّ السُبُيل وأسدل ستاراً أسود على كل شيء هو نفسي. فرغم أن زوجتي انتقلت مع ابننا من بيت أهلها، وعدنا نبات ليلياً في فراشٍ واحد إلا أن مباهج الليل المفروش بدفء الجسد الناعم الذي حُرِمْتُ منه ما يزيد على السنة أصبح يقض مضجعي، صرت أتخيلهم ينقضون عليّ وينتزعونني من جنة الفراش إلى جهنم الأقبية، فأنشل رعباً ويصيبني الوهن، فأدفعها بعيداً عني قبيل وصولي الذروة، وأنكمش في طرف الفراش مخبئاً وجهي بين ذراعيّ الملتفتين حول ساقيّ هارباً من عينيها المتسائلتين المستغربتين، وتطورَ الأمرُ بحيث بتُ أفقد أعصابي وتصيبني هستريا حينما أكون وحيداً، ومن هنا قررتُ تركَ البيت والزوجة والمدينة وأول من فكرت به هو “حسين” إذ صارَ الأقرب، والمطلع على تفاصيل قصتي كلها، فعقب خروجنا من المعتقل تشابكتْ علاقتنا وتعمقتْ فعدنا نلتقي بانتظامٍ، كان مجرد التطلع بعينيّ بعضٍ يبعث في نفسينا البهجة والراحة، أمسى الوقت ينقضي مثل لمح البصر، وبقي حب المرأة شاغلنا، كنت أروى له تفاصيل عنائي في مواجهة القيم والتقاليد الاجتماعية العراقية المعادية لمشروع الحب، وكيف نجحنا بفضلها إذ كانتْ جريئةً قويةً واجهتْ الجميعَ بحبها فأذعنوا خوفَ الفضيحةِ.

قضينا أياماً من شهرِ عسلنا في بيته. هو كذلك عندما تزوج بعدي بأشهر ترك فندقا سياحياً سافر إليَّ ليقضي شهر عسله في بيتي المستأجر في الديوانية. ودأبنا على التزاور والمحبة إلى أن حللت في بيته ليلة 23 – 8 – 1982 لأخبره في الصباح همساً بأنني في طريقي إلى الثوارِ في الجبال. ففتح عينيه دهشةً وودعني لأغيب ستة أشهر قضيتها أجوب أرياف السليمانية مع ثوارٍ ملتحينٍ بقملهم وملابسهم الرثة وأسلحتهم القديمة، وهنالك أخذتني حماسة الثورة والحلم والشوق للأحباب، فاقترحتُ على القادة التسلل إلى المدن لخوض العمل السري ورحت أحلم بموافقتهم وأسرح في خيال شخصية المناضل المتخفي، ورؤية الأحباب زوجتي وطفلي وحسين. فدأبت على كتابة الرسالة تلو الأخرى لهم إلى أن اقتنعوا وقرروا السماح بذلك. أتذكر حتى الآن بهجتي في اللحظة التي أسرَّ لي مسؤول السرية، ونحن في جامع قرية ومن خلف قامته أرى الثلج يتساقط بكثافة من النافذة الصغيرة المطلة على الوادي العميق والغابة البيضاء الكثيفة:

– حضّر نفسك رفيق، مع الفجر تكون جاهز!

لم أنم ليلتها. كنتُ فَرِحاً فرحاً سأستغرب له وأندم عليه لاحقاً، وأنا أعاني من ظروف الاختفاء المدمرة، في تلك الليلة السعيدة النادرة ظللت يقظاً أحلم باللحظة التي سأقرع فيها الباب فيفتحها صديقي وأراه، سأخبره عن تفاصيل حياة الثوار اليومية ومشقتها، الكمائن، الجوع، المسير الطويل، تسلق جبال وعره، استجداء الخبز، الطائرات المروحية التي تباغتنا وتقتل العديد منا أحياناً عن وعن. أتخيل ذلك متسائلاً:

– هل سأنجح حقا في الوصول؟!

لا أدري متى سقطتُ في النوم فآخر ما رأيتهُ من فتحةِ بابِ الجامع فضة خفيفة سرت في الوادي، حللتُ بعدها في عالمٍ أخر، رأيت نفسي طفلاً، ألعبُّ في الشارعِ، وألهو ببراءة زمنٍ لم تكن فيه حروب، تعبتُ فجلست في ظل جدار وغفوت ليوقظني همسٌ خافتٌ، باعدتُ أجفاني فتخايل لي وجه ينحني عليّ موشىً بالضبابِ، فركتُ عيني فاتضحتْ قسمات رفيقي الذي أبلغني أن أكون جاهزا، كان يكرر نداءَ إيقاظي وخلفه في عمقِ قاعةِ الجامعِ أصطفَ المصلون من فلاحي القرية ثلاثة صفوفٍ يرددون:

– الله حي .. الله حي. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله ..

ويتمايلونَ بجذعهم الأعلى يميناً وشمالاً مع الإيقاعِ الرتيبِ. وإلى جانبي تبعثرتْ أجسادُ المقاتلين كملابسٍ رثةٍ ببنادقهم العتيقة وحقائبهم القماش وهم يتوسدونَ سجادةَ المسجد قرب مدفأة الخشب. الفضة الخفيفة ملأت الباب والنوافذ.

– الرفيقان بانتظارك!

نهضتُ. عدلتُ ملبسي. خطوتُ نحو الباب والمصلون بدأوا بترديد:

(أشهدُ ألاّ إله إلا الله..

أشهدُ أنّ محمداً رسول الله)

أسكرني إيقاع الترديد، فجعلتُ أمشي وكأنني في حلمٍ، لبست حذائي، وعبرتُ العتبةَ بصحبةِ الرفيق الذي أيقظني، سَرَتْ في جسدي رعشةٌ لا أدري مبعثها؛ هل من دفقِ الهواء البارد أم من الخطرِ الكامن في بحرِ ذاك النهار؟!

نزلنا على سلم ضيقٍ من الحجر، فالجامع شُيد على مرتفعٍ وسط الوادي الضيق يطلُ على بيوتِ القريةِ المنتشرة أسفل السفح.

جوار نبع الماء المتدفق بخرير مسموع، شاهدتُ رجلين، فعرفتُ أنهما المقصودان. سلّمتُ بندقيتي وعانقتُ الرفيقَ الذي أيقظني مودعاً، تحركنا باتجاه عمقِ الوادي، لم أنطق إلا عند الضرورة، ومع هبوط الضوء بفضته الناصعة قبيل شروق الشمس تبينت لي قسمات الوجهين الغريبين، الأول شابٌ وسيمٌ يصغرني بسنواتٍ، قوي الملامح، يرمقني بودٍ وتساءل ويتكلم العربية بلهجةٍ قريبةٍ من لهجة مدينتي. أما الآخر فهو قصير القامة نحيف ينطق العربية وبها لكنة، أخبرني بأنهُ مكلفٌ بإدخالنا مدينة “السليمانية” بسلام. مع حلولِ الظهيرة وصلنا قريةً تقع على هضبةٍ تطلُ على شارعٍ مبلطٍ ضيقٍ يصعد ليضيع خلف جبل بعيد قال الدليل إنه يصل قصبة “ماوات” المحاذية للحدود الإيرانية. تناولنا وجبةَ الغداء في بيتٍ عند طرفها، خبز، ورز، ولبن.

من المنتظر أن أكون في بغداد عند المساء فيما لو سارت الأمور بشكلٍ طبيعي، تأخرنا قليلاً فالساعة جاوزت الواحدة والنصف بعد الظهر، والطريق إلى بغداد يغلق عند الرابعة عصراً خوفاً من الثوار. كنتُ والدليل الكردي قلقين بينما كان الشاب الوسيم متماسكاً، لا تفارق فمه وطرف عينيه البسمة طوال الوقت، ويتفرس بعينين قويتين في الوجوه والجدران ونساء القرية. وأخيرا جاءت حافلة صغيرة مكتظة بالفلاحين، فأبدلنا بدلاتنا الكردية بملابس المدينة على عجلٍ، تحدث الدليل مع سائقها وركبنا في حوضها الخلفي على مقاعدها المتقابلة، خرجت من الوادي والسلسلة الجبلية لتدخلَ سهلاً فسيحاً، ثم صعدتْ إلى طريقٍ مبلطٍ عريض يربط المدينة بـ “سيد صادق” كان مزدحماً بالعرباتِ العسكريةِ وقوافل الدبابات فالمعارك محتدمةً على الحدود القريبة، لم يكن التفتيش شديداً، وبعد اجتياز سيطرة المدينة دخلتْ الحافلة كراج “بغداد” وتوقفتْ. وأشار لنا السائق نحو سيارة وحيدة:

– ألحقا هذي آخر سيارة!.

هببنا نعدو، وجدنا مكانين شاغرين. جلسنا متجاورين في الصف ما قبل الخلفي، وتحركت بنا. أربع ساعات يا إلهي، وسأكون مع “حسين” وجهاً لوجهٍ، أربع ساعات وسأكون على مسافةِ ساعتين من مدينتي حيث زوجتي وابني، كم حلمتُ بلمسها ولمسه، كم غرتُ فيها بالحلم وغارتْ فيّ لأستيقظ في وحشةِ ليلِ القرى على بللٍ وخيبةٍ. عادتْ حلماً بعيداً.. بعيداً، لكن في تلك اللحظة لا يفصلني عنها وعن “حسين” سوى ساعاتٍ أربع فقط، فيما لو مَرَرتْنا نقاط التفتيش الكثيرة وخصوصاُ سيطرةَ “كركوك” التي يُقال أنها الأصعب، ففيها يقف أصناف الأمن جميعاً؛ رجال المخابرات والاستخبارات والأمن والشرطة العسكرية، همسوا بأذني في الجبل:

– إذا عبرت منها قلْ وصلت!.

قبيل دخول كركوك بمسافة تربو على خمسة كيلومترات دخلت الحافلة في مجمع كبير من باب حديدية ضخمة وسارت قرابة كيلومتر لتتوقف في ساحة انتشر فيها رجالٌ مسلحون بثيابٍ مدنيةٍ وجوههم تقدح شرراً. فتح أحدهم باب السيارة وصعد يتفرس في وجوهنا وجهاً وجها قبل أن يطلب وثائقنا بصوتٍ غليظٍ يرشح قسوةً، جمّعها الراكب الجالس على مقربة من وقفته. كانت وثيقتي نموذج إجازة شهرية فارغ موقع وعليه شعار الجيش العراقي ممن يسرقه رفاق لنا يخدمون في قلم الوحدات العسكرية، عبأته مثبتاً تاريخ يعود إلى ثلاثة أيام خلت بعد ما هيأت قصة فيما لو سألت، فعلت ذلك لأنني لم أكن أعرف أن غالبية الجنود يعودون من مناطق الشمال بثياب مدنية لضمان سلامتهم من نقاط التفتيش الطيارة التي يقيمها الثوار بين الطرق الرئيسية بصورة مباغتة. كنتُ أجلس كمن يسير على الصراط المستقيم، فإذا شكوا بيّ سوف أعتقل فور نزولي من الحافلة دون الحاجة إلى الأستجواب. فقد كنت أرتدي حذاء ثلج من البلاستك صناعة إيرانية، وأشد بنطالي الجينز العريض بحبلٍ مبروم يُشّدْ به السروال الكردي. وهذا وحده كافٍ لتضييعي. كان يقلب بالأوراق والوثائق وينادي بالاسم الكامل ويتفحص الشخص بعيني صقر ويسلمه وثيقته، توترتُ وهو ينطق باسمي كاملاً متسائلاً عمن يكون صاحب الوثيقة، أجبته فخرج صوتي تلقائياً غير مبالٍ فيما كنت على وشك الانهيار من الداخل

– نعم؟!.

– وين كنت صار لك ثلاثة أيام!؟!

– كنت في “سيد صادق” أدّور على أخوي. ما رجع بإجازة من شهرين!

كانت تلك الجبهة مشتعلة منذ ما يقارب الأسبوع.

– وين وحدتك؟!

– قاطع البصرة!

تفحصني بعمق. تأرجح مصيري معلقاً بما ينطق، أطال التحديق والتفكير لثوانٍ ولا أثقل منها، تيبسَّ الدم في عروقي فشعرت بجسدي يجف حتى خفتُ أن أتكسر فيما لو لمسني أحد، كانت أطول وأمرّ وأثقّل ثوانٍ مرّتْ في عمري، وعيناه تنتقلان بحركات سريعة وقلقة، بين ورقة الإجازة ووجهي المتصنع عدم الاكتراث، مدّ يده نحوي بالورقة، كدتُ أطير فرحاً والحافلة تحركت وأصبحت على الشارع العام. رفيقي الشاب الجميل بوجهه الأسمر نظر نحوي جانباً بعينيه العسليتين وتبسم نشوةً، ثم ناولني سيجارة “سومر” طويلة، وقَرّبَ فمه من إذني هامساً:

– بَطَلْ والله بَطَلْ! .. دَخّنْ!.

وأشعلها لي، سحبتُ نفساً وسرحتُ أحدق في الظلام الذي بدأ يهبط على البيوت ومبتدأ الهضاب والحقول ونحن نغادر كركوك متوجهين نحو بغداد. اتكأتُ على مسندِ الكرسي ورحتُ في حلم يقظة مستمتعاً بـ “يوسف عمر” يملأ فضاء الحافلة ويجعلني أشم شارع الرشيد وبغداد ووجه الأسمر الحسن الذي كحله الله:

“آه يا أسمر اللون

 حياتي الأسمراني

حبيبي وعيونه سود

 هم الكحله رباني”

داهمّني النعاس. فطفقتُ أنود في جلستي متتبعاً نثار أضواء بعيدة تركض في الظلام الذي حلّ إلى أن سقطتُ في نومٍ عميق، عميق لم استيقظ إلا والشاب يهزني من كتفي قائلا:

– وصلنا!

باعدتُ أجفاني، فوجدتني وسط ضجيج بغداد، قرب كراج النهضة والركاب يترجلون من السيارة، كنتُ غير مصدقٍ وصولي. غادرتُ الكرسي ونزلت إلى الرصيف نشيطاً.

قال رفيقي الأسمر:

– أسمع راح أبول .. ونحتفل في “بار” بسلامة وصولنا!

فركتُ عينيّ وتابعته وهو يتجه صوب فتحة سياج قديم تسع جسد إنسان، كدت أصرخ فرط بهجتي ببغداد والزحام ووجوه الناس ومجرى الحياة الضاجة التي فارقتها ستة أشهر وكأنها ستة أعوام، كدت أصرخ ورفيقي المجهول يتوارى خلف السياج القديم. أوقفتُ أول سيارة أجرة وقلت له:

– إلى “حي الصحة” بمدينة الحرية!

متخيلاً خيبة رفيقي الحالم بشرب كأس السلامة معي. سيأخذ حلمه المغدور معه إلى الأبد، وأنا أسأل عنه عند عودتي بعد أكثر من سنتين إلى صفوف الثوار، سأواجه بالصمت لكن بعد سبع سنوات وأنا في منفاي الدنمركي سيخبرني رفيق كبير السن عمن كان ذلك الشاب قال؛ أسمه “قيود” من مدينة “القاسم” الواقعة بمنتصف المسافة بين الديوانية والحلة، ابن “كاظم الجاسم” قيادي شيوعي فلاحي قتله البعثيون تحت التعذيب في نهاية ستينات القرن الماضي، الابن سيقتل هو الآخر في مواجهة مسلحة مع رجال الأمن في بستان بريف القاسم، عند محاولة القبض عليه بعد سنة من تسلله معي.

دفعتُ للسائق وخطوت باتجاه فرعهم كان المساء صافياً وبه شيء من البرد، وقفت أمام بابهم الخشبي القديم، قرعتها بأطراف أصابعي بخفوت أول الأمر، ثم تشجعت فزدت من وتيرة القرع، فُتح الباب كانت زوجته التي ما أن رأتني حتى هبت راجعة تركض وتنادي مرددةً:

– صاحبك رجع! .. صاحبك رجع!.

ظهر “حسين” من خلف الستارة وفي وجهه دهشة، سحبني إلى المدخل، أغلق الباب، عانقني بشوق، ثم أخذني إلى غرفة الضيوف، ليلتها لم ننم حتى الفجر، كنتُ أروي له أهوال حياة الثوار، وأخبرته عن عزمي التسلل إلى مدينتي في اليوم التالي!

قضيت سنةً فيها، ثم ضاقت بي السبلُ ولم أجد سواه في وضعي الحرج.

مازال أبي يدور كمن تسّمَمَ بأرجاء البيت مكرراً الأسئلة ذاتها، بينما أمي تصلي المغرب في الغرفة الأخرى، وتردد بصوتٍ شجنٍ مسموع أدعيه ترجو الله والأئمة حمايتي من عيون الأعداء. في هذه الأثناء دخلت زوجتي وابني. كانت شاحبة الوجه، أكسبَ القلق ملامحها مزيداً من السحرِ. أمسكتْ بكفيّ، وراحت تضغط ضغطات خفيفة كأنها تضخ روحها وخشيتها وأسفها لفراقي من خلال مسام أصابعنا، كنتُ أنتظر حلول المساء حيث رتبنا الأمر إذ سيتكفل زوج أختي وداد “حازم مرتضى” بتوصلي إلى بغداد مستصحباً أختي وأولادها كي يموه على نقاط التفتيش رغم أن لديّ نموذج إجازة شهرية مزور.

ما أن حلّ الظلام حتى انتزعتُ جسدي نزعاً من بين ذراعيّ زوجتي، أبي، وأمي، أتذكر بوضوح، وجه ابني الضاحك الذي لا يفقه شيئاً مما يجري حوله، كان ابن سنتين. انفردتُ بزوجتي قربَ البابِ وهمستُ لها بالمكان الذي سألجأ إليه فهي صلة الوصل بيني وبين الثوار، انتهزت لحظة خلا فيها الشارع، فقفزت نحو باب السيارة المفتوح ودسست نفسي علي المقاعد الخلفية وسط الأولاد. عبرنا كل نقاط التفتيش بيسرٍ. وفي ساحة “عدن” ودعتهم ونزلت. قطعت مسافة الألف متر حتى وصلت الزقاق المؤدي إليهم. قرعت الباب ففتحه “حسين” بنفسه هذه المرة. تعانقنا. وفي المدخل المعتم وقبل دخولنا باحة البيت الواسعة قلت له متوجساً لا سيما بعد تجارب تنقلي بين بيوت الأقارب:

– أگدر أبقى هنا فترة!.

أوقفني ورمقني بعينين غاضبتين وقال:

– ما معنى هذا الكلام .. أسكت .. عيب ..!.

يبدو أنه كان يتوقع ذلك وتهيأ له وهيأ عائلته أيضاً، فقادني مباشرة إلى غرفةٍ صغيرةٍ لها باب وسط الدرج المؤدي إلى سطحِ البيت، فتحَ الباب فوجدتها مرتبة للسكنِ. فراش عند الزاوية، طاولة صغيرة جواره عليها مصباح قراءة، أدراج معلقة إلى الجدار فيها كتب. لها نافذتان صغيرتان؛ الأولى تطل على باحة البيت والثانية على السطح الذي يستدير حول سياج خشبي مربع يطل على الباحة أيضاً:

– هذه الغرفة معزولة تحميك من عيون الجيران!.

وسحبني من ذراعي مضيفاً:

– أكيد جوعان!..

ونزلنا إلى باحة البيت

*     *     *

دخلتْ غرفتي العلية واجمة في عصر خميس. أنزلتْ طفلنا فركض نحوي وعانقني، إذ بدأ يتعرف عليّ زيارةً بعد أخرى. حملتهُ بين ذراعي. قبلتهُ واقتربتُ من وقفتها جوار الباب، كانت شاردة النظرات بطيئة الحركة، وطبعتُ قبلةً على شفتيها المتيبستين الميتتين.

– ثمة شيء ما!.

قلتُ مع نفسي متوجساً، ورحت أخمن؛ هل انكشفَ وضعنا؟! هل هي مراقبة، أم سمعت شيئاً جديداً عني، كأن تكون وحدتي العسكرية أبلغتْ مديرية الأمن في مدينتي، فأصبحتْ هي هدفاً مكشوفاً كونها زوجة جندي هارب، أو شيئاً من هذا القبيل، وإلا ما سبب وجومها وخمودها والريب المحتل ملامحها وهي التي كانت غير مبالية، شجاعة، تقتحم المواقف والأحداث بجسارةٍ. أمسكتها من ذراعها اللينة المستسلمة وأجلستها جواري على الفراش المركون قرب الجدار، بينما انشغل طفلنا يلعب بأشياء الغرفة. سألتها:

– ماذا بك؟!

– تأكدت؛ أني حامل!.

جمدتُ منتصباً بنصفي الأعلى. ثمة رعشة ألمت بظهري. اختنقتْ الكلمات في حلقي، وغالبتُ الرعشة التي تحولت إلى عاصفةٍ جعلتني أرتجف لثوانٍ معدودة لاعناً نفسي وشّدة شهوتها، فطوال الأشهر السبعة التي أمضيتها في بيت “حسين” كانت تزورني في عطلة نهاية الأسبوع، وما أن تدخل الغرفة حتى نروح في عناق وتقبيل، إلى أن نخوض ببعض، وكنت لا آبه بتحذيراتها وأمارس الحب كاملاً بعنف ولهفة إلى انقطعت عادتها الشهرية. ظنتْ أن الأمر مجرد تأخير يتعلق بطبيعة تكوينها الجسدي. لكن بدأت تشك في الزيارتين السابقتين. وأخبرتني بقلقها فاقترحت عليها مراجعة طبيبة نسائية، من أقرباء أبيها.

أردفت بعد فاصلة صمت:

– قلت لها بأنك موجود ومختفي وألتقي بِكْ!.

إذن وقعنا في مشكلةٍ عويصةٍ. فليس أمامنا سوى حليّن، أما أن تَعْلِنْ عن وجودي للجميع، فتنكشف كل القصة وتتعرض للاعتقال كونها تخفي زوجاً هارباً من الجبهات، هذا إذا لم وهذه المصيبة لا تقل عن الأولى. تكتشف السلطات نشاطنا السياسي، أو يظهر حملها فيسخط المجتمع عليها كونها زانية

وأكملت:

– رفضتْ تسّوي لِي إجهاضْ!.

سألتها:

– ما أقترحت شيء؟!

– اعتذرت وقالت أنها تفهم وضعي، لكنها لا تعمل عملية إجهاض أبداً، ونصحتني بمحاولة جعل الجنين يسقط بتناول كمية كبيرة من الأسبرين والحركة العنيفة، فعلتُ ذلك بلا فائدة، رجعت إليها وترجيتها؛ خلصيني من هذي الورطة، فكتبت لي عنوان طبيبة هنا في “بغداد” بساحة النصر تسوي عمليات إجهاض لمسؤولين كبار في الدولة مقابل مبالغ كبيرة.

قلت لها:

– ما عندنا غير هذا الحل؟!

لزمتُ صمتاً عاجزاً، أهربُ بناظري إلى سماءِ النافذةِ العالية شاعراً بالذنب.

فأنا بلا وثيقة تسمح لي بالخروج إلى الشارع. ولا مال لدي. تفحصتني بعينيها النجلاوين وقالت:

– بعت سلسلة زواجنا الذهب، لكن من يروح وياي للعيادة!

قبلت عينيها وجبينها وقلت لها وأنا أمسح شعرها الطويل بأصابعي:

– هذي محلولة “حسين” وزوجته!

في المساء نفسه ذهب “حسين” وحيداً، وحجزَ موعداً مدعياً أنه زوجها.

في الخميس التالي ذهب الثلاثة وتركوني مع ولدي وابنتهم، بقيت أعّدُ الثواني والدقائق، واجف القلب، يهزني القلق هزاً، والدقائق تمر ثقيلةً مرّة إلى أن حلَّ الظلام فجعلتُ ألعن نفسي وشهوتي وأردد بصمت:

– سافل، سافل لماذا تستهتر بمصير حبيبتك لماذا؟!

أردد شتائمي التي صارت بذيئة جدا وأدور في أرجاء البيت. أصعد إلى السطح. أنزل. أدخل غرفتي العلية. أخرج. حتى أنني وددت التخلص من القصة كلها، فقد ضقت ذرعاً بوضعي البشري ووجدتني لا أطيق نفسي وابني واختفائي والحياة كلها، تشنج جسدي كمسموم وولدي الصغير بين ذراعي يبتسم ويلف ذراعاً حول رقبتي وفي الأخرى يضرب بكفه الصغير صدري ويميل برقبته محدقاً في عيني مردداً:

– بابا، بابا!.

كنتُ مع الطفلين في الغرفة العلية عندما سمعتُ بابَ البيتِ يُفتح، سارعت إلى نزول السلالم ثلاثاً .. ثلاثاً. ومن منتصف السلم رأيتهم يظهرون من إطار المدخل إلى باحة البيت. كانت قسماتها شديدة الشحوب تتلوى ألماً. تستند إلى ذراعي “حسين” وزوجته. أنزلتُ الطفلين وحملتها على كتفي إلى غرفة الضيوف. وضعتها على فراشٍ وغطيتها. كانت لا تستطيع الكلام، وتحاول كتم صراخَ الألمِ بأطباق فمها بشدة مما يجعل قسماتها تحتقن وتزرق، قضينا ليلةً في الجحيمِ، ظلتْ تنزف حتى الفجر، أحطنا بها نحن الثلاثة بوجوهٍ شاحبةٍ لا نعرف ماذا تفعل، نضع قطع قماش مبللة على جبهتها الملتهبة، ونستعجل النهار علّنا نجد حلاً. وما أن نزل الضوء في باحةِ البيت وتعالى ضجيج المارة خلفَ النافذةِ حتى قالت بعناء:

– رجعوني إلى أهلي!

أوصلها “حسين” إلى محطة الحافلات، أركبها سيارة أجرة إلى الديوانية وعاد منهكاً، شاحب القسمات أطال النظر في وجهي قبل أن يقول:

– مجنون أنتَ .. وصلتْ حافة المُوتْ!

بقينا قلقين ولما انقطعت أخبارها قرابة ثلاثة أسابيع، سافرَ إلى الديوانية فعلاقته كانت طيبةً بأهلها وعاد في اليوم التالي. صعد إلى غرفتي مبتهجاً، ليخبرني بأنها بخير، فالطبيبة قريبتنا أدخلتها المستشفى فوراً وأجرت لها عملية تنظيف الرحم، ولم يعلم أحدٌ في الأمر سواها.

ضحك مضيفاً:

– القضية تعدت هذه المرة .. أحبس شهوتك .. أنت في وضع، مثل اللي يمشي على الصراط المستقيم. أقل زلة تضيع ونضيع!

كان يأتي من العمل عصراً. يلقي تحية عابرة ويأمرهم بأعداد الغداء، ليستدير يساراً نحو السلم. أسمع وقع خطواته تطأ درجاته، يفتح الباب بوجه باسم ويجلس إلى جانبي منتظرين قدوم صينية الطعام التي تحملها “ربيعه” أخته الصغيرة. كان بيته من أكثر الأمكنة التي أخفتني متعةً، كان وجوده جواري كل يوم يمنحني عزماً، وقوةً وأنا في حصارٍ شديدٍ، قاحل، إذ أن الصلات تقطّعتْ مع الثوار، فبتُ شبه ضائعٍ، لا غرض لوجودي سوى التواري ومحاولة تفادي إلقاء القبض عليّ، قلت له:

– بعد ما أطيق الاختفاء، أحس تحولتْ جرذ مذعور في حفرة

ـ …!

– راح أنفجر!.

تملى وجهي طويلاً بعينيه الواسعتين الجاحظتين الجميلتين اللتين لهما القدرة على القول حتى صارتا وسيلته في التعامل يستخدمها مثل لسان، فيستطيع أن يُفهم المقابل بأنه يدرك كل شيء دون حاجةٍ إلى الكلام، ثم قال:

– اسمع، تحتاج تطلع حتى تشوف البشر وتشم الهواء!

بعد أيام، دبرت “ناهده” دفترَ خدمة عسكرية لطالبٍ مؤجل عن السوق سرقتهُ صديقتها من أخيها، أخرجته من حقيبتها الجلدية مبتهجةً. وأتم حسين البهجةَ حينما قال:

– سأرتبه لك!

سأكتشف قدرته المذهلة على التزوير ودقة شغله. بقيتُ أتابع بعينيَّ المذهولتين انهماكه، وهو ينزع صورة ذاك الشاب، ليضع صورتي بأصابع مرهفة، تتحرك ببطءٍ وصبرٍ، مجرباً أشكالَ الدوائرِ المطابقة لختم التجنيد العراقي الدائري وقتها، راقبته بدهشة وهو يعمل بدأب لأكثر من أربع ساعات، الأحبار، الدوائر، يحك أطراف الأشياء إلى أن عثر على دائرة بحجم دائرة الختم بالضبط وكان غلاف مسحوق تجميل ممن يضعنه النساء كأساس، عندها انفرجتْ قسماته التي كانت جديةً متجهمةً وقتَ انهماكه بالعملِ. رفعَ رأسه ورمقني بعينين في طرفيهما بسمه ولفظ كلماته ببطءٍ يريح القلب والأعصاب:

– غدا أنشوف فلم يوسف شاهين “حدوته مصرية” بسينما بابل!.

بفضله استنشقتُ هواءَ الشارعِ ووجوه الناس في غروب ذلك اليوم الجميل، غير وجلٍ من اعتراض نقطة تفتيش، فالدفتر في جيبي أتلمسه وأنظر بين الفينة والفينة إلى وجهه المتماسك وكأنه لا يرافق هارباً من الجبهات فحسب بل متسرباً من بين ثوار يرفعون السلاح بوجه سلطة زمن حربها. كان يسير غير آبه ببشاعة مصيرنا لو وقعنا بأيديهم:

– كم أعانتني شجاعته في سيرة حياتي؟!.

في عتمة صالة سينما “بابل” احتسينا البيرة سراً واستمتعنا بـ “شاهين” وهو يحاور ذاته في الطفولة والشباب والنضج.

لم نترك مكاناً لم نزره، جزرٌ سياحية شمال بغداد وسط دجلة، بارات، أمكنة، معارض رسم، أشياء مبهرة رغم الحرب المشتعلة على الجبهات، لم أجد كل ذلك حينما عدت بعد الاحتلال 2003 لا سينما، لا أمكنة سياحية، لا بهجة.

منحتني أنامله الدقيقة وهي تضبط دفتر الخدمة الذي أبرزته لعشرات نقاط التفتيش الطيارة التي دققت بالدفتر دون أن تشك به. منحتني أصابعه الكريمة الهواء ووجوه البشر وعبق الأمكنة وسيل جريان الحياة مما جعلني أتزن قليلاً، لكن في الوقت نفسه شعرتُ أن الناس تعيش حياتها، ومشغولة بيومها، وبعيدة تماماً عن التفكير بنا سواء كنا نقاتل كجنودٍ في جبهات الحرب أو نقاتل كثوارٍ في أماكن نائية بشعاب جبالٍ وعرةٍ، أو نختفي في الجحور كما هو حالي. لم أفصح له عن هذه المشاعر والأفكار التي أربكتني تماماً ضاغطة على معنى وجودي وسبب وضعي البشري كمختفٍ، ذلك جعلني أتمنى أن نجد صله ما، كي أعود لأضيع بين جبال وقرى وثوار يجوبون الأمكنة حالمين ويائسين في الوقت نفسه .. ذاك أكثر جدوى وأخف على أحبتي النائيين بوجودي الفادح وسطهم.

كان أي تأخير يربكنا، ونبقى أنا وزوجته وأخواته وأخوه نحملق في وجوه بعضٍ كلما تأخر عن موعد عودته اليومي من عمله حيث تمسي الدقائق رصاصاً، والساعة سنةً، هذا ما حصل في ليلة من ليالي الربيع، إذ جاوزت الساعة منتصف الليل ولم يظهر. لم ننم ليلتها. ولا أدري إلى أي مكان أنتقل، فوقتها لم أضع مكاناً احتياطاً بعد. وقبيل أذان الفجر سمعتُ صريرَ البابِ وهو يفتح، فأطللت من أعلى السلم فرأيته يدخل الباحة ويؤشر بيديه قائلا:

– نُمْ.. غدا أحكي لك!.

هممتُ بدخول غرفتي. قُبيل عبور العتبة العالية رأيتُ زوجته تهرع نحوه ملهوفة وتعانقه بينما آذان الفجر انتشر في سكون السحر، أويت إلى فراشي متشوقاً لمعرفة قصة تأخره، مقدراً أنها مغامرة من مغامراته مع النساء التي يحكي لي طرفاً منها بين الحين والحين رغم شدة كتمانه.

ما أن هبط جواري على فراشي المبسوط لصق الجدار حتى حاصرته بأسئلتي عن المكان الذي كان فيه ليل البارحة، فرمقني بنظرة من تحت دون أن يرفع رأسه مغالباً ابتسامة تكاد تنطلق، لتتحول إلى ضحكة عريضة. قلت له بلغتي الداعرة المعروفة:

– ها گحَبُتْ؟!.

انفجر ضاحكاً فعرفت أنني أصبت الهدف:

– أحكِ لي!.

قلتها بلهجةٍ أمرهٍ وسكتُ متلهفاً لسماع قصة غزوتهِ الليلة الماضية. كان يعمل في مدينة “الثورة” المكتظة. وحكى لي طرفاً من يومه وعلاقاته بأولاد المحلة والنساء، فهو كائن اجتماعي يكسر الحاجز حتى مع سائق تكسي يركب معه أول مرة، إذ يتحدث معه وكأنه نشأ معه منذ الطفولة، والخصلة هذه وجدتها لم تزل فيه عند عودتي بعد فراقٍ انقلب فيه العراق رأساً على عقب. راح يرفع رأسه بين دقيقة وأخرى، فيواجه عيني المنتظرين المتشوقتين للأسرار إلى أن تنحنح وبدأ القول وفي صوته رجفة خجل:

– أخبرتك عن المرأة الجميلة اللي تلاحقني كل يوم وأنا بالشغل، أشوفها من كابينة الحفارة مختبئة وره الباب ولابسة ملابس مثيرة ومكشوفة.

يطلق حسرة عميقة حارة ويكمل:

– عليها جسم يخبل مرصوص رص ومصبوب صب، قالب من الجمال والإثارة، باستراحة الغداء وما أن أنزل من الكابينة حتى تطلع من البيت وتقترب مني وتبدي تحكي وتحكي وتفتح العباءة عن لحم محمّص بالشمس ومدهون بزيت الزيتون وتطلب مني مساعدتها في شأن ما، ويوم بعد آخر بدأت تشكو من حياتها ووحدتها بالليالي، فزوجها نائب ضابط بالجبهة يزورها سبعة أيام بالشهر، ولمن تشتعل المعارك يطّول شهرين لو ثلاثة، ويوميا الظهر تجيب صينية بها أنواع وأشكال.

لم يَصف شكلها، لكن أعرف ذوقه، فرحتُ أتخيل شكلها، سخونة جسدها المتضور بنيران الشهوة، وحدها على فراشها البارد، تخيلتها تنتفض مثل سمكة أخرجت من الماء، تنتفض متقلبةً، مسهدةً، حالمةً به، عارياً معها في السرير، فصاحبي به فتنة ووسامة وفحولة طافحة تثير شهوة النساء، كل النساء صغيرة وكبيرة، جميلة أو قبيحة، قصيرة أو طويلة، متزوجة أو مراهقة، فكيف بها وهي امرأة مهجورة، زوجها أخذته الحرب، فقيرة، تستأجر نزلاً مشتركاً مع أخرى مهجورة أيضاً، فزوجها هو الآخر عسكري مطوّع يخدم في الجبهة. قلتُ له:

– أعرف هذي القصة!.

أخبرني سابقاً بأنه شديد الحذر في مكان عمله، فقد أشاد علاقات مع شباب المحلة المصطفين وقتها مع اليسار العراقي. أردفتُ:

– ماذا استجد؟!

صمت لثوانٍ وقال:

– اقترحت عليّ المبيت عندها!

– وافقت!

– طبعا وافقت، لا تضحك، إني مجنون بالنساء. وداعتك زهدت بكل شيء بكل شيء ما عداهنَّ، وما تدري كم تعذبت ودخلت بصراع ويه نفسي إلى أن قررت أغامر.

كنت أستمع محدقاً في عينيه مباشرة وجبهته بدأت تنضح قليلا إذ كان يتحاشى سرد مثل هذه التفاصيل ولا يميل إليها بالعكس مني تماماً. وكان يصمت بين جملة وأخرى وكأنه يزن الكلام ويمحصه قبل القول:

– أسمع بالأخير نهرتني نفسي؛ حرام عليك، الله ما يقبل تترك امرأة تشتهيك وتريدك وتظل تتعذب الليل كله بفراشها البارد!

اختنقت بضحكتي. وهو يوجه لومه لي، ويعزو سبب إقدامه على مغامرته إليّ، متجاهلا عن عمد كونه خبير غرف التصوير والمباهج الجسدية التي أدمنها، أضاف

– تتذكر مرة سمعتني كلام زوربا اليوناني وكنت تكرره كلما التقينا حتى حفظته كون الله يمسح كل الذنوب إلا ذنب ترك أرملة أو امرأة وحيدة في فراشها لليلة. وأتذكر أول مرة سمعتني بها لما كنا نتمشى ونشرب عرق سادة برمضان بذاك الشارع العريض بالديوانية.

انفجرتُ بضحكةٍ عاصفةٍ، وهو يردد:

– أسكت أنت السبب. أسكت لا تضحك داعر، لا تضحك، عملتُ بنصيحتك فوقعت ليل البارحة وچا رحت بيه!

طابت لي القصة وتشوقتُ لمعرفةِ تفاصيلها، لكن صاحبي ضنينٌ. كلامهُ ذهبٌ يبخل به. قلت له:

– بلا مقدمات أش صار البارحة وأحنه هنا بالبيت متنا من الخوف عليك وما نمنه للصبح!.

طلبت منه العودة عند حلول الظلام، وقالت سأترك باب البيت مردودا ما عليك سوى دفعه والدخول، فأنا رتبتُ كل شيء. وهذا ما فعلهُ. عاد مع حلول الليل وتوغله متسللا في العتمة الدسمة فمصابيح الشارع شاحبة خرساء لا تضيء إلا ما حولها إلى مساحات قليلة، تلفّتَ منتشياً يميناً وشمالا قبل أن يدفع الباب ويدخل. كانت الساعة الحادية عشرة، وكان قد قضى الوقت بين انتهاء عمله والموعد في حانة “سرجون” على أبي نؤاس نادمَّ أصدقاء من بقايا اليسار الناجي، وأقبل نحوها مخدراً بأحلام الثورة والسكر التي تتجلى في مثل هذه السهرات وتلك الظروف، كان في ذروة من مشاعر الثورة على العالم والقيم، غير آبه بشيء، وجدها خلف الباب مزوقة ترتدي ثوب نوم أحمر يكشف عن كنوزها المدفونة. سحبته من يديه.

كنتُ أتخيلك، خجولا، مقداما، أسلمتَ قيادك لها، هي النمرة العراقية المتشهية المغلوبة على أمرها بعد أن سلبت منها الحرب زوجها، ولا تعرف في أية لحظة تسمع بمقتله, كنت أتخيل المشهد فأنت شحيح، باب البيت تخيلته خشبياً، بدون مدخل، يفضي إلى باحة صغيرة، تخيلت غرفة إلى اليمين تسكن فيها زوجة النائب ضابط المسكين التي تشتهيك وإلى اليسار غرفة جارتها المستأجرة. تخيلت المكان وترتيبه بينما كنت تقص عليّ باختصار وبقليلٍ من الجمل، شكل الباحة مصابيحها النارية، أرضية الباحة الترابية. فرأيتك وسط امرأتين فازتا بك لليلة تحملق راغباً بهنّ. كنت أذهب بالمشهد من ضيق وكثافة كلماتك إلى وساعة مخيلتي الداعرة قلتَ:

– گالت صاحبتي اللي رتبت الموعد:

(طگ “يعني ضاجع بالشعبية العراقية” هذي بالأول حتى تسكت .. والليل كله إلنه أني وياك يحبيب).

والجارة تخيلتها أقل جمالاً وجرأة من صاحبتك، بدأت تتلوى وتتغنج موشكة البلوغ قبل الوطء. كنتَ في غمرةِ الوهج والاكتشاف ذاك، صحيح أن لدي الكثير من التجارب مع بنات وعاهرات لكنني لم أمرّ بتجربة تقاسمي من قبل اثنتان، وبينما كنتَ سارحاً متخيلاً المباهج التي تنتظرك في الدقائق التالية، ضجّ الباب الخارجي بقرع مجنون جعل ذات الرداء الأحمر تنتفض والأخرى تهرب إلى غرفتها. ولما لم يكف القرع، نهضتْ لتفتح الباب. لم تتحرك من الغرفة أمرتك بذلك. فبقيت جامدا تخّيلتُ جمودك كجمود ليالينا في المعتقل، كدت تصير حجراً، لكنك توجست من اللحظة القادمة وصوت صفعات مصحوبة بأصوات رجال يشتمون مرددين بقهرٍ:

– ليش گحبة؟!. أش بيه زوجچ؟!. شاب جميل وقوي يحبچ .. ليشْ .. ليشْ ؟ بس .. نسوان.. گحاب ما تْتْأَمِنْنْ !.

نهضتَ، ولبست حذاءك، قطعت المسافة حتى بلغتَ عتبة باب الغرفة. كنتَ مذهولاً لم تدرك للوهلة الأولى ما يجري. وما أن اجتزتَ إطار الباب المفتوح حتى أخرستك المفاجأة فجميع الوجوه المحتشدة في باحة البيت تعرفها ولديك علاقة بها. ركلها أحدهم في بطنها ركلةً فسقطتْ على بلاط الباحة مطلقة آهة ألم حاولت كتمها بينما الراكل يقول بصوتٍ حرص أن لا يكون مسموعاً من الجيران:

– حسابكِ بعدين!.

أحاطوا بك وسحبوك من يديك خارج البيت. كانوا أصدقاء زوجها الغائب، استسلمتَ إلى مصيرك وقلتَ مع نفسك:

– أستأهل؛ كل ما يفعلونه بيّ!.

كنت تسيرُ وسطهم صامتاً، منتظراً فماذا تقول؟! .. ماذا؟!.

وسط ساحة كرة قدم متربة مظلمة أوقفوك وطلبوا من أحدهم كان طويل القامة ضخم الجثة الإمساك بيدك بينما ابتعد الباقون مسافة وسمعتهم يتحاورون بصخب وبعد أكثر من نصف ساعة اقتربوا وقال لك أحدهم:

– أحنه مراقبين الوضع منذ شهرين، ونعرف الذنب ذنبها!، راح نوصلك لأن عرفناك ولد زين بس المنطقة بعد ما تقبلك.

تبرع واحدٌ منهم لتوصيلك بسيارته، لكنك رفضت خوفاً، ولم تصدق أنهم أطلقوا سراحك إلا بعد ركوب سيارة الأجرة. أمسك أحدهم مقبض بابها وقبل أن يطبقها انحنى نحوك قائلا:

– ما أدوسْ شارعنا مرةً أخرى!

لم يمضِ سوى أيام معدودة على حادث تأخره حتى دعوه لخدمة الاحتياط، فتعّقد الأمر برمته. الأشهر الثلاثة الأولى قضاها في معسكر الرشيد في بغداد، أي كان يعود مساءً متسللاً من سياج المعسكر، لكنه هرب ما أن نُقِلَ إلى جبهة الحرب المشتعلة، فمكثنا في البيت لا نكاد نخرج وليس لدينا أي بارقة أو هدف، ومما زاد من تعقيد الوضع هو فقدانه لعمله إذ كان معيل العائلة الوحيد، أما راتب زوجته التي تعمل عاملة في معمل خياطة حكومي، فقد كان متواضعاً، بالكاد يكفي لتسديد الإيجار ومصاريفها الشخصية كما أسر لي. توترت العلاقات في البيت، خصام متكرر مع الزوجة، عوز، ضغط مصاريف أخوته الطلبة؛ تكاليف الملبس والدراسة، و.. و، أمسى متوتر الأعصاب، سريع الإثارة في كل حوار يثار مع زوجته، بينما يكون مسترخياً عندما يحلُّ في غرفتي العلية واجداً بقربي فسحة راحته الوحيدة التي يتحرر فيها من ضغط العائلة النفسي. عند ذاك بدأت أفكر بتغيير مكاني لكن إلى أين؟! والبيوت الممكنة في مدينتي استنفدتها ولا مجال أبداً للعودة إليها، أخبرت “ناهده” في أخر زيارة لها بعد أن عقّلتُ أشواقي وشّدة شهوتي وأصبحت شديد الحذر كي لا تتكرر ورطة حملها.

ما جعلني أقرر تغيير مكاني ومغادرة حبيبي “حسين” مهما كان الثمن هو مساء خميسٍ من أخماس تلك الأيام العصيبة. ففي ذلك الخميس بقينا وحدنا في البيت إذ خرج الجميع زوجتي وزوجته وأخوته في نزهة تسوق في سوق الكاظمية تاركين ابني وابنته معنا، وبينما كنا نلاعبهم في ساحة البيت، سمعنا ضجةً وصخباً وسحب أقسام بنادق وصياح أصوات رجالية غليظة، فجمدنا كصخرتين للحظات قبل أن نسارع إلى شباك الغرفة القريبة المظلمة المطل على الزقاق، ومن حافة الستارة رأينا مشهداً مرعباً. عشرات المسلحين شاهرين بنادقهم، بعضهم يلتصق بجدار البيت المقابل، وبعضهم يتكأ على شباك غرفتنا، وأربعة منهم يهوون بعنف على باب البيت الخشبي المقابل بأعقاب بنادقهم، بينما طُوِقَ الشارع بسيارات مدنية وعسكرية تسقط أضواءها القوية كاشفة امتداد الشارع العرضي والزقاق المقابل المنتهي بسكة القطار الصاعد نحو الموصل. أخذنا نرتعد هلعاً. أصابنا الشلل فجمدنا نحدق بعيون بعضٍ دون حراك، فمن المستحيل الهرب عبر سطوح الجيران الملاصقة، وترك طفلينا وحدهم في البيت، بقينا هكذا نبرك في وسط الذهول والشلل نمعن في الحملقة المستنجدة في عيون بعضٍ إلى أن سمعنا طلقة مفردة تبعها سيل متقطع من الرمي، فهرعنا إلى تجويفٍ داخل الغرفة، تحت سلم السطح أعده حسين كمخبأ في حالة الطوارئ مسدلاً فتحته الناصية بستارة قماش ثم خزانة ملابس. أزحنا الخزانة وقرفصنا في عتمة التجويف فتعالت دقات قلبينا المجنونين، وضجيج الرصاص ووقع أحذية العسكر الثقيلة صار أقوى، وبينما كنا نحاول إعادة الخزانة كي تغطي مساحة التجويف المخلص دلف طفلانا صارخين بفرح:

– تييييييي!.

التبست مشاعرنا، فاختلط الرعب بفرح طفلينا اللاهيين معنا. هزَّ ذراعه ساخراً من المخبأ الذي كان يظن به النجاة في ساعة كهذه، سحبنا طفلينا إلى صدرينا داخل التجويف لكنهما لم يكفا عن الصخب والصياح والضحك، مما جعلنا نستسلم للحياة في لحظة جنونها لطفلينا ونظهر من خلف الخزانة، واثقين من قرب ختام القصة كلها وغير آبهين بالمصير، وبغتةً سكنَ كل شيء، فخالسنا النظر من النافذة وجدنا الشارع خاوياً. والهدوء يعم كل شيء، وكأن شيئاً لم يكن، في اليوم التالي عرفنا أننا لم نكن المقصودين، بل المقصود كان هارباً من الجبهات في بيتٍ مقابل.

قررت الانتقال إلى مكانٍ آخر، مهما يكن الثمن.

فجر اليوم التالي حزمت حقيبتي الصغيرة.

خرجت من غرفتي إلى الفسحة الصغيرة الفاصلة بين استدارة الدرج المؤدي إلى السطح. وجدته واقفاً على آخر درجة في السلم يحملق بذهول. علقت حقيبتي على كتفي. هبطتُ السلالم. صرتُ إلى جواره في الباحة. أمسكني من كتفي وسألني:

– لكن إلى أين؟!

– وجدتُ مكاناً آخر!

ازدادتْ شدّة قبضتهِ على كتفي. أحسستهُ يتشبث بيّ غير قادرٍ على مواصلةِ الكلام فهو يعرف بأن قراري لا رجعة فيه والوضع لم يعد يحتمل المزيد. لم يحلّ قبضته وكأن روحه تركزت في أصابعه المتوسلة. قال بصوت خافت متكسّر:

– دير بالك على نفسك!

دمعتْ عيناه. وخنقته العبرة وهو يردف بصوتٍ تحشرج:

– لا تقطع أخبارك!

خلف الباب الخارجي الخشبي العريض شدني إلى صدره شداً. نشجنا بصمتٍ في عمق فجر ذلك اليوم وزقزقة عصافير تتزاحم على شجرة سِدر قريبة. فللتُ بعناء ذراعيه وعبرت العتبة قاصداً بيت أختي الكبيرة الساكنة في مدينة الدكتاتور “تكريت”.

من مخبأي تتبعتُ أخباره. زوّر وثائقَ وبقي يتحرك ويعمل في بغداد إلى أن ألقيَّ القبض عليه، فأودع في سجن وحدته العسكرية أشهراً عدة ليطلق سراحه في عفو عام.

لم أره بعد ذلك إلا مرةً واحدةً، حينما رَتَبتْ زوجتي أمر التحاقنا بالثوار، فقضينا ليلة “بغداد” الأخيرة في بيته مع الرفيق المكلف بإيصالنا، ومع خيوط الفجر الأولى فللنا أذرعنا بعد عناقٍ طويل لأفارقه قرابة عشرين عاماً.

*     *     *

كنتُ أجلس وحيداً على المقعدِ الأمامي جوار السائق، غير آبهٍ بالحوار المشتعل بين الركاب الثلاثة في الحوض الخلفي حول الوضع المضطرب، أتأمل الأفق الساطع وغابات النخيل السابحة بالذهب المنسكب من السماء رائياً قسماته يافعةً تحنو على صمتي وانتظاري، صاداً كل محاولاتهم لإشراكي بالحوار بهزة رأسٍ وتمتمة، دون أن أفتح فمي مع بسمة تطفو في عينيّ، مكتفياً بالتطلع في قسماتهم الخشنة الملوحة بشمس الجنوب، والمتعبة كأنها جذوع نخيلٍ مقطوعة، وأنفاسهم المتقطعة وهم يحاولون فهم الفوضى التي قامت مع الاحتلال، مبدين فرحاً بالخلاص من كابوس الدكتاتور وزمرته، لكنهم متوجسون من غياب النظام، وبوادر ظهور المليشيات المسلحة، وعمليات التفجير التي نشطت للتو في الأماكن العامة والجوامع والحسينيات والأسواق، في إرهاص أول للصراع الطائفي والقتل على الهوية الذي سيستفحل في الأشهر القادمة. كنت أستمع صابراً ومستقبل العراق يتأرجح في الحوار بين من يقول بأنه سيكون زاهراً وجنة، مستشهداً باليابان وألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكيف تطورتا بعد الاحتلال الأمريكي. وآخر يراه مجهولاً، وثالث يصفه بالجحيم القادم، لم أشأ الإفصاح عن وجهة نظري المخيبة لهم، وأنا عابر أجيء شهراً أو عدة أشهر وأعود إلى مستقري الآمن في الدنمرك.

لم أشأ فأمريكا طوال تاريخها لم تبن بلداً، لا سيما متخلفاً، هذا ما فعلته في أمريكا اللاتينية وهي تحارب المد الماركسي اليساري في ستينيات القرن العشرين، فقد ساندت حكامها الطغاة، ثم أقامت ديمقراطيات كرست سلطة الأغنياء وعممت الفقر والجوع. أما اليابان وألمانيا فشعباهما كانا أصلاً جاهزين للتطور ثقافةً وبنيةً، عدا ذلك كنت تعباً من موضوع السياسة التي قضيتُ جلّ عمري في العمل فيها، فشبعت عذاباً، وألقتني غريباً في بلدٍ باردٍ بعيدٍ قبلني رحمةً ليس إلا. أستمع إلى الحوار الذي لم يبرد طوال أكثر من ساعتين هي المسافة بين الديوانية وبغداد. لا همَّ عندي سوى العثور على “حسين” فقد تركته في لجة العراق وحروبه وحصاره حتى الاحتلال، وفشلتْ كل محاولاتي في إعادة الصلة به. وكدت أنجح مرة واحدة .. كان ذلك في عام 2001 حينما نزلت إلى الشام لمواساة أختي الصغيرة التي دُهِسَ ابنها الأصغر وعمره خمس سنوات فمات أمام ناظريها في الشارع بدمشق.

أخبرني “أبو حالوب” حالما رآني أدخل مقهى “الروضة” بدمشق بأن شخصاً سأل عني، وحينما وصفه بدقته المعهودة أرفقها باسمه كدت أجن، ورجوته كي يجد مكانه. في اليوم التالي أخبرني بأن أخباره انقطعت فجأة قبل أسبوع، فقد خرج من البيت الذي كان يسكنه في محلة “ركن الدين” ولم يعد، وبعد شهر أخبرني همساً بأن المخابرات السورية ألقت القبض عليه، بتهمة تهريب الآثار من العراق لبيعها هنا في الشام. فقلت مع نفسي:

– مستحيل!

فهو لدي في مقام القديس برغم نزواته الصغيرة المتعلقة بالنساء، لم أعلق بشيء وتشاغلت عن عيني “أبو حالوب” المحملقتين في وجهي، بالنظر إلى رواد المقهى وشمس الظهيرة الساطعة في فسحتها الداخلية المكشوفة.

– اليوم سأستبين الأمر حال اللقاء به!

قلت مع نفسي ذلك وأبنية مدخل بغداد بانت في الأفق صغيرةً بحجم حبوب الحنطة. الجدل تشّعبَ شاملاً أصغر الأشياء، من تفاصيل متاعب العيش اليومي، إلى تدخل الدول الأخرى بشأن العراق، بينما كنتُ محتدماً بعالمي السري الحميم، غير مصدقٍ بأنّي سوف ألمسه، أرى عينيه، بسمته تقاسيمه الجميلة، وأضمه إلى صدري، ونذهب نتسكع دون هدف في الأمكنة التي كنا نتنزه فيها قبل أكثر من عشرين عاماً.

مضى على الأحتلال أكثر من سبعة أشهر، لم أجده في بيتهم القديم، أخبرني الجيران ومن سكن محلهم بأنهم انتقلوا قبل عدة أشهر، بقيت في الغروب الفضي الشاحب واقفاً حائراً أكثر من ربع ساعة إلى أن تذكرت بأن أخته الأصغر منه تزوجت جارها الساكن في البيت المقابل. هرعتُ نحو الباب. قرعته. لم تكن في البيت. لكن شاب في الخامسة عشرة قال إنه ابنها، تطوع كي يدلني على بيت خاله. استأجرنا سيارة صغيرة بينما المساء بدأ بالهبوط فأعتمت الطرقات وبدأت تخلو من المارة والمركبات. اكتمل هبوط المساء وعلى ضوء مصابيح المركبات لاحظت انتشاراً كثيفاً لمسلحي المليشيات المختلفة في الشوارع الحساسة وسط بغداد حيث يسكن صديقي، واجهنا عناءً ومشقةً شديدتين في نقاطِ التفتيشِ المتقاربة، إذ كانت تدقق في كل شيء. أفلحنا أخيراً والليل ادلهم في الوصول إلى شقتهم المطلة على دجلة. وقفتُ جانباً جوار السياج بينما قرع الصبي الباب الحديدي. كان التيار الكهربائي مقطوعاً والعتمة ماحقة. قفز قلبي طرباً حينما سمعتُ صوته الصادح في أرجاء صمتي طوال تلك السنين يسأل:

– منو؟!.

– أني خالو.

فتح الباب، لم يرني للوهلة الأولى، اقتربتُ منه هاتفاً باسمه، التفتَ مذهولاً، سمعت أنفاسه تتعالى في الصمت والظلام قبل أن يصرخ صراخاً مجنوناً مردداً اسمي، ويقفز نحوي مفتوح الذراعين ليسكن إلى صدري، ضاماً رأسه تحت أبطي وكأنه يستغيث، صرخنا وتعانقنا، شددنا جسدينا شداً وكأننا نبغي الاندماج في كتلة واحدة، تلمسنا الأنف والفم، العيون الرموش، الجبهة والذقن، الشعر وكتلة الرأس بأصابعنا، ثم سحبني نحو مدخل البيت وحديقته الصغيرة.

على ضوء الشموع التفتْ حولنا العائلة، ابنته الكبيرة “فيروز” التي صرخت بنا هي وأبني “كفاح”

– تييييييييييي!.

قبل أكثر من عشرين عاماً حينما ختلنا تحت الدرج، أصبحتْ طالبةً في كلية الهندسة في بغداد، ولده الوحيد “أمير” تخرج من معهد الفنون الجميلة قسم الرسم، لكنه أضطر إلى العمل شرطياً بسبب البطالة، ولديهم بنت صغيرة لم تتجاوز الخامسة وقتها، وأخرى في عمر المراهقة، أما زوجته فقد ارتدتْ الحجاب وامتنعت عن مصافحتي. على ضوء فانوسٍ ضعيف الضوء، يرجّف تقاطيع الوجوه، تأملته طويلاً؛ شاخت ملامحه، تحوّل شعر رأسه الفاحم إلى لون الفضة، تخشّنَتْ بشرته التي كانت شديدة الطراوة، ناعمة. واختفت البسمة الخفيفة التي كانت لا تفارق عينيه القويتين المحتفظتين باللمعة البارقة والعمق القديم نفسه.

لم ننم ليلتها، واصلنا الليل بالفجر الذي تسربت فضته من واجهة البيت الزجاجية كاشفة أثاث البيت المتواضع، مكتبة خشبية قديمة، قنفات متداعية، تلفزيون قديم صغير الشاشة، وعلى الجدران علقت اللوحة الوحيدة التي رسمها في حياته؛ شجرة وتحتها رجل وخلفه فضاء موحش، كانت ضائعةً بحشدِ صور واقعة مذبحة كربلاء، وأولياء الشيعة. وصنوف الآيات والأحاديث المخطوطة برداءة. حدثته طوال الليل عما جرى لي في الجبل ومعسكرات اللجوء والدول حتى مستقري. وقلت له:

– خبّرني عنك؟!

أمسكني من كتفي وقال:

– هيا بنا لنخرج!

أفطرنا في مطعم شعبي عدساً وبيضاً، كنا نطيل النظر في وجهي بعضٍ غير مصدقين نجاتنا من لجّة العراق، قضينا ذاك النهار ندور كما كنا نفعل قبل عشرين عاما على الأرصفة من ساحة الجندي المجهول القديم حتى أزقة باب الشيخ، نعبُّ العطر القديم المستيقظ في روحينا من رسم الشوارع القديمة، متجاهلين أكوام النفايات والبنايات المحروقة والجدران المثقبة بالقذائف وأثار الرصاص. كان قليل الكلام، يوجز .. ويوجز. فأستحثه، حدثني عن السجون التي حلَّ ضيفاً فيها، عن الحصار والجوع، قال:

– مرّ بِك يوم ترجع للبيت فارغ اليدين وزوجتك وأطفالك ينتظرون منك الخبز، حتى ما يموتون جوع؟!

برغم عنف التجربة التي خضتها لم يمر بي يوم كهذا أبداً، صحيح أنني جعتُ ونمتُ على الترابِ أنا وزوجتي وواجهت الموت عن قرب، لكن لم أجدني محاصراً بعيون حبيبة جائعة تنتظر مني خبزاُ!.

– …!.

أفحمني السؤال فلزمت الصمت منتظراً البقية.

– فعلت المستحيل، سويت أشياء من الصعب البوح بها، حتى أجيب الخبز والمصروف، ونجحت .. فكل أخواتي وأخواني كملوا تعليمهم وأبنائي راح يكملون لكنني تعبان يا صديقي تعبان!.

سألته:

– شنو الأشياء اللي ما تقدر تنطق بِها؟!.

فهم مغزى سؤالي:

– لا .. لا .. لا تظن بي سوء، فأنت خير من يعرفني .. لو فعلت لأحتقرتُ نفسي، وما قدرت أعيش لكن كل ما فعلته وقت الحصار، هو تهريب لوحات لرسامين عراقيين جياع من أصدقائي لبيعها في سوريا والأردن، لكن قبضوا عليّ بدمشق وشفت نجوم الظهر، نفس حزب البعث اللي هنا، نفس التعذيب اللي ذقناه هنا سوه.

أختصر لي كلامه الواضح الكثير من الأسئلة التي شغلتني منذ دمشق وخبر اعتقاله.

علّقتُ ضاحكاً:

– لم يبق سجناً يعتب عَليكْ!

تبّسم لدعابتي رابتاً على ظهري بباطن كفه الصغيرة، ثم سحبني لنواصل السير، مررنا على الأمكنة القديمة الواحد تلو الآخر، وكان أقربها حديقة بار الفندق الذي خطفونا من ممره في السادس من حزيران 1980، أعدنا رسم تفاصيل مشهد خطفنا على الأرض بالضبط. جبنا أزقة “البتاوين” وبيوتها الخربة، المتهاوية، بعضها كان مهجوراً، والآخر يسكنه أغراب، نساء مشبوهات، عصابات تهريب وسرقة، دعارة، عرب من السودان ومصر يمتهنون كل شيء وسط نفايات متراكمة تزكم الأنوف بروائحها العفنة. صعدنا نحو شارع أبو نؤاس، ومن تحت جسر الجمهورية دخلنا شارع الرشيد الذي شاخ وأقفلت محلاته، وعاد فارغاً تتكدس على أرصفته القمامة والأوساخ.

رأينا جثثاً لم تزل تنزف وسط صراخ رجال بأرديتهم الرثة ولحاهم الكثة ووجوه قدّتها الشمس فجعلتها كالصخر الأسمر. لم يدعني أقف، سحبني إلى فرع يؤدي إلى شارع الجمهورية، وعند مدخل زقاق جانبي سقط رجلان برصاص كثيف جعلنا نرتمي أرضاً فرأينا القتلة المسلحين يولون الأدبار بخطى واثقة، رحتُ أرتجف من مشاهد القتل بدمٍ بارد، أنهم يقتلون ويخطون بهدوء وثقة وكأنهم يكملون نزهتهم. صرت شديد الوجل أتصور أن أحدهم سيوجه نحوي فوهة بندقيته ويرديني. تضطرب خطواتي بينما كان متماسكاً وكأن الأمر لا يعنيه، خاطبني قائلاً:

– لا تخفْ لكل قتيل سبب، تعودنا على هذا المنظر اليومي!

– ما فهمتْ!

– يعني؛ لو ثأر، لو انتقام، لو خلاف على سرقات، للقتل ذريعة، ومثل ما تشوف الدولة غائبة!.

تسكعنا دون هدفٍ وجعلنا ندور في الأزقةِ الضيقةِ لأحياء بغداد القديمة، ما بين شارع الجمهورية والرشيد.

قلت له:

– أريدْ أزورْ كل الأمكنة المقدسة!

رمقني بسخرية. أصريتُ، فزرنا ضريح “عبد القادر الكيلاني” في شارع الكفاح، وقبر “الحنبلي” في جامع صغير بزقاق من أزقة الحيدرخانه القريبة من ساحة الميدان، وقبر ا”لحلاج”، و “زبيدة” زوجة هارون الرشيد، ووكيل من وكلاء المهدي المنتظر الأربعة في مقامٍ ُشيِدَ من جديد في شارع النهر، ظَلَلَننا سقف سوق السراي، وأسكرتنا رائحة الكتب التي لم يزل باعتها يفتحون أبوابهم، برغم ما يحيط بهم من قتل وفوضى. عبرنا سوق هرج الرث وساحة الميدان الرثة إلى باب المعظم. كان باب وزارة الدفاع مهدماً لا جندي فيه تحولت بنايته إلى شبه خرائب، قلتُ له:

– تعال لأريك أين أخذوني بعد أطلاق سراحك في الثمانين!

دخلنا ذلك المكان الذي كان رهيباً مفزعاً وقتها، فوجدنا عائلات فقيرة احتلت الزنازين والأبنية المحيطة وسط أكوام القمامة والذباب، أخبرته عن قصص من أتذكر من تلك الوجوه التي ضاعت، حيث كنا نتكدس في غرفة طولها سبعة أمتار وعرضها أربعة أكثر من مئة معتقل بجلود مسلوخة ووجوه خانعة، قوية، خائفة، شاردة، كان ذلك قبيل الحرب مع إيران، حيث جرى تصفية الجيش من المناوئين، عشرات الوجوه، عشرات الأنفاس والأرواح والأحلام والأصوات والقصص والهموم التي عاشرتها أشهراً قبيل أطلاق سراحي لعدم ثبوت الأدلة.

لم نعد إلى البيت إلا حينما حلَّ الظلام، لنشربَ خلسةً في حديقةِ الشقةِ الخلفية، واضعين قنينة العرق العصري والكأسين، خلف المبردة على ناصية خشبية، خشيةً من عائلته التي غاصت في تشّيعها، بينما غاص هو في شيوعيته، في معادلة بدت لي عند عودتي وإطلاعي على أحوال رفاقي القدامى عامة معكوسة، فهم في وادٍ والناسٍ في وادٍ وأولها عائلاتهم. وهذا كان محور حواراتنا المتشعبةِ، فالحصار والقمع والحروب زمن الدكتاتور خلفّت الناس ورجعت بهم بقوة إلى الدين والخرافة. على الرغم من ذلك كان يعتقد بأنهم سيحققون الوطن الحر والشعب السعيد ويبنون عالم المساواة الجديد. وينفعل حينما يشتد الجدل بيننا وأذكره بغربته داخل عائلته، التي تستنكر بصمتٍ كل ما يقول حول المستقبل الزاهر، وحلمه الطبقي القديم، وتتجه نحو طائفتها بشدة.

*     *     *

أخذني العصفُ من أعماقي وأنا في طريقي إلى بيته قادماً من الديوانية، قلت له في التلفون:

– مسافة الطريق وأني يمك!.

لم آبه بتوسلات أخوتي وأخواتي خوفاً عليَّ من خطورة الطريق إلى بغداد، فقد اجتاح العنف الطائفي العراق عقب تفجير قبة الإمامين العسكريين في مدينة سامراء. أصبح القتل على الهوية واللهجة والاسم. وَكَثِرَ المفقودون فمن يخرج من بيته يقرأ الفاتحة غير متيقنٍ من أنه سيعود في المساء. كان صوته واهناً مرتجفاً وهو يخبرني بأن ابنته الكبيرة “فيروز” لم ترجع من الكلية منذ عصر البارحة، ولا يعرفون لها مكاناً. قلت مع نفسي:

– كمّل الغرگان غطه!.

كنت أشعر بمدى شدّة مقاومته للظروف حوله، غربته وسط أولاده وزوجته، وانحسار فكرة البلد الديمقراطي، وخفوت حماسته للعمل السياسي مع الشيوعيين، بعد أن تكشف له ما خبرته في تجربة الجبل من انطباعات تتعلق بجمودهم، وذهنية تتطابق مع ذهنية العقل الديني وأحزابه في الممارسة العلنية، تلك الإشكالية التي جعلته يشعر بالوحدة على الرغم من وسع علاقته بندماء شرب قدامى. كان لا يسترخي ولا يستريح إلا بمقدمي، وقضاء شهر أو أكثر معه في البيت وحانات وشوارع بغداد، يستعيد فيها توازنه حتى وسط الأسرة. برغم تعلّقي الشديد بالشرب وإفراطي به أحياناً كنت لا أملّ من تكرار رجائي له كي يخفف من الشرب قليلاً. كان يصمت وينظر نحوي ساخراً، لا يتفوه بكلمة واحدة ويصبّ في كأسه المزيد من العرق الذي بات يشربه صرفاً، فأعاود الرجاء. كنت خائفاً من تدهور وضعه الصحي فهو قليل الأكل أو زاهد فيه، إلى أن قال لي:

– ما تترك هذا الموال، أي من علمني كسر “الخمارية” غيرك!.

وكسر “الخمارية” يعني “أحتساء كأس عرق على الريق في الصباح” يزيل أثر سكر الليلة السابقة من صداع وإنهاك، ويستعيد الشارب مجد نشوة البارحة، لم أتذكر هذا التفصيل، فذكرني بذلك اليوم البعيد حينما استيقظ صباحاً والصداع يكاد يفلق رأسه. كنا قد حللنا أنا وزوجتي ضيوفاً عليه في شهر عسلنا، فنصحته بالطريقة، فاستفهم عن ماهيتها فشرحت له ماذا أعني بالكسر ضاحكاً ناقلاً خبرة أصدقائي الشعراء الشعبيين الذين تتلمذتُ على أيديهم بشؤون السكر والعربدة، فاستنكر الفكرة وأمتعض وجهه من مجرد تخّيل شرب كأس عرق على الريق، وخرج إلى باحة البيت، لكنه عاد بعد دقائق وقرع باب غرفتنا ثانية، وقال لنجربها ففعلنا فأصابته النشوة وربت على ظهري شاكراً مردداً:

– شيطان .. ملعون يا صديق السوء والعرق!

قلت له:

– ذاك زمن غير هذا، والعمر مرّ وبعد الجسم ما يتحمل!.

– ..!.

لبث واقفاً، أطال النظر نحوي، ثم جلس على كرسيه، وهزَّ ذراعه حول محورها بحركة شديدة البطء معبراً عن سخريته، وأجاب بجملٍ مكثفة طويلة واضحة يبخل بها عادةً على ما حوله:

– ماذا اختلف في الوضع. صارَ أكثر سوءاً، لقد هرمنا والعراق يكاد يتبدد، بلد محتل، صراع طائفي قومي، قتل على الهوية، سيارات مفخخة لا تدري متى تنفجر عليك، كذب، رشوة، سرقة، لا كهرباء، لا ماء صالح، لا فرص عمل، ماذا بقي لنا من العمر؟! .. صبْ .. صبْ

– لكن صحتك!

تبتسم بسخرية قائلا:

– خلينه من نظرية الصحة اللي جبتها من الدنمرك ودوختني بها!

– …!.

يتعثر لدي الكلام ويضيع. تعبر الدقيقة دون أن أجد شيئاً أو أحرك ساكناً فيقوم بصبِ كأسين بملامحَ منتشية تبرق، ناظراً بولهٍ إلى العرق الذي له لون الماء وقوامه لحظة تدفقه من عنق القنينة الضيق إلى فوهة الكأس المدورة العريضة، ثم يرفع كأسه قائلا:

– أرفع كأسك ما بقي بالعمر شيء يسوى!

مثل مسحورٍ أمدّ يدي، وألف أصابعي حول زجاج الكأس، أرفعه ليمس حافة كأسه المنتظر في فجوة الفراغ الفاصل بيننا. نعّبهُ خالصاً دون خلط في ليلِ بغداد الذي يبدأ بالسكون.

أصبح العرق سلوته بوجودي وبدوني! فبدأ وضعه العائلي والعام يسوء جداً سنة بعد أخرى، فقد بدأ يشرب ليل نهار ويروح في غيبوبة سكر تستمر أياماً، حتى أن زوجته طلبت مني مراراً حينما أتصل تلفونيا من الدنمرك بضرورة البقاء لديهم أياما أكثر عند زيارتي القادمة كي أخفف قليلا من وحدته، ولعلي أجعله يخفف من الشرب، فأنه لا ينصت لأحدٍ سواي.

لكنني كنت مدركاً أن الأمر لا يتعلق بوجودي فقط لكن بكل تاريخه المهلك المعذب ونضاله من أجل البقاء حياً شريفاً، وتفانيه من أجل أخوته وأبنائه فقد تمكن من الوصول بأختيه، وأخيه إلى بناء بيوت عامرة برغم الجوع والحصار والهروب والسجن وكل شيء. والآن تضيع ابنته:

– إلهي أين عدالتك؟! .. ولمَ؟!.

صرختُ وأنا أمدّ ذراعيَّ نحو السماء حال نزولي من سيارة الأجرة مقابل مستشفى “عبد المجيد” الأهلية وسط ضجيج المارة على رصيف الكرادة. في الزقاق المؤدي إلى شقتهم صرت أهذي وأتضرع بنحيب:

– يا الله لا تضيعها منه وهو بهذا الوضع؟! .. لا .. لا ربي .. رحمتك .. ربي عفوك. خَلّصْ صديقي المسكين، بقدرتك يا أرحم الراحمين!

تلكأت جوار الباب، أحاول دفن ألمي عميقا والكف عن النشيج والتضرع. فكفكفت دموعي براحتي. أخذت أنفاساً عميقة متواصلة حتى أهدئ رجفة أوصالي:

– كن قوياً يا هذا!.

نهرتُ نفسي. شددتُ قامتي. ورفعتُ سبابتي المرتجفة وضغطتُ على زرِ الجرس، فسمعت صوت خطوات تقترب، ثم الدرفة تنسحب للداخل، ليظهر بوجهٍ أحسستهُ جفَّ وصغر بغتةً. خطا نحوي بائد القوى فحضنته بحنان شاداً جسده الذي نحل إلى صدري، ومن خلف كتفه رأيت زوجته وأولادهم بوجوههم الشاحبة الشاردة، وعيونهم المحتقنة المحدقة بعناقنا وكأنني هبطتُ من السماءِ منقذاً. كان يتصنع التماسك وأنا كذلك، هدأتُ من روعه قائلا:

– أول شيء نبدي نبحث، يجوز حدثَ لها حادث عارض بسيارة لو طارئ صحي مثلاً ونقلوها للمستشفى أو عند صديقة لها، أو .. أو.

عددت احتمالات مختلفة، الكثير منها لم يخطر على باله، إذ شتته غيابها وجعله مشوش الذهنِ، كان الوقت يقترب من منتصف النهار فهببنا على الفور إذ وجدته جاهزاً. لنبدأ البحث في أمل مخلوطٍ باليأس من جهتي فقد كنت متيقناً من ضياعها مع نفسي، فهي ورعة، متدينة، بل عميقة الإيمان، ذكية، ناصعة التفكير، بدت في تلك الأيام وكأنها ترى أبعد مما نرى، فكانت تسخر من فرح العراقيين بقدوم المحتل الأمريكي، وتتوقع وقوع المزيد من الخراب والقتل وضياع الهوية العراقية. كانت جريئة، تطرح أفكارها بوضوح وبهدوء ودراية بدتْ غريبة على سنها. هذا ما سمعته منها في أول زيارتي للعراق، وكان الوضع هادئاً نسبياً، وبدا والدها مبتهجاً وهو يشكل منظمة مجتمع مدني، لإقامة مشاريع تساعد على الارتقاء بوضع الأسر المدقعة الفقر. سألتها:

– عمي ليش أنت متشائمة لهذا الحد؟!

أجابت بوضوح:

– العراقي خربته الحروب والعوز صار يكذب ويرتشي!.

– …

لم أعلق بشيء إذ أحسست بأنها تفكر لتضيف شيئاً، كنت تواقا لمعرفته فانتظرت صمتها الذي طال قليلا وكأنها تستصعب القول الذي تود النطق به. حثثتها بهزةٍ من رأسي فأضافت بصوتٍ مترددٍ:

– العفو عمي، أنت ما عشت هذي السنوات هنا حتى تشوف العراق أش صار بِهِ، والعراقي أش لون صار!

لم أفحمها وأقول لها وأبوك، خشيت من ذلك، كنا نجلس في حديقة الشقة الصغيرة وقت الغروب وأصوات الطائرات الأمريكية تجوب بضجيجها سماء بغداد، والمنطقة الخضراء التي تقع عبر “دجلة” المتدفق على بعد ثلاثين متراً.

حدقتُ في عينيها الواسعتين المتناغمتين مع قسماتها الساكنة المسترخية برغم عنف الموضوع، فرأيت وجهها كأنه وجه قديسة من القديسات المحفورة على جدران الكنائس القديمة، التفتُ إلى عيني “حسين” اللامعتين المنتظرتين.

ما زلت أحاول ترتيب إجابة ما فباغتتنا بسؤالٍ كنت أخشى طرحه في الأيام الأولى بسبب نشوة الناس بزوال الدكتاتور وأملها بالأتي:

– إنسان بهذا الوضع يبني؟!

وقتها كنت في أول زيارة، فشعرت أن هنالك الكثير الذي لم أفهمه جرى في غيابي، فتحولتُ إلى مستمعٍ، وهي تدخل في جدلٍ عويصٍ مع أبيها، ظل يتذكره ويكرر آراءها بإعجاب في السنوات الثلاث التالية، حيث أكتشف أن كل الذي يعمل معهم في المنظمة التي ساهم بتأسيسها برغم يسارية موقفهم يسرقون ويبررون فعلهم أخلاقياً، فانسحبَ. والأوضاع بدأت تتدهور منذ الانتخابات الأولى، لتصل إلى هذه الدوامة التي لم تهدأ ونحن في طريقنا إلى أقرب مستشفى للسؤال عن فلذة كبده. كان شارداً لكنه يبدو للناظر متماسكاً قوياً كجذعِ شجرةٍ معمرةٍ، بينما كنتُ أتأمل جريان الحياة، الناس تجلس في المقاهي تحتسي الشاي وتثرثر، يشترون الجرائد التي أصبحت بلا عدد من الأكشاك المنتشرة على الأرصفة، يتناولون الكباب واللحم المشوي في المطاعم المتجاورة، نصاعة الذهب المنهمر من شمس السماء المتسلقة في سمتها، وجوه المارة المهمومة لكنها تمارس يومها وكأن لا فظائع تقع هنا وهناك تحدث بين ساعة وأخرى، الكلُ منشغلٌ في شأنه.

وكان أكثر ما يغيظني شدة كثافة النخيل بقامته الفارعة في الشوارع وحدائق البيوت فتبدو بغداد من على جسر كأنها غابة من النخيل، كثافة نخل، ودفق ماء دجلة، ودفق دم العراقيين المجزرين الذين يُعثر عليهم في البساتين والأرصفة وأماكن جمع القمامة، في البيوت، وعلى الطرق العامة الرابطة بين المدن، دم العراقيين الذي لم ينقطع منذ القدم. لم تبق مستشفى واحدة في بغداد لم نزرها ونسأل عنها. كانوا يدونون المعلومات والصفات ويبحثون السجلات دون جدوى، درنا على بيوت أقربائه ومعارفه، دون جدوى، في تلك الأيام قتلوا صديقي “أحمد” فأختلط دمه بالكتب التي يكتظ بها دكانه الذي بنوه بحديقة المنزل في مدينة الشعب، أضنانا البحث وكنا نتوقع بعد أسبوع من الدوران أن يتصل بنا الخاطف أو من ينوب عنه ليطلب فدية كما يحدث مع المئات، إذ أصبح الخطف مهنةً رابحةً في تلك الأيام، نهرع كلما رنّ الهاتف، ونعّب العرق صافياً دون أن نبلغ السكر، فمن أين لنا الوصول إلى ساحله وكل أعصابنا متقدة ومشدودة في انتظار بدا أبدياً بعد مرور شهرين تماماً.

*     *     *

لم أكن أعرف الشخص الذي أقترح عليّ الذهاب إلى الطب العدلي في مدينة الطب. كنا نجلس حولَ طاولةٍ أكثر من عشرين شخصاً في زحمة بارٍ ودخان وضجيج، وكنت أتأرجح لا من السكر بل من الإجهاد والجدار الأصم الذي أراه قائما أمام وجهي أينما حللت معه في دوراننا المجنو،ن فكيف به يا رب السماوات؟! كيف بصديقي التعبان؟! أتأرجح على حافة الغفوة حينما ربّتَ شخصٌ على كتفي ربتاً خفيفاً، التفتُ رافعاً رأسي، كان يقف خلفي ويؤشر بأصابع أربع مصفوفة كي أتبعه، نزلنا السلالم إلى الطابق الأرضي، وقرب منصة الحانة نصحني بذلك وأخبرني بأنهم فتحوا غرفة خاصة تعرض على شاشات آلاف الصور لجثث مجهولة الهوية، فقد جاوز عدد المفقودين خمسين ألفاً في بغداد وحدها، كما ينشر ويشاع، قال جملته الأخيرة متردداً، وأضاف بأنه يحبُ صديقي جدا، وقريب له جداً منذ أكثر من عشرة أعوام و”حسين” تحدثَ لهُ عنّي كثيراً وأنا في المنفى قبل الاحتلال حتى يكاد يعرفني بالتفصيل، وختم كلامه قائلا:

– ما عدنا شجاعة، ونعرف مدى تعلقه بها!

– …!.

أغرقنا الضجيجُ وسقطتُ في حيرتي، معنى ذلك أنني أكلفُ بأخباره عن موتها وأنا أشعر بكل حواسي شدّة أمله رغم ضعفه في لمسها حية بين يديه فأية مهمة ثقيلة أخرى يثقلني بها هذا الشخص المجهول:

– نترجاك!

قالها أيضاً بصيغة الجمع هذا يعني أن هنالك من كلفه بمفاتحتي، تلاشى صخب الحانة بينما كنت أمعن في التفرس في ملامحه القوية المتماسكة وبشرة وجهه الكالحة، والمحفّرة بآثار جدري قديم فبدت مثل جذع نخلة هرمة. أردف وكأنه حزر ما يدور في رأسي:

– الكل متفق على كونك الوحيد الذي يستطيع مواجهته، فالأمر طال .. ومرّت سنة!

سألتُ “حسين” عنه عقب جلستنا. كان مهندساً زراعياً يعمل في وزارة الزراعة، قضى سنيناً من عمره في سجونِ وأقبيةِ الدكتاتور، فُصِلَ من وظيفته زمنَ الحصار وذاق الأمرين، وعقب الاحتلال عاد إلى وظيفته، وكافح ليصبح رئيسا للجنة المفصولين السياسيين في الوزارة، ويقدم الكثير لمن أصابهم الحيف في ترتيب قضية عودتهم للوظائف. دأبنا على اللقاء عند كشك في ساحة الأندلس يعود لصديقنا “أبو ميثاق” الشيوعي الذي أخذت ساقه اليمنى الحرب العراقية الإيرانية، لكنه يبكر كل صباح ليفتح باب الكشك الخشبي، وينظم الصحف والمجلات والكتب والسجائر، رغم أنه يعّب قنينة عرق كاملة في الليلة السابقة. سيشارك المهندس التعبان في مظاهرات ساحة التحرير المطالبة بالكشف عن الفساد وتوفير الخدمات صباح كل جمعة والتي قمعتها السلطات بالنار والحديد. وكان من ضحايا كاتم الصوت، إذ ترصدوه وهو يخرج صباحا على جسر في الزعفرانية وأردوه قتيلاً. أخبرني “حسين” بصوتٍ حزينٍ عبر الهاتف وأنا في الدنمرك قبل زيارتي الأخيرة معلقاً:

– قد يقتلونني أيضا في أية لحظة!

كان صديقي هو الآخر، يبكر إلى ساحة التحرير رغم حواجز الشرطة والجيش والمخابرات والاستخبارات وميليشيات الأحزاب الدينية الحاكمة المتخفية.

طغت ضجة أعماقي على ضجيج الحانة، وزال تعبي فنشطتُ وكأنني نهضت للتو من نومٍ عميق، شددتُ قامتي وحملقتُ في قسماته القوية، في بشرةِ وجههِ التي تجسمت قريبةً بشقوقها وتجاعيدها فبدتْ كأرضٍ لم تسقَ منذ زمن بعيد، كنتُ أريد قولَ شيءٍ، فأصمتني بحضنه كانَ أطول مني قامةً فالصقَ رأسي بعنقه، وسمعته يقول بنبرةٍ رجوليةٍ خافتةٍ:

– لا تخيب ظننا .. أرجوك!

أصابني الأرق، فسهرت أتقلب في فراشي، أفكر طوال الليل في الأمر، باحثاً عن طريقةٍ تخفف من وقع فكرة موتها وتجعله يتقبل فكرة البحث عنها بين الجثث. اقترحت الخروج في نزهة إلى “أبو نؤاس” وهناك جلسنا على مصطبةٍ قبالة المنطقة الخضراء التي كانت حصن الدكتاتور والآن حصن الحكام الجدد والمحمية بقوات الاحتلال. الحدائق خاوية في تلك الساعة المبكرة من الصباح، والطائرات المروحية الأمريكية تحوم ضاجةً فوقنا، لم أتمكن من فتحِ الموضوعَ. وجدته مفجعاً ليس له فقط بل لي أيضا، فأنا من داخلي هش لا بل شديدَ الهشاشة، أنفجر باكياً عند أبسط المواقف التي تمس الآخرين والتي تبدو عابرةً. قلتُ مع نفسي:

– الثالث ضروري!.

وأضفتُ:

– لنمر على “قاسم”!

وهو صديق مشترك لديه محل حدادة في شارعٍ مجاور لساحة الطيران. غادرنا المصطبة وسلكنا الممر المبلط الصاعد نحو حافة الرصيف. الشارع مكتظ بالجنود، ورجال الشركات الأمنية بأجسادهم المتينة ونظراتهم الوقحة وهم يقفون في مداخل البنايات ومنعطفات الشوارع الجانبية في أبو نؤاس. لم نكسر الصمت طوال الطريق ونحن نعبر أزقة البتاوين الرثة، فساحة التحرير هابطين على سلالم طويلة من تحت جدارية “جواد سليم” مخترقين غابة من المسلحين المنتشرين تحتها وحولها وخلفها، قطعنا ساحة الطيران، وخلف بائعي الخضار والزيتون والرصيف العريض المفروش بباعة الحاجيات الرخيصة دلفنا إلى شارعٍ واسع ضاج بأصواتِ مطارق الحدادة وأجهزة اللحم والقص وصياح العاملين المنشغلين بشأنهم وكأن لاشيء يحدث.

فكرة “جريان الحياة” وتدفقها في شوارع بغداد المزدحمة اللاهثة التي ترتكب فيها الفظائع تعاودني بين ساعة وأخرى، تزعجني، وتتركني حائراً أمام لغز الحياة وعنفوانها برغم الفظائع المرتكبة والقتل اليومي الذي عاد لا يعني الكثير لسكانها المنهكين بتفاصيل اليوم العملية. رتّبَ كراسي حديدية صغيرة مركونة خلف ألواح الحديد وسط فسحة الدكان الضيقة المكتظة بقطع غيار قديمة، منحوتات مصبوبة من الحديد بعضها لصاحب المحل، والأخرى لصديقنا النحات “سماري بن مسلم”.

لم يجلس “حسين” استدار نحو الرصيف قائلا:

– دقائق وأعود ..

وتوجه نحو مرافق صحية قريبة، انتهزت الفرصة لأتفق مع “قاسم” على مكاشفته كي نراجع مركز المفقودين الذي فُتِحَ مؤخراً، وافقني على الفكرة وطلب مني المبادرة وقول الجملة الأولى حال عودته، كافحتُ حتى نطقتُ فخرجَ صوتي حيادياً وكأن المتكلم ليس أنا:

– ليش ما نراجع الطب العدلي!

كان يجلس على كرسيٍ قصير القوائم جواري. التفَتَ نحوي، وحدق بيّ بعينين تحجرتا على الفور، بينما جسده سكن دون حراك مثل نصب رجل “سماري” المحّطم المركون خلفه لصق الجدار. هربت بعيني المرتبكتين مستنجداً بـ “قاسم” الواقف جوار منضدة تناثر على سطحها الصدئ قطع حديد مفككه، بملابسه الملطخة بالزيت الأسود، وأصابعه الملوثة الخشنة القصيرة المدهونة بنشارة الحديد والزيت حتى بدتا كأنها والكف قدت من حديد حيّ يتحرك وهو يأخذ زمام الكلام، فصرتُ في الظلِ والضجيج أستمعُ إلى التفاصيل التي يرويها عن غرفة خاصة بالمفقودين في مدينة الطب، فهناك وضعت شاشة عرض تقوم بعرض آلاف الصور لجثث مجهولة الهوية، مهوناً من هولَ لحظةِ العثور قائلاً:

– هي محاولة.. مو أكيد .. لكن واحد لازم يروح يشوف!

ظلَّ “حسين” ينظر بعينين لا تطرفان نحو وجه “قاسم” بقسماته الضخمة ونظراته المتعاطفة، باركاً في سكونٍ يشبه الموات، حتى بعد أن سكتَ صديقنا الحداد. ربّتُ على كتفه بأصابعي. استدار برأسه نحوي ببطءٍ شديدٍ، فوقعتْ عيناه في عينيّ، كانتا مخضلتين بالدمعِ. مسحتُ كتفه بأصابعي. أحسسته يتوسل رأيي بعينيه اللتين ابتلتا بالدمع الفائر المحبوس عند حافة الحدقتين، ناسياً أنني من فتح الموضوع، هززتُ رأسي هزةً خفيفةً مشجعةً، وشبكتُ كفي بكفه، سحبته بحنوٍ من الكرسي، فأنهض جسده مستسلماً شارداً، وخطا مع خطوي متأخرا بخطوتين أو ثلاث هي مسافة ذراعي الماسكة بكفه، كان يمشي كالسائرِ في نومهِ وسط الزحمةِ والضجيج حتى ساحة الطيران، ركبنا سيارة أجرة إلى مدينة الطب قرب باب المعظم.

لم نسأل عن مكانها، فالحركة والزحمة وصياح الناس الخارجين والداخلين من شارع ضيق خلف بناية المستشفى العالية دلّنا، وجوه ملتحية، متعبة، مغضّنة، بملابسٍ رثةٍ تتحاور عن فظاعةِ ما يجري من ذبحٍ على الهوية، سنجد جوارَ بابٍ واطئٍ العشرات من مختلف طوائف وأديان المجتمع العراقي، يتحاورون بغضب لاعنينَ تلك الساعة التي جعلتهم يعيشون إلى يوم الاحتلال الأمريكي، الذين جاء معه حديث السنة والشيعة ومذابح فاقت زمن الدكتاتور. وجوه ووجوه زوجات أذبلهنّ فقدان الأزواج، أمهات يولولن لفقدان الأبناء. أباء يتصنعون التماسك وعيونهم تلمع بالدمع، أخوة أكثر تماسكاً وحركة يشاركون بأطراف الحديث المكروه عن الأعداد المتزايدة للمفقودين، والجثث التي يُعثر عليها في الحقول المحيطة ببغداد، وفي الأنهار وعلى ضفافها وقرب أكداس القمامة، وعلى حافات الطرق العامة الواصلة بين جنوب وشرق وغرب وشمال بغداد، يتحدثون عن بشاعةِ طرق التعذيب المبتكرة قبيل الإجهاز على الضحية، وعن التمثيل بالجثث، رحت أراقب وجوه الأطفال المنصتين وهم يحدقون ببلاهةٍ وعدم فهم، فلا أحد يتوجه إليهم بالحديث، الجميع ينتظرون لحظةَ السماح لهم بدخول المكان الذي يحرسه رجال من الجيش والشرطة غلاظ القسمات يتعاملون بخشونة مع المراجعين، يزجرون وينظرون باحتقارٍ لأبناء جلدتهم المنكوبين، قلت بصوتٍ منخفض مقرباً فمي من إذن حسين:

– نفس سلوك شرطة الدكتاتور!

– هم بعينهم .. ماذا تظن!

إتساع حجم الكارثة التي صرنا في تماسٍ مباشر معها، ساعدت في استرداد توازنه وجعلته يشارك في الأحاديث مع المنكوبين. فتعرفنا قبل أن تحين ساعة الدخول على عشرات القصص الغريبة والعجيبة، فغالبية الضحايا هم من العراقيين البسطاء غير المنضمين إلى مليشيات أحزاب الطوائف المتنازعة والمتجنبين السياسة. وهذا مفهوم فهي أي السياسة ارتبطت لدى العراقي المعاصر بالعنف الذي بلغ شدته هذه الأيام. أخبرتنا “أم أحمد” وهي سيدة متوسطة العمر لازالت تحتفظ ببقايا جمال قديم، بأنها تأتي إلى غرفة المفقودين بين فترة وأخرى باحثة عن ابنها الأصغر “أياد” الذي بحثت عنه في كل مكان، ولم تجده، ولا تعلم إنْ كان في السجن أم مختطفاً، أم مقتولاً، فقد قيل لها إنّ القوات الأمريكية قد اعتقلته، بينما شكتْ فتاة جميلة اسمها “أمل” من تعثر حياتها وأطفالها الثلاثة المعاقين بعد اختطاف زوجها “المحامي” من أحد مقاهي بغداد، قصص متشابهة عن فقدان يبدو لا معنى له أو مبرر لدى العراقيين لكنه لدى الساسة المتصارعين على السلطة مفهومٌ.

لم يتوقف تدفق القادمين من الشارع العريض، حاولتُ عدهم قتلاً للوقت الثقيل والقصص المفزعة المتشابهة، الوجوه وأن اختلفت أشكالها وألوان بشرتها وأعمارها لكنها متوحدة في الفزع والجزع ومرارة الانتظار. أحصيت أكثر من خمسين، وأتعبني العد فلا أحد يبقى في مكانه. الجميع يريد التأكد من مصير شخصهم المفقود. لم يكن السبب وجدانياً فقط، كما ظننت للوهلة الأولى، إذ عرفتُ من خلال الأحاديث أن الكثير من المعاملات الرسمية كإصدار جواز سفر، أو صرف راتب التقاعد وغيرها، تتعرقل دون شهادة وفاة رسمية، ودون العثور على جثة المفقود لا يمكن إصدار هذه الشهادة، لذا توجهت الأخوات والأخوان إلى هذا المكان للعثور على جثة “الفقيد” قالت أحداهن يائسة:

– ماذا نفعل؟ فليرحمه الله، لكن يتوجب علينا العيش وتربية الأطفال!.

في الحادية عشرة صباحاً فتحوا الباب فساد الصمت وتقارب الجمع محتشداً حولها، لم يتزاحم أحدٌ، كنا قريبين، فَتشنا شرطي شاب متحسساً بكفيه أجسادنا من العنق حتى أسفل القدمين قبل أن يسمح لنا بعبور العتبة. صرنا في مدخلٍ فسيح عريض، رث. تنتشر على أرضيته الأتربة المتراكمة وقطع الورق الممزق وكأن المكان مهجورٌ، ومن الجدران والسقف وامتداد الممر العريض الطويل، والأبواب القديمة، ووجوه الشرطة المدنية بلحاهم القصيرة وبشرتهم السمراء اليابسة وعيونهم المرتبكة المتشككة. هجمت علينا رائحة شديدة العفونة كأنها رائحة مكان كان مليئا بالجثث المتفسخة، لتضفي على الوجوه التي شَحَبَتْ مزيداً من الوحشةِ والفزعِ. قادنا أحدهم مسافة عشرة أمتار ليتوقف ويفتح باباُ عالياً عريضاً أصدر عند سحبه أزيزاً يشبه الأنين. في غرفة واسعة عالية السقف تكاد تكون بلا نوافذ، مضاءةً بمصابيح واهنة النور توزعت مقاعد خشبية قديمة، وكراسٍ من البلاستك البالي بلا ترتيب، على أرضيتها المغبرة والقذرة ورق ممزق وخرق مناديل يدوية مرمية بين أرجل المقاعد وتحتها وما بينها، تفصلها مسافة أمتار قليلة عن شاشة عرض كبيرة أنيقة لا تتناسب مع المكان الرث. ألمت بيّ مشاعرٌ غريبة، مضطربة، حالما بدأت أقلب في الاحتمالات القادمة من القماشة العريضة البيضاء، التي بدت مثل كفنٍ سيلف الحاضرين قريباً.

ـ ماذا لو رأينا جثتها؟!

– ماذا سأفعل؟!

طردتُ الأسئلة ونهرتُ نفسي قائلاً بحزمٍ:

– دَعْ المشاعر جانباً وكنْ قوياً .. قوياً كالصخرةِ كي تنتشل صاحبك؟!.

فضّلتُ أن نجلس في الصف الأخير، لا أدري لماذا؟ سَحَبتُه من ذراعه صوب مقعدين في أقصى اليسار، امتلأتْ المقاعد الرثة وأحتشد البقية خلفنا وإلى الجانبين، تقدم شاب يرتدي ملابس الأطباء البيض خطوتين عن صف الموظفين المدنيين الواقفين جوار الشاشة، وقال بصوت عادي هادئ النبرة لا يتناسب مع هولِ مشاعر الحشد الذي سقط في السكون والصمت حتى صار لكلماتهِ صدىً:

– راح تظهر الصور، كل صورة ستعرض حوالي نص دقيقة، اللي يشخص جثة قريبه يخّبرنا حتى نسجل رقمه ويستلمها بعد إنجاز أوراقه!.

أطفئت المصابيح عدا واحد يتدلى من السقف العالي ويضيء الفسحة الكائنة بين الشاشة والحشد الأخرس. وبدأ العرض، توالت الجثث المشوهة. كنت أختلس النظر إلى وجه صديقي التي تحجر وتأرجح على حافة هوة عميقة، بلا أدنى حركة، دون أن تطرف عيناه المتعلقتان بحشد لضحايا المفقودين الواحد بعد الآخر، جثث بعضها مشوهة القسمات، مقطعة الأوصال، وبعضها واضحة الملامح وكأنهم نيّام تحمل كل صورة رقماً واضحاً في أسفلها إلى اليمين وجوارها مفردة “مجهول”. خطفتُ نظري إلى الوجوه القريبة التي يضيئها النور الشاحب والمحملقة في الشاشة، كانت تتكسر لمرأى الأجساد الفتية المشوهة والقوية السليمة الهامدة في رقدتها، بعضها مفتوح العينين ينظر صوب سماء الصورة أو يتجه صوب الحشد، أو بعينين مقلوعتين خلفتا حفرتين سوداوين، تتكسر الوجوه وتتماسك بثوانٍ فلا وقت لديها للذهابِ إلى أقصى الحزن إذ تعود لتفتش في الصور المتلاحقة عَمّن يخصها.

أنزعجت من إحساسٍ راودني يقول بأن قلبي أصبح قاسياً وإلا ما هذا الحياد وكأن الأمر لا يعنيني إلا بمقدار ما يُعني صديقي وابنته المفقودة.

– هل شوهتني التجربة أم لماذا؟

خطف السؤال المزعج خطفاً حينما كنت أخالس النظر إلى الوجوه القريبة المحلقة اللامعة على ضوء الشاشة ومصباح القاعة الوحيد المضاء.

صور الجثث رديئة التصوير هبطت بيّ بعيداً. فمنذ طفولتي البعيدة تعودت على هذه الصور وأشكال الأجساد الراقدة أبداً في سكونها وبهمة وجودها الذي ذهب لحظة القتل. رأيت نفسي أنفصل عن الشاشة والوجوه جالساً في صيف 1964 في دكان عمي “خليل” الحلاق القريب من الجسر الحديدي وسط الديوانية أتصفح كتاباً رديء الطبع عنوانه “فضائح الفاشست والمنحرفون” فيه صور العديد من أجساد العراقيين الأبرياء الذين قتلهم الحرس القومي، وعندما سألت عمي عمن يكون هؤلاء قال:

– أنهم من جماعتنا شيوعيين.

صور الكتاب بالأبيض والأسود موحشة بأجسادها المشوهة الساكنة التي تبعث في أعماق نفسي مزيداً من الغموض والإبهام. سأكبر قليلا وسأتعلق بالفكر الماركسي، وأتعرض لغسيل الدماغ في التعصب العائلي للشيوعية. سأستعير كتاباً من مكتبة “الحكيم” الدينية وسط السوق وسأغضب حين أقلبها وهي تروى بالصور ما فعلته جماهير الشيوعيين من مجازرٍ في الموصل وكركوك عام 1959 صور تعرض أجساد عراقيين مجزّرة ومعلقة على أغصان الأشجار. أو يسحلها جمع هائج من الجماهير. كان ذلك في 1972 كنت طالباً في السادس الإعدادي شديد الحماسة للفكر الماركسي حد العمى. هذه الصور ستعاشر نضجي وشبابي وأراها بدمها ولحمها مجزّرة هذه المرة بالمدافع والطلقات في جبهة الحرب الإيرانية، ثم بين الثوار في الجبل، وها هي الآن أراها بشكلٍ أكثر تجسيداً على شاشة كبيرة، وخلف هذه البناية ترقد غريبة في الثلاجات الكبيرة بانتظار من يتعرف عليها. أعادتني إلى القاعة صرخة امرأة انطلقت بالعويلِ نادبةً ابنها الذي ظهر على الشاشة غارقاً في نومته الأبدية، فعّمَ لغطُ وتوقف العرض وجاء رجال ثلاثة ليصحبوها إلى مكانٍ أخر، أمسكت بكف “حسين” القريبة وجدتها قطعة من الثلج لسعتْ أصابعي، أستمر العرض والصمت والصرخات الهلعة بين الحين والحين حتى الرابعة عصراً، خرجنا بعدها منهكين. أسرعنا إلى حانة لنعّب العرق صرفاً ساقطين في صمتٍ بهيمٍ تحوم فيه أشكال جثث العراقيين المجهولة التي ملأت أنظارنا لساعاتٍ، شربنا ليلتها حتى موعد غلق الحانة، وواصلنا في حديقة الشقة حتى مطلع الفجر.

ثلاثة أشهر كاملة بثوانيها ودقائقها وساعاتها وأيامها قضيناه معاً نبكر إلى تلك القاعة وحشد الملتاعين الفاقدين وسيل الجثث، ثم البار والعرق الصرف وشجون الحديث عما جرى في القاعة وأشكال النساء والرجال الموجوعين النادبين اللاطمين الصارخين بجنون لحظة عثورهم على جثة قريبهم. موضوع ليس لدينا بعد مشوار النهار غيره، ولا نستطيع تغييره برغم محاولاتنا. فقد سيطر علينا فشعرنا أننا نعيش في باطنِ مذبحةٍ مستمرةٍ قد يكون من ارتكبها ويرتكبها أي عراقي يصادفنا في السوقِ والشارع والمقهى والبار حينما يلبس قناعاً ويجهز على عراقي آخر من غير طائفته أو دينه، أو يجهر برأي مخالفٍ لما يعتقده. القتلة يرتدون أقنعة ويدعوها في الصباح وهم يمارسون أعمالهم العادية، هذا ما سوف تتكشف عنه الأحداث لاحقاً وما كنا نشعر به عقب عودتنا من تلك القاعة التي تعرض فظاعة نفوس أبناء جلدتنا التي ارتدت إلى مرحلة وحشية من مرحلة الغرائز، أكثر إبهاماً من قوانين الغابة المنظمة حسب القوي. هنا القتل مبهم غامض لا منطق فيه سوى الانتقام. انتقام العراقي من العراقي، وكأن الاحتلال أيقظ الوحش الكامن في نفوس أبناء بلدنا، فعادوا يقتلون بعضهم تنفيذاً لأفكارٍ مجردةٍ أتت بها سلطةٍ طائفيةٍ مفبركةٍ في بلدٍ خربه دكتاتور ثم احتلال سلم مقاليد العراقي لحفنة من الساسة الفاسدين. ثلاثة أشهر كنا ندخل فيها الجحيم صباحاً ونخرج عصراً لنغوص في جحيمِ نفسينا والعرق والأحاديث المرّة والأسئلة. أسبوع هو كل ما تبقى على موعد رجوعي إلى الدنمرك. ودعّني بعينين دامعتين يبقى الدمع فيهما محبوساً إذ لم أره ينسكب على خده مرة واحدة، ودعني عند نصب “النسر” قرب مطار “بغداد”.

هدأت موجة القتل الطائفي 2005 – 2007 دون أن يسمع شيئا عن فلذةِ كبده. بقيتُ أتصل به تلفونياً .. كان صوته يزداد وهناً في الأيام الأولى ليتحول رويداً .. رويداً وبمرور الأشهر والسنوات إلى صوت غاضب وهو يحدثني عن مظاهرات ساحة التحرير التي يشترك فيها كل جمعة. لم أطمئن إلى طبيعة صوته رغم محاولته المحافظة على نبرته القديمة. أقلقني صدى أنفاسه اللاهثة وكأنه يوشكٌ على الاختناقِ.

في المكالمة الأخيرة قبل شهر أفصح للمرة الأولى عن تعبه منذ أن عرفته قبل أكثر من أربعين عاماً قائلاً:

– أني تعبان لازم أشوفك!

*     *     *

وجدتهُ مُهدماً يجود بروحه دون تصريح، هرمَ بغتةً. غَزتْ التجاعيدُ وبقع البهاق وجهه، والشيب رأسه. تضخم بطنه مع ضمور ساقيه وذراعيه. صار بطيء الحركة سريع الغضب. عيناه فقط احتفظتا ببريقها. زاد نهمه للشرب. وكان يرد على لومي لإفراطه بنظرة ساخرة مصحوبة بتكشيرة يلم فيها شفتيه وكأنه يقول:

– يعني حتى أنتَ ما تفهم!

راح يعيد على مسمعي حكاية ذلك الشاعر الصعلوك السكير الذي كان ينام على الأرصفة متغزلا بمعرفته اللحظة التي سيغادر فيها الدنيا، إذ سقط في ظهيرة تموز حارقة على رصيفٍ بساحة “الميدان” وسط بغداد دافعاً بذراعيه نحو السماء أثناء سقطته وهو يقول:

– أي خلْصْتْ!.

كلما مررنا بساحة الميدان يؤشر إلى مكان سقوط ذلك الشاعر المجهول، الذي كان يشاركه الشرب والتصعلك سنوات الحصار، ويعيد تمثيل المشهد بكل حواسه التي تتوقد فتخرج جملة الشاعر الأخيرة من أعماقه حارة حارقة وعيناه الواسعتان تنفتحان على سعتهما دافعا بذراعيه نحو سماء ظهيرة بغداد كمن يقذف روحه نحو الزرقة والشمس، ثم ينفث حسرة ويعلق:

– أييييييييي خلصتْ!.

صار في الأيام الأخيرة غير قادرٍ على السير مسافاتٍ طويلةٍ، ورفض بشّدة الذهاب إلى الطبيب ساخراً من طب العراق الذي تحول إلى استغلال وتجارة في هذه الفوضى، أخبرني بأنه توقف عن النشاط السياسي، ولازم البيت، يخرج فقط عندما تنفد ذخيرته من العرق، مكرراً حكاية ذلك الشاعر الذي تخلص من عناء العمر مبتهجاً في اللحظة الأخيرة.

– الدنيا ما تسوه عمي!

رددها عامل المقهى مرة أخرى حينما هممت بمغادرته معتقداً بأنني تمالكت جأشي، لكن مع كل خطوة أخطوها يتصاعد من جديد ذلك الأنين الخافت من أعماق نفسي التي تشرع بالنواح والصراخ بصمتٍ وسط الزحام مردداً:

– ربيّ كسرْ ركبي!

فأهتز مثل مصابٍ بحمى تحت شمس ظهيرة تموز الحارقة حتى عدت أرتطم بالمارة مثل سكران، وجدت باب البيت موارباً ومن خلفه يأتي الصراخ والنواح، دفعتها فواجهتني وجوه النسوة اللاطمة، أفسحنَّ الطريق لي، فرأيته ساكناً مستلقياً على ظهره، يحملق بعينيه المفتوحتين في زرقة السماء عند حافة الحديقة حيث كنا نجلس ونشرب كل مساء وسط بركةٍ من الدمِ حيث قاء أحشاءه دفعةً واحدةً، بركتُ على ركبتي قربه نائحاً، لاطماً، هاذياً ولا النساء سامعاً صرخته الأخيرة قبيل خروج الروح:

– يييييييييييي خْلْصَتْ!.

*     *     *

عبرتُ الستينُ. خلف النافذة الليل أبيض. خلف النافذة تهبط الأضواء وندف الثلج من سماءٍ بيضاء. تهبط بروية وهدوء وكأنها تنسج مأساة وحدتي، أسترخي على كرسيّ الهزاز وسط الصالة أمام نوافذها الزجاجية الثلاث العالية المشرفة على امتداد الشوارع البيض ونفسي منقبضة فرط البياض، يقال إن المحتضر يرى قبيل رحيله، في اللحظات الأخيرة شلالاً من الضوءِ الأبيض الذي تعشي له العيون. هذا ما أفضى به من توقف عن الحياة للحظات وعاد بتدخلٍ طبي. الشوارع خالية. الغرف الأخرى فارغة باردة.

لم أعد أتكلم مع أحدٍ.

وحدي .. وحدي .. وحدي والستون فرشت أيامي، أحملقُ في جدرانِ الصالةِ التي امتلأت بصورهم. حشدٌ من الأحباب. حشدٌ من الوجوه المنيرة الضاحكة. حشدٌ غادر الواحد تلو الآخر هناك بعيداً في ذلك الرحم الدامي.

لم يعد بمستطاعي الخروج إلى الشارع، أصبحتُ شبه مشلولٍ بعد أن أصابتني الجلطة. أنتظر موظف الرعاية الاجتماعية كي يجلب لي وجبة الطعام وينظف الشقة مرة في الأسبوع. أنفجر بين الحين والحين صارخاً في صمتٍ:

– وَينَكْ يا وَطَني .. ويَنَكْ يا عرااااااااااااااااااااااااقْ؟!.

فيرّن صدى صوتي المخنوق في غرف الشقة الباردة:

– اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااق!.

وأملئُ كأسي بعناء، منتظراً قدومه الرحيم، علّني أتمكن، قبيل الإياب الصراخ، صرخةَ الشاعر الصعلوك:

– أييييييييييييي خْلْصَتْ!.

 2010 –2013

 الدنمرك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى