مقالات

التكيّف الاجتماعي ودوره في ظهور الشخصية الأزدواجية في المجتمع

   رضوان ضياء الدين  

  يٌعرّف التكيّف في علم النفس بأنه هو تلك الظاهرة أو العملية الديناميكية التي يهدف بها الشخص الى ان يعدّل في سلوكه ليكون أكثر تكيّفاً بينه وبين نفسه من ناحية، وبينه وبين البيئة التي يعيش فيها من ناحية وبهذه الطريقة يستطيع الفرد من تكوين علاقات مُرضية كالأسرة والمدرسة والمهنة .

  أمّا في علم الإجتماع فيُعرّف عند الأغلب منهم عبارة عن أنسجام الفرد مع عالمه المحيط به، والأستجابة لمستجدات الحياة وما تحفل به من متغيرات أجتماعية، والقدرة على التعايش مع المجتمع مع ما يحفل به من عادات وتقاليد وقوانين. أما الأزدواجية الشخصية في علم الأجتماع الحديث فيُراد  بها حمل القيم الأجتماعية المتناقضة .

  ومن خلال ما تقدّم كيف يمكن للتكيّف الأجتماعي أن يكون عاملاً من عوامل خلق الشخصية الأزدواجية؟ وكيف يمكن أن يظهرها؟ أو كيف يمكن أن تتمظهر اجتماعياً؟ وإذا ما أردنا أن نفهم كيفية تمظهر التكيّف على الشخصية الازدواجية لا بدّ من أن نفهم الأزدواجية أجتماعياً، وفي علم الاجتماع لا يُراد من الأزدواجية مفهومها النفسي، أو مفهومها العرفي الشعائري بل هو الأضطراب السلوكي بين قيم وعادات المجتمع وشعائرياته من جهة، وبين الباعث النفسي الداخلي من جهة أخرى، والذي يظهر على شكل سلوك أجتماعي فردي أو جمعي في الغالب .

  وهذا الأمر بطبيعته يظهر ويتشكل بسبب الصراع الداخلي لدى الفرد والمجتمع بين تلك السلوكيات والعادات والتقاليد والشعائريات المتوارثة، وبين البواعث النفسية للفرد والتي في غالبها تكون صراع أخلاقيات وقيميات، وصراع بين الباعث النفسي والقيم المجتمعية الكسبية والتي تظهر على شكل سلوكيات أجتماعية .

 ويُرجع الدكتور علي الوردي أسباب الأزدواجية في كتبه وعاظ السلاطين، ودراسة في طبيعة المجتمع العراقي لدى الفرد، الى التطبّع بين الوعظ والأرشاد المجتمعي الذي يُمارسه المجتمع، وبين سلوكيات الفرد نفسه الذاتية والتي بطبيعتها أنتجت فرداً متطبعاً بالسلوكيات الجمعية للمجتمع، فهو من جهة متمسك بتلك العادات والتقاليد– التي يُرجع بعضها الى البدوية – التي يفرضها المجتمع، ومن جهة اأرى يحاول ان يرضي نوازعه النفسية، وثالثة بين المجتمع الجديد الذي ينتقل إليه .

  وبطبيعة الحال كل هذه النوازع النفسية وصراع السلوكيات الأجتماعية تخلق تكيّفاً اجتماعياً لدى الفرد، هذا التكيّف الذي يصهر فيه ذلك الصراع وتجعله علامة واضحة لشخصيته الاجتماعية، فهو يوجد توازن بين صراع العادات والتقاليد والشعائر وبين سلوكياته الفردية وبالتالي يشرعنها أجتماعيا بحيث لا يرى فيها أي تناقض أو أضطراب .

  والسبب في ذلك يرجع على ما يبدو الى: أولاً تطبّع الفرد أمام الكم الوعظي الأجتماعي والتقاليدي، وثانياً البحث عن الأستقرار النفسي الأجتماعي. وعليه لا يجدُ بُدّاً من التكيّف الأجتماعي بصورة يكون فيها راضياً عن كافة سلوكياته نفسياً، ولا يرى فيها أي تناقض لديمومة أستمرار شبكة علاقاته الأجتماعية من خلال سلوكياته .

  فالتكيّف الاجتماعي يخلق الأستقرار النفسي لدى الفرد أجتماعياً بحيث يكون راضياً عن تصرفاته، وهو عامل أساس في خلق الشخصية الأزدواجية. فلو عاش الفرد في بيئة أجتماعية تجري على نسق أجتماعي واحد، مقيّد عرفياً، وسلوكياً، فتتصادم معها قناعات الفرد الشخصية لذا فهو يضطر في هذه الحالة الى اللجوء الى خيارين، أمّا ان يُكيّف نفسه ويتعايش مع هذه العادات والتقاليد والشعائريات بصورة ترضيه وترضي المجتمع عنه، وبالتالي يخلق التكيّف شخصية أزدواجية لدى الفرد، أو يمكن للتكيّف أن يزيل الأزدواجية فلو عاش هذا الفرد نفسه في مجتمع متحرر من قيود العادات والتقاليد المفروضة، فالتكيّف هنا سوف يخلق لنا أنساناً واضحاً متصالحاً مع ذاته، متكيفاً مع طبيعة مجتمعه غير المقيّد،  وبالتالي سوف يتكون شخص أو فرد غير أزدواجي .

 أو أنّه يرفض التكيّف، وبالتالي سوف يكون أمام خيارين: أما رفض سلبي للتكيّف وهنا سوف يضطر الى الأصطدام مع المجتمع، وبهذا سيكون الفرد منعزلاً أو منبوذا بأعراف المجتمع، أو أن يكون رفضه للتكيف أيجابيا وهنا يقوم الفرد بمحاولات التصحيح لأعراف المجتمع وتقاليده، وهو بهذه الحالة أيضا سيصطدم بالمجتمع، لكنه سيكون واقعيا غير منكمش في رفضه.  

فالتكيّف من هذا المنظار تارة يكون سلبياً وله تأثير مباشر في خلق الشخصية الازدواجية، وأخرى أيجابياً ولكن شرط أيجابيته أن يكون الفرد متصالحاً مع ذاته،  أضافة الى أن مجتمعه الذي يعيش فيه لا يجري على نسق واحد من المعايير والعادات والتقاليد وغير مقيد بالفصام المجتمعي. لذا من المهم عند دراسة أي مجتمع تظهر فيه الأزدواجية بشكل واضح فمن الضروري حينئذٍ ملاحظة مدى تكيّف الفرد مع مع سلوكيات ذلك المجتمع، والتي تظهر على شكل عادات وتقاليد، وطبيعة سلوكياته التوفيقية بين بواعثه النفسية السلوكية التي تحاول وتصارع أن تظهر بصورة واضحة وبين كوابح المجتمع التقليدية، والتي لا يعدّها أزدواجية في الغالب .                      

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى