الجديدمقالات

حول فيلم “موجودا هناك” للممثل الكوميدي الشهير بيتر سيللرز

عادل جعفر

وسط أجواء مشحونة بالقلق والتوتر الكوروني الجديد بظهور المتحور الجديد “اوميكرون” ،

قررت قبل عدة أيام ان أشاهد أحد الأفلام الكوميدية القديمة وذلك في نهاية يوم عمل مضني، يوم كان طويل و قاسي، بحثت عن حاجتي في تطبيق سينمانا،  و قد جذب أهتمامى و فضولى  أحد الأفلام  بسبب  عنوانه وهو فيلم  (being there) أي “موجود هناك “!!!.

هذا العنوان  مر أمامي عدة مرات سابقا لكن في مجال آخر وهو مجال الفلسفة وعلم النفس.

المصطلح الفلسفي (being there ) مترجم حرفياً من اللغة الألمانية ( Daseins) ويعني” موجود هناك”.

و الذي أبتكره هديجر ليدل على وجود الأنسان في العالم، وعلى أي نحو يوجد الإنسان في العالم. فمصطلح  Dasein يقسم  الى مفردتين  Da = there       Sein = being

وهناك مدرسة في التحليل النفسي تسمى بهذا المصطلح، وتعرف بأسم مدرسة تحليل الموجود الإنساني أو Daseins analysis، وهي تعارض مدرسة فرويد Freud  في التحليل النفسي، تأتي لتحليل الموجود الإنساني أو أحوال الموجود الإنساني في العالم من حيث هو موجود مَرْمِيٌّ في  هذا العالم، أو هو موجود مقذوف به في العالم. وهذا حال من أحوال الوجود الإنساني فكلنا مَرْمِيٌّون  في العالم، مقذوف بنا في  هذا العالم على غير إرادة منا. فَوعِينا لنجد أنفسنا في العالم بغير إرادتنا، وأنزلقنا إلى العالم فلم يؤخذ رأينا في ميلادنا، فهو حال من الأرتماء، وأي أرتماء ؟!.

المادة الأساسية  التي عزف الفيلم أوتارها هي الهرمنيوطيقيا فكان عزفه  فريداً و بارعاً، أذ تراقص الفيلم مع فن التأويل رقصاً خفيفاً تارةً وثقيلاً تارة آخرى، وأهتزت الهرمنيوطيقيا لهذا  طرباً.

 قدم لنا الفيلم أشكالية (عبر شخصيتي الرئيس الامريكي و تشانس البستاني ) تعادل أشكالية فهم  الوثائق و النصوص التاريخية المنحدرة إلينا من التراث؟.

و من خلال كوميدية “بيتر سيليرس” أعلن الفيلم  وبشكل كوميدي محنة سوء فهم النص. و كلنا نعلم كم عانت البشرية من كوارث سوء فهم النصوص و كثرة التآويلُ لها. فكنٌا عرضة لسوء الفهم أكثر من كوننا نفهم بطريقة صحيحة.

قبل ما أفصح عن أسرار الفيلم في أستخدامه للهرمنوطيقيا، لا بد من وقفة تاريخية مبسطة لفهم هذا المطلح،  بعيداً عن النصوص الفلسفية الثقيلة المملة،  وبعيدا عن الكلمات والجمل الفلسفية التي تؤدي بِنَا الى التوهان، أقول ببساطة أن الهرمنيوطيقيا أرتبطت  كَفن للتأويل  باللاهوت المسيحي والكتاب المقدس، وهذا الأرتباط يعود إلى بداية إعادة كتابة الإنجيل من قبل “متي” كنص سلطوي معتمد ووثيقة مقدسة والذي أعاد كتابة أنجيل “مرقص”ليجعله متلائما مع بناءاته اللاهوتية الخاصة به.

 مع كثرة التآويل  أصبحت  الأناجيل الأربعة عبارة عن تفسيرات مختلفة لحياة وآلام المسيح. بعد ذلك تطورت الهرمنيوطيقيا وأثقلت كاهلها بمسؤوليات أخرى تضاف الى مسؤولية القراءة و التفسير وهي مسؤولية فهم النص. وبعد ما كانت مهمتها  في البداية  مقتصرة على تفسير النصوص الدينية، أصبحت بعد ذلك تهتم أيضا بالنصوص الدنيوية، ثم أصبحت مبحثاً فلسفياً قائماً بذاته منذ عهد الفيلسوف شلايرماخر.

وأروع ما قاله شلايرماخر هو عبارة “أن سوء فهم خطاب معين هو الذي يولد الحاجة الى الفهم”، وصرح  شلايرماخر أيضا انه “من أجل ان نفهم  مقصودية نص ما، علينا أن نفهم  الحالة النفسية لواضع النص أثناء وقت كتابته، والظروف التاريخية التي كُتِب فيها النص”.

بعد ذلك غير هايدغر مسار الهرمنيوطيقيا من مسار كيف نفهم الى مسار آخر ليكون السؤال كيف نوجد؟. هكذا أصبحت عملية الفهم مرتبطة مباشرة بوجود الانسان، أي “أن الفهم ليس شيئا نمتلكه بل هو شيء نكونه”، ليصبح الفهم شكل من أشكال الوجود في العالم (Dasein).

 لقد كان واضحا من المشاهد الأولى للفيلم انه يميل بأتجاه الهرمنيوطيقا  والتي تعني  التأويل لغةً وأصطلاحا..

في اللغة تأويل الكلام  يعني تفسيره أما كمصطلح فهي تعني  إعطاء معنى لحدث أو لقول أو لنص لا يبدو فيه المعنى واضحاً.

طبعا هناك فرق بين التأويل ( و و ما أعتمده الفيلم ) والتفسير، فالتأويل هو نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ ، ومعنى هذا أن المراد هو تأويل حمل اللفظ على المعنى المجازي او الأستعاري .أما التفسير فهو قصر اللفظ على معناه الحقيقي.

اما لعبة اللغة التي أستخدمها الفيلم فأنها جاءت من التشبيه الذي أطلقه  فيتغنشتاين، فهو أول فيلسوف يعتبر اللغة كلعبة، أي  أنها تفاعُل يشمل أتفاقًا بين طرفين على مجموعة من القواعد. وتتغير القواعد هذه بتغيُّر الأطراف المشاركة .

فقواعد اللغة تشبه قواعد اللعبة. هذه القواعد قد ضاعت تماما في الفيلم . فكانا الأثنان ( الرئيس الامريكي و تشانس البستاني) يشبهان شخصين يلعبا الشطرنج. الأول كان يعلم جيدا إن الملك ما هو الا قطعة خشبية فؤق الرقعة و هو ليس بملك حقيقي. بينما أعتقد الثاني بإنه ملك حقيقي. و نحن ندرك جيدا ان في لعبة الشطرنج يجب أن يتفق الطرفان الجالسين على طرفيها أن الملك ما هو ألا قطعة خشبية، هذا الأتفاق هو من يجعل للعبة الشطرنج معنى من الأساس.

هذا الفيلم (Being There) تم انتاجه في عام 1979 وهو من بطولة العملاق بيتر  سيليرس.

البطل تشانس (سيليرس) يعيش في العاصمة الأمريكية ويبدو عمره قد جاوز الخمسين، وقضى عمره من الولاده في منزل رجل ثري وثالثهم الخادمة. تشانس هو بستاني ذلك المنزل الذي لم يخرج منه قط  و كل ما يعرفه عن العالم الخارجي تلقاه عبر أدمانه على مشاهدة التلفزيون  ساعة ولادته.

يبدأ  الفيلم عندما يموت مالك المنزل  الكبير  في العمر وتغادر الخادمة المنزل ثم يأتي المحامي ليقوم بالحجز على المنزل، ليضطر تشانس مغادرته لأول مرة في حياته ليواجه العالم الواقع. 

و بينما  كان تشانس واقف  منهمكًا في مشاهدة أحد شاشات التلفزيون كما اعتاد دومًا في واحدة من منافذ البيع الكائنة في أحد شوارع المدينة لتأتي سيارة وتصدمه صدمة خفيفة في قدمِه بدونِ قصد، وتخرج صاحبة السيارة -التي هي زوجة لأحد كبار رجال الأعمال في اميركا لتدعوه لقصرها حتى يفحصه طبيب العائلة كنوعٍ من تقديمِ الأعتذار. وتبدأ في التعرف عليه في السيارة، فتسأله عن أسمه، فيجيب (Chance the gardener) الذي كان يقصد به (تشانس البستاني)، وهذا كناية عن عمله.. لكن هي لم تفهم ذلك فأعتقدت أن هذا هو أسمه بالفعل. لتبدأ الألعاب اللغوية.

بعد أن قام طبيب العائلة بفحص تشانس، طلب منه البقاء في القصر لبضعة أيام حتى يبقى تحت رعاية الطبيب إلى حين أكتمال شفائه.

تبدأ الهرمنيوطيقيا بالظهور عندما يأتي الرئيس الأميركي الى القصر حتى يُقابل صديقَه؛ أحدَ  اكبر  رجال الأقتصاد في البلاد -وهو زوج السيدة التي قامت بصدم تشانس- ليتناقش معه بخصوص الوضع الأقتصادي المتردّي في البلاد، ويقدّم له الزوجُ تشانس على أنه صديقه الذي هو بالطبع رجل أعمال مثله.

في أثناء الحديث يسأل الرئيس تشانس عن رأيه بخصوص الوضع الاقتصادي، فيجيب تشانس بالشيء الوحيد الذي يعرفه عن العالم وهو رعاية الحديقة والنباتات، ويعرض له فكرة توالي فصول السنة الأربعة، وأن ذلك يسبب بعض الضرر للنباتات في فصليّ الخريف والشتاء، ثم تبدأ النباتات في التحسُّن مرة أخرى بقدوم فصليّ الربيع والصيف، وأنه يجب على البستاني الجيد أن يقوم بتنظيف التربة من النباتات الميتة حتى يسمح بنمو نباتات جديدة. هذا الكلام الذي لا يمُت لموضوع المناقشة بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، ولكن على نحو مغاير تمامًا، ينبهر الرئيس بتلك الفكرة البسيطة في عرضِها، العميقة في محتواها؛ ويسقطها على الوضع الاقتصادي الآنيّ في البلاد حتى أنه في اليوم التالي وفي أثناء لقاء صحفي تلفزيوني قام بعرض تلك الفكرة أمام الشعب الأمريكي وذكر صاحب الفكرة وهو (تشانس البستاني).

ويصبح تشانس -الذي لا يعرف ما تعنيه كلمة أقتصاد ولا حتى يعرف القراءة والكتابة- بين ليلة وضحاها أحد أهم رجال الساسة في البلاد ومن الشخصيات المُقرّبة من الرئيس، لتنهال عليه عروض للقاءات صحفية وتلفزيونية ليعرض فكرته تلك ويصبح من أشهر رجال المجتمع.

حتى نشهد كيف أستخدم الفيلم الهرمنيوطيقيا، فلا بد أن نذكر الفيلسوف الألماني هانز جورج جادامير  الذي يعتبر أول مؤسس للمدرسة التأويلية المختصة بشكل وثيق بالهرمنيوطيقا، أذ يقول أنّ لعملية التأويل شقّين أساسيين، هما الشقّ الذاتي والشقّ الموضوع.

1. الشّق الذاتي

وهو الشّق الذي من خلاله تحدث عملية التأويل بناءً على الخلفيات الذاتية للنص، على سيبل المثال الحقبة التاريخية والوضع الاجتماعي والحالة الشخصية الخاصة بالمؤلف التي دفعته لإخراج ذلك النص، ونجد ذلك مُتمثّلًا في موقف الرئيس الأمريكي الذي لم يأخذ كلام تشانس بشكله البسيط لكنه ارتأى تأويله بناءً على وضع تشانس بكونه صديقًا لأحد أكبر رجال الأعمال في العالم، فمن غير المعقول الذهاب للقصد القريب الذي لا يمُت للموضوع بصلة، ولكنه بالضرورة كان يقصد عملية الترميز التي تذهب للقصد البعيد المُتّصل بالموضوع، هنا يمكننا أن نرى الشق الذاتي في النظرية التأويلية لجادامير بمنتهى الوضوح.

و هنا أوجز لنا  الفيلم الإضافة التي أضافها غادامير إلى مجال الهرمنيوطيقا وهي أن المواقف الذاتية والنوازع الشخصية للمتلقي هي من تصوغ فهمه للنص مهما كان هو موضوعيا  لتفتح لنا الباب على مصراعيه لأغتيال واضع النص ونسف مقاصده، إذ يصبح النص لعبة المفسٌر.

2. الشق الموضوعي

وهو  تأويل النص من خلال موضوعه بغض النظر عن أي خلفيات أخرى؛ فلنسقط ذلك أيضًا في ذات الموقف بين الرئيس وتشانس،  لو كان تشانس على سبيل المثال  عامل بدالة وأجاب الرئيس أنه يقضي يوم عمله الشاق متابعا المكالمات المختلفة التي ترده ويصلها بالشخص المطلوب، لم يكن في أستطاعة الرئيس أن يجد أي وسيلة لتأويل ذلك النص وتقريبه وإسقاطه على الموضوع، وربما أتّهم تشانس بأنه يسخر منه أو أنه حتى مجنون!.

وقد أستخدم  الرئيس الشق الذاتي، وكان تفسيره غير موضوعي (موضوع النص) و حاول أن يجد سندا لكلام تشانس ولم ينتبه الى  الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية وأستند على موقفه الراهن من واضع النص (تشانس) كونه صديق أكبر شخصية أقتصادية  محاولاً ان يجد في  كلام تشانس سنداً لموقفه.

التفسير  اللاموضوعي الذي وصله الرئيس الامريكي في الفيلم ذكرني بالتفسير الذي وصل اليه الكثير من المفسرين، فكان هذا وبرأي الشخصي أحد أهم العقبات المعرفية التي تقف عائقاً أمام تحقيق النهضة والتقدم والتحرر في عالمنا العربي.

هكذا أوجز لنا الفيلم  فلسفة اللغة عند الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتاين؛ الذي أخبرنا “ أنه عندما نتواصل مع شخص فإننا نستخدم مجموعة من الأساليب التي لقّبها فيتجنشتاين بالألعاب اللغوية، وهي قدرة الإنسان على فهم النص في قصده الأساسي أو الذاتي”.

فأنا عندما أقول على سبيل المثال (This person is really talkative) ربما أقصد السخرية أو أقصد فقط المزاح أو أعني ما أقوله حقًا أنه ثرثار  ولذلك فإنّ عملية الفهم تلك تعتمد على مجموعة من القواعد التي أستخدمها، وتلك القواعد يجب على الآخر الإلمام بها بشكل كامل حتى يصل له داخل ذهنه المعنى الدقيق للكلام.

أو اقول المثل الذي قاله فيتجنشتاين” موسى لم يكن موجودا” والتي يمكن أستخدامها لتقول أن لا شخص يشبه في صفاته الشخص المنسوب إلى أسم موسى، ويمكن أن تُفّهم أن النبي موسى لم يكن يُسمى موسى، أو أن لم يكن هناك شخصية تاريخية اسمها موسى.و هكذا لا يمكن فهم الجمل من غير وضعها في سياق واستخدام.

قد نبهنا الفيلم الى الأستنتاج الذي وصل اليه  فيتجنشتاين  وهو صعوبة او أستحالة الألمام بكل القواعد التي يستخدمها صانع النص ،أذ أنتقد فيتجنشتاين فكرة الماهوية اللغوية، وهي أن لا يوجد ماهية واحدة ثابتة للغة أو لعمليات التواصل، ولكن ذلك يعتمد على مجموعة القواعد المستخدمة في الألعاب اللغوية.

وهذا أيضًا ما نراه متجلّيًا في الحالة المصنوعة داخل الفيلم، فتلك المكانة الكبيرة التي وصل لها تشانس كانت نتيجة لجهل الآخرين بالقواعد التي كان يتحرك تشانس في إطارها، فكانت النتيجة ذهابهم لمعنى آخر لا يمُتّ لحقيقة النصّ بصلة ولا حتى يتقارب معه بأي شكل من الأشكال.

في نهاية الفيلم نجد تشانس يمشي بجوار بحيرة من الماء، ثم يشرع في التوجّه نحو الماء ويستمر في المشي حتى نجده يمشي على الماء كما لو أنها أرض تحمله بمنتهى البساطة، في مشهدٍ يُذكرنا بالقصة الإنجيلية الخاصة بالمسيح عندما مشى على الماءِ حتى ينقذ بطرس من الغرق، ثم يقوم تشانس بإنزال مظلّته في الماء ليقيس مدى العمق من تحته فيجد المياه عميقة بالفعل ومع ذلك هو يظل ثابتًا على السطح وينتهي الفيلم حينها وتظهر الجملة الختامية للفيلم وهي (Life is a state of mind) أو «الحياة هي حالة ذهنية».

من خلال المشهد الأخير، ربما قصد المُخرج إيصال فكرة تشير الى ذلك العدد الكبير من النّصوص التي ارتأى لها البشر التأويل من خلال وضعها في إطارٍ عمِيق  بعيدًا عن مغذاها البسيط السطحي، إذ يظلّ تشانس واقفًا على سطح البحيرة بمنتهى البساطة بينما يوجد الكثير من العمق تحت قدميه.. ربما  أراد المخرج التلميح للنصوص الدينية من خلال أستحضار ذلك المشهد الإنجيلي، وربما لم يكن هذا مقصده! ولم تصلني مقاصد المخرج لعدم معرفتي بقواعد اللعبة اللغوية التي يستخدمها .

اما اذا طبقنا  أساءة استخدام الهرمنيوطيقيا من قبل رجال الدين و كيف فسروا كورونا على انها رسالة أنذار من الله الى البشر فانها سترمي نفسها من أقرب جسر الى النهر لتعلن عن موتها و تبشّر بولادة الدجلنيوطيقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى