الجديدمقالات

بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة بدر شاكر السياب: دفاعاً عن ثقافة السيّاب

د.ضياء خضير

في البدء نجد من الضروري الإشارة إلى أنّ كثيراً من الدراسات التي وضعت عن (ثقافة السياب) وبحثت في الظروف والعوامل الخارجية المساهمة في تكوين شخصيته الشعرية، قد أنطلقت من ألتباس مزدوج مصدره الأعتقاد أن بالإمكان الإمساك بالمصادر الأساسية والثانوية التي تنطوي عليها تجربة الشاعر، من ناحية، وبأن معرفتنا بهذه المصادر والمواد كافية لإضاءة قصيدته وإغناء معرفتنا ببنائها وتكوينها الفني، من ناحية ثانية.‏ وأمامي وأنا أتحدث عن هذا الموضوع نوعان من الدراسات التي أعارت ثقافة الشاعر بدر شاكر السياب اهتماماً واسعاً.‏ الأول: هو الذي تحدث عن هذه (الثقافة) في إطار حديثه عن حياته وشعره، والثاني هو الذي وجه الأهتمام لدراسة العناصر التي تتركب منها ثقافة السياب، وبيان مكوّناتها من دون أن يتاح لأصحابها الفرصة لدراسة فن السياب الشعري في ضوء النتائج التي تتكشف عنها دراسة شكل هذه الثقافة ومكوناتها الأساسية.‏

ودراسة الأستاذ (عيسى بلاطة) عن (بدر شاكر السياب، حياته وشعره). يمكن أن تمثل نموذجاً للنوع الأول من الدراسة، بينما تمثل الدراسة المهمة التي نشرها الشاعر سامي مهدي بمجلة آفاق عربية (ع 8، 1985-1- 1986) بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيل السيّاب نموذجاً للنوع الثاني من هذه الدراسة. وعلى الرغم من الاختلاف الواضح بين الدراستين من حيث الوسائل والمنطلقات لدى الباحثين، فإن الهدف المتمثل في توفير مقاربة نقدية تمكن من قراءة فن السياب الشعري بطريقة أفضل يظل هو القاسم المشترك بين هاتين الدراستين المهمتين.‏ لقد تتبع الأستاذ عيسى بلاطة على نحو بالغ التفصيل والدقة حياة بدر شاكر السياب منذ ولادته ونشأته الأولى، وما ساد وضعه العائلي من علاقات كان لها أثر بعيد في تحديد نموه النفسي والعاطفي، وما تبع ذلك من مراحل تاريخية تحددت لدى الباحث بنقاط معينة.‏ وقد حاول الأستاذ (بلاطة) خلال ذلك إحكام الربط بين الخاص والعام، ورؤية العلاقة الجدلية القائمة بين الذاتي والموضوعي في حياة الشاعر على نحو حرص الباحث أن يرينا فيه أطراد التطور الذي مرّ به الشاعر من النواحي الثقافية والفنية والروحية وبين التطور في التاريخ السياسي والاجتماعي الذي شهده العراق والوطن العربي خلال الفترة التي عاش فيها السياب.‏

الوعي التجديدي عند السياب

وفي كل هذه نجح السياب في أن يجعل الحياة موضوع الشعر العربي بطريقة شخصية جداً، حسب تعبير الأستاذ عيسى بلاطة.‏ أما الشاعر (سامي مهدي) فقد كان الدافع الأساس وراء دراسته ثقافة السياب وفنه الشعري، هو عنايته بما أسماه (الوعي التجديدي) الذي كان لا بد للسياب بأعتباره شاعراً مجدداً منه، ومن (ثقافة تصله من خارج الثقافة التقليدية السائدة لأن (الشعر الحديث لا يكون (شعراً) ولا (حديثاً)، إلا إذا توازن فيه طرفا معادلة شديدة الحساسية هما: الموهبة والثقافة. ولا بد للحداثة، كما يضيف الشاعر سامي مهدي، من (ثقافة حديثة تحدد ماهيتها. وبهذا المعنى تكون حداثة الشعر بعده الثقافي، وإلا فهو شعر فطري يعد بمقاييس الإبداع المعاصر ساذجاً وسطحياً، وليس له صلة صميمية بعصره، وإن أنتج فيه”.‏ ولئن كانت دراسة عيسى بلاطه للمرجعية الثقافية لبدر شاكر السياب تنتهي إلى نتيجة واضحة تتأكد فيها عظمة السياب الشعرية. على الرغم من (محدوديته) الثقافية، فإنه (استطاع أن يجدد الشعر العربي بطريقة تسمح له بأن يقطع صلته بالماضي، وفي الوقت نفسه لم تمنعه من أن يكون ذا علاقة وثيقة بالحاضر”(2) أقول لئن كانت دراسة عيسى بلاطة تنتهي إلى مثل هذه النتيجة، فإن دراسة الشاعر سامي مهدي تنتهي إلى نتيجة أخرى مغايرة قد يكون صاحبها أقل ميلاً من “بلاطه” في التصريح بها، ولكن مقدماتها التي جاءت كما قلنا على شكل بحث مسهب لمحدودية واقع الثقافة العراقية والعربية وتخلفها، وضآلة المؤثرات الأجنبية الداخلة في تكونها، وتكوّن السياب فيها، لا يمكن أن تقود إلى غير تلك النتيجة التي جاء في خلاصتها أن السياب لم يستطع تكوين وعي تجديدي جدي يكفي لإطلاق رؤى تجديدية شاملة وأن تاريخه الشعري كان (سلسلة متصلة من التأثيرات التي توقفت قبل أن ينجح في تكوين شخصية شعرية مستقلة عن غيرها”. “أخفق اخفاقات شنيعة في إدخال عنصر الثقافة والاستعانة بالأساطير والتاريخ والتضمين في كتابة الشعر” و”أنه يترنح بين الكلاسيكية في شكله، والرومانسية في مضمونه حتى الساعات الأخيرة من عمره، ولم يستطع أن يكون شاعراً حديثاً بمعنى الكلمة إلا ضمن استثناءات قليلة”(3).‏هذه هي، كما قلت الخلاصة التي أنتهت إليها دراسة الشاعر سامي مهدي لثقافة الشاعر بدر شاكر السياب. وهي خلاصة أو نتيجة أثارت في حينها، كما نعرف، ردود فعل عنيفة ونقاشاً واسعاً في الوسط الثقافي الذي رأى فيها محاولة للنيل من بدر شاكر السياب (شاعراً) عن طريق النيل منه “مثقفاً”.‏

ثقافة الشاعر

وليس في نيتنا، بالمناسبة، إعادة التذكير ببعض ما ورد في هذا النقاش، ولا محاججة الصديق الشاعر سامي مهدي من جديد حول جدوى دراسة تكتفي بالنظر فيما لدى الشاعر وليس يما ينطوي عليه نصه الشعري.‏ ونحن نورد ذلك، كما قلت في تلك الدراسة لنشير إلى أن الوعي الثقافي عند هذا الشاعر أو ذاك مكوّن من مزيج من مفاهيم وتصورات وعناصر لا قدرة لأحد على إدعاء الإلمام بها أو تجليه تفاصيلها مهما أوتي من جهد وطاقة، ومهما أعتقد أن المصادر المتوفرة لديه لتحقيق مثل هذا الغرض كافية لإنجازه. وقد قلت في تلك الدراسة أيضاً إن موقف الباحث من الشاعرين بدر شاكر السياب وعلي أحمد سعيد أدونيس يظل، بسبب من عدم توفر مثل هذا الشرط ربما، مثيراً للحيرة والتأمل. فقد أنصبت خلاصة تحليله للأول على القول إنه لا بد أن يكون متهماً بثقافته! في حين لا يبدو الثاني متهماً بشعره مع أنه متهم بثقافته! ورغم أن أسباب الأتهام وحيثياته تختلف عند الباحث بين شاعر وآخر إلا أنها تلتقي في النتيجة، بحيث يبدو الضيق في ثقافة السياب مساوياً للسعة في هذه الثقافة عند أدونيس، طالما أنها ثقافة نقل وتقليد.(4).‏وهكذا، فتتبع ثقافة الشاعر ومحاولة تعيينها وتأشيرها وأصطياد كل شاردة وواردةٍ فيها داخل النص أو خارجه يعد أحياناً ضرباً من اللاجدوى، بحيث يكون عمل الباحث فيها شبيهاً بعمل من يلاحق أطياف النور من موشور زجاجي. ونحن لا نريد بهذا أن نقول إن الشعر عمل فطري أو تلقائي تحركه عوامل الإلهام والعبقرية والوحي وغير ذلك من أمور لا ينكر أحد أن شاعرنا السياب يمتلك الكثير منها. نعم لا نريد أن نقول إن الشاعر، كما اعتاد البعض أن يقول، يغرّد بالفطرة كالعصفور. فتلك أمور يعرف الجميع أنها حسمت على المستوى النقدي، وصارت من أمور الماضي، على الأقل منذ تلك اللحظة التي تحولت الغابة التي كان هذا العصفور يغرّد فيها إلى غابة حجرية تسمى (المدينة الحديثة)، هذه المدينة التي قصقصت جناحي هذا العصفور وأفقدته صوته وجعلته يضطر أحياناً للزحف على بطنه من أجل الوصول إلى هدفه، وأن يسلك ألف درب من دروب المدينة الحجرية أو الموحلة، ويراقب الإشارات الدالة وعلامات المرور التي تنزرع أضواؤها الحمراء في كل زاوية من زوايا هذه المدينة.‏ نعم، لقد بعد العهد بين الشعر وبين العفوية منذ زمان بعيد. وحين أراد (أرسطو) أن يربط بين الشعر و(المحاكاة) أراد أن يربط بينه وبين الصناعة أيضاً. فكلمة (المنظوم) في اليونانية (poiessis) تعني الصناعة والشعر، في الوقت نفسه. وكل ما هنالك من فرق أن الشاعر لا يقوم حقاً بصناعة ما يقدمه لنا، فالصانع يصنع سريراً حقيقياً ويصنع شكيمة ولجاماً، أما الشاعر فلا يصنع إلا محاكاة لفظية لهما، أي أنه صانع من الدرجة الثانية (5).

الأبتكار والتقليد

ويرى الناقد الإنكليزي (غراهام هو) أن أفلاطون ما كان ليعير كلمة (الشعر) كل ذلك الأهتمام في جمهوريته لو لم يكن للمنظوم هذا المعنى المزدوج. وفكرة (الإلهام) في الشعر لم يعرها أرسطو كبير أهتمام، وقد تبين أن فكرة هذا (الإلهام) التي نجدها في محاورات أفلاطون فكرة غريبة على مناهج التفكير اليوناني(6).‏غير أن قيمة المصوغات أو المصنوعات التي يصوغها أو يصنعها الشاعر لا تقف عند حدود (التقليد) والمحاكاة لأشياء موجودة بالفعل، لأنه يصنع، في أحيان كثيرة، أشياء غير موجودة في هذا العالم، وإن كان (أفلاطون) و(أرسطو) يقولان بأن الشاعر يبقى في هذا مقلداً أيضاً لأنه يصنع أشياء بالمماثلة لأشياء موجودة بالفعل”(7).‏وهكذا فإن درع (أخيل) لدى (هوميروس) ليس تقليداً لأي درع قد وجد في يوم من الأيام، وإن كان تقليداً لصورة الدرع، كما ينبغي أن نتخيلها، ومعنى هذا أن الشعر سيظل يعيش على هذا الوضع المزدوج: الابتكار الحر من ناحية، والتقليد من ناحية أخرى وينتج عن هذا أن الشاعر ليس مؤرخاً. فالشعر كما يقول أرسطو، أهم وأسمى من التاريخ، لأن هذا الأخير يعنى بالوقائع الجزئية، فيما تنصرف عناية الشعر إلى الكليات. وعلى الرغم من أن الأدب يستفيد، بطبيعة الحال، من الوقائع التاريخية والمواد الواقعية من أجل توظيفها في أغراضه الإبداعية، ويقيم وجوده المفارق على أساس منها، فإنه يظل بمنأى عن التطابق التام معها أو الاكتفاء بمجرد وصفها.‏ وما دام الأمر متعلقاً بالشعر العربي الحديث الذي تؤرخ بدايته الحقيقية بشاعرنا بدر شاكر السياب، فينبغي أن نسارع إلى القول إن الأمر يختلف هنا قليلاً عما قاله (أرسطو) وشارحوه فيما يتعلق بالمحاكاة أو التقليد لأشياء موجودة أو غير موجودة في هذا العالم فهذا الشعر لم يعد، كما يقول رولان بارت، نثراً مزخرفاً قيدت حريته، إنه نوع ذاتي مقطوع الأرحام، وجوهر لا محمول، ويمكنه بالتالي أن يغلق الدلالات إذ إنه في غنى عن الإحالة إلى شيء آخر ليفصح عن هويته. ولهذا فإن هذا النوع من الكلام يفترض زمناً شعرياً مغايراً هو زمن مغامرة ممكنة، لا زمن صنعة.. الزمن اللازم للتلاقي بين علامة وقصد.. ولهذا فإنه يتعارض مع الفن الكلاسيكي بفرق يستأثر ببنية اللغة كلها، فلا يوجد بين الشعرين سوى نقطة واحدة هي القصد الاجتماعي(9).‏

الوظيفة الثقافية للقول الشعري

ومعنى هذا أن الوظيفة (الثقافية) للقول الشعري الحديث لا تقتصر على الإيصال أو التعبير، كما يقول بارت- بل شيئ وراء اللسان، هو في الوقت نفسه التاريخ والجهة التي ينحاز إليها فيه(10).‏ ونحن لا نريد بهذا أن نقول إن الشاعر الحديث مطالب، بخلاف الشاعر القديم، بخلق نصه الشعري من العدم، ولكن بأن الشاعر خالق بالفعل بمعنى أنه قادر على تحويل المواد الخام التي يشتغل عليها إلى تكوينات ونصوص جديدة ينفخ فيها من روحه. الشاعر يتأثر والتأثير أو ما يدعى بـ (المثاقفة Acculturation) ليست عقبة أمام النضج والأصالة، مع أنها باعتبارها عنصراً تاريخياً بحاجة دائمة إلى الوعي بها عبر التحليل والنقد لتصبح عنصراً إيجابياً مخصباً عند أي تركيب ثقافي جديد يعارض ثقافة الأستلاب والتقليد الشائعة الآن، مع الأسف، في الكثير من الظواهر الثقافية والنماذج الإبداعية العربية. إن أحداً لا ينكر ما يقوله الشاعر سامي مهدي في دراسته المشار إليها أعلاه من أن السيّاب كان سريع التأثر بما يعجب به مما يقرؤه ولكن هذه (السرعة) في التأثر ليست بالصفة المذمومة دوماً، لا سيما إذا كانت صادرة عن (الإعجاب). فقد كان الشاعر بول فاليري (paul Valery) يقول (في الكلمة التي نقلها عنه جان ماري كاريه لدى تقديمه لكتاب تلميذه (فرانسو كويار) المعروف بـ (الأدب القارن) أن (لا شيء أكثر ابتكاراً ولا أشد شخصية من أن يتغذى الإنسان من الآخرين، ولكن ينبغي هضم هذا الغذاء، فالحق أن الأسد مكوّن من كباش متحوّلة”(11).‏و(كاريه) يعقب على ما يقول (فاليري) هنا بقوله إن الباحثين الفرنسيين في الأدب المقارن قد “أفرطوا في الأندفاع إلى دراسة التأثيرات، لأن هذه الدراسات عسيرة الأقتياد، وهي في الغالب مخيبة للآمال، وفيها يتعرض المرء أحياناً إلى إرادة وزن ما لا يقبل الوزن)(12).‏ونحن نريد التنبيه فيما يتعلق بالأحكام التي صدرت وتصدر عن شعر السيّاب وثقافته، إلى ضرورة تجنّب (إرادة وزن ما لا يقبل الوزن).‏ فلا يمكن، مثلا، تقدير شاعرية شاعر عربي مثل ذي الرمة بالرجوع إلى ثقافته البدوية المحدودة والعزلة النسبية التي كانت السمة الغالبة على حياته، ولا يمكن كذلك تفسير نبوغ شاعر أجنبي مثل شكسبير عن طريق تقدير ثقافته التي قد يكون نصيب آخرين من أقرانه من الشعراء وغير الشعراء في عصره أكبر وأوسع منها. وقد قيل إنه كتب مآسيه المسرحية الكبرى أعتمادا على أطلاعه على كتاب المؤرخ الروماني بلوتارخ وليس على مصادر أخرى كثيرة، كما أنتهى رامبو شاعرا، ملأ الدنيا وشغل الناس في عصره وبعد عصره، في التاسعة عشرة من عمره دون أن نعرف الطريقة التي أسهمت فيها حصيلة تجاربه في هذه الحياة القصيرة ونوع ثقافته في رفد شاعريته وتوهجه الذي ظل بعد توقف الشاعر مرئيا وحاضرا يشبه توهج نجم بعيد خمد من زمان ولكنه واصل ما تبقى من حياة مكتوبة له على هذه الأرض دون شعر مكتوب. وذلك لا يعني أن عنصر الثقافة غير موجود وغير فاعل لدى هذا الشاعر أو عند غيره من الشعراء الكبار ممن ذكروا أو لم يذكروا، وهم كثيرون، إنما أعني أن طريقتنا في قياس هذه (الثقافة) وتقدير دورها ومدى فاعيتها في ذات المبدع وتكوين نصه الشعري قد لا تكون مناسبة دائما، فضلا عن أن هناك مبالغة في توصيف سامي مهدي لفقر ثقافة السياب الشخصية ومكوناتها المتوفرة له في عصره. فنحن نعرف أن السياب جاء بغداد وهو شاعر كان ديوانه أو دفتر شعره ينتقل منذ سنته الأولى بدار المعلمين العالية بين بعض زميلاته من الطالبات، وأنه كان يمتلك عدة واستعدادا مكّناه أن يبدأ بكتابة الشعر وهو في السادسة عشرة من عمره، بل إن إحسان عباس يورد لنا في كتابه تلك القصة التي كان السياب يقرأ فيها قصيدة من نظمه في مدرسته الابتدائية فيما كان أحد المعلمين يحمله لصغر حجمه وضآلته. ومن يقرأ الفصل الأول من كتاب إحسان عباس ويرى إلى غنى مصادر السيّاب في تكوينه الثقافي ونشأته الشعرية الأولى يستطيع أن يقدر مدى متانة الأساس الذي نهض عليه شعره في مراحله اللاحقة.

وما دخل هذا الشعر من بذور لقاح حملتها رياح قادمة من الشعر الغربي بشكل عام، والشعر الإنكليزي بشكل خاص جعلت علاقته بهذا الشعر فيما بعد أكثر يسرا وتمكّنا. وقد كان السياب، كما يقول إحسان عباس، قادرا في مراحل التكوين الأولى تلك أن يقرأ في ديوان مهيار الديلمي، ويحفظ كثيرا من الشعر الذي أورده ابن قتيبة في الشعر والشعراء، ويطالع كتاب أحمد الصاوي محمد عن شللي، ويحاول أن يتفهم بعض قصائد ذلك الشاعر في أصلها الإنكليزي، وينفعل ببعض أفكار (الديوان الشرقي)، ويتعشق بحيرة لامارتين، كما ترجمها علي محمود طه، ويبذل، بمساعدة هذا الأخير وأحمد حسن الزيات في ترجمتهما للامارتين وألفريد دي فينيه ودي موسيه وشللي الإنكليزي، جهدا لقراءة القصائد الإنكليزية بلغتها بعد الاستعانة بالقاموس وقراءة القصيدة الواحدة عشرين مرّة، حسب قول السياب الذي ينقله عنه إحسان عباس في كتابه المشار إليه أعلاه. وما نشر من بعض رسائله لزميله خالد الشواف في تلك المرحلة من حياته يفصح هو الآخر عن ذائقة نقدية وحيوية ذهنية وقدرة على التمييز بين غث الكلام وجيده. وقد ظل هذا الشغف بالاطلاع على كل ما هو جديد في الثقافة العربية والغربية رفيقا له حتى أخريات حياته. ونحن نقرأ له، مثلا، في رسالة كتبها من البصرة إلى الشاعر شاذل طاقة ببغداد في 13/10/1963، أي قبل عام واحد من وفاته، أنه كان يقضي وقته “بالمطالعة، همنغواي، غوغول، د.هـ. لورنس.. وكثير من الشعراء، عرب، وفرنسيين، وإنكليز..”. وهو، مع ذلك، لا يسميها “مطالعة جدية، وإنما هي تزجية أوقات الفراغ ..”(13) لقد روى الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في كتابه (النفخ في الرماد) عن الشاعر عبد الوهاب البياتي أنه قال في حدود عام 1950 في معرض حديثه عن شعره: (إنني أقرأ كل شعر يصل إلى يدي بما في ذلك الشعر الزنجي). وكان تعقيب أحد زملاء البياتي على ذلك هو: “هل يعجبكم هذا القول؟ سارق يتأثر بما يقرأ”(13).‏ إن شعر البياتي يمثل نموذجاً يتميز بالعافية لشعر عربي تبدو فيه مؤثرات أجنبية، ولكنها أشبه بمؤثرات اللقاح الطبي الذي يُدخل في الجسم كائنات غريبة عنه، لا تلبث أن تنقلب نسغاً من الصحة وتطعيما لشجرة الشعر”(14).‏فإذا عرفنا أن معرفة السيّاب باللغة الإنكليزية كانت، رغم كل ما قيل عن ضعفه فيها أفضل بكثير من معرفة البياتي بهذه اللغة بحكم الاختصاص الدراسي، وأنه (أي السياب) كان يستطيع أن يقرأ بهذه اللغة، بل أن يترجم عنها لشعراء وكتاب إنكليز وغير إنكليز، عرفنا أن ما كان يصله من ألوان الثقافة الأجنبية لا يدخل كله في باب (التأثر السريع) أو (السرقة). والأهم من هذه (الثقافة الأجنبية) في حياة السياب وشعره هو مقدرته غير المشكوك فيها على فهم تراثه العربي وتمثله لأفضل نماذجه الشعرية، وتوظيفها توظيفاً حياً في تركيب ثقافي جديد من أجل التعبير عن واقع الحياة التي عاشها بطريقة صارت معها هذه الحياة موضوع الشعر العربي على نحو لم نعرفه لدى شاعر عربي آخر غير السياب، خلال تلك المرحلة.‏وحينما قال (أنسي الحاج) في ملحق جريدة (النهار) عام 1965، عن السياب بأنه: (جاهل، بدوي، فولكلوري، خرافي، انكلوسكسوني على واقعي، هجاء، رثاء، مدّاح، بكاء، يسيل به الشعر سيل قريحة فارطة، ويسيل معه الشعر حتى الموت”(15) فإنه كان يعبّر على طريقته الخاصة التي لا تخلو من المبالغة والسخرية ربما، عن تلك الحقيقة الثابتة في حياة السياب وتجربته الثقافية والعناصر المتباينة الداخلة في تكوينها، والتي أصبحت من ثم جزءاً لا يتجزأ من شخصيته وشعره، وهي ضخامة تجربة السياب الثقافية والشعرية.

‏لقد أحسن السياب أستغلال إمكاناته واستعداداته الطبيعية وعناصر الثقافة الأجنبية التي توفرت له على قلتها وشحتها أحياناً، ليكتب رقائق شعرية أحدثت، مهما اختلفنا في قيمتها ومستواها الفني تغيراً جذرياً في مفهوم الشعر العربي، ومهدت الطريق لشعر عربي حديث حقاً ومعبر حقاً عن الحياة الحديثة شكلاً ومضموناً. وكان (وعي التجديد) لديه أمراً فرضه عليه إحساسه بضرورة تغيير الحياة العربية، وإيجاد الجديد فيها، وليس أمراً شكلياً. وقد أرتبط مفهوم الحداثة كما هو معروف بمفهوم الثورة، بحيث لا ينفصم أحد المفهومين عن الآخر. وحتى إذا كان السياب في المراحل الأولى من حياته الشعرية يعي مفهوم التجديد بطريقة حدسية أو غير واعية، فإن النتائج المباشرة هو أن ذلك الإحساس أسهم في خلق قيم فنية وجمالية لا عهد للشعر العربي بها من قبل. ولذلك فإنني أعتقد بأن السؤال الذي يتكرر طرحه عن ((ثقافة السياب)) ومدى غنى هذه الثقافة وقدرتها على صياغة وعي تجديدي، ينبغي أن ينصب على مدى الأصالة الموجودة في العناصر التي تتكون منها هذه الثقافة، سواءً أكانت محلية أم أجنبية، معاصرة أم تراثية. فمن شأن توفرها لدى المبدع أن تصهر أجزاء هذه الثقافة في بوتقة واحدة تجعلها جزءاً لا يتجزأ من شخصية هذا المبدع وكتابته الشعرية.

والثقافة الأصيلة بعد كل شيء ليست مظاهر وأصباغاً وألواناً ولغة أو لغات أجنبية وغزارة في الكلام، فالثقافة في أبسط تعريفاتها هي ما يبقى لدى الإنسان بعد أن يُنسى كل شيء.‏ لقد قال السياب في رسالة كتبها لصديق في أخريات حياته ملخصاً تجربته قبل أن يموت بعد ذلك بأيام: ((أشعر أنني عشت طويلاً. لقد رافقت كلكامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشتُ التاريخ العربي كله. ألا يكفي هذا؟))(16).‏نعم يكفيه هذا، ويكفيه أنه سيظل قادراً على أن يجد دوماً من يؤمن على كلامه حتى إذا وجد فيه بعض المبالغة المفهومة، والتي يمليها، أساساً، إحساس الإنسان وهو يودع مجبراً رغبته في الحياة وفي معرفة المزيد من تفاصيل ذلك التاريخ الذي يقول إنه عاشه طويلاً في هذه الحياة.‏ ولم يكن السياب، كما نعلم قادراً على التعبير عن شؤون هذه الحياة وشجونها بشيء غير الشعر. ولذلك، فإن الطريقة الوحيدة الممكنة لقراءة هذه الحياة أو معاينة فصول محددة منها هي قراءة قصائده نفسها، وليس شيئاً‏ آخر سواها.‏ وهذه هي، على كل حال، النتيجة التي أنتهى إلى تقريرها معظم النقد الحديث فيما يتصل بنوع العلاقة العائمة بين حياة الشاعر وثقافته من جهة، وشعره من جهة أخرى. فالشاعر، بعد كل شيء، يخلق عملاً فنياً مجسداً. وهو لا يعرف بالضرورة النشاط الذي يقوم به ولا يهمه أن يعرف، وقد لا يعرف أن يصوغ ما يعرف بمصطلحات وألفاظ فنية، وفكرية، كما يقول (رينيه ويلك) في حديثه عن (ثقافة الشاعر)(17).‏ وأظن أننا لا نختلف في أن الكلام الكثير الذي قيل في نصوص السياب الشعرية الكبرى، وكيف أن هذه النصوص ما كانت لتكتب لولا وجود وعي فني عال وثقافة واسعة قد نختلف في تحديد عناصرها وتركيب مستوياتها، ولكننا لا نختلف قط حول عمقها وأصالتها.‏

الهوامش:‏

(1) سامي مهدي، السياب دراسة في ثقافته وفنه الشعري، آفاق عربية (ع آب، ص51).‏

(2) عيسى بلاطة، بدر شاكر السياب، حياته وشعره، ط4، بغداد 1987، ص92.‏

(3) سامي مهدي، المصدر السابق، ص60.‏

(4) انظر. د.ضياء خضير، حداثة النمط أو التشكيل التاريخي الكاذب، مجلة الأقلام، ع4، 1989، ص99.‏

(5) غراهام هو، مقالة في النقد، ترجمة محيي الدين صبحي، دمشق 1973، ص55.‏

(6) أبو الوليد بن رشيد، تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، تحقيق د.محمد سليم، القاهرة، 1971، ص45.‏

(7) غراهام هو، المصدر السابق، ص57. رولان بارت، الكتابة في درجة الصفر، ترجمة نعيم الحمصي، دمشق 1970، ص49.‏

(8) رولان بارت، الكتابة في درجة الصفر، ترجمة نعيم الحمصي، دمشق 1970، ص49.‏

(9) نفسه، ص5. ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن كل قصيدة عظيمة هي غاية في ذاتها ووسيلة لاكتشافات أخرى أيضاً.‏

(10) م.ف.جويار، الأدب المقارن، ترجمة د.محمد غلاب، القاهرة، ص1956، المقدمة (ل،م).‏

(11) م.ف.جويار، الأدب المقارن، ترجمة د.محمد غلاب، القاهرة، ص1956، المقدمة (ل،م).‏

(12) إحسان عباس، بدر شاكر السياب، دراسة في حياته وشعره، ط4، 1978، ص117

(13)د عبد الواحد لؤلؤة، النفخ في الرماد، بغداد 1982، ص9.‏(15) ملحق جريدة النهار، بيروت 7 شباط 1965، نقلاً من كتاب الأستاذ عيسى بلاطة، ص154.‏

(14) عاصم الجندي النهار، بيروت 7 شباط، 1965، نقلاً عن عيسى بلاطة، ص 154، ويمكن أن نعد ما قدمه الدكتور مالك المطلبي في محاضرة له باتحاد الأدباء تحت عنوان ((تهيكل القصيدة بين لبيد والسياب)) بتاريخ 15/7/1992 محاولة جادة في الكشف عن بعض عناصر الأصالة في قراءة السياب لتراثنا الشعري العربي، متمثلة في طريقة التخطيط لبناء القصيدة الشعرية الحديثة (وهي منزل الأقنان هنا) على نحو يذكر بقوة بطريقة بناء معلقة لبيد المعروفة.‏

(15) رينيه ويلك، مفاهيم نقدية، ت د.محمد عصفور، ص 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى