الجديدمقالات

من كراساتي الباريسية الجزء 2

بيت في اللامكان.. والشاعر عالق بين الشعر و الأبدية وتجارة السلاح

لطفية الدليمي

يقول أينشتاين: المصادفة هي قانون السفر- نعم هي ذي المصادفة تقود خطانا الى رامبو: الفرنسية والعراقية والتونسي، لنزور الشاعر العابر أفق الحياة بمركبة جنون جيادها شموس وأبالسة..

هل ثمة طريق تؤدي الى رامبو؟ يخيل للمرء أن الطريق هي التي ستقودنا الى رامبو، وأن الساعات الأربع التي يستغرقها الطريق الى شارلفيل ستفضي اليه. كنا واهمين. فعندما وصلنا، كان كل شيء موصدا: المتحف وبيته على نهر (مووز) والمقبرة: هرب رامبو من الأمكنة وعلق بين الأبدية والأزل..

وتركنا في تيه ساحة الدوق القديمة المربعة وهي مركز شارلفيل التاريخية، الساحة ذاتها التي حافظت على معمار مبانيها من القرن السابع عشر: طراز روماني تنحني فيه الأقواس على أروقة مظللة وأرض مرصوفة بقرميد متشظٍ ، الساعة في برج مبنى السياحة، تعمد الظهيرة بالموسيقى، والقصيدة تحوم حول الحانات وتستحم في النبيذ أو تهيم في بخار الكلام.. هنا كان رامبو الصبي يطارد أشباح اللغة ويقنص الشعر من زغب النجوم..وهنا في هذه الحانات العتيقة يعبر الصدأ على أصابع الساقية البدينة، وتسمع أنفاس النبيذ من قاع الأقبية، هنا يحتسون نخب رامبو من نبيذ (ميرلو)، هنا لا تحتمل حياة السكون، هنا تحبو القطط على المرايا وتلتهم الموسيقى، ويرطن النادل بلهجات فلمنكية وأفريقية، بينما الأقداح تبوح بسر النبيذ في سطوع الظهيرة، والضوء في قبضة الزوارق الصغيرة العائمة على نهر مووز..

الطرق تشير إلى متحفه الوحشي المنتصب بفظاظة الحجر الخام على جسر فوق النهر الصغير، المتحف بأربعة طوابق وهو مبنى طاحونة البلدة القديمة المقامة على جسر حجري بقوسين وكأنها تشير الى العبور البرزخي لرامبو المترحل في مروره العاصف وتضاده مع أي نوع من الثبات والتلبث في أرض البشر.

متحف رامبو عابرا النهر، ليس له رسوخ الضفاف ولا ثبات المباني المغروسة على الأرصفة. يخيل إلى الرائي انه سوف ينهار ذات عاصفة ويودي بالنهر والجسر والقنطرتين الحجريتين.. لا شيء من رامبو يرسخ في الارض، لا المتحف ولا البيت ولا القصيدة..السيدات المسنات اللائي يشرفن على المتحف يتاجرن بأوشحة حرير عليها صورة بالألوان لوجه الفتى الشاعر في عنفوان سنواته الإبداعية، يعطيننا بطاقات الزيارة ومطويات المتحف، ويشرن إلى السلم الخشبي لنرتقي في معراج الشعر طوابق المتحف..الخزانات الزجاجية تحمي كنوز الشاعر، رسائل بخط يده، كتب عتيقة، قصاصات، قصائد، كتاب لتعلم اللغة العربية بغلاف جلدي بني مكتوب بماء الذهب، صحف عتيقة، هشيم حياة وامضة لشاعر غادر القصيدة الى الطين.

هنا كتب رامبو قصائده امام نهر مووز الذي يمر أمام بيته، كتبها على مرتفع الأوليمب الذي يواجه منزل أمه على الضفة الأخرى للنهر، كتبها على ومض بروق مراهقته ونزوات الجسد المتوثب في تفتحه ومروقه، ثم سرق حياته من حياته ومضى بعيدا في العراء الصحراوي، ساحبا وراء عبوره طريقا من اللعنات والإبهار..

أستغربت ان يكون لرامبو متحف يضم ما تبقى منه وما أستلهمه منه الآخرون من أعمال فنية وأفلام تستنطق الشعر والسيرة صورا وقصائد وموسيقى – نعم غريب أن ترى متحفا لشاعر ملعون فالمتاحف لقواد الجيوش والغزاة والملوك والكهنة والمشرعين والرؤساء والغانيات الشهيرات.. ولو كان رامبو حيا لسخر من فكرة وجود متحف له يؤمه عشاقه من جهات العالم ، ولربما كان نظر إليه وقال: – هذا هو الآخر الذي ليس أنا..(هذا الذي غادرتُه وقتلته وأقمتُ له ضريحا في مدينة صحراوية على تخوم المجاز، أنا ذاهب أبعد منه وأقرب الى الآخر في جسدي المتألم).

المتحف يشير إلى آخر ما ترك رامبو: حقيبة صندوقية من الجلد البني المهترئ، وشال كبير من نسيج صوفي بنقوش أثيوبية ملونة، وساعة الجيب الفضية التي تبدد منها الزمن وأخرسها الموت، والى جانبها أدوات البدوي الرحال – نوماد التجارة وبائع العبيد ومهرب الأرواح: ملعقة وشوكة وسكين وقدح معدني مثل أقداح الكشافة وكتاب تعلم اللغة العربية..

والقاعات مطوقة بحفيف القصيدة ورعشة الألوان في لوحات الفنانين الذين أستلهموا قصائده في لوحاتهم: فصل في الجحيم يتوزعه ألق النار ووحشة الوقت في جحيمات العقل والزورق السكران يتقاسم لوعة الموج الماكرمع الجمال المتعفن..

هل تحوّل كل ذلك الكائن الهادر الى كيان متحفي ؟ أحقا هذه هي أدوات النوماد التائه ؟

في إحدى القاعات، يُعرض فيلم يستلهم حياته مع أعمال رسامين من عصره، ترافقه موسيقى مؤلفة من أجل مركبه السكران وفصول جحيمه.. جلسنا إزاء الشاشة ورأينا مدنا راودت الشاعر ورأينا قطارات بخارية تهدر وسفنا ترود البحار الدافئة، رأينا فيرلين في السجن ورامبو المصاب راقدا في سرير المستشفى مضمد الرسغ، ورأينا بروكسل ومدنا أوروبية أغوت رامبو وخيام سيرك في فيينا وبلغراد ونيقوسيا. كان رامبو مهرج الحكاية الأليمة لوجهي الحياة المتلازمين، الشاعر الذي إنتحر في جسد التاجر مهرّب السلاح والارواح.

بيت رامبو

على يسار باب البيت المواجه للنهر والمتحف، قطعة مربعة من رخام تعلن (هذا بيت للامكان)، باب حديدي يبقى مواربا لا ينفتح على آخره، والشارع المسمى رصيف رامبو ينعطف قبالة البيت مشكلا شبه جزيرة مرتفعة تسمى (جبل الأوليمب)..

أول الغرف صممها فنان الديكور شبه عربة قطار، مقعداها المتقابلان مكسوان بالجلد الأحمر وقد علقت صور فوتوغرافية على ظهري المقعدين حسب تتابع زمني لرحلاته الى مدن اوروبا، بدءا بباريس وبروكسيل، بينما نسمع هدير قطار بخاري من اللامكان..

في غرفة رامبو صنع فنان الديكور (يان بيفيه) مشاهد فيديو استلّ عناصرها من قصائد رامبو وبعض رسائله، تنعكس ضوئيا على المرآة وتتوالى بلغات فرنسية وانكليزية وألمانية وبسرعات مختلفة متفاوتة لتؤدي إلى نتيجة باهرة تمكّن المشاهد من متابعة القصيدة والأيقاع الشعري..وفي هذه الغرفة وجدنا شابة ريفية بدينة ذات شعر قاتم، تنام هادئة على قاعدة النافذة الرخامية المطلة على الحديقة، أفاقت حين دخلنا وحيتنا بنوع من الغياب. نعاسها كان ممهورا بأبيات قصائد رامبو المتناثرة أنوارا زائلة على المرايا. سألناها هل هي موظفة في المتحف، قالت أنا زائرة له جئت من مدينة تولوز لرؤية بيت رامبو، ثم طلبنا منها ان تلتقط لنا صورا ففعلت ، ثم عاودت النوم في نافذة غرفة رامبو، مستسلمة لغيابها الشعري..

في أول هرب له الى باريس لا يدفع رامبو ثمن تذكرة القطار فيسجن، يكتب رسالة إلى صديقه: عزيزي، ما نصحتني أن لا أفعله فعلته، سافرت إلى باريس، غادرت منزل أمي.. كانت أمي تمنحني 10 سنتات من أجل حجز مقعد لي في الكنيسة، ولهذا كان علي أن أهرب.

كانت الرحلة الأولى الى شارل روا ثم إلى بروكسل. يذهب راجلا الى باريس ليلتحق بثوار الكومونة، ثم يقرر التفرغ للشعر وتصفية حساباته مع الجهات كلها ويعلن :

-يجب أن نكون أصحاب رؤى.

عندما أطلق عليه فيرلين الرصاص وأمضى عامين في السجن، عاد رامبو الى أمه وكتب (فصل في الجحيم).

يردد المعلق في الفيلم الوثائقي الذي يعرض في قاعة المتحف:- (مازلنا في الحياة، لو أن اللعنة كانت أبدية، إن امرءا يريد تشويه نفسه، لهو إنسان ملعون حقا. أعتقد أني في الجحيم.. إذن، فأنا فيه..)، وعند مدخل حانة (القروش الأخيرة) وهو أسم قصيدة له حيث إحتسينا القهوة، لوح واسع دونت عليه قصيدتان، واحدة لرامبو والأخرى لفيرلين، وفي الداخل لوحة نادرة لوجه رامبو كتب تحتها: مهرّب الأرواح.

يقول هنري ميلر عن رامبو: الشاعر منبوذ، شذوذه في سبيله الى الأنطفاء، لكن من يهتم الآن كيف جعل الشاعر نفسه كائنا مرعبا؟ الوحش طليق يجوب العالم. لقد أفلت من المختبر وهو في خدمة كل من يجد في نفسه الشجاعة على أستخدامه، لقد أمسى العالم رقما… في 10 نوفمبر 1890، يذهب رامبو الى هرار ويكتب: ” إنني شبه سجين (..هنا..ِ)”. في 1 ابريل يدوّن في دفتر ملاحظاته: (تمطر منذ عشر ساعات بلا انقطاع، ولا نستطيع العيش ولا نتمكن من الأنتظار..أمضي الوقت خارج جلدي، في جلد أثيوبي.

غرفة أخرى تعرض فيلما متكرر اللقطات يقدم مشاهد من الأعمال التي مارسها رامبو في عدن وهرار، مراقبا للعمال ومشرفا على تحميل الحبوب على السفن. وتتوالى العروض في الغرف الاخرى، ففي الغرفة المخصصة لحياته في باريس نرى وصوله اليها عند نهاية ( كومونة باريس)التي أختتمت أنجازاتها الأشتراكية بثورة دموية عنيفة، فيغادر رامبو الى لندن مع فيرلين في إقامات متقطعة حيث تبدأ الأزمة بينهما وليعود الى بروكسل ويكتب أفضل أعماله.

في كل غرفة من غرف البيت بطوابقه الأربع، قام فنانو الديكور والسيناريو بتصميم مرحلة من مراحل حياته فيها، وهي خلو من اي أثاث، وأنفرد كل واحد منهم بأبتكار مشاهد وعروض شاعرية وواقعية لحياة رامبو من رحلاته الاوروبية الى شرق افريقيا وزنجبار وعدن وهرار. وقد قام فنانو الفيديو بتصوير أفلامهم في المدن ذاتها التي أمضى فيها رامبو حياته الأخرى في الأماكن الأبعد عن عالمه الشعري..

مقبرة شارلفيل

حرّ ما بعد الظهيرة ورطوبة الهواء النهري جعلانا نتصبب عرقا ونحن نبحث عن قبر رامبو بين قبور سادة المدن والكونتات والبارونات والكهنة والعسكريين والسيدات النبيلات والعامة. ثلاثتنا توزعنا في ممرات المقبرة الشاسعة نبحث بين شواهد الرخام وباقات الزهور الذاوية وغرسات الزنابق الموهوبة للأعزاء من الموتى، ولم نجد رامبو…

عندما يئسنا من الامر، قررنا ان نبحث عن حارس المقبرة في الكوخ الريفي لدى مدخل المقبرة، همست لكاترين، لا أظننا سنجده، لابد أنه غادر المدافن لأنه لا يحتمل البقاء في مكان واحد حيا وميتا. كدنا أن نسلّم بفكرة فقدان رامبو ميتا عندما عدنا ودخلنا المقبرة ثانية وجدنا مدفنه مع أمه وابيه وشقيقتيه الى يسار مدخل المقبرة وكأنه أنبثق من العدم بشواهده الرخامية. كان يراوغنا ويهزأ من زوار قبره الذي كان منسيا حتى عام 1946. وضعت زهور الأقحوان البيضاء على قبره وهمست له ببضع كلمات باللغة العربية التي أحبها رامبو وأراد ان يتعلمها فتعلم الغياب الأقصى. قلت له: أفضل ما فعلته أنك رحلت باكرا لتبقى، رغم أن محبيك عاتبون لإسراعك في الرحيل الى هناك، هذه الزهور أقدمها تحية لخلودك الفادح..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى