مقالات

الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة في ذمة الخلود

نعت وزارة الثقافة العراقية اليوم الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة والتي توفيت مساء البارحة ال 17 حزيران 2021 في غربتها في أميركا بعيدا عن عراقها الذي أحبته وأحبها…

وجاء في بيان وزارة الثقافة العراقية ما يلي:

ببالغ الحزن والأسى ننعى إلى الأوساط الأدبية والثقافية رحيل الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة التي تميزت بشاعريتها الشفافة، وعاطفتها الجياشة وحبها العظيم لوطنها وناسها، رغم أبتعادها القسري الطويل عن الوطن، ولقد شكلت صوتاً متفرّداً مع الأصوات الشعرية التي تبنّت موجة الحداثة في المشهد الشعري العراقي.
الرحمة والمغفرة والرضوان لها، ولأهلها وذويها ومتابعيها الصبر الجميل.
وُلدت الشاعرة لميعة عباس عمارة سنة 1929 لأُسرة عريقة ومشهورة في بغداد. عمّها صائغ الفضة المعروف زهرون عمارة. وجاء لقبها عمارة من مدينة العمارة العراقية حيث ولد والدها. نالت الراحلة شهادة الثانوية العامة في بغداد، وحصلت على إجازة دار المعلمين العالية سنة 1950، وعُيّنت في مدرسة دار المعلمات. تخرجت في دار المعلمين العالية سنة 1955 .
كانت الشاعرة عضو الهيئة الإدارية لأتحاد الأدباء في بغداد خلال الأعوام (1963-1975)، وعضو الهيئة الإدارية للمجمع السرياني في بغداد. وهي أيضاً نائب الممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو في باريس (1973-1975)، ومدير الثقافة والفنون / الجامعة التكنولوجية / بغداد، وفي العام 1974 مُنحت درجة فارس من دولة لبنان.
درست في دار المعلمين العالية، كلية الآداب، مع نخبة من الشعراء المهمين في المشهد الشعري العراقي مثل السياب والبياتي وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم.
من دواوينها (الزاوية الخالية) و(عراقية) و(لو أنبأني العراف) و(البعد الأخير).

القصيدة الأنثوية عند لميعة عباس عمارة

سمير حاج

الشعر العربي الحديث محظوظ، بشاعرات مُبْدعات رائدات أمثال نازك الملائكة، سعاد الصُباح، فدوى طوقان، ولميعة عباس عمارة، اللاتي شَكّلْنَ رافعة لنهضة الأدب العربيّ ومانفيستو لتحرّر المرأة، في مجتمع القبيلة والهَيْمَنَة الذُكوريّة. لقد نَقَشْنَ قصائدَهنَّ الإنسانية المشاكسة والمتمردة والغاضبة، في سِفْرِ الشّعر العربيّ، وبقين ملتزمات بالهمّ الجماعي وقضايا الوطن والإنسان. كما بَرَعْنَ في إسماع صوت المرأة العربية، المحرومة في بلاد المَنْع والقَمع، من البَوْحِ بحبّها، وبمفاتن جسدها وبمشاعر أنوثتها المُخَبّأة.
لميعة عبّاس عمارة، النّوْرَسَة العراقية المُهاجرة قَسْرًا منذ عام 1978، والمقيمة في جنوب ولاية كاليفورنيا الأمريكيّة، بعيدا عن العراق المَشْغوفة به، والسّاكن في أحنائها وأشعارها، هي صوت الشّعر العراقيّ المُهاجر إلى أمريكا، المسكون بالوجع والحُرْقة والحنين، والعابق بحضارة بلاد الرافدين المُمْتدة في عُمْق الزمن. وهي تجسّد الصّوت الأنثويّ الجريء، بين جيل الروّاد، أمثال بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البيّاتي وَبُلَنْد الحَيْدَريّ. لميعة شيّدت قصيدة الأنوثة وأضاءتها، في خريطة الشعر العربيّ الحديث، واحتفت بثنائية الجسد، والروح وأصبحت الأنا الشاعرة النَرْجسيّة الجريئة، تثور وتبوح بالمسكوت عنه، متماهية مع كاليبسو الجميلة التي اشتهت أوديسيوس جَهْرا: «أحتاج إليك حبيبي الليلة / فالليلة روحي فرس وحشية/ أوراقُ البردى ـ أضلاعي ـ فَـتِّـتْـها / أطلِقْ هذي اللغةَ المَـنسـيّـه/ جَسَدي لا يحتملُ الوَجْدَ / ولا أنوي أن أصبحَ رابعةَ العدوية».
قصيدتها أحيانا صاخبة هادرة كبركان، وأخرى عفوية انسيابية وهادئة كهَسْهَسَة النّخيل، والأنوثة تفوح من نصوصها، والأنا في قاموسها نّرْجسيّة وشامخة، لا تعرف الانحناءة، تُخاطب الحبيبَ الحاضرَ والغائبَ معا، وتحاورُ غريمتها بمحاباة، رغم اقتناصها حبيبها، وتنعتها بماضيها الذي تحوّل اليوم إلى ظلالها، وتنفي بشكل قاطع الصورة النمطية عن غيرة المرأة: « أنا وأنْتِ التَقَيْنا / في حبّه، ما عَلَيْنا؟ فاصل/ أغارُ منك ِ؟ مُحالٌ؟ / الحُبُّ يُغْني كُلَيْنا». هذا المشهد الفريد الذي يكشف سلوك الرجل في المجتمع الذكوريّ يتكرّر في مشهد ثان من قصيدة «ماضيَّ أنت»: أَغارُ منك؟ مُحالُ / أحْبَبْتِهِ أَنْتِ قَبْلي/ وَكُنْتِ بالأمسِ عَيْني/ وَكُنْتِ بالأمسِ كُلّي/ ماضيَّ أَنْتِ تمادى/ فَاَصْبَحَ اليومَ ظلّي/ وربّما عِشْتُ فيهِ/ غَدًا إذا لَمْ تَمُلّي/ أَنْتِ التِقاءٌ عجيبٌ/ وَلَحْظَةٌ من تَخَلّي/ وَفِتْنَةٌ يَعْتَريني/ زَهْوٌ لأنّكِ مِثْلي». هذا الفتور والتماهي مع غريمتها في حبّ الرجل نفسه، استثنائيّ لصورة المرأة الموسومة في السرديات القديمة، خاصّة أسفار الشعر كما في مجنون ليلى «غِرْتِ ليلى من المها / والمها منك لم تَغَرْ». الأنا الشاعرة تشكّل مركز الدائرة والهمّ الجماعيّ، تتباهى وتزدهي بتضاريس جسدها وكنوز أنوثتها، كما في قصيدة «لستُ غَيْرى»، وهي الشهرزادية الحاذقة، التي تعرّي شَهْرَيارها بداية ثمّ تروّضه بكنوز أنوثتها ، وحقولها المنتظرة الحصاد، ثمّ تهمزه بسخرية مرة لاذعة، ناعتة إياه بالسيّد الطفل، ولهذه السببية تغفر له عبثيته: «سيدي طفلي/ تُرى أين قضيتَ الليلَ/ ليلَ الأحدِ؟/ مُثقَلاً بالشُّغْلِ؟/ أمْ بينَ ذراعَيْ أغيَدِ ؟/ يا نَديَّ الثَّغْرِ، ثغري عَطِشٌ/ لم يَبرُدِ / كم تمنَّيتُكَ بالأمسِ/ فما نَعِمَتْ عيني / ولا ضمَّتْ يدي/ أنا خوفٌ مُزمِنٌ تجهلُهُ / وحقولٌ مُرَّةٌ لم تُحْصَدِ». هذه الجرأة الإيروتيكية، مشحونة بروح التحدّي والإدانة والرفض، لمجتمع ذكوريّ متعسّف، وهي تحمل هموم المرأة الشرقية، المسكونة بالشموخ والوفاء والأنوثة الجميلة: لستُ غَيْـرَى/ أنتَ إن أحبَبْتَني/ عانِقِ الأرضَ، ونَـمْ في الفرقَدِ/ كلُّهُ حُبٌّ/ فصدري صدرُها / وبها مِنِّيَ لينُ المسندِ/ وبها من حُرَقي أروَعُها/ رِعشةُ النارِ، وحِضْنُ الموقِدِ». وفي نهاية القصيدة تحتفي الشاعرة بديمومة حبّها ووفائها، وبسخريتها المرّة، وتجاهلها لتصرفات عشيقها الشرقيّ: «أيها الطفلُ الذي أعشَقُهُ / أطِلِ اللهوَ/ لتبْقى وَلَدي/ أنا أهواكَ كما أنتَ/ استَرِحْ / لا تُبادِرْني بِـعُذرٍ في غدِ».
لميعة عباس عمارة من روّاد الحداثة الشّعرية، قصائدها من إرهاصات التكنولوجيا ولغة الإشارات والرموز العنكبوتية، فهي مُخْتزَلَة وموجزة أشبه بوَمْضات وبَرقيات، ومُرتكزِة على التفعيلة المسمّاة خطأً «الشعر الحرّ» وهي عفوية تحملُ مشاهد يومية مَعيشة من حياة المرأة الشرقية، وتتكئ على الإيقاع والموسيقى والصور الشعرية والدراما، من حيث توظيف الديالوغ، لكنّها طافحة بحروف النفي والرفض التلقائية المنثالة من شفتَيْ المرأة الشرقية.

غلاف ديوان الشاعرة عمارة “أنا بدوي دمي”..

لميعة عباس عمارة من روّاد الحداثة الشّعرية، قصائدها من إرهاصات التكنولوجيا ولغة الإشارات والرموز العنكبوتية، فهي مُخْتزَلَة وموجزة أشبه بوَمْضات وبَرقيات، ومُرتكزِة على التفعيلة المسمّاة خطأً «الشعر الحرّ».

في ردّها على أسئلة الرجل، لإبراز لاءاتها النابعة من تكوينها الثقافيّ، كما في قصيدة «عراقية» التي تحمل الصوتَ والصدى: « تُدَخِّنين؟ لا…/ أتَشْرَبين؟ : لا../ أَتَرْقُصينَ؟ لا../ ما أَ نْتِ؟.. جَمْعُ لا؟.. أنا التي تراني…/ كلُّ خُمولِ الشرقِ في أرْداني…/ فَما الذي يَشُدُّ رِجْلَيْكَ إلى مَكاني؟ / يا سَيّدي الخَبيرَ بالنِسوانِ/ إنَّ عطاءَ اليوم شيءٌ ثانِ/ حلّقْ! فَلَوْ طَأْطَأتَ.. لا تَراني». لكنّ تعترف في قرارة نَفْسِها أنّ الرجلَ هو عالمُها المَنْشودُ والمُشْتَهى «ما زلتُ مولَعَةً، تدري تولُعُها/ مشدودةً لك من شَعري ومن هُدُبي/ من دونك العَيْشُ لا عَيْشٌ، وكثرتُهُ / دربٌ طويلٌ، فما الجدوى من النّصب؟». وهي متعلّقة بالرجل تعلّق الفراشة بالضوء الذي هو الفناء، فجسد الرجل في قاموسها هو الهلاك بترميز قصيدتها «مثلث برمودا»: «صدرُكَ قاعدةٌ / وذراعاكَ الضلعان، تتلاشى أيُّ امرأةٍ تدخل هذي الأكوان / وأنا / أعرفُ هذا/ وأظلُّ لِـحُـبِّـكَ مشدوده/ بين ذراعيكَ/ مثلَّـث برموده». كما أنّها مَسْكونَةٌ بالقلق عليه والخوف من فُقْدانه، لأنّه هو ما تَبَقّى لّها بَعْدَ فُقْدانِ وطنها، وقد نَذَرّتْ كلّ حُبّها له، وهي وفيةٌ لهُ مثل بينلوبي، وتجلّى ذلك في قصيدتها «لوْ أنْبَأني العرّافُ» المُفْعَمَة بالتراث «لَوْ أنْبَأني العَرّافُ / أنّكَ يَوْمًا سَتَكونُ حَبيبي /لَمْ أكْتُب غَزَلًا في رَجُلٍ/ خَرْساءَ أُصَلّي» والتقاء الحبيب في التيه، والفجائعية من هجره لها، محفورة في حدسها «لو أنبأني
العرّاف إني سألاقيك بهذا التيه/ لم أبكِ لشيءٍ في الدنيا/ وجمعتُ دموعي / كلُّ الدمعٍ / ليوم قد تهجرني فيه». كذلك تخاطب امرأة أخرى تغارُ على زوجها منها «اطمئِني / فزوجُكِ المصونُ في أمان/ لي رجلٌ أحِبُّه / ولا أحبّ غيرَهُ / ولا أحبُّ بَعْدَهُ / إنسانْ». كما أنّها تكَثّف في مناداته وهوَ الغائبُ البعيدُ عنها «عُدْ لي صَديقًا، أخًا، طِفْلًا أُدَلله / عُدْ لي الحبيبَ الذي جَدَّ في طلبي». كما أنّ وطنها العراقَ المُشْتَهى حاضرُ في أشعارها بجماله وعذاباته، وتشكّل بغدادُ قيثارَتَها الحزينة وعُصارة دُموعها «وتعصفُ بغدادُ في جانحيَّ/ أعاصيرَ من ولهٍ لا تذر/ بخورٌ لها أدمعي، ما أقلَّ / عطاءَ الفقيرِ إذا ما نذر/ وبغدادُ قيثارتي البابليةُ / قلبي وهُدبي عليها وَتَر/ لها في قلبي سحرُ كُهّانها/ وآثارُ ما قبَّلوا من حجر». الشاعرة تعاني وجع الغربة، التي وصفها الروائي جبرا إبراهيم جبرا في «السفينة» بأوجع اللعنات: لعنة واحدة هي أوجع اللعنات لعنة الغربة عن أرضك»، ولميعة عباس عمارة، الغريبة على الأطلسيّ، تحمل في أشعارها، صدى حسرة قصيدة زميلها وصديقها رائد شعر التفعيلة بدر شاكر السيّاب «غريب على الخليج»، التي نقش فيها فسيفساء لوعة الشّوق والحنين من غربته الكاوية إلى عراقه الأثير حيث يقول فيها «لو جئت في البلدِ الغريبِ إليَّ ما كمل اللقاء / الملتُقى بك والعراقُ على يديَّ.. هو اللقاء/…../ حتَّى الظلامُ هناكَ أجمل فهو يحتضنُ العراق/ واحسرتاهُ متى أنام / فأحسُّ أنَّ على الوسادةِ / من ليلِك الصَّيفي طلَّا فيه عطرك يا عراق؟/ بين القرى المتهيّبات خطَاي والمُدن الغريبة/ غنَّيت تربَتك الحبيبة/ وحمَلتُها فأنا المَسيحُ يجرُّ في المَنفى صليبه». هذه النخلة العراقية الشامخة، أعادت شعر الحبّ الأنثويّ الجريء، ورسمت في قصيدتها صورة جديدة للأنثى النرجسية الشامخة، الحاملة حضارة سومر وعَبَق عُشْتار وذكاء شهرزاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى