الجديدمقالات

أسرة (القصّة) في (بَعْقُوبَة)..حفرٌ في ثقافة الستينيّات

د. فاضل عبود التميمي

مقدمة:

   تسعى هذا المقاربة برؤية الدرس الثقافي إلى الوقوف عند فكرة وجود جماعة منظّمة في مدينة (بَعْقُوبَة) مركز محافظة (دَيالى) اسمها (أسرة القصّة) أخذت على عاتقها إصدار مجلة (القصّة) في ستينيّات القرن الماضي، والإعلان عن وجودها، وتبني النهوض بها في ضوء حركة ثقافيّة، واجتماعيّة عبّرت عن مكنوناتها من خلال وسائل مختلفة.

مدخل:

   تنتمي فكرة الجماعات الأدبيّة في العالم إلى نوع من الاجتماع الخاص الذي يتوحّد بالرؤى ويدوم بالإنجاز، فهو اجتماع بغايات نبيلة تنتمي إلى قواسم مشتركة هدفها ثقافيٌّ في الأساس يأخذ بنظر الاعتبار النهوض بالواقع الآني للجماعات الأدبيّة المنتمية مهنيّا، وثقافيّا بهدف تشكيل وعي أدبيّ مؤثّر في مجال الإبداع ينطلق نحو الصحف، والمجلّات، ومؤسّسات المجتمع، والفكر، والجامعات، والتلقي، فالجماعات الأدبيّة والحال هذه ليست ترفا تزيينيّا يعلو الواجهات الثقافيّة، ومقاهي الأدب، وشوارع الثقافة، إنّما هي نوع من المؤسّسات التي يتضامن أفرادها في سبيل غايات سامية تتعلّق بنمط الثقافة التي تمارسها في ظلّ وجود حقيقيّ لسلطة الثقافة، وتأثيراتها المختلفة.

  الجماعات الأدبيّة في العراق:

   منذ بدايات القرن العشرين، وبسبب رياح التغيير التي عصفت بالحياة الاجتماعيّة في العراق، وبتأثير مباشر من جملة وقائع أولها الدستور العثماني، وليس آخرها نتائج الحربين العالميتين، ونشاط أوربا العلمي، والثقافي صار الحراكُ  سمة من سمات بدايات القرن الجديد في العراق، من هنا أجد أنّ ظهور التجمّعات الثقافيّة، والسياسيّة ما كان إلا ردّا واضحا على سوء الماضي، وجمود مفاصله، والرغبة في التحديث، والانقلاب على ما هو كائن إلى ما سيكون، فقد تبلورت أكثر من فكرة أرادت بالحياة أن تسير بطرائق تتعالق، والتجديد الذي بشّر به روّاد القرن العشرين.

   يستطيع الراصد لطبيعة التحوّلات الاجتماعيّة، والثقافيّة التي جرت في العراق أن يقف عند تلك التجمّعات، وأن يفحص محتواها الفكري لغرض إثبات مشروعيّتها في الحياة الجديدة، فلقد ترك التأريخ جملة نشاطات لتجمّعات أدبيّة عُرفت في وقتها، وزاولت نشاطها العلني عن طريق النشر، والمحاضرات، لعلّ من أهمّها: جماعة (الصحيفة) في بغداد التي قامت بتآلف جهود كلّ من: حسين الرحال، وعوني بكر صدقي، وعبد الله جدوع، ومصطفى علي، وسليم فتاح، ومحمود أحمد السيد، وهي تسعى إلى الإصلاح المرتجى، ونشر الأدب الجدي، فكان أن صدر العدد الأول من مجلّتها (الصحيفة) في 28/كانون الأول /1924([1]) لتكون أول جماعة أدبيّة في العراق الحديث، ومقرّها بغداد.

  برزت بعد ذلك جماعة (الوقت الضائع) التي ظهرت في العام ١٩٤٦ في بغداد أيضا، وقد حظيت بعناية عدد من الباحثين، وكتّاب القصّة، والأدباء العراقيين والعرب؛ لما لهذه الجماعة، أو التجمع الأدبي، والثقافي من أهميّة في مسار حركة الثقافة العراقيّة المعاصرة التي ضمّت عددا من الباحثين، وكتاب القصّة، وهم: بلند الحيدري ،ونزار سليم، وسلمان محمود حلمي، وحسين مردان، وعبد الملك نوري، وإبراهيم اليتيّم ، ونجيب المانع، والفنان جميل حمودي، وآخرون، وكانت لقاءاتهم في مقهى (السويدي) أو مقهى(الدفاع)، وجاءت تسمية الجماعة من عنوان النشرة الأدبيّة التي كانت  تصدرها([2])

  وشهدت بغداد ولادة جماعة (واق واق) أيضا، فمن الطريف أن يَقْدِم نخبةٌ من الكتّاب، والشعراء ،والأدباء الشبّان في العام 1946 على الالتئام في تجمع أدبيّ في مقهى أسّسوه مقابل النادي الأولمبي في ساحة عنترة: الأعظميّة، في بغداد أسموه (مقهى ألواق واق)، وضمّت الجماعة كلّا من: حسين مردان، والأخوين سليم: جواد ،ونزار، وغائب طعمة فرمان، وبلند الحيدري، وسلمان محمود حلمي، وأكرم الوتري، وساطع عبد الرزاق، ومحسن مهدي، وحسين هداوي، وفؤاد رضا، وإبراهيم اليتيّم، فضلا عن عدنان رؤوف، وهؤلاء كوكبة من الشباب استطاعوا أن يلفتوا نظر طلاب المعاهد، والكليّات في بغداد، ولاسيّما  دار المعلمين العاليّة لنشاطاتهم  الثقافيّة الواسعة([3]) التي انفتحت على عموم الثقافة والمثقفين.

  وكانت (جماعة كركوك) 1964 -1968من أكثر الجماعات الأدبيّة التي ظهرت في العراق المعاصر شهرة، وإنتاجا، وتأثيرا، وقد ضمّت هذه الجماعة نخبة من ممثلي الحركة الثقافيّة العراقيّة شعراء، ونقّاد، وقصّاصين، وفنّانين تشكيليّن، ومترجمين، وكتّاب مقالة، ويكاد مؤرخو هذه الجماعة، -منهم من عمل معها- يتّفقون على أنّ الآباء المؤسسين الأوائل لهذه الجماعة هم: جليل القيسي، وفاضل العزاوي، ومؤيد الراوي، وسركون بولص، وجان دمّو، ويوسف الحيدري، وصلاح فائق سعيد، وأنور الغسّاني، ويوسف سعيد، وفاروق مصطفى، وكان القاسم المشترك الأعظم الذي جمع هؤلاء المثقفين تحت مظلة أدبيّة واحدة هو روحهم التجديديّة، وتبرّمهم من الأوضاع العامّة التي كانت تسود العراق آنذاك، ونزوعهم إلى التمرّد، ومعاناتهم من الإحباط ،واصرارهم على السياحة في أرض الله الواسعة، فضلا عن  ذلك فإنّ معظمهم كان من أهل مدينة كركوك، ويرى الأستاذ فاروق مصطفى، وهو من أرّخ للجماعة أنّ مصطلح (جماعة كركوك) يعود إلى أمرين رئيسين: أولهما إنّهم ينتسبون إلى مدينة كركوك، وثمّة وشائج ودّ، وصحبة طيّبة جمعتهم، وثانيهما يردّ إلى محاولتهم تجديد الأدب العراقي، وتحديثه، وقد أثبت بعضهم الجدارة فـي هذا المضمار([4]).

   ويرى د. عبد الإله أحمد أن التجمّعات، واللقاءات الأدبيّة التي كانت تعقد في مقاهي بغداد الكثيرة في الخمسينيّات، وقبلها كانت مظهرا من مظاهر الحياة الأدبيّة في العراق، إذ شهدت الكثير من لقاءات المثقفين والأدباء، ومناقشاتهم الحامية، وثرثراتهم التي أسهمت إلى حدّ كبير في انضاج العديد منهم، فضلا عن بلورة اتجاهاتهم الفنيّة والفكريّة([5]).

   إنّ تلك الجماعات، وغيرها ممّن لم يرد ذكرها في هذه المقدمة -باستثناء جماعة كركوك- كانت بمنزلة المهاد العملي الذي أدّى فيما بعد إلى ظهور اتحاد الأدباء في العراق، وبروز الجانب المهني في تنظيمات ثقافيّة متعدّدة الأهداف، والرؤى في العراق، أحاطت بالمثقف العراقي، وعملت على الارتقاء به من عدّة وجوه.

    أسرة (القصّة) في بَعْقُوبَة:

القاص سالم الزيدي

   كان النشاط الثقافي لأسرة (القصّة) في بَعقُوبة معروفا لمن عاش المرحلة، والتسمية منصوصٌ عليها على لسان القاص سالم الزيدي الذي كتب:((و”القصّة” التي حملت رايتها “أسرة القصّة” تؤمن أنّها لم تكن محض صدفة، بل بعد دراسة علميّة لواقع القصّة في العراق والوطن العربي))([6])، إلا أنّ أحدا لم يقف عند تلك الجماعة ليشير إلى وجودها، ونشاطها الذي مارسته بشكل تفصيلي وموثّق، وقد تجاوزت أخبارها مدينة (بَعْقُوبَة) إلى مدن عراقية أخرى، بل وصلت إلى القاهرة حين أذاعت (صوت العرب) برنامجا خاصّا عن مجلة (القصّة)، فضلا عن  إذاعة الـ(بي بي سي) البريطانيّة التي قدّمت تقريرا ثقافيّا عن المجلة نفسها في الثمانينيّات من القرن المنصرم([7]).

  ويبدو أنّ التعتيم على نشاط الجماعة كان بسبب توقّف نشاطها بعد مدّة قصيرة من تأسيسها الذي خضع لمزاج أمنيّ لا يحبّذ النشاط المفضي إلى الحريّة الثقافيّة، فضلا عن تراخي الأسرة نفسها في البحث عن بدائل للعودة، وخضوعها التام إلى قرار السلطة الأمنيّة، مع أنّ موافقة وزارة الإرشاد كانت قد أقرّت بصدور المجلّة قبل قرار اغلاقها.

الزمان والمكان:

  كانت بداية الستينيّات حافلة بالنشاطات الثقافيّة المتنوعة  في العراق، فالستينيّات كانت سنوات القبض على جمر الأدب، والفكر في العالم المتحضّر، والبلدان التي كانت تسعى لأن تكون نامية في اقتصادها واجتماعها، وفي عراق أواسط الستينيّات ظهرت الأعمال الستينيّة الأولى التي شكّلت بذرة الاتجاه الجديد، كانت التسمية التي أطلقت على هذه الظاهرة “الموجة الجديدة”، و ”أدب الاحتجاج”، و”الكتابة المضادة”، و”الكتابة الحرة”، و”اللا قصيدة”، ولم يظهر مصطلح “جيل الستينيّات” إلا بعد سنوات من ذلك، ضمن الكتابات النقديّة، وغالبا من خصوم الحركة الجديدة التي أثرت روح الستينيّات بوصفها عقدا متميّزا في تطوّر الوعي، ليس على المستويين العراقي والعربي، وإنّما على المستوى العالمي أيضاً، بطرائق مختلفة على الكتّاب، والفنانين الجدد، وتركت تأثيراتها على كتاباتهم، التي تنتمي إلى اتجاهات جماليّة مختلفة، وعلى المستوى الكوني غيّرت حقبة الستينيّات، بحساسيتها الإنسانيّة الجديدة، الكثير من الرؤى المحافظة القديمة، وفتحت الطريق أمام التحرير الشامل للإنسان من أوهام  فكر الماضي وعبوديته، فإذا كانت الحركة الستينيّة هناك قد اتخذت طابعا جماهيريّا في الغرب، وخاضت طيلة أعوام معارك شوارع عنيفة ضد السلطات، فإنها اقتصرت في العراق على الأدب، والفن وحده، من دون أيّ قاعدة شعبيّة فعليّة([8]).

  لم تكن (بَعْقُوبَة) ومن فيها بعيدين عن هذا الجانب المضيء، فقد شهدت ولادة نشاطات متنوعة في الفن التشكيلي، والمسرحي، والرياضي، والأدبي في ظلّ وجود (دار المعلمين الريفيّة) التي تحوّلت في الاربعينيّات إلى دارين للمعلمين والمعلمات اللتين كانتا بمنزلة جامعة ليس لـ(دَيالى) فحسب إنّما للعراق كلّه، فضلا عن وجود عدد من الفرق المسرحيّة([9])، والنشاطات الفنيّة الموسيقيّة، والسينمائيّة، فصارت المدينة مركزا جامعا لعدد من النشاطات التي ليس للحكومة يد في وجودها، وإنّما كانت نابعة من حاجة المجتمع، والرغبة في التجديد، وهكذا اجتمع عددٌ من الأصدقاء ممن جمعهم حبُّ القصّة، ومحاولة الكتابة فيها لعمل شيء ما يبلورون من خلاله انتماءهم الخاص لهذا الفن الثقافي الجميل.

إصدار مجلة القصّة:

   يَذْكُرُ القاصُ والناقدُ (سليمان البكري) في مقابلة معه أجواء تلك المرحلة من عمر الثقافة في (بَعْقُوبَة) فيقول: كنا مجموعة من الشباب نلتقي في مقهى بعقوبيّ في نهاية الستينيّات، فطرحتُ على الأصدقاء فكرة اصدار مجلّة تعنى بالأدب القصصي، أو الروائي، أو المسرحي، فكان الإجماع على إصدارها متخصّصة في القصّة مع إصرار على أن تكون باتجاه جديد، وبجهود فرديّة للأدباء أنفسهم، وفّرنا مبلغ الطبع، وأرسلنا العدد الأول إلى مطبعة الغري الحديثة في النجف بمساعدة واضحة من الأديب حميد المطبعي، طبعنا ألف نسخة من العدد الأول، ووزّع في العراق كلّه([10]).

   يقول القاص (ناجح صالح)، في إطار حديثه عن فكرة تأسيس الأسرة :((في عام 1٩٦٧ كنّا نجتمع في مقهى (البَلم) الكائنة في السوق القديم إلى جوار نهر خريسان …كنا نجتمع أنا، والأخوة: سالم الزيدي، وخالد الخشالي، وسليمان البكري، وبعض لا اتذكرهم الآن…. وكان يدور بيننا حوار حول آفاق الأدب من قصّة وشعر …، ثمّ اقترحنا في إحدى الجلسات أن نصدر مجلّة اسمها (القصّة) بتمويل ذاتي ….، وفعلا صدر أول عدد في كانون الثاني ١٩٦٨، وتمّ طبعه في النجف، وكان لكلّ منا قصّة نشرت في المجلّة، واتفقنا أن يأخذ كلّ منا عددا من النسخ، ويوزعها على الطلبة اختيارا، وليس إجبارا بسعر ١٠٠ فلسا حتى نتمكّن من إصدار الاعداد المقبلة، كنّا في مقتبل الشباب تحتوينا حماسة لا حدود لها، وكان ذلك العقد عقدا ذهبيّا ظلّل وطننا بما فيه من وئام، وودّ، وحب)).

   ويقول القاص ناجح صالح عن أهداف الجماعة: ((أمّا الهدف من وجود تجمعنا فهو نشر الوعي بين القراء عن طريق القصص الهادفة، وكانت لنا طموحاتنا أن نستمر، ولكن لم يكن الأمر بأيدينا رغم حماسنا، وحبنا للأدب بما فيه القصّة…ويدور الحديث، ويدور، ثمّ يتشعب الى آفاق الثقافة بكلّ فروعها ثم يعرج آخر المطاف إلى الأدب لنستعرض كمّا من الكتب قرأناها القراءة المتأنية الواعية لنرى فيها محاسن خلبت عقولنا … لم نكن نريد إلا أن ننهج نهجها بما نمتلك من مواهب، وطاقات، ونحن في جلستنا تلك، وفي جلسات أخرى من ذلك الصيف يترنم أحدنا بقصيدة هي من وحي قلمه، يردفه آخر بقراءة قصّة قصيرة من بنات أفكاره، ثمّ يتبعه ثالث بمقال نقدي، وهكذا تكون جلستنا في عالم أدبي له من حلاوته ما ترتاح له النفس))([11]).

   ويذكر القاص والمسرحي الأستاذ سالم الزيدي شهادة تتعلّق بمسعى اصدار مجلة القصّة فيربط الحياة الثقافيّة في (دَيالى) بالعاصمة بغداد، ولكن بشيء من التفصيل:((بعد هزيمة الأنظمة العربيّة في 5حزيران عام 1967، وما انعكس من واقع سياسيّ، واجتماعيّ، وثقافيّ، وتأثير ذلك على العلاقات الإنسانيّة، وقضايا النشاط اليومي، تنبهنا إلى الجانب الثقافي المضيء في الحياة، فقد كان للثقافة التأثير الأكبر، يوم كان الأديب الملتزم بقضايا الوطن، والأنسان الأكثر احساسا بواجبه، والمسؤوليّة الملقاة عليه بوصفه قوة فكريّة، وماديّة مؤثّرة في مجمل أنشطة الحياة، وكان لابد من فعل ثوريّ يكون ردّا على الهزيمة، فبدأت حركة ثقافيّة، وفنيّة تتجسّد من خلال أنشطة، وحوارات، وكانت المقاهي ساحات لها، وكنت التقي في بغداد في مقاهي:(عارف أغا، والبرلمان، وحسن عجمي، والزهاوي، والبلديّة)حيث يتواجد الأدباء، والكتّاب، والفنّانون، وبعض أهل السياسة، وكانت تجري النقاشات حول الموضوعات التي ترتبط بالواقع المجتمعي، والسياسي، وتحديد دور المثقف.

   ويؤكّد الأستاذ الزيدي: كان سركون بولس، وعبد الأمير الحُصيري، وعبد الرحمن الربيعي، وعبد الستار ناصر، ومحمود جنداري، وشاكر السماوي، وحاتم محمد الصكر، وحامد العبيدي، والأديب محمود العبطة يشكّلون مجموعة من الأدباء الذين اعتدنا أن نقضي معهم ساعات في تلك السياحات، والنقاشات الأدبيّة، والثقافيّة، فالجميع يلتقي بحلقة الأديب محمود العبطة، وكان النقاش يفضي إلى ثقافة المحافظات.

القاص عبد الستار ناصر

  وفي يوم ما -والحديث لمّا يزل للزيدي- كانت مجموعة كبيرة من أدباء بغداد تزور (بَعْقُوبَة) اسبوعيّا، وتكون لنا معهم حوارات  في بساتين (بهرز) صباحا، ومساء في مقهى (الحريّة) الواقعة إلى جانب نهر خريسان، وكانت تلك اللقاءات لا تخلو من الحديث عن ضرورة تنشيط الحركة الأدبيّة في بَعْقُوبَة، واصدار مجلة أدبيّة فيها، وهذا ما شجّع  مجموعتنا المؤلّفة من: (سالم الزيدي ،وسليمان البكري، وحسين الجليلي، وياسين حسين ، ومحسن الكيلاني ، و خالد الخشالي ،وناجح صالح) للعمل على تأكيد الهدف؛ أي اصدار المجلة، ثمّ جاء تعيين الأديب (محمود العبطة) قاضيا في (بَعْقُوبَة) انتصارا للحركة الثقافيّة في المحافظة إذ كنت التقي به يوميّا، وطرحت عليه فكرة اصدار مجلة ثقافيّة في  مدينتنا، فشجعني على ذلك، وقال إنّه سيدعم المشروع ماديّا ومعنويا.

   ويتابع الأستاذ الزيدي حديثه فيقول: ناقشت الموضوع مع القاص (سليمان البكري) الذي رحّب بالفكرة منذ أوّل يوم تحدثنا فيها، وطرحت الفكرة نفسها على (ياسين حسين) و(حسين الجليلي) و(ناجح صالح)، فوافق الجميع، وعقدنا اجتماعا في إحدى مقاهي (بَعْقُوبَة) بحضور أكبر عدد من الأدباء، ووضعنا الخطة لإصدار العدد الأول، وحدّدنا الشعار: (القصّة فكرٌ مفتوحٌ لكلّ تجارب الأدب القصصي)، وكُلّفت من الجميع بمتابعة التنفيذ، واتفقنا على تسديد نفقات الطبع، والأمور الأخرى مثل: النقل، والمتابعة بالمشاركة، والتعاون([12]).

العدد الأول:

   يروي الأستاذ سالم الزيدي الاستعدادات الأولى لإصدار (القصّة) في جزئها الأول فيقول: ((شُكّلت لجنةٌ من (سليمان البكري) و(حسين الجليلي)، و(ياسين حسين) مهمتها اختيار نصوص العدد الأول، وتم اختيار عشر قصص، على أن تكون الافتتاحيّة بقلم الأديب محمود العبطة، ثمّ  قمتُ أنا بمراجعة وزارة الإرشاد:(الرقابة) للحصول على الموافقة الرسميّة، وتمّ  ذلك، وذهبنا  أنا والأديب محمود العبطة إلى  مدينة النجف الأشرف، والتقينا بالأديب (حميد المطبعي) الذي رحب بنا، ورافقنا إلى مطبعة (الغري) العائدة إلى أخيه، واتفقنا معه على طبع العدد الأول الذي صدر في نهاية شهر كانون الثاني عام 1968بموافقة من وزارة الإرشاد العراقيّة))([13]).

محتوى العدد الأول:

   كانت (القصّة) قد صدرت في مدينة (بَعْقُوبَة) بوصفها سلسلة قصصيّة تحيل على شكل  مجلـة أدبيّة معنيّة بالأدب القصصي إبداعا ونقدا، وقد أشرف على تحريرها، واصدارها الأديبان: سليمان البكري، وســالم الزيدي، وهذا ما ثُبّت على غلاف جزئها الثاني الداخلي.

   والمجلة كما شهد مضمون عددها الأول الصادر استقطبت مجموعة مــن الكتـــّـاب الشباب، وبشّرت بقصصهم، فقد احتوى (العدد الأول) الذي صدر في نهاية  كانون الثاني: 1968على تقديم بمنزلة الافتتاحيّة للعدد كتبه الأديب محمود العبطة، أكد فيه أنّ الأدب العراقي الحديث بمنزلة غابة كثيفة متشابكة الأغصان معتمة الظلّ تتطلّب الأيدي الأمينة التي تنقل أزهارها في إشارة واضحة إلى أهميّة نشر الأدب العراقي الحديث، ثمّ برّز فيها تلك الأقلام حيث ضرورة العناية بأدب المحافظات جاعلا من مدينة (بَعْقُوبَة) مثالا لتلك العناية، وعنده حرام أن تذبل الأزهار الشابّة في الهجير، ولا تقبّل وجناتها إلا الشمس في إشارة كنائيّة إلى اهميّة أدب المحافظات ، وضرورة نشره([14]).

  وكان النشر القصصي في ذلك العدد مقتصرا على: القاص ياسين حسين في قصّته (المنفذ)، وهي بإطارها الترميزي حاولت الاقتراب من الحياة حين يكون الموت حدا فاصلا بين حالتين لا شبه بينهما، وسالم الزيدي في قصّة (صور خمس)التي برع في التجريب فيها مبكّرا في الإفادة من التقانات المسرحيّة التي كان ولمّا يزل قريبا من حدودها كي يقدم نصّا معبّرا، وسليمان البكري في قصّته (لهاث الرحيل) التي كان من خلالها وفيّا لإيجاد حلّ للمشكل الاجتماعي، وهو ما سيظهر في نقده فيما بعد بشكل واضح، وخالد الخشالي في قصّة (الحلم) التي استطاع من خلالها أن يدين الفكر الغربي، وهو يصنع ألاعيبه السمجة التي تقتل وعي الشعوب، وهناء الخالدي في قصّة (الظمأ) التي حاولت من خلالها أن تكشف عن حاجة الإنسان إلى الطبيعة، وضرورة أن يعيش محترما، والقاص ناجح صالح في قصّة (طريق الانتقام) التي غلّف متنها الموت بوصفه نهاية، والقاص حسين الجليلي في قصّة (الحاج حامد) التي كانت سفرا في مشكلة الأرض والفلاح، والقاص علي موسى في قصّة (نازك) التي كانت تجري وقائعها في قرية كرديّة شهدت سرّا كبيرا خبّأته القصّة في متنها، والقاص محسن الكيلاني في قصّته (نهاية الطريق) التي لا تخلو من بعد اجتماعي ركّز القاص عليه، ورغب في الإشارة إلى محتواه، والقاصّة سميرة أديب في قصّة (المهزومة) التي كانت تعبيرا واضحا عن الوحدة التي تلفّ حياة المرأة وسط ضياع غير متناه، بمعنى أنّ العدد الأول اقتصر النشر فيه على قصاصي (دَيالى) فحسب ، فكأنّ المجلة كانت في فضاء تجريب إخراج العدد الأول.

   وكان العدد قد اشتمل على جملة معلومات منها الإحالة على مطبعة (الغري) طباعة له، فضلا عن التعريف بالمجلّة بوصفها ((سلسلة قصصيّة تعنى بشؤون القصة))، ومقدار الاشتراك السنوي (دينار واحد)، وعنوان المجلّة الذي يجب أن ترسل إليه الرسائل والحوالات([15])، فضلا عن أنّ العدد احتوى على مجموعة من الاضاءات التي تحيل على فلسفة المجّلة مثل:(القصّة …فكر مفتوح لكلّ تجارب الأدب القصصي)، وبعض الإعلانات الخاصة بصدور المجاميع القصصيّة، ومحتويات العدد القادم.

أهميّة العدد الأول:

   ترى كيف يتسنّى لنا -الآن- أن نحتكم إلى المجلّة في عددها الأول بعد سنوات ليست بالقليلة على ولادة مشروعها الثــقافي الأدبي الرائد الذي كان في وقت بزوغه أشبه بمغامرة لا تخلو من اندفاع شجــــاع؟، لا شكّ أنّ صدور المجلّة في ذلك الزمن، والمكان يمكن النظر إليه الآن من زاوية الإنصاف التي تسوّغ  وجود البطولة  الجماعيّة حين تلامس أحلام فئة من الأدباء تريد النهوض في المجتمع، وتسعى إلى إحداث تحوّلات فيه، لقد كان صدور المجلّة مختّصة في أدب القصّة ونقده نقطة تحوّل في تأريخ الصحافة الأدبيّة في العراق، فضلا عن أن ظهورها كان  تجريبا مسوّغا أجد مــن الضروري الإشارة إلى أن (القصّة) بوصفها مطبوعـــا متميزا في شكله، ومحتواه قام على جهد أدباء معدودين بلا دعم رسمي، أو شـبه رسميّ سوى رغبة مجموعة من الأدباء في تأكيد أثر القصّة في حياة الأدب العراقــي الحديث، والإعلاء من شأنه، فضلا عـن أنّها أي (القصّة) صدرت في زمن صارت فيه الحاجة ماسة لوجود مطبوع يتولّى العناية بالقصّة، وما يحيط بها من نقد.

   كان صدور العدد الأول من (القصّة) قد حفّز أدباء بغداد للنشر في أعدادها الآتية، وأجد أن هذه المسألة لها صلة بطريقة تلقي المجلة، وتفاني العاملين عليها، فلو لم يكن العدد الأول خارقا للسكون الذي كان يعيشه قسمٌ من الأدباء في العاصمة لما أقدم هؤلاء، وغيرهم على النشر في المجلة، وتحيّتها عن بعد.

العدد الثاني:

  يروي الأستاذ (سالم الزيدي) فصلا آخر من فصول اصدار المجلة فيقول: ثمّ هيّأنا العدد الثاني الذي اتفقنا أن يكون بمشاركة كتّاب من جميع مدن العراق، وأن لا يقتصر على أدباء دَيالى، وفعلا صدر الثاني في شهر آذار 1968بمشاركة خمسة عشر أديبا عراقيّا، وكانت افتتاحية العدد بقلمي، وقد سبّبت لي مشكلة، إذ تّم استدعائي إلى دائرة أمن (بَعْقُوبَة) للاستفسار عن عبارة (الإنسان إنسان مهما اختلفت الظروف، والمجتمعات، وتعددت القوميّات، والأديان والاجناس)، وخرجت من دائرة الأمن بعد توضيح  مؤدّاه أنّ الإنسان واحد في عالم مليء بالبشر([16]).

محتوى العدد الثاني:

  كان العدد الثاني من المجلة متميّزا عن العدد الأول في محتواه، فقد كتب افتتاحيته الأديب سالم الزيدي، وكانت بعنوان (القصّة …المولد الشرعي لإرادة التغيير) التي أكدّ من خلالها أنّ المثقفين هم الركن الأساسي لأيّة محاولة للتغيير؛ لأنّهم يمتلكون المعطيات الفكريّة لحركة التجديد والتقدم، و رأى (الزيديُّ) أنّ الإنسان إنسان مهما اختلفت الظروف، والمجتمعات، وتعدّدت القوميّات، والأديان ،والأجناس ، فهو في هذه اللمحة الفكريّة كان إنسانيّ النظرة، عالميّ النزعة، وكان من (حقّ) ضابط الأمن أن يقف عند هذه العبارة التي التبست عليه، فكيف يكون الأنسانُ إنسانا؟! ليس بوسع ذلك الضابط إلا الوجوم أمام تلك العبارة الفصيحة التي تحيل على مبدأ المساواة بين البشر، ولم يكن قد سمع بها من قبل!.

   ونُشرت في ذلك العدد قصصٌ لقصّاصين من بغداد وسواها لـكلّ من: عبد الرحمن مجيد الربيعي في قصّة (الملاحقة) التي تجري وقائعها في ظل ملاحقة بوليسيّة فاقدة الزمان والمكان بلغة احتراف سرديّ عال، وسركون بولص وقصّته (يجوب المدن وهو ميت) التي هي سردٌ لحياة أخرى أراد القاص من خلالها أن يقول إنّ الحياة لا تصلح للجميع، وبلقيـــــس نعمة العزيز في قصّة (التلوّث) وهي فضاء من النقد الاجتماعي الذي يتوجّه نحو الأب حين يكون على درجة عالية من التفاهة، وعبد الجبار العبودي في (الهدوء في اللونين) وهي قصّة رجل مأزوم يعاني من هزيمة كبرى في حياته، وخضير عبد الأمير وقصّة (قصّة رجل ميت)، وهي مشكلة رجل يعيش بين أنقاض بيت لا يفارقه حتى تحوّل إلى سرّ من أسرار المدينة، ومحمد عبد المجيد في قصّته (القاع ليس معتما)، وهي عن الطفولة الحائرة والضياع، كما نشرت المجلة لقاصّـين من محافظة ديالى: ياسين حسين في قصّة (الهاربون من الوحل) التي تنتمي إلى إشكالات المجتمع: الرشوة والحياة التي تأخذ شكل مأساة، والتحقيق، والمدن التي تتعجل في نهاياتها، وسليمان البكري في (خطوات في قاع زجاجي)، وهي خطوات الحب الذي شغل القاص ردحا من الزمن، لكنّه في القصّة حبٌ انسجم مع الطبيعة.

   وكانت المجلّة قد نشرت مقالات، ومتابعات تخصّ نقد القصّة، ومتابعتها لكلّ من: أحمد فياض المفرجي الذي كتب (قاصّان من زمن الستين) استجوب فيها القاصين عبد الرحمن مجيد الربيعي، والقاص سركون بولص في سؤالين لكل منهما: هل لك أن تقول لنا شيئا عن بداياتك القصصيّة؟، و هل تعتقد أن الزمن كاف لأن يوجد جيل ستيني، وأين موقعك منه؟.

  وفي العدد نفسه نشر لطيف عبد حسين قراءة نقديّة عنوانها (القصّة في الأدب العربي القديم)، وهي حفرٌ معرفيٌّ في البحث عن جذور القصّة عند العرب، وكان الأديب حسين الجليلي قد نشر في العدد نفسه (رأي للمناقشة: في القصّة العراقيّة) وهو عنوان أحال على مسألة مهمّة تتعلّق بطبيعة القصّ العراقي يوم ذاك، وكان الأستاذ أحمد خالـص الشعلان في دراسته (ثلاث قصص قراءة ونقد) قد تابع  نقديّا قصص ياسين حسين، وسالم الزيدي، وسليمان البكري المنشورة في العدد الأول، وكان للقاص غازي العبادي أن نشر في ذلك العدد متابعة نقديّة عنوانها (انتفاضة قلب وقصص أخرى) قرأ فيها قصص قاصّة عراقيّة نسي أن يذكر اسمها، هي القاصّة : سهيلة داود سليمان في مجموعتها:(انتفاضة قلب وقصص أخرى): منشورات دار المكتبة العصريّة- بيروت1965، و رأى أن قصصها تدور في إطار التجارب الشخصيّة فحسب، وكتب في العدد نفسه خالد الخشالي قراءة بعنوان (الغضب مجموعة قصص حسب الله يحيى) تابع فيها المنجز القصصي لهذه المجموعة التي وجدها قصصا واقعيّة بشيء من التحفظ.

   استنادا إلى ما سبق أعُدّ العدد الثاني من المجلّة قفزة نوعيّة في الصحافة الأدبيّة يومذاك على اعتبار أنّ (القصّة) أول مطبوع عراقي عنى بالأدب القصصي فحسب، فضلا عن أن العدد اشتمل على قضايا نقديّة، ومتابعات للعالم القصّة القصيرة ممّا اعطى لصدوره تميّزا في المضمون لم يقتصر على نشر القصص بل تعداه إلى نقدها.

   وكان العدد قد وزّع في العراق، فضلا عن مكتبات قسم كبير من الدول العربيّة، وقد وصلت المجلة رسالتان الأولى من الأديب غسان كنفاني الذي كان يقيم في بيروت، والأخرى من الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان مقيما في القاهرة تباركان صدور المجلة، وانطلاقتها عربيّا([17]).

العدد الثالث:

  يسترجع الأستاذ (الزيدي) وقائع التهيئة لإصدار العدد الثالث من المجلّة فيقول: تمّ اختيار مواد العدد بمشاركة كتّاب عرب، وكان عدد المشاركين(12) كاتبا منهم من العرب: غسان كنفاني، وحسين القباني، وكان تأريخ صدور العدد مايس 1968، وحين ذهبت لاستلام النسخ من المطبعة في النجف الأشرف بُلّغت بمراجعة دائرة الأمن هناك، ورافقني شقيق الأديب حميد المطبعي الذي أبلغني أنّ  كتابا صادرا عن وزارة الإرشاد: دائرة الرقابة منع صدور المجلة، ذهبنا إلى دائرة الأمن، وجرى التحقيق معي عن كيفيّة صدور(القصّة)، ومن المموّل، والأشخاص، واتجاهاتهم السياسيّة، وقدّم لي تعهّدا بعدم الاستمرار في إصدارها إلا بعد الحصول على إجازة امتياز من الوزارة، وتمّ  مصادرة العدد واتلافه، لكنّ صاحب المطبعة أخفى نسخة منه، بعد ذلك حاولنا الحصول على امتياز اصدار القصّة إلا أنّ الطلب رفض، فتوقفت المجلة عن الصدور([18]).

   كان العدد الثالث من المجلة متميّزا، وتميّزه جاء من مضمون المواد القصصيّة، والنقديّة التي نشرت فيه، فالأسماء التي كان لها شرف الاسهام في تحريره هي: لطفيّة الدليمي، ومحيي الدين زنكنة، ومحمود جنداري، وسالمة صالح، وحسب الله يحيى، وسليمان البكري، وفهد الأسدي، وسالم الزيدي، وأمل عبود عباس، ويحيى إدريس الناقد الفنيّ الذي كان يكتب القصّة، وغسان كنفاني: الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، وحسين القباني: من سورية.

فضاء القصّة:

  لقد تبنّت المجلة نهجا خاصّا في تحريرها حاولت من خلاله أن تكتب قصـــّـة جيل أخلص لذاته وأدبه، وأبى أن يخلع عليهما دفء الأقنعة المتهافتة([19])، أي أنّهــا حاولت أن تقدّم تجارب طليعيّة في كتابة القصّة الجديدة ايمانا منها بأهميّة هـذا النوع من الأدب المتميّز، وللمتلقي اليوم أن يعود إلى قراءة القصص كي يكتشف بنفسه مقدار التحديث، والتجريب الذي مورس في كتابتها على مستوى اللغة والرؤية، والمجلة كما قال القائمان على اصدرها، ونشرها نتيجة حتميّة منطقيّة مستلّـــة  من واقع الإنسان المعاصر الذي يبحث بصدق عن حقيقة وجوده، على الرغم من أنّها عاشت خضم مرحلة قلقة من تأريخ العراق المعاصر، وكانت سبّاقة في كــشف مضامين ذلك الواقع ونقده، وتلك جرأة كبيرة تحدّت المجلة فيها الوضع السياسي، والنفسي السائد يوم ذاك .

   لقد كان صدور(القصّة) في تلك الحقبة (العقد الستيني) حدثا ثقافيّا ننظر إليه اليوم باحترام، ونحن ندقّق النظر في أهدافها، وأفكارهــا المعلنة، ولك أن تقرأ على صفحاتها: إنّها مجلّة تتخطى الخوف، وتفصح عن حاجة حقيقية ببراءة لم يفسدها ادعاء الكمال، وعلى الغلاف الثاني للعدد الأول حاولــت أن تبيّن المجلة أهدافها مؤكّدة مسئوليّتها التأريخيّة للارتفاع بمستوى القصّة العراقيّة، ودعوتها القارئ لكي يكون سندا حقيقيا لها بعد عن أفصحت بصراحة عن هويّتها المتمثلة في أنّها: فكرٌ مفتوحٌ لكلّ تجارب الأدب القصصي.

   لخّص الأستاذ سالم الزيدي أحد مؤسسي المجلة ملامحها في المقالـــــة الموسومة بـ( القصّة المولود الشرعي لإرادة التغيير)، المنشور على الصفـــحة الثالثة من العدد الثاني حين كتب :((القصّة لم تكن محض صدفة، بل بعد دراســـة عمليّة لواقع القصّة في العراق، والوطن العربي، والقصّة تؤمن بالنقد، والنقــــــــد الذاتي، والنتاج الجديد يفرض نفسه، وأنها (أي المجلة) فكرٌ مفتوحٌ لكلّ تجــارب الأدب القصصي الحديث ذي السمة الإنسانية))([20])، وقد أسهم قسم من الأدباء في تحيّة المجلة والوقوف معها؛ فالأديب محمود العبطة كتب على الغلاف الأخير من العدد الثاني (القصّة …محاولة تستحق الهتاف العالي)، وكتب عبد الرحمن مجيد الربيعي (القصّة ….خطوة طيّبة وبداية خصبة لزملائنا القصاصين الشباب)، وكتبت القاصّة سالمة صالح (أتمنى للقصّة التقدم والانتشار السريع)، فضلا عن القاص موسى كريدي الذي كتب(القصّة….رملةٌ في أرض قاحلة …أتمنى أن تفرض وجودها في الأعداد اللاحقة).

    وكان غلاف العدد الثالث متميّزا في إخراجه، وفي لون الغلاف الذي فارق سيمياء الغلافين السابقين، وفي الشعار الذي حمله (القصّة رسالة الفكر التقدمي)، مما أعطى فكرة عن أنّ القائمين على المجلة أخذوا بأسباب التطوّر التقاني للغلاف مسايرة لأغلفة المجلات العربيّة التي كانت تصل العراق، وهذا دليل حرصهم للوصول إلى الغايات النبيلة.

   وكان للمجلّة أن أعلنت عن أنّ لها منشورات ستظهر في القادم من الأيام، وهذا الإعلان دليل تطوّر حدث في بنيتها، ونظامها غير المعلن أراد التحول بها من النشر الخاص بأعداد المجلّة إلى النشر العام الذي تقوم به عادة دور النشر المعروفة، فقد أعلنت في عددها الأول عن قرب صدور (موت الشجرة الخمسين) مجموعة مشتركة للقاصين سليمان البكري، وسالم الزيدي عن منشوراتها هي، وأعلنت عن قرب صدور (ثم يكسبها الجبناء) رواية ياسين حسين عن منشورات مكتبة الحقيقة في مدينة بَعْقُوبَة.

  وفي العدد الثاني من المجلة أُعلن عن صدور روايات أخرى، ومجاميع قصصيّة، وشعريّة  عن دور نشر مختلفة، فقد أعلن عن صدور(أعوام الظمأ) المجموعة القصصيّة للقاص محمود جنداري من دون أن تشير إلى اسم  دار النشر، وأعلن عن صدور رواية ناجح صالح (أشياء لها شجون) عن منشوراتها؛ أي منشورات أسرة القصّة، وصدور(الظل في الرأس) مجموعة القاص عبد الرحمن الربيعي عن منشورات المكتبة العصريّة في بيروت، و(زقاق الفئران) للقاص نزار عباس، و(نازك) مجموعة القاص علي موسى، من دون أن تحدّد دار نشرهما، وأعلن عن اصدار المجموعة الشعريّة للشاعر هادي الربيعي (أغاني الطائر الأخضر الغريب) من دون أن تحدد دار النشر، وأعلن عن صدور مجلة (القافلة) التي كان يصدرها الأديب محمود العبطة، فضلا عن أنّ المجلّة أعلنت عن مفاجأة أدبيّة في العدد القادم؛ أي الثالث ستقدمها أسرة القصّة.

    لقد تبنّت المجلّة منهجا خاصّا في تحريرها حاولت من خلاله أن تكتب قصــــّة جيل أخلص لذاته وأدبه، وأبى أن يخلع عليها دفء الأقنعة المتهافتة، أي أنّهــــا حاولت أن تقدّم تجارب طليعيّة في كتابة القصّة الجديدة ايمانا منها بأهميّة هـــــــذا النوع من الأدب المتميّز، والمجلّة كما قال القائمان على إصدارها، ونشرها نتيجة حتميّة منطقيّة مستلّـــة من واقع الإنسان المعاصر الذي يبحث بصدق عن حقيقة وجوده، على الرغم من أنها عاشت خضم مرحلة قلقة من تأريخ العراق المعاصر وكانت سبّاقة في كــشف مضامين ذلك الواقع ونقده، وتلك جرأة كبيرة تحدّت المجلة فيها الوضع السياسي، والنفسي السائد يوم ذاك.

   بيان القصّة:

   لم تصغ أسرة القصّة في (بَعْقُوبَة) بيانا تأسيسيّا لها، إلا أنني أستطيع أن أعدّ ما كتبه الأستاذ سالم الزيدي في افتتاحيّة العدد الثاني بمنزلة بيان الأُسرة الذي تضمن متنا اعلانيّا أحال على الأمور الآتية:

  1. إنّ نكسة الخامس من حزيران جعلت الفكر يحلّل المواقف بآليات التحليل العلمي المستند إلى الواقعيّة السياسيّة، والثقافيّة.
  2. إنّ المثقفين هم الركن الأساسي لأيّة محاولة للتغيير؛ لأنهم يملكون المعطيات الفكريّة لحركة التجديد والتقدم، فهم الذين يفكّرون بمنظار جديد، وأسلوب يستعمل الطاقة الماديّة والمعنويّة.
  3. إنّ على الإرادة الشعبيّة استخدام جميع إمكاناتها في معركة الوجود، والتغيير المنتظر.
  4. إنّ مجلّة (القصّة) هي المولد الشرعي لإرادة التغيير الذي لا بد منه، وجولتنا لم تكن سهلة بقدر ما هي صعبة.
  5. يُطلب من المثقفين الالتزام الأدبي، والنهج العلمي، والواقعيّة.
  6. إنّ الإنسان (إنسان) مهما اختلفت الظروف، والمجتمعات، وتعددت القوميّات، والأديان، والأجناس، هو (هو) في فلسطين وفيتنام ووفي أية بقعة من الكوكب الأرضي.
  7. الأديب الذي تؤمن به المجلّة هو الذي ينقل الواقع بما فيه من صراع بين الخير، والشر، والرذيلة والظلم، فيصوّر القضيّة تصويرا حيّا، والسياط التي تلامس اللحم، والعظم تدفع الإنسان إلى التجديد.
  8. الأديب الملتزم يشعر بإحساس مرهف ليجسّد أهدافه، وهي تتّصل بأعماق الإنسان، ووجوده بصدق.
  9. 9-    (القصّة) التي حملت رايتها (أسرة القصّة) تؤمن بأنّها لم تكن محض مصادفة بل نتيجة دراسة علميّة لواقع القصّة في العراق، والوطن العربي، وهي تؤمن بالنقد والنقد الذاتي، والنتاج الجيّد يفرض نفسه، وما ينشر فيها يمثّل رأي كاتبه، وهي فكرٌ مفتوحٌ على كلّ تجارب الأدب القصصي الحديث ذي السمة الإنسانيّة.
  10. (الأدب للأدب)؛ بمعنى أنّها مع مقولة الأدب للمجتمع، ولا وجود لـ(فرانكلين)، ومجلة (حوار) بيننا، وهيهات للأقلام الكاذبة أن تخدع الجيل العربي المعاصر.

  إنّ القراءة الدقيقة لهذه (الافتتاحيّة: البيان) تحيل على تبيان أنّها كانت بمنزلة إعلان مهمّ في طرحه حاول أن يقرأ الواقع الثقافي العراقي، والعربي من وجهة نظر نقديّة، كانت الافتتاحيّة في بعض فقراتها متأثرة بالفكر الماركسي، ولا سيّما في رفض فكرة (الأدب للأدب)، وهذه مسألة طبيعيّة تردّ إلى فاعليّة ذلك الفكر، وتخطيه الحدود، ووجود من يؤمن به من العاملين في المجلّة، لكنّه -البيان- في ذات الوقت حافظ على استقلاليته، وهويّته العربيّة، والعلميّة التي رافقت ولادة المجلة، وحضور فكرة النقد والنقد الذاتي التي تعدّ مطهّرا للثقافة والمثقفين، وإن كانت مجلوبة من الحلول السياسيّة، فضلا عن أنّ البيان أكّد على السمة الشعبيّة للمجلة، وانسانيّة القائمين عليها فكرا ونشرا.

  أمّا مسألة نقل الواقع بما فيه من صراع بين الخير والشر، والرذيلة، والظلم، وهو يصوّر القضيّة الجماهيريّة تصويرا حيّا، فقد يخضع للحوار الجاد، فالأديب ليس مصوّرا فوتوغرافيّا همّه النقل الحرفي لمظاهر الحياة، إنّما له مخيّلة يستطيع من خلالها أن يتعامل مع حقائق الوجود، فضلا عن تخيّله الذي يمنح اللغة جمالا، ومغايرة، وإضافات، وإذا كانت(القصّة) فضلا عن كلّ ما ذكر ليست مع مقولة (الأدب للأدب)، إنّما مع دعوة أخرى لها مرجعياتها الماركسيّة التي حضرت في بلداننا بوساطة مصطلح الواقعيّة الانتقاديّة التي ترى أنّ الأدب للمجتمع، وكان لها تأثيرها المباشر في وعي كثير من الأدباء، فإن ذلك كان تعبيرا عن حوار آخر مع الفكر الماركسي.

   بالعودة إلى جوهر البيان فإنّ (فرانكلين) مؤسّسة ذات صبغة ثقافيّة تابعة لوكالة المخابرات الأميركيّة، كان لها فرع في بغداد، وقسم من العواصم العربيّة، ومجلة (حوار) كانت تصدرها المنظمة العالميّة لحريّة الثقافة بدعم من وكالة المخابرات الامريكيّة أيضا، وكان الحديث عنهما في الستينيّات محط عناية كبرى من القوى السياسيّة، لكنّ (القصّة) تمكّنت من تفكيك أهداف تلك المؤسستين مبكّرا.

    إنّ الدراسة المتأنية لمحتوى أعداد المجلّة تشير إلى أنّها مجلةٌ انطلقت من الواقع وإلى الواقع تصويرا، و تأملا، ونقدا، فعلى الرغم من تميزها بتجريبية رائدة إلا أنها لم تدّع كمالا مزيفـا، ولا مجدا مؤسّسا على جهد الآخرين، وأنّها كانت شجاعة في مضمونها، فقد تخطّت الخوف الأدبي، والسياسي إبّان تلك الحقبة من تأريخ العراق الحديث، والقت حجرا كبيرا، وثقيلا في بحيرة القصّ العراقي، ثمّ تركت أثرا ليس من السهولة نسيانه([21]).

 وبعد: فإنّ أسرة (القصّة) في (بَعْقُوبَة) كانت (تجمّعا) تمّت لقاءاته على وفق إطار الحاجة الملحّة لتنظيم ثقافيّ تولّى الإشراف على اصدار المجلة، وبَعْقُوبَة تحاول أن تفارق الاقتصاد الزراعي نحو اقتصاد آخر يقترب من شكل المدينة، وكان التجمّع واضح الرؤى في مكان معين، وزمان: أعني مقاهي المدينة، وبيوت الأدباء، في نهاية الستينيّات من القرن العشرين؛ فالأسرة كانت مأخوذة بحب القصّة، والتجديد فيها، ونشرها أيضا.

  إنّ الإقدام على اصدار مجلّة متخصّصة كما هو حال (القصّة)تعنى في نشر القصص، ونقدها هو مشروع رياديٌّ ثقافيٌّ يمكن الاستدلال على أهميّته بالاستعانة بما رأى (د. علي جواد الطاهر) وهو يعاين فكرة إصدار الجرائد، والمجلات فوجدها رافدا مهمّا من روافد الثقافة المعاصرة، وهو يعتقد أنّ النقد الحديث بعامّة وُلد على صفحات الجرائد والمجلات، وأنّه تكوّن من المقالات التي صارت نوعا يُعرف بالمقالة النقديّة، بمعنى أنّ النقد عمليّة صحفيّة في الأساس([22])، ولدت في ظلّ الثقافة التي ابتكرتها الصحف والمجلات المتخصّصة.

الإحالات:


[1] – ينظر: وراء الأفق الأدبي: د. علي جواد الطاهر: صدر عن وزارة الإعلام العراقيّة سلسلة دراسات: 1977: 183، 184.

[2] – ينظر: المجلات العراقيّة الرياديّة ودورها في تحديث الأدب والفن 1945-1958: سامي مهدي: دار الشؤون الثقافيّة العامّة: بغداد: 1995: 38-42.

[3] – الوقت الضائع أول جماعة أدبيّة في العراق: موقع المراقب العراقي: بتاريخ 23/ 8/ 2020 واللقاء مع الأستاذ محمد ونان.

[4] – ينظر: جماعة كركوك والإستذكارات الناقصة: فاروق مصطفى: دار سردم للطباعة والنشر في السليمانية: 2005، وينظر: جماعة كركوك (الأدبية): فصل من تأريخ العراق الثقافي المعاصر: د. إبراهيم خليل العلاف: موقع الحوار المتمدن: بتأريخ 23/ 8/ 2020.

[5] – ينظر: الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية: اتجاهاته الفكريّة وقيمه الفنيّة: ج2: د. عبد الإله أحمد: وزارة الاعلام: بغداد: 15.

[6] – ينظر: القصّة المولد الشرعي لإرادة التغيير: سالم الزيدي: القصّة: ج2: 5.

[7] –  لقاء مع القاص سالم الزيدي بتأريخ 23/ 3/ 2019.

[8] – ينظر: الروح الحيّة جيل الستينيّات في العراق: فاضل العزاوي: دار المدى للثقافة والنشر: ط2: 2003: 9، 10.

[9] – ينظر: مسرح المحافظات ذاكرة إبداع: مسرح ديالى أنموذجا: سالم الزيدي: مكتب زاكي: بغداد: 2021: 43-45.

[10] – ينظر: سليمان البكري ذاكرة تامرا: حاوره: د. فاضل عبود التميمي، والشاعر عمر الدليمي: مجلة تامرا: العدد 2: آذار: 2018: 92.

[11]رسالة من القاص ناجح صالح إلى المؤلّف بتاريخ: 3/ 2/ 2020.

[12] –  لقاء مع القاص سالم الزيدي بتأريخ 21/ 3/ 2021.

[13] – نفسه.

[14] –  ينظر: العدد الأول (القصّة):5، 6.

[15]ينظر: نفسه: 2.

[16]لقاء مع الأستاذ سالم الزيدي بتأريخ 2/ 3/ 2021.

[17] –  ينظر: نفسه.

[18]رسالة القاص سالم الزيدي إلى المؤلف بتأريخ: 10/ 8/ 2020.

[19] – ينظر: القصة: العدد الأول: 4.

[20] – ينظر: صفحة من تاريخ الصحافة الأدبيّة في دَيالى: د. فاضل عبود التميمي: جريدة الجريدة في 28/8/2003.

[21] – ينظر: نفسه.

[22] – ينظر: ج. س أجوبة عن أسئلة في الأدب والنقد: د. علي جواد الطاهر: 69، 70.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى