الجديدكتب

قراءة في كتاب “الدولة العقيمة”.. حول السياسة المائية العراقية

د. ياسر عبد الحسين

يقول الأديب فرانز كافكا: (في دفتر مذكراتك، تجد تلك المواقف التي مررت بها وتعتقد اليوم أنك قد لا تنجو منها لو حدثت، لكنك فعلت. بل وكتبت عنها، إننا نزداد حكمة بتذكر أنفسنا في الماضي، وتذكر كل ما مررنا به وواجهناه بكل شجاعة)، وجدت هذه العبارة في صدر متحفه عندما زرته في براغ بعد ان زرت المقهى الذي كان يرتاده شاعر العرب الأكبر الجواهري.

ولهذا تحتل المذكرات وكتب السير الذاتية مكانة كبيرة في مكتبتي، لكونها سجل تاريخي مهم للأحداث، فضلا عن كونها توضح سيكولوجية الأشخاص وميولهم مهما كان الكاتب بارعا في وضع الحجب أمام الحقيقة أو تبرئة ساحة معينة أو توضيح لموقف ما، سيبقى التاريخ حاكما لتلك الأحداث وأنصافها، وعلى الرغم من فقدان الثقة بين القراء، وأكثر المذكرات التي صدرت من قبل المتصدين وصناع القرار العراق ما بعد ٢٠٠٣ ، لكن الحكم الإجمالي غير منصف فعلا، ولا زلت أحتفظ بكل ما يصدر من مذكرات وسير شخصية بأعتقادي وخصوصا ما كتبته في أطروحة الدكتوراه عن دور القيادة في السياسة الخارجية، انها ترسم معالم التأثير الشخصي والنفسي فضلا عن المتغير العقيدي في رسم ملامح السلوك السياسي الخارجي والداخلي مهما كانت الملاحظات، لهذا طالما أسمع عبارة شهيرة وتتردد عندما يشاهد بعض أصدقائي قسم المذكرات والسير في رف المكتبة الشخصية: هل يقول الحقيقة؟.

كنت أرد: باني لا أعادي كتابا مهما كنت أختلف او أتفق معه، وثم دعه يتحدث ويكتب مذكراته، هذه الشجاعة في التصدي للحديث، يشكر عليها أي شخص كان ثم الحكم للتاريخ والرأي العام وللمذكرات والردود التي تصدر عنها لاحقا.

ولا أجانب الحقيقة إذا ما قلت أن الأنصاف والأتزان مع الخصوم أبرز ما تضمنته مذكرات السفير والوزير الدكتور حسن الجنابي التي صدرت مؤخرا عن دار المدى في بغداد بعنوان (الدولة العقيمة تجربتي في حكومة حيدر العبادي)، والتي تشمل تغطية لحقبة سبعة وعشرين شهرا مهما في تاريخ الدولة العراقية من شهري اب ٢٠١٦ وتشرين الأول ٢٠١٨، ويواصل لاحقا بتقييم مراقب لحكومة الدكتور عادل عبد المهدي.

وهو ليس بالكتاب الأول الذي صدر للدكتور الجنابي، فقد قرأت له ترجمة رائعة لكتاب العودة الى الأهوار للمؤلف البريطاني الشهير غافن يانغ، ثم عاصرته في ديوان وزارة الخارجية العراقية قبل تعيينه وزيرا للموارد المائية في حكومة الدكتور حيدر العبادي. 

تحوي المذكرات على تقييمات ومراحل عديدة اثناء تلك الحقبة، لكن فعلا وجدت ملفا مهما سيكون وبلا مبالغة تحدي العراق القادم بالمستقبل القريب جدا، بل عامل بقاء الدولة من عدمه وهو ملف المياه، وكما تميز أسلوب سعادة الدكتور الجنابي بالبساطة والصراحة والمكاشفة في مشروع سد الموصل، وأزمة المياه في العراق وتحديدا في محافظة البصرة، ومشروع ادراج الاهوار في لائحة التراث العالمي. 

عادة ما يميل أدب المذكرات الى أستعراض البطولات والإنجازات الوصفية، لكن مذكرات الجنابي فرضت نفسها بقوة كملف معلومات ثرية حول دبلوماسية المياه التي خاضها، وتقديم الحلول المفيدة لصناع القرار في هذه الحكومة او الحكومات القادمة، فلم تكن المذكرات مجرد سجل لأحداث ماضية، بل صورة مستقبلية خطيرة جدا عن ملف المياه المركزي في مستقبل هذه الدولة.

ثم جاء التكليف للدكتور الجنابي وزيرا للموارد المائية بعد أن كان سفيرا للعراق في اليابان، بعد تسميته مرشحا مستقلا في التعديل الوزاري، وكما توضح المذكرات تفاصيل عن آليات صنع القرار في البلاد، والعامل الشخصي والحزبي في توجيهها. 

وقبل التصويت على أستيزاره كان الدكتور حسن على رأس لجنة تنفيذية لأدراج أهوار الجنوب على لائحة التراث العالمي، حيث عانت الأهوار من أهمال حقيقي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولأسباب مختلفة من الحروب والفقر والامراض والعزلة فضلا عن التمييز الاجتماعي ( ص ٧٤)، ويتحدث الدكتور الجنابي مفصلا عن أهمية هذه المنطقة الحضارية والاقتصادية المهمة، وعلامة التحضر البارزة في المسيرة البشرية. وفي مرحلة ما بعد ٢٠٠٣ فقد حظيت هذه المنطقة بوزارة بلا رؤية ضمن نظام المحاصصة ( ص ٨١ وما بعدها)، على الرغم من تخصيص مثلا في احدى السنوات ٣٥٠ مليون دولار دون أن يتحرك الوضع في هذه المنطقة الحضارية، وفي ظل الأزمة السياسية والأحتجاجات في أواسط عام ٢٠١٦ توجهت الأنظار الى الأجتماع السنوي الأربعين للجنة التراث العالمي، وكلف الدكتور الجنابي على رأس لجنة بمشاركة عدد من الوزارات لهذا الملف المهم، ومن بينهم السيد أحسان العوادي رئيس دائرة دول الجوار حاليا والسفير د. عادل مصطفى السفير العراقي الحالي في مدريد، ثم يروي تفاصيل الأعتراض الإيراني على أدراج الاهوار على لائحة التراث العالمي بعد تشكيل لجنة من وزارة الخارجية العراقية للتفاوض مع أيران حول هذا الموضوع (ص ٩٥)، والذي كان يرى فيه الدكتور الجنابي أعتراضا سياسيا لا يتعلق بموضوع التراث الطبيعي، منها ضرورة تسمية الخليج الفارسي كما هو متعارف في الكتب والمصادر الأجنبية، وكذلك تسمية هور الحويزة الى هور العظيم، ولكن استطاع الوفدان الوصول الى كلمة بحر بدلا من الخليج للوصول الى حل يرضي الطرفين. (ص ٩٩). 

ثم يروي الدكتور الجنابي تفاصيل الأعتراض التركي على الملف، حيث قدموا مقترحات بسيطة لتعديل بعض الفقرات، تم الأتفاق عليها، لكن عاد الطرف التركي ليبلغ برفض الخارجية التركية لمسودة الاتفاق بين الطرفين، وثم تم الاتفاق مع الجانب التركي على الخروج من القاعة اثناء التصويت لكي لا يظهر الجانب التركي ضد تطلعات الشعب العراقي، وقد نجحت الدبلوماسية المائية للعراق بتسجيل الأهوار كحدث تاريخي مهم، لكن ينتقد الدكتور الجنابي أدعاءات البعض ان أنعاش الأهوار هو سبب الجفاف الذي ضرب العراق لاحقا.

بعدها تحدث المؤلف في مذكراته عن تقييم شخصية العبادي في صنع القرار، وتتضح خصومة الجنابي معه، حيث يؤكد بأن مجلس الوزراء لم يكن منسجما في الفريق الحكومي، وكذلك تعامل الوزراء معه (ص ١١٣ وما بعدها). ويتحدث عن خلافه مع وزير الزراعة ورئيس الوزراء حول موضوع الجفاف الذي ضرب العراق لسنتين، حيث كان الخزين المائي متدنيا بحدود ٤٠ بالمائة. (ص ١٤٣). حيث طالب العبادي زيادة الإطلاقات المائية من الخزين لزيادة الرقعة الزراعية، فيما رفض الدكتور الجنابي ووصفها بالمغامرة الكبيرة بالخزين الاستراتيجي القليل الذي يؤمن مياه الشرب للمواطنين. 

ثم يتحدث عن أزمه المياه في البصرة، حيث أن الوضع المائي تسيد أسباب الأحتجاجات الشعبية على الرغم من أنه لم يكن السبب في أنطلاقها وفق اعتقاد المؤلف ويرى أن حصر الأحتجاجات بالوضع المائي لم يكن بريئا (ص ١٦٠)، ويرى أن واحدا من أسبابها هو التلوث في شبكات توزيع مياه الشرب الذي تملكه وزارة البلديات والاشغال العامة، وأستخدام مياه شط العرب الملوثة وكسر الانابيب، وان كل الإصابات التي سجلت في احياء البصرة كانت من المناطق التي تحصل من محطات الأسالة الواقعة على شط العرب، و رأى فيها استهدافا متعمدا لوزارة الموارد المائية، وأن الحل معقد لا يكون عبر الأطلاقات المائية التي تتعلق بحجم الإيرادات المائية من دول الجوار وكمية الخزين في السدود (ص ١٦٤)، وثمة تقصير في عدم انشاء محطة تحلية كبرى للمياه في البصرة.

ويقول الدكتور الجنابي في مذكراته في يوم ٢٥ تشرين الأول عام ٢٠١٧ زار العبادي تركيا وألتقى اردوغان الذي أكد أنه سوف يقوم بملء سد اليسو اعتبارا من اذار ٢٠١٨، وقد رد الدكتور حسن ان العراق يشهد نقصا حادا في المياه، وان أملاء السدود لدينا يبدأ في شهر أذار وينتهي في حزيران كل عام، وان هذا يشكل خطرا كبيرا، وقد أبلغ الجانب التركي تأجيل املاء السد حتى الأول من حزيران عام ٢٠١٨. ( ص ١٧٩)، ويعتقد المؤلف أن هناك أهمالا او أنكارا لشحة المياه متعمد، والدليل على ذلك رفض رئيس الوزراء زيارته لدمشق خوفا من أن تفسر سياسيا بأعتباره تنفيسا عن الحصار الدبلوماسي والسياسي للنظام السوري (ص ١٨٢)، ثم يعود لموضوع البصرة الذي رفض فيه رئيس الوزراء اصطحابه معه الى المحافظة.

ثم يتحدث المؤلف عن نبتة زهرة النيل الضارة في البيئة العراقية، وهي أسوأ أنواع الأدغال المائية، وكذلك عن موضوع القرض البريطاني المخصص في موضوع المياه، وكذلك عن عدم جدوى أنشاء سد في شط العرب، مؤكد ان شط العرب هو ممر ملاحي دولي وليس قناة أروائية ولذلك يجب ان تكون مسؤولية إدارة هذا الممر الملاحي فيها جانبان: الأول سيادي، ويتعلق بوزارة الخارجية والحكومة ككل، والثاني: يتعلق بوزارة النقل، وليست وزارة الموارد المائية (ص ٢١٩)، ثم ينتقل المؤلف للحديث عن سد الموصل، حيث يرى تاريخيا بأن أنشاء السد كان يدخل ضمن تزامن أنشائه مع سد كبيان وسد الطبقة السوري على نهر الفرات، ويميل المؤلف الى عدم تصنيف قرار النظام السابق بأنشاء سد الموصل ضمن السياقات التأمرية السياسية للنظام على حساب المصلحة الوطنية، (ص ٢٢٨)، وان سد الموصل صمد منذ عام ١٩٨٦، وقدم خدمات للعراق في حالتي الجفاف والفيضان ويشرح المؤلف هنا بالتفاصيل عملية بناء السد وميزاته، وعن تسرب الأخبار حول وضع السد وأحتمالية أنهياره، حيث بقي منسوب المياه في السد بحدود ٣١٩ مترا وصولا الى عام ٢٠٠٧، ليصبح ٣٢١ مترا بناءا على أستشارات مكثفة مع المختصين ( ص ٢٣٧)، حيث كان الموقف الحكومي على العموم مرتبكا بين الضغوطات الدولية والخصومات السياسية الداخلية، لكن الضغوطات دفعت الحكومة الى التعاقد مع شركة تريفي الإيطالية والحصول على قرض من البنك الدولي، وثم كان الرعب بأحتلال داعش السد لمدة ٤٥ يوما، قبل أستعادته من قبل جهاز مكافحة الإرهاب وقوات البيشمركة، وقد تفاعلت القضية الى أن قام وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري بتسليم رسالة للعبادي يدعوه الى أتخاذ خطوات حاسمة في موضوع السد، حيث باشرت الشركة لاحقا في ٢٠١٦. ويروي المؤلف بعد ذلك تفاصيل فنية وإدارية حول السد ونظام التعاقد مع الشركة، الذي وصفه بأنه كان نتاجا حقيقيا للدولة العقيمة التي تتوزع فيها المسؤوليات بعشوائية. ( ص ٢٥٦).

ثم يتناول في الفصل الأخير من الكتاب حكومة عادل عبد المهدي، وطبيعة التقاطعات مع الجانب الأمريكي عقب عملية المطار، حيث لم يقم بزيارة واشنطن.

وبالنتيجة قدمت مذكرات الدكتور حسن الجنابي دبلوماسية المياه بطريقة تختلف عن المذكرات التي أقرأها بطريقة أستعراضية، بل حاولت أن تكون موازنة بين الاحداث والمواقف والشخصيات وبين الأحتواء على معلومات مفيدة تظهر الخبرة الكبيرة  للمؤلف في الموضوع الأكثر خطورة في مستقبل هذا البلد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى