الجديدطب وعلوممقالات

160 عاما على صدور كتاب في أصل الأنواع لداروين

رغم مرور أكثر من 160 عاما على صدور كتاب “في أصل الأنواع” للعالم البريطاني تشارلز داروين، إلا أنه لا يزال يعتبر واحدا من أهم الكتب العلمية، بل وأهمها على الإطلاق، وفقا لبعض الأستطلاعات التي أجريت في الأعوام الأخيرة، إذ يرى كثيرون أنه غير طريقة تفكير العلماء والأشخاص العاديين في أمور كثيرة تتعلق بالحياة على كوكب الأرض.

عبقرية تشارلز داروين، والطريقة التي قلب بها علم الأحياء رأسا على عقب عندما نشر كتابه “في أصل الأنواع” في 24 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1859 ، تعطي أنطباعا خاطئا في بعض الأحيان بأن نظرية التطور (النشوء والارتقاء) تفتق عنها ذهن العالم الشهير بلا أي مقدمات أو سوابق. لكن التاريخ العلمي يثبت أن المواد العلمية الخام التي بنى داروين عليها نظريته كانت معروفة قبل ذلك بعقود.

فقد كان علماء الجيولوجيا والآثار قد قدموا بالفعل أدلة قوية على أن الحياة ظهرت على كوكب الأرض منذ وقت بعيد، وأنها تغيرت مع مرور الوقت، وأن أنواعا كثيرة من الكائنات الحية تعرضت للأنقراض. كما أن علماء الطبيعة والتاريخ الطبيعي والأجنة أكتشفوا، ربما من دون أن يدركوا ذلك، الكثير من الأشياء التي استخدمها داروين كأدلة لإثبات صحة نظريته.

بعض إرهاصات نظرية التطور في العصر الحديث

النظرية “اللاماركية”: كان العالم الفرنسي جون بابتيست شيفالييه دو لامارك (1744-1829) أول عالم تاريخ طبيعي يكتب بشكل مطول عن أن “توارث خصائص مكتسبة” على المدى الطويل قد يؤدي إلى تغير في الأنواع. وترتكز نظريته التطورية على مبدأ أن التغير الجسدي الذي يحدث في الكائنات – كتطور أحد الأعضاء أو الأطراف مثلا من خلال الاستخدام المتزايد لها، من الممكن أن ينتقل إلى الذرية.

على سبيل المثال، كان لامارك يعتقد أن عنق الزرافة أزداد طولا من خلال قيام كل جيل بمد عنقه إلى أعلى لكي يصل إلى أوراق الأشجار المرتفعة، ما أحدث تغييرا في شكل الجسم توارثته الأجيال. لكن نقاد النظرية “اللاماركية” سرعان ما أشاروا إلى أنه لو كان ذلك الأفتراض صحيحا، لولد أبناء رافعي الأثقال بعضلات ضخمة، أو لولد أبناء رعاة البقر بأرجل مقوسة مثلما يحدث لآبائهم بعد قضاء جل سني عمرهم في امتطاء الخيل. ولكن رغم خطأ النظرية، فقد وجهت أفكار العلماء إلى مسألة التطور.

 طور كل من عالم الجيولوجيا الاسكتلندي جايمز هاتون (1726-1797)،ومن بعده عالم الجيولوجيا البريطاني تشارلز لايل (1797-1875)، نظرية توحد الأصول والمبادئ التي تقوم على أن معالم الأرض، كالجبال والمحيطات، تكونت على مدى فترة زمنية طويلة من خلال عملية تدريجية، وأن الظواهر الطبيعية، كالبراكين والزلازل، لا تزال تغير سطح الكوكب في الوقت الحالي بنفس الطريقة التي غيرته بها على مر الأزمان.

أستفاد داروين من هذه النظرية لتدعيم فكرته حول كيفية نشوء الأنواع. إذا كان هناك ما يكفي من الوقت لتتكون الجبال وتترسخ أو تتفتت وتتلاشي، فإنه بالتأكيد كان هناك الوقت الكافي لظهور الملايين من أنواع الكائنات الحية، ولتطورها أو أنقراضها.

الأنتقاء الطبيعي

كان لامارك يعتقد أن الحياة كافحت مع مرور الوقت لتتحول من كائنات وحيدة الخلية إلى كائنات أكثر تعقيدا. الكثير من علماء الأحياء الألمان في ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن الحياة تطورت وفق قواعد محددة سلفا، بنفس الطريقة التي يتطور بها الجنين في رحم الأم. لكن في منتصف القرن التاسع عشر، توصل عالما الطبيعة والأحياء البريطانيان تشارلز دارون (1809-1882) وألفريد راسيل والاس(1823-1913) بشكل مستقل إلى طريقة طبيعية لكيفية تغير الحياة يمكن لنا أن نلاحظها – وهي العملية التي أطلق عليها داروين “الانتقاء الطبيعي”. لاحظ كلاهما أنه إذا كان لدى حيوان ما سمات أو خصائص معينة تساعده على التأقلم على ظروف بيئته، أو على التكاثر بشكل أنجح، هذه السمات تصبح أكثر شيوعا في الأجيال التالية. ويزداد أحتمال مواصلة الحياة والتكاثر وتوريث الجينات لدى الأفراد الذين لديهم الخصائص التي تمكنهم من التكيف.

من أكثر الكتب تأثيرا في التاريخ

لم يكن كتاب داروين “في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي” الأفضل مبيعا لدى صدوره عام 1895 فحسب، بل أصبح واحدا من أكثر الكتب العلمية تأثيرا في التاريخ البشري على الإطلاق. يتضمن الكتاب نظرية علمية تتلخص في أن الكائنات تتطور على مدى الأجيال من خلال الأنتقاء الطبيعي، ويعرض لأدلة تشير إلى أن تنوع أشكال الحياة يتفرع من أصول مشتركة تطورت مع مرور الوقت.

وقد أستفاد داروين كثيرا من رحلته حول العالم على متن السفينة “إتش.إم.إس بيغل”، إذ قضى داروين نحو خمس سنوات يجوب قارة أمريكا الجنوبية وجزرها، لا سيما أرخبيل جزر غالاباغوس، حيث عكف على ملاحظة ودراسة العديد من أنواع الحيوانات والطيور، وجمع آلاف العينات التي أرسلها إلى بريطانيا لدراستها بشكل مفصل.

الكتاب كان موجها للقارئ العادي، وليس المتخصص، وقد حظي باهتمام واسع لدى نشره. وكان داروين آنذاك عالما معروفا، لذا أُخذت النتائج التي توصل إليها على محمل الجد، وأثمرت عن مناقشات علمية وفسلفية ودينية. لكن استغرق تقبل نظريات داروين وقتا طويلا. وفي غضون عشرين عاما من صدور الكتاب، أصبح غالبية العلماء في أوروبا يؤيدون فكرة التطور وفكرة انحدار الأنواع من أسلاف مشتركة.

بيد أن فكرة الانتقاء الطبيعي وجدت صعوبة أكبر في الأنتشار في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان الكثير من العلماء الذين يعتبرون أنفسهم “دارونيين” يفضلون تفسير لاماراك للطريقة التي تغيرت بها الحياة على مر الأزمان.

ولكن مع أكتشاف الجينات والطفرات الجينية في القرن العشرين، أصبح تفسير التطور من خلال الأنتقاء الطبيعي شيئا لا يمكن تجاهله

أمثلة على التطور

الفيروسات والبكتيريا، كما تقول الأستاذة الدكتورة رنا الدجاني المتخصصة في الأحياء الخلوية الجزيئية في الجامعة الهاشمية بالأردن، من الأمثلة الواضحة على التطور. “فيروس الأنفلونزا، على سبيل المثال، يتحور ويتطور طوال الوقت، لذا يتعين علينا أن نحصل على لقاح جديد مضاد له كل عام. نفس الشيء ينطبق على فيروس كوفيد-19: تظهر أنواع مختلفة منه طوال الوقت، وقد يكون اللقاح فعالا ضد بعضها، ولكن ليس جميعها. يحدث التطور طوال الوقت، وها نحن نراه في الوقت الحاضر، ويكون أكثر وضوحا في الكائنات البسيطة، ولكنه يتطلب وقتا طويلا للغاية قبل أن تتضح آثاره في الكائنات المعقدة”.

جدل ديني

وقت تأليف الكتاب، كان التفسير السائد لأصل الحياة في أوروبا هو ما يعرف بنظرية الخلق التي تشير إلى وجود إله هو الذي خلق الكون وكل أنواع الحياة على الأرض.

لم يتقبل المؤمنون بفكرة الخلق نظريات داروين التي اعتبروها طريقة منافسة لشرح أصل الأنواع – من خلال الانحدار من أسلاف مشتركة. وكان داروين يدرك أن هؤلاء سيجدون صعوبة في تقبل نظرياته، ولكنه حاول في كتابه دحض “نظرية الخلق” وإثبات أنها لا تتوافق مع الأدلة.

داروين نفسه لم يكن على ما يبدو معارضا لفكرة وجود إله خالق، فقد كتب ضمن خاتمة كتابه “في أصل الأنواع”: “..على الأرجح كل الكائنات الحية التي عاشت على هذه الأرض انحدرت من شكل بدائي واحد بعد أن نُفخت فيه الحياة من قبل الخالق”. وقد فسر البعض ذلك بأن داروين كان يرى أن القدرة الإلهية هي التي خلقت الحياة، ثم أصبحت هذه الحياة عرضة للطفرات والتنوعات والأنتقاء الطبيعي. وربما كان ذلك خطوة تصالحية من قبل العالم البريطاني، هدفها التوفيق بين التفسيرات الدينية والعلمية للحياة.

وربما يفسر ذلك تفادي داروين الحديث عن تطور الجنس البشري، وتشير بعض المراجع إلى أنه كان يعتزم في البداية تضمين كتابه فصلا يتناول تطور البشر، ولكنه عدل عن ذلك لاحقا (وإن كان خصص لذلك كتابا مستقلا فيما بعد). فلربما ارتأى أن كتابه كان به ما يكفي – ويزيد – لإثارة الجدل. وقد صدق حدسه، إذ انقسمت الآراء حول الكتاب، ما بين من اعتبروه يؤسس لعلم الأحياء الحديث، ومن وصفوه بأنه يشكل تهديدا خطيرا على جوهر البشرية.

لم يزعم داروين أن “الأنتقاء الطبيعي” لديه القدرة على خلق تنويعات جديدة من الكائنات، ولكنه يستطيع فقط التأثير على التنويعات الموجودة بالفعل في الطبيعة.

موقع “أصل الأنواع” على الخريطة العلمية الآن

يتساءل كثيرون مع مرور الوقت، ما إذا كان كتاب داروين الشهير، بما احتواه من نظريات، لا يزال يحتل مكانة علمية مرموقة رغم ما نشهده من التطورات العلمية والتكنولوجية المتلاحقة.

تقول بروفسورة رنا الدجاني إن النظرية التي طرحها داروين حول التطور قبل أكثر من 160 عاما “تظل هي أفضل تفسير لفكرة نشوء الأنواع المختلفة من الكائنات الحية على الكرة الأرضية. بالطبع تطورت النظرية وأضيف إليها، وصارت أكثر تعقيدا، ولكن أساسها لم يتغير، إذ تظل هي أفضل تفسير للفكرة ضمن ما هو متاح لدينا من معلومات وأدوات في الوقت الراهن”.

بالطبع كانت هناك بعض الأشياء التي لم ينجح داروين في فهمها، أو لم يفهما جيدا. ولكن رغم مرور أكثر من 160 عاما على صدور “في أصل الأنواع”، ورغم التقدم المذهل الذي أحرزه العلماء ولا سيما في مجالات كعلم الجينات، ودراسة السجلات الأحفورية، فإن الكثير من الباحثين في فروع علم الأحياء يقولون إنه من المذهل أن عددا كبيرا من الأدلة التي يتم أكتشافها في تلك المجالات لا يتعارض مع أفكار داروين، بل يؤيدها في كثير من الأحيان.

عن البي بي سي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى