الجديدمقالات

تعرّف على طليطلة أعرق مدن الأندلس

محمد العساوي

يكتسي تاريخ الأندلس أهمية كبيرة في مسار حركة التاريخ الإسلامي خلال العصر الوسيط، لما يتميز به من صفحات مشرقة وأحداث بارزة، خلَّدها الفاتحون المسلمون لإسبانيا منذ أن وطئت أقدامهم هذه الرقعة الجغرافية من المعمورة، وقد كُتب لهم النصر حينما تمكنوا من فتح معظم شبه الجزيرة الإيبيرية، وبصموا طوال ثمانية قرون من وجودهم بالأندلس على حضارة راقية، لاتزال قائمة إلى يومنا هذا، والتي تجسدها حواضر عديدة كقرطبة، وغرناطة، وإشبيلية، وبلنسية، ومورسيا، ومالقة، وألميريا، وسرقسطة، وطُلَيْطِلَة…

وقد تعددت الموارد في مدينة طليطلة وتنوعت ما بين الزراعة، والرعي، والتعدين، والصناعة، وتميز أهلها بفنون الري.

وتعد طليطلة واحدة من أعرق المدن الأندلسية التي تقع على بعد (75 كم) من  العاصمة الإسبانية مدريد، ويحيط بها نهر تاجة من ثلاث جهات مساهماً بذلك في حصانتها، واسم طُلَيْطِلَة تعريب للاسم اللاتيني (توليدوث) (Tholedoth)، ومعناها (المدينة المُحَصَّنَة)، كما كان العرب يلقبونها بـ(مدينة الأمْلاَك) لأنها كانت دار مملكة القوط الغربيين ومقر ملوكهم، بينما أشتهرت عبر تاريخها بلَقَبَي (مدينة التسامح)، أو (مدينة الثقافات الثلاث)، نظراً لتعايش الثقافات الإسلامية والمسيحية واليهودية جنباً إلى جنب في فضاءات المدينة.

ترجع الجذور التاريخية لمدينة طُليطلة إلى عهد الإغريق، لكن أهميتها الجيو- أستراتيجية برزت مع الرومان الذين سيطروا عليها سنة (192 ق.م)، وقاموا حينها بتشييد تحصيناتها الدفاعية وأسوارها، ثم تحولت عام (554 م) إلى عاصمة لمملكة القوط الغربيين في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبقيت تحت سيطرتهم حتى فتحها طارق بن زياد سنة (93 ه / 712 م)، لتبدأ معها أولى صفحات الوجود العربي الإسلامي بالمدينة.

وتعاقب على حكم طليطلة ولاة الدولة الأموية، ثم دخلت بعدها في مرحلة من الصراع الداخلي بين عصبيتها العربية من قيسية ومضرية، حتى جاءها عبد الرحمن الداخل، فتمكن من إعادتها للحكم الأموي في الأندلس سنة (138ه)، وظلت طُليطلة على هذا الحال من الوحدة والتبعية للحكم الأموي إلى بداية القرن الخامس الهجري مع سقوط الدولة العامرية التي كانت تدين اسمياً للأمويين، وبذلك انتهت الخلافة الأموية بالأندلس.

بدأت مرحلة جديدة تعرف في التاريخ الإسلامي بـ(حقبة ملوك الطوائف)، حيث أستقل كل أمير بمنطقته، وكانت طُليطلة من نصيب (بني ذي النون)، الذين تعود أصولهم إلى الأمازيغ، وكانوا قد حازوا ثقة الأمويين في القرن الرابع الهجري، على أن أستقلالهم بهذه المنطقة كان قصيراً مقارنة بملوك الطوائف الآخرين، إذ كانت حدود طليطلة متاخمة للممالك الإسبانية النصرانية، وبذلك مثلت حاجزاً للدولة الإسلامية في الجهة الشمالية من الأندلس ضد عدوان الإسبان غير المسلمين، لذا، وفي ظل حالة التمزق التي شهدتها دويلات الأندلس منذ مستهل القرن الخامس الهجري الذي تزامن مع صعود قوة الإسبان الكاثوليك في الشمال، ولَمَّا كانت طليطلة عاصمة القوط قبل دخول الإسلام، ولأنها أهم وأقرب الثغور، فإن الهجمات كانت لا تتوانى منذئذ في الاعتداء على قُراها ومناطقها، حتى سقطت في يد ملك قشتالة ألفونسو السادس عام (478 ه / 1085 م)، وبذلك انتهى الوجود الإسلامي في طليطلة الذي دام زهاء أربعة قرون.

مسجد باب المردوم في مدينة طليطلة

خلَّف المسلمون في طليطلة حضارة راقية على المستويات الاقتصادية والعلمية والعمرانية ، لاتزال تشهد عليها المصادر التاريخية، فاقتصادياً تميزت بالازدهار وتعددت فيها الموارد، وتنوعت ما بين زراعة ورعي وتعدين وصناعة، فالزراعة كانت على درجة ملحوظة من الازدهار في عصرها الإسلامي، فقد كثرت بساتينها وأينعت جناتها، وأنتجت فواكه عديدة، وذلك لعدة أسباب من أهمها وجود أراضٍ شاسعة فسيحة صالحة للزراعة حولها، وتميز أهلها بفنون الري، إذ عرفوا النواعير والقواديس والقنوات التي يجري فيها الماء إلى البساتين المحدقة بالمدينة.

كان من حسن حظ طليطلة، أن ارتبط ببلاط ملوكها بعض علماء الزراعة الأندلسيين المشاهير مثل العلامة (ابن بَصَّال الطُليطلي)، الذي أجرى تجارب عديدة على كثير من النباتات، واستنبط الكثير من طرق الفلاحة، حيث كانت هذه التجارب المصادر الأساسية التي اعتمد عليها العالم ابن العوام الإشبيلي في تأليف كتابه الضخم (الفلاحة الأندلسية).

أما في المجال العلمي والفكري، فأنجبت طليطلة عشرات الأسماء في تخصصات متعددة كعلم القراءات، والحديث، والقضاء، والإفتاء، والرياضيات، والفلك، والفيزياء، ومن أبرزهم نذكر (ابن الحَصَّار) الذي اشتهر في علوم الدين وفن الخط العربي، و(أبو الوليد الوَقْشِي) الذي جمع بين علوم اللغة والدين والمنطق، و(أبو جعفر بن مَنيح) المتضلع في علم الهندسة والنجوم والطب، و(القُوَيْدِسْ) الذي برع في علوم الرياضيات والهندسة والفرائض، ثم (الزَّرْقَالِي) المتخصص في علم الرياضيات والفلك.

أما على المستوى العمراني، فقد شيد المسلمون بنايات متعددة الوظائف، بدءاً بالعمارة الدينية التي يمثلها كل من مسجد (باب المَرْدُوم) الذي تم بناؤه عام (999 م)، قبل أن يتمَّ تحويله في نهاية القرن الحادي عشر إلى كنيسة سُميت ب(نور المسيح)، ثم مسجد (ثورنِرياس) الذي بُني في القرن الحادي عشر، إضافة إلى مساجد أخرى مثل (مسجد الدَّباغين) الذي شيده أحد أهالي المدينة المُسمى (فتح بن إبراهيم الأموي).

وإلى جانب المساجد هناك مآثر عمرانية إسلامية كالقنطرة الكبيرة المركبة التي بُنيت من قبل قائد طليطلة (خَلَف ابن محمد العامري) في (367 ه / 997 م)، وذلك بهدف تسهيل عبور المشاة، إضافة إلى الأبواب التاريخية للمدينة، المتمثلة في (باب شَاقْرَة، باب القَنْطرة، باب المَرْدُوم، باب الخَرْشُوف، باب كَمْبِرُون)، كما تشهد الحَمَّامات التقليدية الموجودة في أحياء المدينة على روعة ودقة البناء العربي، والذي يجسده كل من (حمام جَائِش وحمام زيد).

وبما أن طليطلة كانت موطناً للتسامح وملتقى الثقافات الثلاث، فقد ضمت مآثر عمرانية غير إسلامية، كقصر طليطلة الذي يعود إلى الحقبة الرومانية والذي تم تحويله إلى متحف عسكري، ثم كاتدرائية القديسة مريم، التي تم تشييدها (1226 – 1493م) بطراز معماري قوطي، وتضم هذه الكاتدرائية مكتبة تزخر بملايين المخطوطات والوثائق، ومن معالم المدينة كذلك الحي اليهودي، إضافة إلى ساحة سوق الدواب في وسط المدينة، التي تضم مجموعة من الفضاءات الترفيهية، ثم متحف (سانتا كروز)، ومتحف (إل غْرِيكو) الذي يحوي أعمالاً فنية رائعة للرسام الطليطلي إل غريكو.

وختاماً يمكن القول إن الوجود العربي الإسلامي في طليطلة بَصَمَ على صفحات مشرقة، لاتزال تُكتب بمداد من ذهب في كتب التاريخ، الأمر الذي جعل اليونسكو تصنفها في سنة (1986م) كتراث عالمي، بأعتبارها عاصمة التسامح وملتقى الثقافات الثلاث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى