الجديدمقالات

“منذريات موهن الليل”.. الشعر على أيقاع مبضع الجراحة

عدنان هاشم

من الرجال من تلقاه  في ومضة قصيرة من حياتك كأنها سحابة صيف، ولكنه يترك في نفسك أثرا كبيرا يتخطى تلك الومضة، وتبقى ذكراه ماثلة طيلة رحلتك في الحياة. ومنهم على العكس قد يبقى معك طويلا فلا يكاد يترك في نفسك أثرا، وسرعان ما تأتي عليه الذاكرة فتمحوه فلا يبقى منه إلا شبحا باهتا. وزميلنا الدكتور منذر الدوري من الرجال القلائل الذي ينتمي إلى الصنف الأول، فقد عرفته عام 1974 عندما كنت معه مقيما في مدينة الطب وكان هو المقيم الأقدم في الجراحة العامة. أذكره شابا وسيما في مقتبل العمر، بملامح عربية جميلة وسحنة سمراء محببة وأبتسامة رقيقة يجود بها على من حوله، مع قوام رشيق حافظ عليه حتى بعد أن تخطى السبعين من العمر. وقد وهبه الله ذكاء وقادا وتفانيا نادرا وطاقة لا تعرف الكلل، وكل هذه العوامل جعلته محبوبا لكل من يلقاه وجعلت منه طبيبا نطاسيا وجراحا ماهرا حالفه النجاح في كل مراحل حياته.

ولكني حديثا أكتشفت بُعدا آخر في حياة زميلنا منذر لم أكن أعرفه سابقا، فقد أهدى إلي مشكورا عن طريق قريبه ديوانه المطبوع “منذريات موهن الليل” والتسمية جاءت على نمط المفضليات والأصمعيات والقصائد الهاشميات في أدبنا العربي، وهو أختيار موفق لديوانه الصغير.

 وقد عرضه زميلنا منذر بطريقة غير مألوفة ولكنها جذابة، فقد خلط قصائده الشعرية بالكثير من لوحات الرسم الجميلة لرسامين عراقيين أمثال الدكتور المرحوم خالد القصاب، وأديب السيد مكي، والرسامة أسماء الدوري، والفنان نوري الراوي، كما لم ينس أن يضع صورة فوتوغرافية لنصب الحرية للمرحوم الفنان الراحل جواد سليم. ولا ينسى زميلنا أساتذته الجراحين العراقيين الذين علموه فن الجراحة حتى مهر فيها، فوضع في ديوانه صورا فوتوغرافية لأساتذتنا الذين رحلوا عنا.  وقد شعرت أن هذا الديوان بطريقة عرضه الشيقة قد عرفني على شخصيات عراقية لم أكن أعرفها ولا سمعت بها. تعرفت بمطالعة هذا الديوان الصغير على وفاء الجرّاح منذر الكبير لكل من أخذ بيده وعلمه الطب الذي جرى حبه في روحه ودمه. كما عرفت فيه حبه وشوقه الشديد للعراق بكل ما فيه، فهو حتى يذكر على سبيل المثال بشوق خرنابات، تلك القرية النائمة بين حقول وبساتين ديالى التي كانت يوما جنة العراق ببساتينها وعبق نسائمها، ولا ينسى في شعره بغداد ودجلة والفرات فيتغنى بهما. ويمتد حبه ليشمل وطنه العربي كله، وخاصة بلاد الشام ومصر اللتان يذكرهما بقلب ملؤه الشوق لتلك الربوع. ولا ينسى شاعرنا فلسطين السليبة فيخصها ببعض أبياته منها :

قال فلسطين وهل غدت محررة؟

فقلت لا تمزح بحق قدسها المعفَّرة

قال وأين الشمُّ قومُ حيدرة

ماذا أقول للأَبيِّ الجوهرة

سكتُّ ثم قلتُ بيعت كسيوف عنترة

بيعت وكل بيعة مبررة

دوما بأسواق بغاة السمسرة

أما شعره فيجب أن نعرف قبل ذلك  أن الشعر الحقيقي  ما يحلق بك في عالم يتخطى الواقع المعاش لتقضي معه وقتا حالما في عالم الخيال الذي لا يحده شىء ويسمعك الشاعر شيئا من عاطفته الجياشة، حيث يلجأ الشاعر إلى الأستعارة والكناية والرمزية والتورية والتشبيه والتهويل والتلاعب بالكلمات ليبلغ بك إلى ما يريد أن يعبر عنه. وهناك صنف آخر هم النظامون الذين يقضون الساعات الطوال ليصفوا كلمة جنب كلمة حسب الأوزان الشعرية الكلاسيكية ويحافظوا على  القافية، ولكن يأتي شعرهم جافا ثقيلا لا يحرك في النفس شيئا، والقلائل من الشعراء من ينبغ في الأثنين معا فتطاوعه الشاعرية والقوافي. ولا شك أن زميلنا المنذر قد أوتي شاعرية عظيمة نتجت عن روحه المرهفة، ولكنه لم يقيد نفسه بالقافية دائما فتراه في النظم الموزون يصعد ويهبط وشعره أقرب إلى الشعر الحر من الشعر العمودي إلا في قصيدتين أو ثلاث حيث التزم بالقافية.  وشعره تكثر فيه الكناية والاستعارة والتشبيه فمثلا في قصيدته ” ليلى العامرية” يرمز بليلى إلى سكين الجراح، ويرمز بقيس إلى نفسه ليظهر غرامه بمبضعه الذي يحن إليه حنين قيس لليلى. ويبدي الدكتور منذر إعجابه الشديد بالشاعر الجواهري فيهدي له قصيدة أسماها ” النهر الثالث “، حيث يشبه عطاءه الشعري كعطاء الرافدين. وأكثر ما تظهر روحه المرهفة وحبه ووفاءه  لزوجته نسرين حنا بويا التي هي من  دورتنا، فقد خصّها بأروع قصائده في الديوان فيقول فيها :

يا عطرَ حبي ويا قلبي ويا أملي

لولاكِ ما كنتُ في طبي ولا أدبي

وكيف تجدب نفسٌ أنتِ ديمتُها

كالنهر أنتِ من خالصِ الذهب ِ

بل نارُ بارقةٍ كلي لبارقةٍ

نضيء بعضاً بها مشبوبةَ اللهبِ

ثم يتابع قصيدته فيقول :

يا طيبَ نفسِك نفسٌ لا مثيلَ لها

يا درةَ القوم كلدانٌ من العربِ

كتبت هذا بشرياني لفاتنتي

نسرينَ فلتبق في روحي وفي كتبي

وفي خاتمة كلمتي أقول لو أن الله كتب لزميلنا منذر أن يتخذ في حياته طريق الشعر والأدب فأدمن على مطالعة دواوين الشعراء العرب الكبار من القدماء والمحدثين، فلعنا كنا نراه في طليعة شعراء العراق الذين طالما جادت بهم أرض الرافدين، ولكن شاء الله أن يجعل يده تجود بمهارتها على مرضاه ليهب لهم حياة جديدة بإذن ربه، ولم يحرمه في نفس الوقت من روح شاعرية مرهفة سرت إلى قلمه فكانت ثمرتها هذا الديوان الصغير في حجمه، الكبير بشاعريته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى