الجديدمقالات

روائيات عراقيات: دنيا ميخائيل في وشم الطائر

ناطق خلوصي

كان الشعر رفيق درب تجربة دنيا ميخائيل الإبداعية الأولى ، لكنها لم تتوقف عنده فقط فقد صاحبه السرد أيضاً وكانت أول تجربة لها في روايتها “يوميات موجة خارج البحر” التي كانت قد صدرت عام 1995 . أما روايتها الثانية “وشم الطائر” فقد صدرت عن “دار الرافدين عام 2020 ووصلت إلى القائمة القصيرة في البوكر العربية .

تقع الرواية في 252 صفحة تغطي عشرين فصلاً قصيراً ينفرد كل منها بعنوان خاص به، وهي تتعرض لمحنة الأزيدية هيلين ( التي ستكون بطلة الرواية ونموذجاً لتحوّل ما هو خاص إلى ما هو عام )، وقد وقعت في أيدي داعش عند أحتلال الموصل ، فألقت الرواية الضوء على المأساة التي تعرضت لها لتكون نموذجاً لبنات جنسها ممن تحمّلن من المعاناة ما يفوق طاقة البشر على التحمّل.

ووشم الطائر الذي أستمدت الرواية عنوانها منه أنما هو رسم لطائر يستخدم رمزاً للتفاؤل، يتم وشمه على البنصر الأيسر لكل من الزوج والزوجة ليحل بديلاً لخاتم الزواج ، في تقليد شائع في زمن ومكان الأحداث للدلالة على ديمومة العلاقة بين الزوج وزوجته. لقد تم وشم بنصري إلياس وهيلين، وكانا قد أحبا بعضهما، حين قررا الزواج . وهيلين هذه أبنة قرية “حليقي” الجبلية القريبة من سنجار والتابعة للموصل، لكنها بدت كأنها معزولة عن العالم، منغلقة على أعرافها وتقاليدها الخاصة التي تشي بأعراف وتقاليد ساكنيها، وهي أسيرة أميّة ساكنيها ويستخدم ناسها الصفير، مثل شفرات سريّة، لغةً للأتصال والتواصل فيما بينهم.

كانت المصادفة هي التي قادت إلياس إلى التعرف على هيلين، فهو يجمع بين عملين لا علاقة لأحدهما بالآخر : عمله صحفياً بالقطعة وعمله صياداً للطيور ( القبج بشكل خاص ) وبيعها، بما يوفر له، مع المردود المالي لما يكتبه، ما يشكّل مصدر عيش له ولإبنه الصغير من زوجته التي غيّبها الموت. كان ذلك اليوم أسفل الجبل التي تقع قرية هيلين عليه، وهو على وشك أصطياد الطائر الهدف، حين عملت هي على أتاحة الفرصة للطائر بأن يحلّق بعيداً بما يومىء إليه هذا الحدث من دلالة التوق للحرية. وكانت تلك المناسبة قد شدتهما معاً في وثاق من الحب أنتهى بالزواج بعد تجاوز بعض الصعوبات. حاول إلياس المتعلم أن يقتحم سور الأمية الذي كان يحيط بالقرية فأقدم على محاولة السعي لمحو أمية أهلها بألقاء دروس بهذا الخصوص وبوسائل أيضاح بدائية. وأذا كانت مشاهد هذه الفترة تشي بالهدوء والإلفة وراحة البال في ظل حياة ريفية مفعمة بتواضعها، فإن ما تلا ذلك كان نقيضاً لها تماماً فقد كانت أياماً حافلة بالمآسي والاضطهاد والتغييب، عاشها الأزيديون تحديداً لأنهم محور أحداث الرواية القائمة على الأسترجاع في جوانب عديدة منها وقد حرصت الروائية، وهي على ألمام بطبيعة الناس وتقاليدهم ونمط عيشهم، على أن تلقي الضوء على جوانب خفية منها. تتوزع أحداث الرواية على مرحلتين : مرحلة الأَسر ومرحلة الخلاص، ولكل مرحلة مردوداتها أو انعكاساتها النفسية والأجتماعية على الضحايا من النساء بشكل خاص. وترسم الروائية صوراً للتعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرضت له الأسيرات فقد تحولن إلى محض أرقام عند آسريهن فصارت هيلين تحمل الرقم 27 وتعرف به وهي معروضة للبيع في سوق النخاسة المقام في بناية كانت مدرسة أصلاً ،فتتجلى هنا ذروة المفارقة : سوق نخاسة في بناية مؤهلة لتحصيل العلم.

ويقدم الفصل الأول من الرواية بشكل خاص نماذج من الأضطهاد الذي تعرضت له الأسيرات : ” ذلك الرجل بقميصه الطويل حتى الركبة وسرواله المرتفع فوق كاحل القدم، دفع أمينة بقوة فسقطت على الأرض. أنحنت هيلين إليها لتساعدها على النهوض فسحب الرجل هيلين من يدها بالقوة وسحلها خلفه نحو غرفة أخرى. دفعها إلى الأرض وخرج وهو يغلق الباب وراءه “( ص 7 ) ، و ” خلال الأشهر الثلاثة التي مضت عليها لحد الآن في الأسر ، فهمت هيلين تدريجياً قوانين ذلك السوق الغريب. عندما يأخذها أحدهم إلى صف مجاور ويرجعها فوراً بعد الأغتصاب معناه أنه أخذها لمتعة مؤقتة، قلّبها مثلما يقلّب زبون بضاعة في السوق” ( ص9 ) .. وكان على الأسيرات أن يتأقلمن، مجبرات، مع الوضع الأستثنائي الجديد الذي وجدن أنفسهن داخله : ” في الحمّام تأخذ هيلين وقتها لأنها تعرف بأن الحمّام ستعقبه الصلاة ثم الأغتصاب. ذلك هو نمطهم. بعض الفتيات أنتحرن في حمّام تلك البناية التي حبسوهن فيها في البداية عندما سرقوهن من القرى” ( ص 21 ) .لم يقتصر الأَسر على الرجال والنساء بل شمل حتى الأطفال وكان يتم تجنيد من تجاوز العاشرة منهم لتدريبهم على القتال، وشمل الأعتقال هيلين وزوجها وولدها من إلياس وولد إلياس من زوجته الأولى، وتم قطع رأسه هو وكاد الولدان يصبحان داعشيين لولا أنهما شاهداه في فيديو تم عرضه وهو يُقتل. وغطت مرحلة الخلاص أو التحرير من الأسر جزءاً لا يستهان به من زمن الأحداث ولم يكن ذلك يسيراً ، فقد تطلب الأمر اللجوء إلى المهرّبين الذين نشطوا في تلك الأيام، وكان تهريب الأسيرات بشكل خاص يتطلب الكثير من الحذر والعناء، مع الإشارة إلى حالات التعاطف التي ساعدت في أنجاز هذه المهمة، مع غياب واضح لدور السلطات الرسمية في عملية التحرير فبدا كأن عملية الخلاص أو التحرير نهض بها أشخاص من أقارب الأسرى والأسيرات.

وبدا أيضاً كأن الروائية أعتمدت تكرار المصادفة في بناء خاتمة أحداث روايتها. فمثلما كانت هيلين قد تعرفت على إلياس وأحبته وأحبت أبنه الصغير من زوجته المتوفاة، فإن الحدث تكرر ولكن في مكان آخر خارج العراق. فقد حصلت هي ومن تبقى من أسرتها، على لجوء أنساني في كندا وخلال دورة لتعلم اللغة الانكليزية تعرفت على ماريو، وهو من غواتيمالا، يمر بظروف مشابهة لتلك التي كان إلياس يمر بها حيث كانت زوجته قد قتلت وتركت له ولداً صغيراً. وكان في خاتمة الأحداث ما أوحى بالجمع بينهما “هناك شيء بداخلها يتحرك مع ماريو ولكنها لا تعرف ما هو بالضبط …. وجوده إلى جانبها يمنحها اطمئناناً عميقاً ولكنها لا تريد أن يبادر بأي فعل جسدي معها مهما كان صغيراً ” ( ص 251 ) لأن فعلاً مثل هذا سيذكّرها بالرجال الذين كانوا قد أغتصبوها وهي في الأسر وعلى ذلك ظل أحتمال التوافق بينهما مفتوحاً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى