الجديدمقالات

روائيات عراقيات: هدية حسين في “بنت الخان”

ناطق خلوصي

كانت ” بنت الخان ” أول رواية لـ ” هدية حسين ” و قد صدرت في طبعتها الأولى عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” عام 2001 ، سبقتها ثلاث مجموعات قصصية، وتلتها ثمان روايات صدر أغلبها عن دار النشر نفسها. الخان الذي أعتمدته هدية حسين عنواناً لروايتها ومادة ً لها، إنما هو خان “الحاج محسن” الذي كان يقع في منطقة الكسرة التي تشكّل امتداداً للأعظمية، وقد ظل قائما ً لسنوات بعد ثورة 14 تموز 1958. إنها ترسم خارطة ذهنية له وتتوقف عند طبيعة حياة ناسه المسكونين بالبؤس شأنهم في ذلك شأن الذين ضاقت بهم سبل العيش قي مدنهم الصغيرة أو قراهم فلاذوا بزوايا مهملة من بغداد ومنها هذا الخان.

لم يكن خان الحاج محسن خاناً كما تفترض التسمية …إنه مساحة من الأرض بلا سياج منسية في الزمن لا تعني غير ناسها المنسيين ..أما الحاج محسن فلا أعرف عنه سوى أنه مالك الأرض التي أقيمت عليها البيوت الطينية المسقفة بالجينكو أو بالبواري وجذوع النخيل” ( ص 16). وبين سكنة الخان بضعة أشخاص قدموا من الأحواز في أيران بعد أن تم تهجيرهم من هناك . ووسط خليط غير متجانس من الناس عاشت بطلة الرواية محاسن حماد طفولتها وبعض صباها فظلت صور تلك الأيام عالقة في ذاكرتها ووجدت طريقها إلى عمل الروائية السردي هذا فيما بعد، لهذا جاءت عملية وصف الأحداث والمكان ضمن سياق أستذكار سنوات الطفولة لتشكل جزءاً من مادة الرواية الأساسية. ويقوم جزء أخر منها على توثيق السيَر الشخصية لبطلة الرواية ولأبيها ولأمها بشكل خاص، لتعكس تلك السيَر جوانب من الواقع الاجتماعي ونمط العيش في زمن الأحداث. وتسرد بطلة الرواية “محاسن حماد ” هذه السيَر وما يحدث داخل الخان وخارجه، ويبدو واضحاً أنها تتحدث بصوت هدية حسين نفسها، وحيث أن هذه الرواية هي الأولى لها فقد شكّلت اللبنة الأولى في صيرورتها روائية كبيرة دون أغفال دور مجموعاتها القصصية في ذلك.

تحظى شخصية الأم بأهتمام خاص من الروائية التي تقول عنها على لسان ابنتها: “وبرغم أنها أمي غير أنني كنت أحس دائماً أن ثمة حجاباً سميكاً يفصلها عني . .  إنها تبدو مثل المحارة تنغلق على لؤلؤ روحها وتنزوي لئلا يكتشفه الآخرون”  (ص 8) . شهدت ألأ م زهرة القادمة من الأ حواز زيجتين في حياتها كانت الأولى من ” الباشا ” الذي ظل مجهول الهوية في الرواية ولعله أحد المُلاّك الزراعيين كان يملك الأرض الزراعية التي يعتاش منها عم زهرة ولا تعرف، هي التي كانت تعمل خادمة في بيت عمها، شيئاً عن سر الصفقة التي تمت بين عمها وزوجته من جانب وبين “الباشا ” الذي تعرفت على زوجاته الثلاث بعد موته. تعترف الأم لأبنتها أن زواجها من الباشا كان نقطة تحوّل في حياتها ؛ ” فتح الباشا أمامي أبواباً ما كنت أعرفها أو أحلم بها.. جاه ومال وملابس غالية الثمن … ” ( ص 82) ، لكنها سرعان ما فقدت كل ذلك بعد موته وأنتُزعت منها أبنتها التي كانت قد أنجبتها منه، وتم حرمانها من التركة، وربما أكتشفت أنه كان مأسوراً بالرغبة في جسدها فقط ولم يضع في أعتباره مسألة تأمين مستقبلها.

أما زيجتها الثانية فقد كانت من حمّاد الذي أنجبت منه محاسن بطلة الرواية وأبنة ثانية ماتت بضربة شمس وهي صغيرة. كان حماد هذا يكتب الشعر ويمارس الرسم وعشق زهرة عندما وقع بصره عليها وهو يعترف؛ “هذه المرأة دوختني وسببت لي وجعاً في القلب والمفاصل حتى تزوجتها ” ( ص 24 ) و”بعد طول عذاب سقط بصري مصادفةً ًعلى قدمها المنقوشة بالحنّاء. كانت قد مدّت ساقها إلى حوض الحنفية في مدخل بيتنا لتغسلها من الوحل الذي علق بها” ( ص 25 ). لكن هذا الرجل المتيّم بزوجته سرعان ما أقام علاقة مع عاملة خدمة (فرّاشة) في المدرسة التي تدرس فيها أبنته، وخلّف ذلك شرخاً في قلب زوجته حملته معها إلى قبرها.

وبدا أن هدية حسين جعلت من الصندوق الخشبي المتوارث من الجدة إلى الأ م إلى الحفيدة ، شخصية تكاد تكون موازية لشخصية بطلة الرواية ولصيقة بها ورافقتها على أمتداد زمن الرواية تقريباً وكان سلوتها الوحيدة في أيام وليالي وحدتها. أنها تقول: “سأعترف أن الصندوق أصبح سلوتي الوحيدة بعد أن تراجعت أحلامي إلى الوراء” ( ص 57 )، كان الصندوق يضم كنزاً من الذكريات العائلية المتوارثة يتمثل بمقتنياته: ” بهدوء رفعت غطاء الصندوق، وبحذر قلبت مقتنيات أمي، قطع الثياب ومشابك الشعر والمحابس وفصوص الشذر وفردة الخلخال وزجاجة العطر التي لم يتبق منها إلاّ قطرات قليلة في قعرها” ( ص 149 )، بالأضافة إلى صور الأحياء والأموات من أفراد عائلتها. وفي ساعة يأس أرادت أن تتخلص من الصندوق بمعنى أن تتخلص من كنز الذكريات الذي كان رفيق رحلة حياتها. وربما كانت خيبة أملها الناشئة عن عدم حصولها على فرصة في الزواج وراء رغبتها تلك. فقد أستشهد الضابط الطيار خالد جارها الذي كانت تطمح في الزواج منه، أما مشتاق عزيز الذي كانت حالة حبها معه قد بلغت مرحلة متقدمة فلم يحقق طموحها ذاك بعد أن رفضت أمه، وهو وحيدها، زواجه منها.

وتتجلى رؤية الروائية للحرب وموقفها المعارض لها فتحتل مساحة لا يستهان بها من زمن الرواية. فهي تقول: “الحرب امرأة عاهرة لعبت دورها بأتقان، شطبت على سنوات أعمارنا وأحرقتها ، أمتصتنا وسلبتنا أحلامنا دون أن ندري” (ص 74). وتصف بعض عذابات الحرب التي تراها منعكسة على وجوه الأمهات المفجوعات، وعلى ثياب ووجوه الجنود المعفرة بعذابات الحرب. وتستشهد بما حصل لمقاتلين من معارفها من الجيران بشكل خاص، مع صور التعاطف التي كانت تتجلى في أيام أشتداد المعارك وتقاطر أعداد الجرحى والشهداء في الحرب العراقية ــ الايرانية بشكل خاص: “صدمت الحرب كل من توقع أنها ستنتهي خلال أيام أو أسابيع فإذا بها تمتد سنة إثر سنة” ( ص 73 ).

إن هدية حسين تستعرض مصادر ثقافتها من خلال الإشارة إلى قراءاتها فينعكس ذلك في لغتها ونمط بنائها لأحداثها في هذة الرواية المحبوكة بعناية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى