الجديدمقالات

إشكالية بناء الدولة في العراق

د. شيرزاد النجار

تواجه منطقة الشرق الأوسط ” تحولات بنيوية كبرى” جدّية تُركز على ” تفتيت دولها”، حيث بدأت  حدود  البعض من دول المنطقة تفقد أهميتها، وبدأت جماعات هَيمنة جديدة تتشكل، وبدأت  صراعات الدول وصراعات القوميات العابرة للحدود تتداخل وتتشابك. وهنا تبرز ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية وهي: أن القوى الدولية الكبرى، خلافا لما كان سائدا منذ ما يقرب من مئة سنة، بدأت لا تُظهر رغبة لتأخذ على عاتقها “إعادة تنظيم” المنطقة، بل تحاول الدفاع عن بعض مصالحها المباشرة وبالتالي  صد المخاطر الأمنية المؤثرة على تلك المصالح. وبالمقابل لاتبدي  الدول الإقليمية الرئيسية تقديم – على الأقل حتى الآن – أي مبادرات لتحقيق الأستقرار أو لبناء نظام إقليمي جديد. ومما لا شك فيه فأن مثل هذا الوضع  يشكل حالة يمكن القول عنها أنها حالة “اللانظام وعدم اليقين”.

في رأي الباحث الأكاديمي الألماني (فولكر بيرتس – مدير المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن) في كتاب له بعنوان: نهاية الشرق الأوسط، كما نحن نعرفه، الصادر 5201 ان العالم أمام تفكك البنية الداخلية للعديد من دول العالم العربي وبالتالي أمام تدمير قيم مجتمعاتهم (في سوريا و العراق و ليبيا)، دون أن يكون واضحاً ودون أن تظهر مؤشرات حول إنبثاق نظام جديد يحل محل القديم، أو حتى مَن سوف يُشِّكل هذا النظام . أن التجارب التأريخية تؤشر على أن شعوب منطقة الشرق الأوسط  وعلى الرغم من كل تجارب الحرب والقمع والعنف، لها تاريخ من العيش المشترك بغض النظر عن الأنقسامات العرقية والطائفية والسياسية. ولكن هذا لم يعد مناسباً الآن حيث أن مستوى العنف الذي يمارسه الفاعلون الحكوميون أو غير الحكوميين ضد شعوبهم قد وصل إلى مستوى عالٍ يحتاج الأمر إلى طرح أفكار جديدة حول كيفية العيش المشترك.

يبدو أن العنف والحرب الأهلية الطائفية لا علاقة لها مع مطالب الحرية والكرامة وتحقيق العدالة والتي قامت على أساسها الاحتجاجات. لذا فالتساؤل هنا هو: كيف يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط منذ بداية الأحتجاجات والأضطرابات العربية في عام 2011؟ هل نحن نواجه دول فاشلة، وحروب إقليمية وأهلية، إرهاب وعنف طائفي كوضع عادي جديد؟ في رأي (بيرتس)، أن المنطقة تواجه بداية فترة طويلة من الأضطرابات، وأن الشرق الأوسط اليوم، هو بالفعل لم يعد هو الشرق الأوسط الذي نعرفه، إنه يمر حاليا بمراحل أنتقالية بنيوية.

وعليه نتساءل: هل أن العراق يُمثل إستثناءً على هذا الوضع أم أنه سيتفاعل ضمن هذه المرحلة الإنتقالية؟

الدراسة هذه تحاول إعطاء توضيح حول هذا التساءل المهم.

جوهر الدولة ووظائفها

يرتبط جوهر الدولة بـقوة الدولة التي أُعتبرت عاملاً مهماً لضمان و تعزيز الديمقراطية، وسيادة القانون، والنمو الأقتصادي.

وعموماً فقد تأسست الدولة لأجل إنجاز وظيفتها الرئيسية الأساسية: تأمين الحماية للمواطنين وحماية بعضهم من البعض الآخر وبالتالي تأمين الدفاع عنهم ضد الأعداء الخارجيين (وهذا ما حدده الفيسلسوف أرسطو – المتوفي 322 ق.م.- في كتابه الشهير “السياسة”.

تحديد هذه الوظائف لا يعني أن الدولة ستقف عندها وتعتبرها قيوداً عليها، بل أنها تتجاوز هذه التحديدات باللجوء إلى إستخدام العنف الشرعي وعند الضرورة العنف غير الشرعي. الدولة لا تمارس العنف فقط لأجل إستتاب الأمن والهدوء، ولكنها تمارس هذا العنف أيضاً وعلى نطاق واسع ضد مواطنيها عند وجود تهديد حقيقي ضد السلطة السياسية، وبالتالي ستنقلب وظيفة الدولة من حماية المواطنين إلى       ” العداء” تجاههم أو على الأقل تجاه “مجموعة معينة” منهم وخلال ” فترة معينة”، وبذلك أصبحت الدولة عدوة شريرة لإولئك الذين كان عليها أن تحميهم والذين أصبحوا ” غير ملائمين ” للدولة، لذلك ظهر في تحليل الدولة تناقض حدده بروفيسور( بول دو موشيل (Paul Dumouchel في كتابه المهم (التضحية غيرالمجدية  Le Sacrific inutile ) بقوله: ” الفضيحة الناشئة عن التناقض بين ما يشكل الوظيفة الرسمية للدولة، أي حماية أفرادها، والسياسات الهادفة إلى إجتثات عدد كبير منهم”.

في رأي عالم الاجتماع الألماني الشهير)ماكس فيبر  Max Weber) في دراسته المهمة )السياسة كمهنة (Politik als Beruf أن وظيفة الدولة هي حماية المواطنين وأن واجبها منع الإنتقام الشخصي، وأن الدولة تتمتع لوحدها بحق حل المنازعات ولذلك وعن طريق إحتكار القوة الشرعية، فإنها تدافع عن المواطنين، ولكن عندما تمارس الدولة العنف الشديد ضد مواطنيها فإنها تمهد لظاهرة خطيرة في حياة الدولة وهي ظاهرة إنحراف النظام السياسي عن واجباته وبذلك تتحول الدولة إلى فاعل عدائي ضد الذين يجب عليها أن تحميهم، وبالتالي تجعل من ” تدميرهم “هدفاً لها.  هنا تُقام علاقة خطيرة جداً بين العنف والسياسة. هذه الظاهرة تُوَلِد ظاهرة ” تدمير المواطنين من قِبل الدولة “، وهذا يعني فشل السياسة وإنقلاب جذري سلبي في الوظائف الجوهرية للدولة.

إن العنف الشرعي للدولة هو جيد لكونه يهدف إلى إحلال السلام في المجتمع، وهذا يكون منطقياً ضد العنف السيء الذي يُنتِج الفوضى.

وهكذا فإن إمتلاك العنف الشرعي يعني إمتلاك سلطة أخلاقية والقدرة على التمييز ما بين العنف الجيد والعنف الشرير والذي (أي التمييز) هو أمر جوهري للدولة الحديثة، لكونه يعطي القدرة لحماية المواطنين والمجتمع والدولة، وهكذا تُبنى أيضاً المؤسسات السياسية الحديثة للدولة، وبالتالي تنبثق السلطة الأخلاقية للدولة، حيث يكون الحاكم وتكون السلطة السياسية بجانب المواطنين وقد تستخدم السلطة العنف للدفاع عنهم وهذا العنف هو عنف شرعي ويهدف (إضافة إلى حماية المواطنين) إلى إنهاء الفوضى ويعتبره االفيلسوف الفرنسي ( كلود بروييرClaude  Bruaire ) في كتابه  (جوهر السياسة (La reason politique بمثابة بادِرة سياسية بلا منازع لأنه يُنهي ويقضي على الفوضى، وحسب رأيه، فإن هذه البادرة السياسية هي أصل كل نظام سياسي، لإنها تعني إحتكار السلطة السياسية للقوة الشرعية والذي يعطي الدولة الإمكانية لحماية مواطنيها من العنف غير المؤسسي و حمايتهم من الفوضى.

وهنا تظهر علاقة جديدة في المجتمع ما بين الجماعات الصديقة والجماعات العدوة، وهذه العلاقة تمثل جوهر السياسة حسب مفهوم المفكر الألماني( كارل شميت Carl Schmitt  1988-1985) في كتابه  (مفهوم السياسة Begriff des Polititischen ) هذه العلاقة تؤسس علاقة التضامن – العدواة في المجتمع وفي الدولة أيضاً.

نموذج فوكوياما في عملية بناء الدولة

ان عملية بناء الدولة تشكل اليوم أحد أهم قضايا المجتمع العالمي، حيث ان الدول الضعيفة / الفاشلة والتي لم تُكتمل فيها عملية بناء الدولة وبالتالي فشلت تلك العملية، تبقى مصدر العديد من أكثر مشاكل العالم خطورة،لما تعانيه من مشكلات كالفقر والمرض وأنتشار المخدرات والأرهاب.

ولغرض معالجة هذه القضية المهمة في حياة الدول والمجتمعات، يطرح المفكر فوكوياما في كتابه (بناء الدولة) نموذجه الخاص حول كيفية البدء في عملية بناء الدولة ويشير إلى مسألتين مهمتين هما:

•       إن تآكل مبدأ السيادة كان نتيجة “الـتدخلات الإنسانية” في كوسوفو ورواندا والصومال والكونغو وتيمور الشرقية وباقي مناطق العالم التي شهدت مجازر دموية وأنتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وإن أزمات الدول الضعيفة والفاشلة والمضطربة تشكل اليوم تهديداً أمنياً جدياً للدول القوية والغنية. ولقد كان من واجب المجتمع الدولي التدخل لحماية مواطني تلك الدول لإسباب إنسانية حتى لو كان ذلك على حساب السيادة الوطنية، وكذلك كان من حقه وواجبه التدخل لحماية مواطنيه لأسباب أمنية. هذه الحجج تعطي تبريراً لتدخل الدول الغربية في الشؤون الداخلية للدول الضعيفة، ويبيح انتهاك سيادتها طالما انها عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية كدولة مستقلة. إن هذا التدخل أخذ شكل التدخل العسكري المباشر في حالة أفغانستان والعراق، أو شكل تدخل غير مباشر من خلال عملية بناء الدولة أو بناء الأمة.

•       القيام بعمليات بناء الدولة من الداخل عن طريق الإصلاح الإداري والمؤسسي.

عملية بناء الدولة

تحاول العديد من دول العالم النامي ( وهي دول لا تُعد قوية جداً، بل هي دول ضعيفة جداً) البدء بعملية بناء الدولة عن طريق فصل الأصلاح الأداري والمؤسساتي عن الأصلاح السياسي والمجتمعي .إن هذا التوجه يعني العمل على إقامة مؤسسات قوية لها القابلية في تنفيذ الإصلاحات، وفي رأي فوكوياما أن ” هناك ثلاثة أسباب رئيسة لإستحالة وجود مواصفات منهجية مثلى للمؤسسات الرسمية وفق قواعد وأصول ثابتة، وبالتالي إستحالة وجود صيغة تنظيم مؤسساتي أمثل، خصوصاً بالنسبة لهيئات القطاع العام”، وهذه الأسباب هي كالآتي :

–      عدم وضوح أهداف المؤسسات

–      الكُلفة العالية لنظم المراقبة والمحاسبة المنهجية في الأدارة العامة.

–      التفاوت في تحديد الدرجة المناسبة من السلطة والصلاحية المفوضة

                للوكلاء من مؤسسة الى أخرى والتي يجب أن تفوض إلى الذين

         يمتلكون المعلومات الكافية لإتخاذ القرارات الملائمة.                                                         

 اولاً: المشكلات التي تواجه الدولة

يركز فوكوياما على المشكلات التي تعاني منها الدول الضعيفة/ الفاشلة، والتي هي بحاجة ماسة لعملية إعادة بناء الدولة كما يلي:

  • مشكلة تضخم دور الدولة:

يشير فوكوياما إلى أن القرن العشرين كان قد شهد زيادة هائلة في دور وحجم نشاطات وظائف الدولة ( سواءً في الدول ذات الأنظمة الشمولية، أو ذات الأنظمة التسلطية، أو ذات الأنظمة الديمقراطية) وإستمرت إلى الثمانينيات من القرن. وقد رافق ذلك إنعدام كفاءة الحكومات وعدم قدرة الدولة على أنجاز وظائفها الأساسية، فقد وصل أستهلاك بعض الحكومات من الناتج المحلي الأجمالي الى نسبة أكثر من 50% وفي السويد وصلت النسبة إلى 70%. ولكن في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين برزت الحاجة الى تقليص دور الدولة وخصوصاً أن هذا الدور بدأ بالتضخم و”التورم” في الدول النامية وغيرها، لذا سعت المؤسسات الدولية (كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ) الى العمل على أتخاذ مجموعة تدابير وأجراءات للحد من تدخل الدولة في الشؤون الأقتصادية.    

يعتقد فوكوياما أن قطاعات العامة في الدول النامية شكلت عقبات حقيقية أمام عملية البناء المؤسساتي للدولة، لذا فهو دعا إلى البدء بعملية الأصلاح من خلال النموذج الليبرالي وتقليص دور الدولة.

  • مشكلة الشرعية

الشرعية تشكل موضوعاً جوهريا من مواضيع علم السياسة ولها علاقة عضوية مع النظام السياسي، وذلك لإرتباطها بقضايا لها علاقة بكيفية وطريقة ممارسة السلطة السياسية وبالعلاقة بين الحكام والمحكومين.

علماء علم السياسة قدموا تعاريف مختلفة للشرعية، نقتبس منها:

لوشيان باي يحدد الشرعية بكونها ” صفة للنظام السياسي وتتعلق بإنجازات الهيكل للمحكومين ولهذا فإنها جوهرية في تحديد كفاءة النظام”، بينما يرى سايمور مارتن ليبست أن الشرعية هي “إعتقاد المحكومين بأن مؤسسات النظام السياسي القائم في مجتمعهم أفضل ما يمكن تكوينه”.

 ان أكتساب المؤسسات للشرعية تعد ذات أهمية بالنسبة لعملية بناء الدولة. فلا يكفي أن تعمل كما ينبغي بالمفهوم الأداري، بل ينبغي أن ينظر أليها كمؤسسات شرعية من قبل القاعدة الشعبية. وفي ضوء ذلك يرى فوكوياما أن الديمقراطية تشّكل المصدر الوحيد للشرعية في العالم، ولذلك تعاني الدول الشمولية والأستبدادية من مشكلة الشرعية. وحتى عندما حاول قادتها أكتساب الشرعية عن طريق التنمية الأقتصادية، سرعان ما تلاشت تلك الشرعية بسبب التدهور الأقتصادي وفشلها في تحقيق التنمية. في حين أن الدول الديمقراطية “أكثر قدرة على البقاء وتجاوز الأزمات الأقتصادية لأن شرعيتها تتأتى من الديمقراطية ذاتها”، حيث أن “الديمقراطية، برغم وجود أشكال مختلفة للشرعية على مر التأريخ، تبقى اليوم المصدر الجدي الوحيد للشرعية في العالم.”

وعليه فإن شرعية أي نظام سياسي مرتبطة بإنجازاته وبإحساسات المواطنين نحوه.هذا الدور المهم للشرعية يجعلها مرتبطة بالمشكلات الجوهرية الأخرى للنظام السياسي كمشكلات الإندماج الوطني، الهوية الوطنية، المشاركة السياسية وتوزيع الموارد.ومع ما تتمتع به الشرعية من دور حساس وخطير، فإنها لاتتمكن من إعطاء صفة الإستقرار للنظام السياسي وللدولة، لإن ” إستقرار النظام لا علآقة له بالشرعية” حسب رؤية البروفيسور الألماني فيلهلم هينز، لإن الشرعية تشير إلى مطلب النظام السياسي للإعتراف به كنظام صحيح وعادل، لذا فالشرعية تعني قيمة الإعتراف لدى نظام سياسي ما، إذن، فالشرعية، كما يؤكد هابرماز، هي مطلب متنازع عليه وعلى الإعتراف الفعلي به، يتوقف أيضاً إستقرار النظام السائد، ويضيف بأنه يمكن الكلام عن الشرعية بكونها مشكلة دائمة للدولة الحديثة، لأنها تتعرض بين فترة وأخرى لـ ” هزات في الشرعية ” تتطلب من الدولة تنظيمها.

  • مشكلة إقامة المؤسسات

 ان عملية بناء الدولة بحاجة الى خلق شعور بالحاجة الى مؤسسات قوية، والبت بالأصلاح من الداخل، حيث أن قدرة القوى الخارجية على إيجاد مثل هذه الرغبة وتحريك الطلب الداخلي نحو مؤسسات قوية محدودة، كما وأن القدرة للمساعدة على الأصلاح في الدول النامية محدودة ايضاً، بل يصل فوكوياما إلى رأي مهم وخطير وهو: ” إن المجتمع الدولي ليس ببساطة محدوداً في كم القدرة التي يستطيع بناءها، بل متواطئاً عملياً على تدمير القدرة المؤسساتية في العديد من الدول النامية”.

ثانياً:عملية بناء الدولة من الداخل

تحاول العديد من دول العالم النامي البت بعملية بناء الدولة من الداخل عن طريق فصل الأصلاح الاداري والمؤسساتي عن الأصلاح السياسي والمجتمعي، ولكن، وكما يعتقد فوكوياما، لا توجد هناك مجموعة ممارسات نموذجية يمكن  إعتمادها في تصميم المؤسسات، وهذا راجع إلى ثلاثة أسباب رئيسة شرحناها أعلاه.

آلية بناء الدولة

يعتقد فوكوياما ان الفشل في تحقيق الأصلاح المؤسساتي وبناء الدولة لا يعود الى نموذج الليبرالية الغربية ، وأنما يعود الى الأجراءات التي تم أتباعها، وسوء فهم  لأبعاد عملية بناء الدولة. ، إضافة الى ضرورة مراعاة الخصوصية الثقافية للدول المراد بناءها. 

إن عملية بناء الدولة عند فوكوياما لها بُعدين أساسيين هما:

1-قوة الدولة (State Strength) في تفعيل حكم القانون وحق أحتكار شرعية أستخدام القوة وتنفيذ سياساتها.

فالقوة هنا تُمثل مدى فعالية القدرة المؤسسية للدولة، والتي تختلف من دولة إلى أخرى، وتستند على الإدارة الحكومية الشفافة، والفساد المنخفض، إنفاذ القانون، والمساءلة.

  • مدى وحجم ونطاق قدرة ونشاطات الدولة (State Scope)  ويتمثل في إتساع نشاطات ووظائف الحكومة.  ويعتمد النطاق على طبيعة الوظائف التي تسعى الدولة جاهدة لإنجازها. أولاً، هناك “الحد الأدنى من العمليات”، مثل القانون والنظام، وإدارة الأقتصاد الكلي، والصحة العامة. ثانياً “وظائف وسيطة”، مثل حماية البيئة، وتنظيم مكافحة الأحتكار، والتعليم. ثالثاً “وظائف ناشطة” مثل السياسات الصناعية وإعادة توزيع الثروة. كلما أقترب عدد أكبر من الدول من الوظائف الناشطة، أتسع نطاقها.

تأسيساً على ما جاء أعلاه، يناقش فوكوياما أمكانية تقليص مدى حجم ونشاطات الدولة مقابل زيادة قوتها من أجل توسيع مساحة الديمقراطية. ففي الوقت الذي يتم فيه تقليص مدى الدولة في بعض المجالات لصالح زيادة دور القطاع الخاص والمجتمع المدني، ينبغي أن يتزامن ذلك مع زيادة قدرتها ودورها في مجالات أخرى من خلال حكم القانون والقدرة على رسم السياسات العامة. في حين أن المشكلة في العديد من دول العالم النامي هي في عدم التماثل والتزامن في البُعدين المذكورين، حيث تم التركيز على تقليص مدى الدولة دون أن يتزامن معها زيادة قوتها.

إستناداً على المعيارين الأساسين (القوة والنطاق) يصنف فوكوياما دول العالم إلى أربع مجموعات كالآتي:

  • الدول المتقدمة وفيها مدى وحجم نشاطات الدولة محدودة، بينما قوتها وقدرتها عالية؛
  • الدول التي فيها مدى وحجم نشاطات الدولة محدودة؛ ولكن قوة مؤسساتها ضعيفة؛
  • الدول التي فيها مدى وحجم نشاطات الدولة واسعة، ولكن قوة مؤسساتها ضعيفة.

و المكان الأخير هو المكان الأسوء الذي يمكن أن تتوجد فيه الدولة، وهو المكان الذي تصنف فيها الدول المتخلفة أو النامية، لذا فأن التساؤل هو: إلى أي مكان أو مجموعة يجب أن تتوجه تلك الدول في إطار عملية بناء الدولة؟ هل عليها ان تحاول الوصول الى المجموعة الثانية التي من خصائصها: مدى وحجم نشاطات الدولة شاملة وهل لها قوة مؤسساتية كبيرة، أم عليها أن تحاول الوصول إلى المجموعة الثالثة التي من خصائصها: أن مدى وحجم نشاطات الدولة محدودة، وأن القوة المؤسساتية لديها ضعيفة؟.

     كان الرأي في بداية التسعينات من القرن العشرين ان مكانة الدولة هي ضمن  المجموعة  الثالثة، ذلك ان المؤسسات وقدرات الدولة تتوجه نحو الإهتمام بشؤونها الخاصة، وبالتالي تتوجه نحو تقليص مدى الدولة بأقصى سرعة ممكنة من خلال سياساتها في دعم الخصخصة وخفض الدعم الحكومي. إلا أن المشكلة بالنسبة للعديد من الدول أنها أثناء تقليص مدى الدولة عملت ايضاً على تحجيم قوة الدولة وبدل ان تتحول نحوالمجموعة الاولى ،غيّرت طريقها نحوالمجموعة الرابعة. 

لذلك يعتقد فوكوياما أن نموذج الديمقراطية الليبرالية يشكل منتهى التطور الآيديولوجي للأنسانية، والشكل النهائي للحكم وهو بذلك يشكل نهاية التاريخ. لكن ذلك لا يعني ان المجتمعات الليبرالية – الديمقراطية لا تعاني من مشكلات، ولكن  تمتلك القدرة على معالجة وحل تلك المشكلات، التي ليست من الخطورة بحيث تؤدي الى أنهيار المجتمع والدولة كما حدث للمجتمعات الشيوعية في نهاية الثمانينات. وعليه، فالدولة الليبرالية هي دولة قوية، على الرغم من أن الحفاظ على الحقوق الفردية، التي اُعتبر جوهر الليبرالية، يحد من سلطة الدولة.

وفي هذا التوجه الليبرالي، يؤكد فوكوياما على ضرورة مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمعات، وعلى ضرورة توفرالقدرة لدى المؤسسات للتعايش مع الثقافية التقليدية المتمثلة في العادات والتقاليد. ومع ذلك يرى فوكوياماأن تلك الثقافات لاتتمكن من تحقيق الأزدهار والرخاء والتحول الى الرأسمالية لوحدها، بل عليها تبني مبادئ الأقتصاد الليبرالي المعاصر ودمجها في أنظمتها الثقافية الأصيلة التقليدية.

حالة العراق: سؤال مفتوح …!!

العديد من الباحثين الغربيين طرحوا أفكاراً عن العراق تتمحور حول “إنهاء العراق كدولة” من أمثال: غالبريث (نهاية العراق)، فوللر(هل يبقى العراق موحداً حتى عام 2010) ، ستانسفيلد (مستقبل العراق: دكتاتورية، ديمقراطية،أم تقسيم) أو حسب رؤية رافائيل فايت فإن العراق “دولة فاشلة”، أو حسب رؤية البعض من الباحثين العراقيين أن العراق دولة مخطوفة أو مسروقة Kleptocracy، أو دولة عقيمة.

ولكن ولحد الآن لم تتحقق تلك “الأمنيات”، حيث بدأت الأوضاع في العراق بعد 2003 تأخذ منحى مغايراً لما فكر به هؤلاء الباحثين. بل أن العراق، حسب البروفسور عامر حسن فياض، ما زال لديه ” حلم الدولة “، وأنه (أي العراق)  ما يزال سؤالاً مفتوحاً، كما يؤكد فوكوياما.

بعد 2003 بدأ العنف الشرعي والإحتكار الشرعي للقوة والسلطة في العراق يفقد ملامحه الرئيسية، لإنه لم يعد العنف الوحيد في الدولة العراقية، وبالتالي بدأ العنف كظاهرة يؤسس لملامح جديدة كانت غير معروفة في العراق: العنف الطائفي، العنف الحزبي، العنف الفردي، العنف العشائري.

 هل يمكن أن يكون هذا التحديد مدخلاً لفهم وإستيعاب ما يجري في العراق الآن؟

الذي يجري في العراق هو: صراعات وتناقضات بين أنواع مختلفة من العنف (سواء أكان عنفاً جيدأً أم سيئاً).  وفي هذا الوضع نلاحظ ” إختفاء ” ظاهرة إحتكار العنف الشرعي من قبل السلطة السياسية في العراق، مما أدى إلى فسح المجال للأشكال المتصارعة من العنف للهيمنة على الوضع وفشل السلطة السياسية في تبرير عنف ” الأصدقاء” على “الأعداء” الذي أدى إلى تمزيق صفوف عنف       “الأصدقاء” وأعطى مجالا رحباً لـ “جماعة أصدقاء” السلطة إلى إستغلال العنف السياسي من مصالحهم الخاصة ومصالح الحزب أو الطبقة أو الطائفة.

هنا يبرز تساؤل: ماذا عن دور العقل والعقلانية في مجرى أحداث العراق الراهنة؟.

إن دور العقلانية في حل النزاعات من خلال التسويات والحلول العادلة والمُنصفة يتوقف أساساً على وجود حالة من السلم الأهلي في البلاد المُؤسس على طريق العنف الشرعي. هذا الوضع مفقود في العراق في الوضع الحالي وأدى إلى ضعف واضح لمدى تأثير الإتجاه العقلاني على مجرى السياسة العامة، ولذلك لم يتمكن إحتكار العنف الشرعي من التغلب على الأحداث الصاخبة المواجهة للنظام السياسي ولم يتمكن من تقديم حلول عقلانية للمواطنين.

السلطة السياسية في العراق قدمت ما تراها ” حلولاً ” لمعالجة المطالب المقدمة من المواطنين، ولكن عند التدقيق في هذه الحلول يظهر مدى “عجز” النظام السياسي العراقي في الأداء وتحقيق منجزات يستطيع من خلالها أن يؤسس لـ ” شرعية النظام السياسي” الذي بدا وكأنه ” يترنح ” أمام ضغوطات داخلية وخارجية هائلة، مما أفقده حالة “التوازن” الضرورية لإستقراره وبقائه، وكان يفترض به أن         “يعرف” و”يحدد ” إحتياجات الشعب والمواطنين قبل حركة الإحتجاجات الأخيرة، لإن هذا التحديد هو من صلب واجبات السلطة السياسية التي تتركز على تهيئة الخدمات الضرورية للمواطنين.

إذن، خطوات السلطة السياسية جاءت متأخرة جداً وكأنها كانت “غائبة” عن الميدان أو الفضاء العام في المجتمع والدولة.

ولذلك نتساءل: ما هي طبيعة النزاع الجاري في العراق الآن؟.

إبتداءا يمكن القول أن النزاع بين الأفراد (كأفراد) هو ليس بنزاعٍ سياسي، لإنهم يتكلمون ويتصرفون بإعتبارهم أفراداً في مجموعة معينة داخلة في نزاع مع مجموعة آخرى، وبشكل لا يتطورهذا النزاع إلى نزاع سياسي، ولكن بالعكس إذا أخذ النزاع الطابع العُنفي-الصِراعي فسيكون له بُعد سياسي وسيؤثرعلى الفعل الذي يمكن أن يصدر عن هذا النزاع.

في رأي الفيلسوفة هانا آرندت Arendt فإن الفعل action يكشف عن الشخصية الفردية للفرد، ولكن في الوقت نفسه يُبين خصوصية بعض الإنتماءات (الإجتماعية، الطائفية، الدينية، الثقافية)، ولإجل أن يصبح هذا الفعل فعلاً جماعياً فإنه يجب أن يكون بين المشاركين في العمل إجماع على محتوى الفعل، والذي يُعَبِر عن مجموعة منسجمة ملتحمة مُتَسّلِحة بقيم ومصالح مشتركة، وبشكل يجعل الأفراد واعيين لخصوصياتهم كي يتجاوزوها. وهنا نتساءل: هل أن هذه الخصوصية تمثل هدفاً بذاته أو أنها تمثل ” لحظة نزاع “؟. 

هذه الخصوصية تمثل نزاعاً يضع المجموعات المختلفة المتصارعة في مواجهة بعضها البعض، ويصبح النزاع نزاعاً سياسياً، وتصبح السلطة السياسية بعد ذلك عنصرا حاسماً في حل النزاع. وهذا يعني أن واجب ووظيفة الدولة أن تتدخل في النزاع والصراع بين الجماعات المتضادة، ويأخذ هذا التدخل أشكالاً مختلفة: الدولة قد تكون وسيطة، أو قد تلعب دور الحاكم، أو تكون طرفاً في النزاع لأجل  حسمه. إن مستوى التدخل سيحدد مستوى ودرجة ” تسييس ” النزاع، وأن التعمق في النزاع يعني أن مؤسسات الدولة تقوم بتلبية مصالح وآراء شريحة أو طائفة إجتماعية.

يؤكد فوكوياما أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أنتهاء العمليات العسكرية، أصبحت لديها مسؤوليات جديدة أساسية تتعلق ببناء الدولة في العراق وكان على رأس هذه المسؤوليات “دعم قدرات ومؤسسات الدولة المفقودة أو إعادة تشكيلها من الصفر”. ويضيف أن “العراق كان بلداً أكثر تطوراً، وتوفرت فيه موارد مادية وبشرية أكبر بكثير. المشكلة هنا أن مؤسسات الدولة العاملة أنهارت أو جرى تفكيكها فور أنتهاء الحرب،  وأصبحت بحاجة إلى إعادة بناء، مع ضياع كم هائل من القدرة الإدارية في أعمال النهب والفوضى العارمة التي أعقبت التدخل العسكري.”

ولكن الولايات المتحدة لم تتمكن من الأضطلاع بهذه المسؤولية، لذلك شهد العراق تطورات مضادة لعملية بناء الدولة من خلال إضعاف فعالية القدرة الإدارية البيروقراطية المتراكمة، وإحلال قليلي الخبرة في إدارة مؤسسات مهمة، وهو ما أنتج وضعاً مأساويا للدولة العراقية، مما قلّل من إمكان أسترجاع قوتها وقدرتها السابقة وفسح المجال لبروز “هويات محلية،  دينية و إثنية،  لكأن العراق عاد القهقري الى عام 1921.”

نظام الحكم الذي أقيم في العراق عام 2003 عانى وإلى الآن من مشاكل بنيوية حادة تمثلت بحالة عدم الأنسجام ما بين الأحزاب المؤتلفة في الحكومة، والتي أدت إلى تباينات مختلفة ومتناقضة في صدد برامج الحكومة وكيفية تنفيذها، وفي حالات كثيرة أصيبت الحكومة بحالات شلل من جراء أستقالات عدد من الوزراء، ولم تَنجُ السلطة التشريعية من هذه “المشكلة”. ولذلك كانت أعمال هذه السلطة تتأثر إلى أقصى حد ممكن بالصراعات السياسية بين القوى والأحزاب السياسية. إلا أن الموضوع لا يقف عند هذا الحد، بل إن كل هذه الإشكاليات والتعقيدات لم تكن خالية من التأثيرات الخارجية، بل على العكس، تؤدي الضغوطات الخارجية دورا مؤثرا وواضحاً في المسيرة السياسية في العراق.

إذن، تواجه عملية بناء الدولة في العراق مشكلة حقيقية وخطيرة، حيث لم تجري محاولات لتحديد توجه تلك العملية، ومنذ أستخدام مصطلح “بناء الدولة” تم إفراز إتجاهين رئيسيين في عملية البناء وهما:

•       الأتجاه المؤسسي الذي يرى أن “بناء المكوّن السياسي أو بناء الدولة ذات السيادة يحتل الأولوية، وأن الدولة هي التي تبني الأمة”. وهكذا فإن مأسسة السلطة السياسية تتطلب شيئاً جوهرياً يتعلق بعملية تمايز البنى السياسية عن البنى الأجتماعية عبر “إبطال سلطة النخب التقليدية وتحرير الأفراد من هيمنتها، وتعامل الدولة بشكل مباشر مع المواطنين، وفرض سيادة الدولة وسلطتها على كامل إقليمها، أو على أي جماعة من سكانها”. ويرى هذا الأتجاه أن المواطنين لهم الحق في اختيار حكامهم وهذا هو مفهومهم للديمقراطية  .

•       الأتجاه التعاقدي: وهذا الأتجاه يؤكد أن الأولوية هي لعملية بناء الأمة، حيث إن عملية بناء الدولة تحتاج إلى تحولات وتغييرات ثقافية، عن طريق التحول من المجتمع الأهلي إلى المجتمع المدني المؤسس على أساس المصلحة المشتركة. وهنا تؤدي فكرة الديمقراطية دوراً مهماً في التأكيد غلى المشاركة السياسية والحقوق السياسية المدنية والسياسية للأفراد، وحقهم في المشاركة في القرارات التي تتعلق بهم.

وفي هذه العملية من الضروري دمج عمليتي “بناء الدولة” و”بناء الأمة” معاً لخلق توازن مطلوب يؤدي إلى تفاعل مستمر ما بين الدولة والمجتمع. إن التركيز فقط على عملية بناء الدولة يؤدي إلى قيام دولة قوية، ولكنها تأخذ اتجاهاً تسلطياً يحول المجتمع إلى مجتمع جماهيري. هذه الدولة تكون قوية إلا أنها تحمل في أحشائها بذور فنائها لكونها تتحول إلى دولة هشة بفقدانها للشرعية الضرورية لإدامة حكمها. وعلى العكس، وكما ذكرنا أعلاه، فإن بناء دولة قابلة للأستمرار يتطلب أمرين مهمين هما: السيادة والشرعية.

الأنقسام والتجزؤ حول عملية بناء الدولة في العراق

أن النخبة التي صعدت  إلى الحكم في العراق عام 2003 لم تكن نخبة موحدة أو متفقة على نقاط مشتركة تحقق المصلحة والمنفعة العامة، حسب المفهوم الأرسطوطالي، بل أنها لم تستلم السلطة بفعل عملية ديمقراطية تستند إلى الانتخابات، بل إن الأمريكان هم الذين تولوا تمهيد الطريق لتلك النخبة لتسلّم الحكم الذي استند إلى مبدأ المحاصصة الطائفية – المذهبية – القومية،  ولكن أختلفت رؤية تلك النخبة ما بين الدينية، والليبرالية، والطائفية، وبالتالي إنحسرت أو خفت الرؤية العلمانية، وتجلت هذه في تشكيلة مجلس الحكم الذي أنشأه الحاكم المدني بريمر. وقد وضع الأمريكان ثقلهم في إصدار قرارات لهدم البنية التحتية للدولة العراقية (حل الجيش، الأمن) وهو ما أفسح المجال لإحداث فوضى في البلد،  وكذلك نجحوا في فرض دستور جديد باسم “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية” في 8 أذار/مارس 2004 .

والأمر اللافت للنظر في هذا القانون (الذي هو بمثابة دستور) أن شكل الدولة العراقية قد تغير من دولة بسيطة إلى دولة فدرالية من دون أن يكون للشعب العراقي أي دور فيه،  وهذا يعني أن هذا القانون (أو الدستور) قد فُرِض على العراق، ولذلك يُسميه  الخبير الدستوري الأمريكي فيلدمان (الذي صاغ القانون) بـ “الدستور المفروض.” Imposed Constitution

وبعد أن فرض الأمريكان هذا الشكل الجديد للدولة العراقية سلموا “السيادة” للعراقيين يوم 28 حزيران/ يونيو 2004. وفي إثر ذلك ووفقا لما جاء في قانون المرحلة الأنتقالية بدأت الأستعدادات لكتابة مسودة دستور جديد ولكن بأفكار أمريكية أدى فيها فيلدمان دوراً جوهرياً في طرح وصياغة الأفكارالرئيسية لهذا الدستور، على الرغم من وجود لجنة لكتابة الدستور ضمت خبراء عراقيين.

وعند عرض مسودة الدستور للأستفتاء، قاطعه جزء مهم من أبناء الشعب وبالتالي فإن نتيجة الأستفتاء كانت المصادقة ولكن بغياب هذا الجزء المهم من الشعب. لذلك أثار تطبيق جملة من المشاكل بحيث بقيت العديد من مواده من دون أن تدخل حيز التنفيذ.

إضافة إلى تلك العقبات فإن الدستور نفسه قد أُحيط بمواد تعتبر بمنزلة “ألغام” ومنها ما يتعلق بالمواد: 65 (تشكيل مجلس الأتحاد)، و111 و112 (النفط والغاز)، و116 (بنية النظام الأتحادي)، و140 (تكملة مستلزمات تطبيق المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والمتعلقة بالمناطق المتنازع عليها)، 142 (تعديل لدستور).

كل هذه تبين عدم إتفاق أطراف القوى السياسية على المصلحة العامة المشتركة لبناء الدولة.

إذن هذا الوضع يعطي مؤشرات على عجز النخبة السياسية في العراق وإفتقادها المقدرة والكفاءة في إدارة الدولة والأستمرار في بنائها.

وعليه، فالنظام السياسي في العراق ممكن وصفه بأنه نظام ليس لديه القابلية في إنجاز مهامه،  ولذلك واجه ومنذ 2003 العديد من المشاكل الخطيرة التي عصفت وما تزال تعصف بالدولة العراقية.

مظاهر عدم قابلية النظام السياسي العراقي

النظام السياسي بصورة عامة لديه هدف محدد ودقيق وهو العمل على إيجاد ألتزام وترابط في داخل المجتمع، وهذا يعني خلق ولاء وألتزام مجتمعي تجاه النظام السياسي بما يؤدي إلى توحيد المجتمع عن طريق إصدار قرارات مُلزمة متعلقة بتوزيع القيم المادية والمعنوية سلطويا. وعليه فإن النظام السياسي لم يأتِ من أجل تفرقة المجتمع،  بل على العكس وجد بسبب ضرورة تحقيق وحدة المجتمع. إذن النظام السياسي أقيم لإنجاز وظيفة مهمة هي وظيفة خلق الألتزام العام من قبل المواطنين تجاه القيم والمبادئ المتجسدة في الدستور، وهذا سيؤدي إلى خلق الطاعة وخلق ثقافة سياسية موحدة، وبالتالي سيؤدي إلى الدعم السياسي وزيادته. وحين ينجز النظام السياسي هذه الوظائف فإنه سيخلق التزاماً عاماً من جانب المواطنين بالقرارات الصادرة عنه. إذن على النظام السياسي أن يخلق أجواء تؤدي إلى طاعة وخضوع “أوتوماتيكي” من قبل المواطنين، وهذا مرتبط بمسألة توفير أجواء ديمقراطية. هنا تصبح الديمقراطية معياراً للحكم على القرارات بكونها جيدة أو سيئة من خلال التساؤل هل أنها صدرت في إطار العملية الديمقراطية أم لا؟. فإذا كانت قد صدرت بفعل تلك العملية فالمتوقع أن تكون الأستجابة للقرارات إيجابية. وبالتالي يكون النظام السياسي قد أنجز وظائفه من خلال تقبل طوعي للمواطنين لتلك الأنجازات.

يوضح البروفيسور الألماني مانفريد شميت في دراسة مهمة له بعنوان المنجز السياسي وأصناف الديمقراطية، 2002، أن منجزات النظام السياسي لها ثمانية أبعاد هي: المحافظة على النظام،  توفر قابلية الانسجام والتكيّف،  المشاركة السياسية،  الدعم السياسي،  العدالة،  الرفاهية،  الأمن،  الحرية.

حين نتأمل نظام الحكم العراقي من عام 2003 سنلاحظ أفتقاده الشديد للأبعاد أعلاه، وهو ما أدى إلى عدم تمكنه من إنجاز وظائفه وبالتالي دخوله في دائرة الأزمة السياسية الحادة التي تبدو ملامحها واضحة في النقاط الآتية:

•       عدم تطبيق كامل مبادئ ونصوص الدستور الصادر في عام 2005.

•       أندلاع النزاع الداخلي الطائفي وخصوصاً في فترة 2006-2007.

•       تباينات جذرية في مفهوم الفدرالية وإستفحال الخلافات مع إقليم كردستان

        العراق.

•       البروز المفاجئ لتنظيم الدولة (داعش) وسيطرتها على ما يقارب من 40 %

        من مساحة العراق.

•       تفاقم هجرة المواطنين الداخلية (نحو 4 ملايين).

•       زيادة أعداد المواطنين العراقيين الذين اختاروا الهجرة إلى الخارج.

كل هذه المؤشرات تعطينا الحق في التساؤل المشروع حول: العراق… إلى أين؟

أدت التراكمات التاريخية، الأجتماعية والسياسية، إضافة إلى الحروب والنزاعات والأحتلال، إلى تكوين حالة فريدة في نوعها في العراق تتعلق بـ نشوء وبروز حاد للهويات الفرعية (محلية، دينية، إثنية) حيث “صحا” العالم على عراق “جديد” مختلف وغير معروف بتلك الخصائص التي برزت في عام 2003 وما بعده، وهو ما أثر بحدة في الهوية الجامعة والموحدة للعراقيين، فقد أصبحت الطائفة أو المذهب أو الأثنية “بديلاً” للوطنية والولاء للوطن.

هذه الظاهرة خطيرة جداً وتلامس خط “إنفجار” الوحدة الوطنية، لذلك نعيد طرح التساؤل أعلاه: العراق… إلى أين؟.

إن هذه المشكلة متعددة الأبعاد ومن أهمها هل يمكن إحلال مبدأ “التوافق” كحل للإشكالية الخطيرة المهددة للكيان العراقي؟ وهل يقبل القابضون على القوة الكبرى (السلطة السياسية) مشاركة الآخرين في ممارسة السلطة؟

تحاول القوى المسيطرة على الحكم التحكم في المفاصل الرئيسية للدولة وعدم فسح المجال للقوى الأخرى بالمشاركة في صنع القرارات الحاسمة وبالتالي بروز ظاهرة التهميش في الساحة العراقية.

بقاء مثل هذا التوجة يُبعد السياسة العراقية عن العقلانية التي تكلم عنها ماكس فيبر كأساس لادارة الدولة، وبالتالي سيؤدي إلى أنتكاسات حادة ويحتمل عدم إمكان التحكم في نتائجها التي ستؤدي الى بروز ملامح “التفكك” في العراق.

وتأسيساً على ما جاء أعلاه،  فإن العراق (إذا لم يعطَ دورا للعقلانية في السياسة العراقية) فهو مُقبل على وضع أقل ما يمكن وصفه بأنه وضع “صوملة العراق” ولفترة غير محدودة، إلى أن تتفق المصالح الدولية والإقليمية (ما دام العراقيون لا يقبلون الأتفاق على المصلحة العليا) على “تقاسم النفوذ في العراق والمنطقة”،  وحينذاك سيحدد هل أن العراق سيبقى على حاله الراهن أم سيتغير (سواء بصورة سلبية أم إيجابية).

تحديات عملية التوجه نحو الديمقراطية في العراق

إرتباطأ بمسألة العقلانية في السياسة العراقية، فإنه يتم هنا التطرق إلى مسألة الديمقراطية مع بدء نظام حكم جديد في العراق عام 2003.

إن المسألة الديمقراطية هي عملية معقدة لأنها تتعلق بالعمل على تحقيق التغييرات في البنية السياسية والإقتصادية والإجتماعية مما يؤثر على كيفية ممارسة السلطة في الدولة.ولتحقيق هذه المتطلبات فإن الحاجة تكون ضرورية لمرحلة إنتقالية للوصول إلى دولة دستورية ديمقراطية.

لقد حلم العديد من العراقيين وما زالو يحلمون بـ “الديمقراطية”، ولكن الذي حصلوا عليه منذعام 2003 كان ” الأحتلال  Occupation” و”الفوضى Chaos”.

ان هذا يعني أن هناك في الحال العراقي صعوبات فكرية وعملية تطبيقية، تواجه عملية ” التحول الديمقراطي Transition to Democracy” أو بصورة أدق “التوجه نحو الديمقراطية”.

أن الديمقراطية هي شيء أكثر من أن تكون محصورة فقط بـ”إجراء إنتخابات “.

الديمقراطية هي نظام للحياة الأجتماعية والسياسية  يتنافس فيه السياسيون للحصول على تأييد وثقة الناخبين لكي يستندوا على دعم المحكومين في الحكم ويحصلون بالتالي على الشرعية.

ولكن يلاحظ ان “المكونات العراقية” المختلفة تريد أن تكون لها مشاركة في السلطة السياسية ولاتريد أن تلعب دور المعارضة، وهذا مايعقد قضية الديمقراطية حيث ان أهم مرتكز للديمقراطية هو وجود مجموعة تحكم وبالمقابل مجموعة تعارض وتراقب.

ان القادة السياسيين الديمقرطيين لديهم هدفان في ممارسة السلطة السياسية وأستخدام الاموال العامة :

•  تقديم خدمات عامة جيدة للمواطنين.

•  مكافأة الداعمين النشطين لهم بالمنافع المادية عن طريق العقود العامة.

ولكن القادة غير الديمقراطيين يركزون  فقط على الهدف الاخير.

وهذه أحدى المعضلات الأساسية لبناء الديمقراطية في العراق.

لقد فشل العراق لحد الان في أجراءاته لبناء ديمقراطية أوعلى الأقل في التحول نحو الديمقراطية، ولذلك وحسب تقرير مجلة ( Foreign Policy) الأمريكية فان العراق هو من ضمن اكثر عشرة دول فاشلة في العالم. وقبل ذلك أكد البروفيسور اسطيفن زوينس Stephen Zunes  من جامعة سان فرانسيسكو الأمريكية في دراسة له  بأن عملية “الدمقرطة ” في العراق فاشلة.

ان الأدارة الأمريكية  كما يؤكد ذلك البروفيسور لاري دايموند Larry Diamond في دراسة له  بأن الإدارة الأمريكية لم تسلك سياسة صحيحة ولم تكن تريد الألتزام بضرورة خلق أمان في العراق وانها لم تفهم أبدا هذا البلد ولم تكن تريد ذلك.

ولكن ماذا كانت نتيجة هذه السياسة والتخبط والخطأ الفاضح؟

النتيجة كانت ( كما يقول دايموند) ان المستقبل الديمقراطي في العراق معلق في الميزان hangs in the balance.

اذن ماهي المشاكل الضاغطة نتيجة تلك السياسة الفاشلة ؟

هذه المشاكل تتجلى في الظواهر الآتية: إقتصاد غير فعال، العنف المستمر، مجتمع متعب غير فَعّال، عدم فعالية أو نجاعة الدستور، عدم إحترام الإجراءات الديمقراطية ونتائج الإنتخابات، عدم حل المشاكل العالقة بين الحكومة المركزية الفيدرالية وحكومة إقليم كردستان، بروز مشاكل الفساد وعدم النزاهة.

ان العراق بهذا الزخم الكبير من المشاكل والأزمات وتراكماتها بعيد “جدا” عما وعدت به الأدارة الامريكية ( الديمقراطية ، الأمن ، النمو الاقتصادي…الخ)،

وأن سلسلة طويلة من الحسابات الخاطئة للأدارة الامريكية تركت العراق في وضع سيء للغاية يشكل عقبة رئيسية امام ” التوجه نحو الديمقراطية”.

ان العراق بهذا الحجم من المشاكل من الممكن ان يكون أكثر قرباً للحرب والأقتتال الداخلي منه للسلم والامان.

ان التسلطية الناعمة Soft Authoritarianism التي مارستها الحكومات العراقية منذ 2003 لم تحرر العراق من السلوك الشمولي لممارسة السياسة، بل عمّقت اكثرمن هذا التوجه. هذه الحكومات يشبهها الباحث روزن  N.Rosen  في جامعة نيويورك  بكونها ” فاسدة وعنيفة وتحاول فرض نفسها بالقوة”.  ويضيف الصحفي الأمريكي باتريك كوكبورن Kockporn في صحيفة ( الانديندينت ) البريطانية في اذار 2010 بأن العراق  مازال غير مستقر ومنقسم الى حد كبير ولذلك يصف الكاتب السياسيين العراقيين بأنهم ” طبقة سيئة من السياسيين”.

ان هذا الوضع قد تدهور كثيرا حيث بدا هذا واضحا في عدم أحترام نتائج الأنتخابات وعدم الأهتمام برأي الناخب العراقي الذي أبداه في الإنتخابات التي جرت في أوقات محتلفة، والتي عكّسَت بوضوح ظاهرة “العزوف عن الإنتخابات” لدى الناخب. وهذا الوضع يوضحه البروفيسور  جاك سنايدر Jack Snyder في كتابه  المشترك     Electing to Fight: Why Emerging Democracies Go to War?)     الصادر 2005 بأن  الإنتخابات تمهد للحرب بفعل تراكم كل العوامل أعلاه. وهكذا فأن الأنتخابات تصبح “عذابا” كما جاء ذلك في دراسة للباحثين ايلشنر Elischner  وبيكر  Becker  بعنوان عذاب الأختيار Die Qual der Wahl

ان عدم أكتمال عملية التحول الديمقراطي يزيد من خطورة أقتراب الوضع من حالة الأقتتال الداخلي، وذلك لأن المؤسسات في الدولة ستتسم بالضعف وأن النخب السياسية ستكون مهددة بهذه الحالة المتسمة بالضعف.

وعليه لبناء ديمقراطية حقيقية في العراق يجب :

•       أحترام نتائج الأنتخابات.

•       وجود نخبة سياسية تتسم بالنزاهة والوطنية وتغليب المصلحة العامة على أية

        مصلحة خاصة.

•       عدم تركيز السلطة السياسية في يد شخص واحد او هيئة واحدة.

•       الأهتمام بأيجاد أرضية لتحقيق الشروط المسبقة للديمقراطية: التعليم وزيادة

       الرفاهية الاقتصادية.

•       التعاون والرقابة ما بين السلطات الرئيسة (وعلى الأخص السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية) بما يضمن مسألة فرض رقابة الشعب على أعمال الحكومة.

•       الأهتمام بالثقافة السياسية المستندة على المفاهيم الأساسية للديمقراطية.

وبدون هذا الأطار العام فأنه من الصعب الحديث عن التحول الديمقراطي أو التوجه نحو الديمقراطية في العراق.

ولكن مَنْ يتمكن من التمهيد لهذه العملية الضرورية لبناء الدولة وتحقيق الديمقراطية في العراق؟..هذا هو السؤال المفتوح الموجه للعراق.!

خلاصة القول

إنتهينا من الموضوع بإثارة سؤال مهم وخطير: أن حالة العراق تمثل سؤالاً مفتوحاً، وهو سؤال أثاره أصلاً فوكوياما.

لماذا هو سؤال مفتوح؟.

لإن العراق ما زال يبحث عن ” مخرج” من وضعه ” المُقلِق” و” المُزعج” و “المُذِل” ، ولكن لا يعرف كيف؟.

إذن تأخذه ” تيارات” مختلفة بحيث تتيه ” بوصلته” ولا يعرف بأي إتجاه صحيح يجب أن يتوجه.

هناك إتجاه واحد صحيح يجب على العراق أن يسلكه وهويتمثل في عملية بناء الدولة والتي تتطلب شيئين أساسيين هما:

  • إقامة مؤسسات والعمل على تقويتها.
  • تطبيق حكم وسيادة القانون.

وبهذه العملية ونجاحها سيتحول العراق من المرتبة الرابعة من تصنيف الدول (كما رأينا ذلك عند فوكوياما) إلى المرتبة الثانية والمتمثلة بـأن     مدى وحجم ونشاطات الدولة واسعة، وأن قوة مؤسساتها قوية.

ولكن في هذه الحالة (عدم وجود خيار آخر غير إزالة إدعاءات أحد الأطراف أو تدخل السلطة السياسية لإجبار أحد الأطراف للإلتزام بتهدئة الوضع) تبرز ظاهرة خطيرة جداً وعميقة التأثير في مسيرة الدولة وهي ظاهرة موت السياسة.  إن السياسة أذا كانت لها علاقة بالنزاعات فإنها ليست فقط لأجل توجيهها أو حلها، بل أيضاً للإحتراس والحذر منها لكي لا تعطي فرصة للعنف لكي يفعل فِعلته في جسد الدولة بما يؤدي إلى تفككها أو إزالتها.  وهذا هو واجب الدولة العراقية مما يمثل تحدياً خطيراً لها. وهذا كله يحتاج إلى الحكمة السياسية لكي نتجنب النزاعات أو نتمكن من تسويتها قبل إستفحالها وبالتالي نتمكن من بناء دولة قوية فاعلة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى