الجديدمقالات

الأسطورة والتراث السردي العربي

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

عزت عمر

قد تكون الدراما من أقدم الفنون الإنسانية المتوارثة، فيما إذا تأمّلنا حياة الإنسان القديم، منذ لحظة وقوفه خالياً من أيّ سلاح في مواجهة الطبيعة. وربّما هذه المواجهة أملت عليه محاكاتها كما يذهب أغلبية الباحثين، وذلك عبر تقليد الطبيعة من خلال الحركة والصوت، وبما خصّته به العناية الإلهية من موهبة وخيال.

فتطوّر كلّ ذلك إلى رقص أو أداء معبّر حمل في ثناياه اللغة الرمزية الأولى، التي أفترض أن القيام بها سوف يساعده في حياته اليومية وينجيه وأسرتَه من مخاطرَ وغضبِ الطبيعة التي حوله، وفوق هذا تأمين مصادر الرزق. ولينتقل هذا الأداء الفردي فيما بعد إلى طقوس وشعائر جماعية تتناقلها الأجيال وتتطوّر مع الزمن، لتنتظم جميعاً في الأسطورة التي ستأخذ بعداً ووعياً أساسياً، يتجلّى بشكل حاسم في الذات والعالم.

وإذا كانت الأسطورة قد صيغت صياغة شعرية أو نثرية في حينها، إلاّ أنها من حيث المبدأ هي نبع السرد المتدفق عربياً وعالمياً، تنتظم حكاياتها وحبكاتها بإدارة راوٍ حصيف أو مجموعة من الرواة في نمط درامي يعبّر عن مهارة المبدع في طرائق كتابة النصّ، وفي قدرته على التعبير عن ذلك الخيال الجامح والعواطف المتقدّة في تلك المرحلة المبكرة من حياة العالم بعامة، ومن حياة سكّان بلاد ما بين النهرين وإقليم شرق المتوسط خاصة، بما في ذلك بلاد الشام والخليج العربي متمثلاً بحضارة دلمون.

والقارئ اليوم لأسطورة جلجامش، أو للإلياذة والأوديسة لهوميروس سوف يلاحظ مدى أحتفاء هذه الروايات بالأسطورة وبعالم السرد الجميل، ومدى تمكّن مبدعيها من المهارات السردية لرواية هذه الحكاية أو الحكايات التي أنتظمت فيها، بما يجعلها بحسب تعبير فراس السوّاح عن أسطورة جلجامش أنها أول عمل أدبي تجاوز بيئته لينتشر في معظم أرجاء العالم المتحضّر. وها هي اليوم تتخطّى حواجز الزمان والمكان لنقرأها بعد أربعة آلاف عام، وكأنما كتبت بالأمس، وذلك لأن أسطورة جلجامش، باتت تراثاً إنسانياً نلتمس حضورها في كثير من النصوص التي ألّفت بعدها، بما في ذلك ملحمتا هوميروس..

ومن هنا، فإننا نعتقد أن السرد سوف يكتسب أهمية بالغة منذ ذلك الزمن، نظراً لأرتباطه بحياة الإنسان ومستقبله من جهة، وكوسيلة فعّالة للتعبّد والاجتماع في الأعياد والمناسبات الدينية كعادات وتقاليد تربط حياتهم بعرى وثيقة.

ومن جهة ثانية، فإن هذه الأحتفالات تستعاد لأجل المناسبة المراد أداؤها كطقوس أجتماعية في الأفراح والأحزان والأحتفالات الكبرى، وسواها من عادات وتقاليد تعتز بها الشعوب.

وتشكل التعبيرات الحركية في هذه المناسبات بتعبير فراس السواح المعادل الدرامي الحركي للنصّ الأسطوري كما في أعياد رأس السنة في بلاد الرافدين، حيث جرت العادة أن تمثّل أسطورة التكوين البابلية على نصّ درامي موضوع خصيصاً لهذه الغاية.

وبذلك فإنه يمكننا أعتبار هذه الأساطير الجامعة للكثير من الطقوس والتقاليد، بمثابة النصوص الأدبية الأولى، التي مزجت بين الحكاية والشعر والدراما في نسيج واحد، فباتت أصل كلّ فنّ سينشأ مستقلاً فيما بعد.

السرد كمفهوم يتّصل بالمادة الحكائية وتجلّياتها المختلفة، مازال مصطلحاً حديثاً نسبياً في ثقافتنا، ولا سيّما فيما إذا قورن بالدراما والشعر من حيث التأصيل النظري، بل ومن حيث الحضور كجنس إبداعي أيضاً، إذ طالما اهتمّ النقاد والباحثون العرب بالشعر على أعتبار أنه ديوان العرب فأفردوا له حيّزاً ضخماً في المكتبة العربية، جعل من الفنون الإبداعية الأخرى هامشاً أو ملحقاً فرعياً ومن ضمن هذا الهامش يأتي النثر بأشكاله المختلفة: خطب، وصايا، رسائل، وأخبار، حكم، نوادر وأخيراً الحكايات التي في الغالب أخذت طابعاً تعليمياً ووعظياً أخلاقياً كما في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفّع في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وكما في كتاب المغامرات (مقامات الهمذاني) المؤلّف في القرن الرابع الهجري، وما بينهما كتاب الجاحظ عن (البخلاء)، إضافة إلى العديد من القصص التي جمعت في كتب المجالس كما في كتاب (قصص العرب)، وكتاب (دعوة الأطباء) الذي قمنا بتحقيقه للطبيب الفيلسوف ابن بطلان، وهي جميعاً يتداخل فيها السرد مع الشعر والمفارقة اللطيفة واللغة الساخرة المسجوعة، ولكن على الرغم من ذلك يمكن تصنيفها في حقل السرد نظراً لأنها ألّفت من حيث الأساس لغايات محددة، وهو إلى ذلك أسلوب يحضر فيه الراوي الذي يروي والحدث المتصاعد والشخصيات المتعددة المستويات الاجتماعية والثقافية، على الرغم من الحضور الشعري والحكمي في هذه النصوص.

وعلى مستوى السرد الشعبي أخذ هذا الفنّ بالتطوّر، وكاد يتموضع في الحيّز الأدبي المناسب له، بما اجترحه الرواة من ضروب وأساليب فنية، ملتمسة في السيَر الشعبية كسيرة عنترة، والظاهر بيبرس، والناصر صلاح الدين وسواها، لا سيما أن هذا النمط من السرد نما وترعرع في أزمنة الخطر والمواجهات مع الأعداء، من روم ومغول وصليبيين وغيرهم، وكان على هذه السيَر أن تنتظر زماننا الحديث كي يعترف بأدبيتها وبكونها تراثاً سردياً، فقد كان النقّاد المهتمون بالشعر ونقده، يصنفونها في حيّز فنون للعامة والغوغاء. ولعلّها أشبه بالمشاحنات التي تتمّ بين رجال الفكر والإبداع من شعر وقصّة، وترفّع رجال الفكر وتشكيلهم لما يسمّى بالنخبة أو الصفوة، من ثم فإن السرد القصصي والروائي والسيري سوف يتمركز بكثافة في المجالس، لدى الشعراء والمفكرين والفقهاء، الذين يتصدرون هذه المجالس الخاصة، ومن هنا سوف تبدأ لحظة الانفصال الخطيرة ما بين السرد والشعر بتموضعهما كلّ واحد في جانب، ولتأخذ الحكاية أبعادها الفنية والإبداعية بحرية ودون رقيب أو وصّي.

وربّما هذه الحريّة النسبية، قد أفادت في تطوير بنية الحكاية الشفهية، بأبتكار نماذج سرديّة كقصص (ألف ليلة وليلة) التي أشتهرت شهرة كبيرة إلى درجة أنها اعتبرت أنموذجاً عالمياً للحكاية الإطارية التي تندرج بدورها إلى حكايات فرعية أصغر، وتشابكها وتكاثفها إلى درجة راقية لم يكتشف مدى رقيها البنائي إلاّ مع ظهور علم السرديات وتطوّره لاحقاً في القرن العشرين مع البنيوية وعلوم اللسان التي فككت آليات البناء القصصي، وقنونت طرائقه إلى حدّ ما ونظّرت للكثير من مصطلحاته وعلاقاته.

ومن كلّ ذلك نستنتج أن السرد العربي بشقّيه الشعبي والنخبوي الفلسفي، أسهم في تطوّر الثقافة العالمية، فكان أن تأثّر كتّاب كبار بعوالمها الخيالية كدانتي صاحب (الكوميديا الإلهية)، بـ(رسالة الغفران) للمعرّي، وبوكاتشيو في قصص (الديكاميرون) بـ(ألف ليلة وليلة)، وقصة المغامرات (روبنسون كروزو) لدانييل ديفو عن (حي بن يقظان) لابن طفيل، فضلاً عن الشعراء الألمان: شلر، وبلاتن، ويوهان أولند، وقصص الأخوين جريم، وكريستوف فيلند وغيرهم ممن أسسوا للأدب الأوربي ومازالت كتبهم تلقى رواجاً وانتشاراً كبيرين، وقد بيّن الدكتور عبدالرحمن بدوي في مؤلّفه (دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي) أثر هذه السرديات في بنية الثقافة الأوروبية منذ ما قبل عصر النهضة وحتى الآن.

وقد رافقت السرديات في تطوّرها التاريخي، تطوّر الوعي الإنساني منذ فجر التاريخ، وعبّرت عن هذا الوعي بفنون القول، التي أبدعها الرواة مع مرور الزمن.

إن رواة الأمس هم روائيو اليوم، يتفننون في إبداع أنماط سردية بما يؤكّد مقولة (ليوكاتش) من أن الرواية ملحمة وجنس غير منته في تكوّنه، وهي ماضية في تطوّرها، بما يتناسب وزمانها من أنظمة التفكير والحراك الثقافي في مجتمع واحد، أو مجتمعات تتجاور وتتثاقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى