نصوص

قصة قصيرة: الطريق الى حي الطرب

عقيل هاشم

عادت ذاكرة الزمن ـ دون إرادة مني..أسماء ووجوه أتذكرها ـ في السرـ أحيانا ثم أسهو عنها في أحايين أخرى، لم يبق لها من ذكر.. بل ربما لا يتذكرها من أحد سواي..هل كانوا حقيقة.. م مجرد خيال وأطياف ليلة صيف..

فما أن يزحف الليل حثيثاً ليطفئ أخر شموع النهار، ملوحا بيده لتوديع أخر خيوط الضوء، حتى أنفخ مصباحي وأسحب الغطاء فوق رأسي.  ينزوي الحلم معي ليرافقني في نومي، منذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا  والعيد هونفسه مراجيح محلية الصنع . لوحات عرض السينما يحملها “كوزان” ويطوح بها في الأزقة وبصوته الجهوري ينادي على أسم الفلم “الفلم الهندي العالمي “سنكام”.

على مقربة كنا نسمع  ب”مطر  الغجري” أبو المراجيح عاد ألينا، تسكن رأسه روح الدعابة، يرقص طوال الوقت،  يهدينا أبتساماته الودودة مع عطاياه، من الحلويات. يدهشنا ذلك كثيرًا. الى جانبه تقف زوجته علاهن، بملابسها المزركشة لها عينان لوزيتان وشعرها ناعم مصفوف بجمالٍ وعناية ظاهرة،..كانت تضمني الى صدرها..

تفوح منها الروائح الزكية، تتركني وسط الطريق تسير مبتسمة ، تلوح لي، تطاردني بشذاها الساحر حتى نهاية الزقاق.

كانت مُعالجة لأمراض النساء والأطفال أيضاً.!

وتشتهر أيضاً بالحجامة..

العيد يطل علينا .يأتي مطر محملًا بهداياه، وعطاياه، يفتح أقفال  المراجيح  من جديد ..بينما نتقاطر إليه مغتبطين، تسبقنا القطط. في الأزقة الضيقة..وعندما ينتهي العيد يقفل  مطر المراجيح ويختفي.

ظللنا نتذكره كل عيد. نتخيله يطوّف شوارع المدينة. تسير خلفه علاهن بعطرها الزكي، منذ ذلك الحين أصبحنا نتذكّر كيف تكرّر هذا المشهد لسنوات. ما الذي غيّب هذه العوالم وأبدلها بكل هذا الحزن؟..

أمّا هذا العيد فتعاظمت حيرتي وقلقي على غياب “مطر” وزوجته.

جلست مطولا أمام المراجيح، والتي أصبحت فجأة وبدون سابق إنذار في حكم الإزالة الفورية!

لحظات صعبة وأليمة تلك التي أقترن فيها أختفاء المراجيح..

النظام قتل الطفولة فينا…

في الصباح طردت بقايا الكسل..رشقت وجهي بحفنة ماء بارد..وأنطلقت إلى لزوجة الهواء..تدهسني الهواجس فأركلها وأمضي..قلب مشرع..وأمنية تعبّد الطريق بسذاجة ..حتى يتفصد العرق مني.

أطلق شرطي المرور صافرته..ومرت الحافلات المكتظة والعربات الطائشة..وأقترحت على صديقي أن يرافقني إلى حي الطرب ..

وصلنا فجرا..وجدت “مطر” شيخ وقد كَّل نظره وأصبح مثل أسد وقد هدَّ حيله..حفر الزمن وجه أخاديد وشقوق عميقة،  أحدودب الظهر وباتت الخطى قصيرة ومقيدة، صعبة إلا بمساعدة عصا يتوكأ عليها.. سألته عن “علاهن…”

–  قال وهو يحاول أن يكظم غيضه: ماتت علاهن يوم ماتت المراجيح ..وأنتحب بحرقة.!!

خسارتي كانت كبيرة.

أشار الى قبرها ..

لماذا تموت كل الأشياء الجميلة..؟

من بيت الشعر ظهرت فتاة تشبه علاهن.. أعادتني لمطارحٍ لا تتركني لحالي أبدا.

سألت “مطر” عنها قال ..هذه بنتنا “غزلان”

 ثم ألتقت عيوننا فبادرتْها  بتحية فرددتها بابتسامة..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى