الجديدمقالات

مدينة دمياط المصرية… جذورها في أعماق التاريخ

عدنان حسين

تقع مدينة (دمياط) في أقصى شمالي مصر، ويعتبر ميناء دمياط من أهم الموانئ المصرية، وتتميز بكثرة مزارع الجوّافة، وأشجار النخيل البالغ عددها (2‚5) مليون نخلة.
وتشتهر دمياط بصناعة الأثاث، المشهود له بالمتانة والجودة، فتصدر منتجاتها إلى الدول العربية والأوروبية. كذلك تشتهر بصيد الأسماك، وصناعة النسيج، والألبان، ومنها الجبن الدمياطي أشهر الأنواع في العالم. وتقوم فيها صناعة الحلوى.

وتعد كلية الفنون التطبيقية بـدمياط مركز إشعاع ثقافي وفني من خلال الرسالة التي تقدمها، وتنقسم الكلية إلى ثمانية أقسام، من بينها: النحت، والتشكيل المعماري، والأثاث، والزخرفة، والنسيج.

ودمياط تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، فتاريخها يرجع إلى العصر الفرعوني، فقد عرفت دمياط في النصوص.المصرية القديمة باسم (دمطيو) بمعنى (سكان الميناء)، وهي التسمية التي تحوّلت  في القبطية إلى اسم (تاميط)، واليونانية (تاميطييس)، ثم أصبحت (دمياط) Damiette في اللغات الأوروبية.

وقد دخلت دمياط في الحكم الإغريقي، وذلك منذ أن فتح (الإسكندر الأكبر) مصر عام (332 ق.م)، وأعقبه في حكمها البطالمة، إلى أن جاء الحكم الروماني عام (30 ق.م). ودخلت المسيحية مصر في عهد الإمبراطور (قسطنطين) عام (325 م)، وكانت أسقفية كبيرة لها أسقف يمثلها في المؤتمرات الدينية العالمية.

ثم أصبحت مصر قبيل منتصف القرن السابع الميلادي ولاية عربية خاضعة للحكم العربي ودخل الإسلام إليها، ولقد قام (المقداد بن الأسود) أحد قادة عمرو بن العاص بفتح دمياط حيث سيطر العرب على منافذ النيل على البحر المتوسط عام (642م). وشهدت دمياط وقائع الحملة الصليبية الثالثة في عام (1170م)، حيث حاصرت قوات الفرنجة المدينة، فأرسل (صلاح الدين الأيوبي) إليها الجند عن طريق النيل وأمدهم بالسلاح والذخيرة والمال. فكان الأنتصار للمدينة فرحلوا عنها خائبين. كما شهدت أحداث الحملة الصليبية الخامسة في عام (1218م)، حيث وصلت طلائع قوات الفرنجة بقيادة (جان دي برين) التي احتلت (دمياط)، إلى أن واجههم (الملك الكامل) فطلب الفرنجة الصلح على أن يخرجوا من دمياط وسائر البلاد التي احتلوها.

ثم عاود الصليبيون غزو مصر عن طريق (دمياط ) فيما يعرف بالحملة الصليبية السابعة، بقيادة (لويس التاسع) ملك فرنسا، فوصلت الحملة شواطئ دمياط في (4 يونيو 1249م)، فضرب شعب دمياط أروع الأمثلة للبطولة والتضحية في مقاومة الحملة حتى توالت هزائم جيوش الفرنجة، من هزيمتهم في (فارسكور) إلى هزيمتهم في (المنصورة)، وأسر (لويس التاسع)، وتم سجنه في دار ابن لقمان بالمنصورة وفدى نفسه ورجاله بمبلغ (400) ألف جنيه مقابل الجلاء عن (دمياط ). ولقد تم الجلاء في يوم (8 مايو 1250 م) وأصبح هذا اليوم عيداً قومياً للمحافظة.

وفي عهد (محمد علي) أصبحت دمياط أهم الثغور المصرية وأعظمها تجارة، وأنشئت فيها الترع والجسور، كما أنشئ بها مصنع الغزل والنسيج، وفي دمياط تم نفي الزعيم المصري (عمر مكرم).

من أهم معالم دمياط الجغرافية: بحيرة المنزلة، وهي أهم البحيرات الطبيعية الداخلية في مصر وأخصبها. تقع في موقع فريد ومتميز في الركن الشمالي الشرقي لدلتا النيل، يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق قناة السويس، ومن الغرب نهر النيل فرع دمياط، ومن الجنوب سهل الحسينية. والبحيرة تنتج ما يقرب من (48%) من الثروة السمكية.

وتعتبر مدينة (رأس البر) من أهم مدن (دمياط)، وتشكل أراضيها لساناً من اليابسة داخل الماء. وبفضل هوائها النقي الجاف، وشواطئها ذات المياه الهادئة التي تتسم بقلة الرطوبة وكثرة اليود بالجو، أصبحت تنافس المصايف المصرية الشهيرة على ساحل المتوسط، وظلت المدينة مصيفاً لكثير من مشاهير السياسة والفن في مصر قبل ثورة يوليو (1952م) وبعدها. ومن أبرز هؤلاء: المطربة (أم كلثوم)، والموسيقار (محمد عبدالوهاب).

ومن أشهر معالم مدينة دمياط الأثرية (مسجد عمرو بن العاص)، وهو ثاني مسجد بُني في مصر، وتم بناؤه في عام (642م) على طراز (جامع عمرو بن العاص) بالفسطاط بمصر القديمة، والمسجد يتكون من قبةٍ في وسطه، ويضم إيوانات تحيط بالصحن المفتوح أكبرها إيوان القبلة، وفيه عدد من الأعمدة المصنوعة من الرخام تعود إلى العصر الروماني. ويضم أيضاً أعمدة من الحجر القاتم والمرمر السماقي.

وهناك أيضاً (مسجد المعيني) شيد عام (1310م) في زمن (الناصر قلاوون)، ويمتاز بضخامة البناء وارتفاع الجدار والمئذنة، وبداخل المسجد ضريح أحيط بمقصورةٍ من الخشب مصنوعة على طراز المشربيات العربية. ويعد من المساجد النادرة في الوجه البحري، خاصة في تخطيطه وزخارفه وطريقة بنائه، حيث بني على الطراز المملوكي، واستخدم كمدرسة، ويتكون من صحن مفتوح أرضيته محلاة بالفسيفساء، ويضم أربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة، ولكل إيوان منها سقف مزين بالأخشاب بديعة الزخارف، وكانت الإيوانات مخصصة لتدريس المذاهب الإسلامية الأربعة. وجميع الأسقف ذات زخارف بديعة الصنع.

أما (مسجد الحديدي)؛ فهو مسجد أثري أنشئ عام (1200هـ) بمدينة (فارسكور)، وهو من المساجد المشهورة في مصر التي تتميز بتصميمها المعماري الفريد، حيث يحتوي على مقصورةٍ من الخشب الخرط وفيها إيوان في الجهة القبلية ومنبر مقدمته مضلعة الشكل.

كما يعتبر (مسجد البحر) أشهر وأجمل مساجد دمياط، ويقع على الضفة الشرقية للنيل، وقد تم تجديده للمرة الأولى عام (1009ه) في عهد الحكم العثماني، وقد بني على مساحة (1200) متر مربع على الطراز الأندلسي، ثم أعيد تجديده وبناؤه للمرة الثانية على الطراز الأندلسي أيضاً عام (1967م). وجدرانه مزينة بأروع النقوش الإسلامية، وله خمس قباب ومئذنتان وملحق فيه مكتبة ثقافية ودينية.

وقدمت دمياط لمصر وللأمة العربية قامات شامخة نعتز ونفخر بها، ففي مجال العلوم والفلسفة نذكر: عالم الفيزياء الدكتور (علي مصطفى مشرفة) (1898- 1950م)، والذي لقب بـ(أينشتاين) العرب، والفيلسوف الدكتور (زكي نجيب محمود) (1905- 1993م)، والدكتور (عبدالرحمن بدوي) (1917- 2002م)، أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجاً، وعالم الآثار الدكتور (زاهي حواس) المولود في عام (1947م).

الدكتور الفيلسوف زكي نجيب محمود

وفي مجال الأدب، نذكر: الشاعر والزجال (طاهر أبو فاشا) (1908- 1989م)، والدكتور (شوقي ضيف) (1910- 2005م) الأديب والعالم اللغوي والرئيس الأسبق لمجمع اللغة العربية، والدكتورة (عائشة عبدالرحمن) (1913- 1998م)، الملقبة بـ(بنت الشاطئ)، وهي أول امرأة تحاضر بالأزهر الشريف، وهي كذلك أول امرأة عربية تنال جائزة الملك فيصل في الآداب والدراسات الإسلامية، والشاعر والإعلامي (فاروق شوشة) (1936- 2016م) صاحب برنامج لغتا الجميلة. ومن الوجوه الرياضية؛ رفعت الفناجيني وسمير زاهر.

وفي مجال الفنون، نذكر: الموسيقار (رياض السنباطي) (1906- 1981م)، أحد أبرز الموسيقيين العرب، والمسرحي الفنان (سعد أردش) (1924- 2008م). وفي مجال الشأن السياسي والعسكري، نذكر: (ضياء الدين داود) (1926- 2011م)، وزير شؤون مجلس الأمة في عام (1968م)، والدكتور (رفعت المحجوب) (1926- 1990م)، رئيس مجلس الشعب المصري الأسبق. والفريق (محمد سعيد الماحي) (1922- 2007م)، والمهندس (حسب الله الكفراوي) المولود عام (1930م) والذي لقب بـ(أبو المدن الجديدة)، وقد شغل منصب وزير التعمير والمجتمعات الجديدة منذ عام (1980م) وحتى عام (1991م). كما قدمت دمياط رجل الصناعة (محمد فهيم الجندي) (1880- 1959م)، رائد صناعة الأثاث، وأول مصري يحصل على الميداليات الذهبية العالمية لصناعة الأثاث.من أوائل الداعين لإنشاء الجامعة المصرية، ومن بين المؤسسين لمجلس أمنائها، وإتاحة الفرصة للشباب والفتيات على قدم المساواة لكي ينهلوا من علمها.

الكاتبة العربية المصرية بنت الشاطيء أو عائشة عبد الرحمن

نذر قاسم أمين نفسه للرد على (دوق داركور) من خلال كتاب لم يتوقف عنده الباحثون كثيراً، كتبه بالفرنسية لكي يقرأه الفرنسيون، كان عميقاً في ردوده على الإساءة التي لصقها هذا الفرنسي بالمصريين وبعقيدتهم الدينية، التي قال الرجل بأنها سر تخلفهم، وكانت ردود قاسم أمين بمثابة حوار حضاري رائع تناولته كل الأوساط الفرنسية، وهو دفاع لم يكن بإمكان أحد ممن هاجموا الرجل وأهالوا عليه التراب بسبب آرائه في قضايا المرأة، وقد تناولت الصحف الفرنسية ما كتبه قاسم أمين رداً على إهانات داركور الذي قال بأن تعدد الزوجات يتعارض مع قيم الحضارة المعاصرة، بينما اعتبرها قاسم أمين ليست ظاهرة عامة وإنما أجازها الإسلام بشروط في مقدمتها (العدالة) التي أكد القرآن الكريم أن من الصعب تحقيقها (ولن تعدلوا)، وهي نفس الآراء التي كان يقول بها الإمام محمد عبده ، وما ورد عن (داركور) بشأن الطلاق فإن الإسلام جعله أبغض الحلال، وقد أباحه لضرورة تستحيل بعدها الحياة بين الرجل والمرأة .

أحدث كتاب (تحرير المرأة) ردود فعل سلبية أثارت عليه أنصار الجمود في مصر، وهاجموه بكل شدة وقسوة، وقد ابتعدوا كثيراً عن المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية بمعانيها السامية وأهدافها النبيلة، لمجرد أن الرجل يقول بضرورة تعليم المرأة لكي تحتل مكانتها في المجتمع.

كان قاسم أمين على وعي كامل بجوهر الإسلام ومقاصده العامة، حينما قال إن ثمة عوامل كثيرة وراء تخلف المسلمين، في مقدمتها افتقاد المجتمع دور المرأة المتعلمة، باعتبارها الأساس لإعداد جيل ينهض بالأمة من كبوتها، وراح يقدم أمثلة من التاريخ عن المرأة المسلمة التي شاركت الرجل في كل مناحي الحياة، فهي راوية للحديث ومسؤولة عن ذمتها المالية، ومشاركة بالقتال في ظهر الرجل، تعضده وتقوي من أزره، بينما كان واقعها مأساوياً في نهاية القرن التاسع عشر، من بيت زوجها أو أهلها إلى القبر!

لم يكن قاسم أمين في كل ما كان يقول به بعيداً عن جوهر الإسلام، حتى عقد الزواج الذي عرفه الفقهاء بأنه عقد يملك به الرجل بضع امرأة. بينما القرآن الكريم قد جعله سكينة ومودة ورحمة، وشتان ما بين مفهوم القرآن الكريم للزواج ومفهوم بعض الفقهاء وقتئذٍ بشأن الزواج. فهو في ثقافة الفقهاء علاقة مادية محضة، بينما هو بنص القرآن علاقة قوامها المودة والرحمة والمشاركة.

لاحظ قاسم أمين ظاهرة كثرة الطلاق، وما يترتب عليه من تشريد الأبناء وانهيار كيان الأسرة، وقد أخذ على الفقهاء تساهلهم في هذه القضية برغم خطورتها، حينما يقولون إن مجرد تلفظ الزوج بلفظ الطلاق حتى وإن لم يكن القصد هو الطلاق بمعناه الحقيقي، حينئذٍ يقع الطلاق. وكان الرجل على وعي كامل بشأن قضية خطيرة كهذه، فالطلاق عمل يُقصد به فسخ عقد الزواج، وهو ما يستوجب وجود نية حقيقية للطلاق، لذا فالطلاق أمام القاضي قد يكون فرصة للتوفيق بين الزوجين حفاظاً على كيان الأسرة. وهكذا جاءت كتابات قاسم أمين في مجملها بمثابة ثورة فكرية واجتماعية امتلك صاحبها صراحة في القول وشجاعة في التعبير عما يؤمن به، بينما رأى كثيرون بأن ما كتبه الرجل ليس معلوماً من الدين بالضرورة. كان قاسم أمين، واضحاً في رأيه حينما قال: (العار أن نظن في أنفسنا الكمال وننكر نقائصنا، وندعي أن عوائدنا هي أحسن العوائد، وأن نعاند الجميع دون حوار أو منطق أو إعمال للعقل أو المصلحة).

لقد أنقضى قرن وعقد من الزمان على أفكار واجتهادات هذا المصلح الاجتماعي الكبير، وعلى الرغم من ذلك، فإن الكثير مما طرحه مايزال ماثلاً للعيان بمثابة عبء ثقيل، يعوق انطلاق مجتمعاتنا نحو تحقيق أهدافها ومقاصد شريعت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى