الجديدمقالات

مدينة الزرقاء الأردنية وعبق التاريخ

أسماء أحمد رأفت

تقع مدينة الزرقاء، وسط المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة، يحدها من الشمال محافظة المفرق، ومن الجنوب العاصمة عمَّان، ومن الغرب محافظتا جرش والبلقاء، أمَّا في شرقها؛ فتقع البادية الأردنيَّة والسعودية والعراق.تتميَّز الزرقاء بموقعها الأستراتيجي، حيث تقع على شبكة مواصلات دولية، تربط الأردن بالدول المجاورة، وتمرّ من خلالها سكة حديد الحجاز التي تأسَّست عام (1900م).

وتؤكِّد كتابات الرحالة أنَّه كانت توجد حياة قروية مستقرة في منطقة الزرقاء خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث كانت تسكن قبيلة بني صخر، إضافة إلى عشيرة الدعجة، مع وجود لعائلاتٍ شركسية ابتداء من عام (1878م).

ومع بداية القرن العشرين، توطن في مدينة الزرقاء المهاجرون الشيشان، الذين أتوا من القوقاز، وتحديداً في عام (1902م)، هرباً من الحروب الدائرة آنذاك بين الدولة العثمانيَّة والإمبراطورية الروسيَّة.

ثُمَّ هاجر إلى مدينة الزرقاء عدد كبير من الفلسطينيين إبان حربي (1948م، و1967م)، وقد كان لقدوم الفلسطينيين الأثر البالغ في التطوُّر السكاني، فقد أحدثت هذه الهجرات المتتالية عَبْر تاريخ المدينة تنوُّعاً ثقافيّاً واجتماعيّاً قلّ نظيره في مدن أردنية أخرى.

وقد سُميت الزرقاء بهذا الاسم نسبة إلى نهر الزرقاء، الذي هو ثالث أكبر مجرى مائي في جنوب بلاد الشام بعد نهر الأردن، ونهر اليرموك، حيث مياه النَّهر الزرقاء. ويرى بعض الباحثين أنَّ الزرقاء هي كلمة أكادية؛ والأكاديون هم عرب ساميون قدماء أصلهم من شمالي الجزيرة العربيَّة، هاجروا إلى بلاد الرافدين وأسَّسوا دولة فيها، وقد وصفها الشاعر عماد الدين الأصبهاني (1125 ـ 1201م)، عند وداع القائد صلاح الدين الأيوبي (1138 ـ 1193م) في الزرقاء، بقوله:

ولم أنس بالزرقاء يوم وداعنا

أنامل تدمى حيرة للتنــدمِ

أعدتك يا زرقاء حمراء إنــني

بكيتك حتى شيب ماؤك بالدمِ

وقد برزت مدينة الزرقاء خلال فترة الحكم الأموي، بسبب موقعها على طريق قوافل الحج التي كانت تمرّ بها متجهة إلى الحجاز، فأقاموا فيها القصور والقلاع، وكانت للمدينة أيضاً شهرتها في العهد المملوكي بسبب موقعها الاستراتيجي المهم، وعندما انتصرت جيوش الملك الصالح نجم الدين أيوب (1205ـ 1249م) أصبحت الزرقاء جزءاً من إمارة الكرك التي تحالفت مع المماليك في مصر.

وفي عهد الدولة العثمانيَّة، أنشئت في مدينة الزرقاء محطة للسكة الحديدية، حيث كانت تضم ثلاثة خطوط أحدها لسير القطارات عليه، والآخران فرعيان، لتخزين العربات والقاطرات وتحميل وتفريغ البضائع.

ولعلّ من أشهر المعالم التاريخيَّة والأثريَّة في مدينة الزرقاء (قصر شبيب)، وهو قصرٌ أثري يقع في الجهة الغربيَّة من المدينة، فوق مرتفع كان يشرف على نهر الزرقاء، وهو بناء مربع الشكل يؤدي مدخله إلى قاعةٍ مسقوفةٍ بأقبيةٍ، ومنها أدراج إلى الطابق العلوي، وللقصر برج من الجهة الشرقية.

ويرجع تاريخ هذا القصر في الأساس للعصر الروماني، حيث كان مركزاً للدفاع عن الحدود الشرقية. وقد تمَّ العثور على نقش لاتيني ينصّ على أن إحدى كتائب الجيش الروماني قد عسكرت في هذا القصر، إضافة إلى العثور على بقايا أوانٍ فخارية، تعود للقرن الثاني الميلادي، وفي العهد العثماني كان القصر مكاناً للحامية التركية، التي تحرس الحجاج أثناء مرورهم، أو مكوثهم في مدينة الزرقاء.

أمَّا قصر (حَمَّامْ الصَّرْح)؛ فهو بناء أموي يقع في مدينة الزرقاء، وهو مجموعة من الأبنية تشمل حَمَّاماً بقبةٍ مخطَّطةٍ، مع ملحقاته كغرف تغيير الملابس، ومسجد صغير، وقاعة استقبال، ويرجع بناء القصر إلى أوائل القرن الثامن الميلادي.

وبمدينة الزرقاء يوجد (قصر عمرة)، الذي أُدرج على لائحة مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام (1985م). شُيِّد القصر في حياة الخليفة الأموي الوليد بن يزيد (744 ـ 709م). وهو يتكوَّن من قاعة استقبال مستطيلة الشكل، ذات عقدين يقسمانها إلى ثلاثة أروقة لكُلِّ رواق قبو نصف دائري، وتزدان أرضية غرف القصر وقاعته بالفسيفساء التي تمثّل زخارف نباتية، وللقصر حمام مجاور لقاعة الاستقبال، يتكوَّن من ثلاث قاعات، اثنتان مسقوفتان بأقبيةٍ نصف دائرية، والثالثة مسقوفة بقبةٍ صغيرة.

تزين جدران القصر العديد من الرسومات التي تتعدَّد مواضيعها، حيث مشاهد من رحلات الصيد، والحيوانات التي وجدت في المنطقة في تلك الحقبة، ومنها الأسود والنمور والغزلان والنعام، أمَّا قبة الحمام؛ فتظهر فيها الأبراج السماويَّة المرسومة بدقةٍ هندسيةٍ متميزةٍ، وفي نهاية الرواق الأوسط لقاعة الاستقبال عُثر على صورةٍ جداريةٍ لأحد الخلفاء، وهو جالس على العرش ومُحاط بهالةٍ ومعه مرافقوه، وكانت هناك كتابة تشير لاسم الخليفة غير أنَّها تلفت دون أن يتمكَّن أحد من قراءتها.

وهناك أيضاً بمدينة الزرقاء يوجد (قصر الحَلَّابَات) الأثري، حيث تمَّ أستخدامه كحصن دفاعي، في العصرين الروماني والبيزنطي لحماية الطريق التجاري الذي يربط بين بصرى الشام شمالاً والعقبة جنوباً. وقد بُني القصر من حجارةٍ جيريةٍ مشذبة يحمل بعضها نقوشاً لاتينية، على هيئة مربعة الشكل، كما يحتوي القصر على عدة أبراج. أمَّا داخل القصر فتوجد مجموعة من الغرف والقاعات تتوَّزع حول ساحة مكشوفة حُفر فيها خزان لجمع مياه الأمطار من سطوح الغرف الواقعة في الجهة الشرقية.

أمَّا قصر (أُسَيْخِم، أو أُصْخِيْم)، فقد بناه الأنباط لمراقبة طريق قوافلهم التجارية من جنوبي جزيرة العرب إلى بلاد الشام. وقد أستخدمه الرومان أيضاً كحصن، والقصر يقع على قمة تلة مرتفعة، وقد أستمر أستخدامه في العهد البيزنطي، وربما أستخدمه المسلمون في العهد الأيوبي كمحطة لأستراحة الحجاج أثناء فترة انقطاع طريق الحج المُعتاد بسبب الحروب الصليبية.

ويوجد فيها (القصر الأحمر)، وهو قصر شيَّده حاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح (1837 ـ 1915م)، عام (1896م). وسُمّي بالأحمر نسبة إلى لون جدرانه الحمراء، ويحتوي القصر على (33) غرفة، إضافة إلى ثلاث بوابات، وملحق إسطبل يتسع إلى مئة حصان.

والقصر بناء شبه مربع، جدرانه مبنية من الطين، توجد به أبراج للمراقبة، كما توجد في جدران القصر الكثير من الثقوب المتفاوتة، ويبلغ عددها من (8) إلى (14) ثقباً تُسمّى (مزاغيل)، كانت تستخدم لأغراض الدفاع وإطلاق النَّار وقت الحرب.

أمَّا (قلعة الأزرق) فقد بنيت من البازلت الأسود، وهي تقع على بُعد مئة كيلومتر شرقي العاصمة عمَّان. وقد شُيِّدت القلعة أساساً لتكون حصناً، وتُشير بعض المصادر التاريخيَّة إلى أنَّ اليونانيين والرومان هم أوَّل من أنشؤوا هذه القلعة، وقد وجدت كتاباتٌ تحمل اسم الإمبراطور الروماني (يوفيان) (331ـ 364م) تعود إلى عام (363م)، والذي قام بترميم القلعة وزاد في بنائها، ثُمَّ قام الأمويون بإعادة بناء القلعة وإنشاء مجموعةٍ من الجدران والسدود، وذلك في عهد (الوليد الثاني بن عبد الملك)، أثناء خلافة عمَّه (هشام بن عبد الملك) (691 – 743م).

والقلعة عبارة عن بناء ضخم مستطيل الشكل، أستخدمت في بنائها الحجارة البركانيَّة النارية البازلتية السوداء، وتتألَّف القلعة من ثلاثة طوابق، مازال منها طابقان ظاهران للعيان، كما تحتوي على عدة أبراج ومداخل، ومسجد، وغرف، وبئر للماء، وساحة كبيرة، وسجن، وإسطبلات، وأدراج، ونوافذ، وممرات، وأقواس، وأبواب حجرية.

وهنا نتوقف عند (محمية الشومري)، وهي أوَّل محمية للأحياء البرية في الأردن، أسَّستها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عام (1975م). وهي تقع في مدينة الزرقاء بمنطقة وادي الشومري. وتبلغ مساحتها (22 كم2). وقد خصصت لإعادة إطلاق المها العربية التي بدأت بالانقراض. ويجري حالياً إكثار الغزال الصحراوي (الريم والعفري)، والنعام. وقد تمَّ تسجيل (11) نوعاً من الثدييات في المحمية، و(134) نوعاً من الطيور أغلبها طيور مهاجرة. إضافة إلى (130) نوعاً من النباتات البرية، أهمها القطف والشيح والطرفة والرتم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى