الجديدمقالات

واقع المرأة في العراق

زينب صلاح الدهش

تَنمو المُجتَمعات وتَنهَض وتَتَطَوّر وتَتَقدَّم بهِمَمِ شعوبها، رجالاً ونِساءً على حَدٍّ سواء كُلٌّ مِن مَوقِعِه. وتُشَكِّلُ المرأة كِياناً أساسيّاً مُهِمّاً في المجتمع، فَهي عُنصرٌ فاعِلٌ في تَسيير ماكِنَة الحَياة بِمعظَم أجزاءِها وتَفاصيلِها فيما لو تَوَفَّرَت لها الإمكانات والأدوات والأساليب التي تُتيح لها بَذل جُهودها لتحقيقِ الغايات السامية المَطلوبة، التي خَلَق الله البشَر مِن أجلها. لذا، يُعَدُّ دَور المَرأة مُؤَثِّراً جداً بكلّ زاوية مِن زوايا الحياة المُجتَمَعية، وفي مقدِّمتها الاسرة، بإعتِبارِها النواة التي تتكوَّن منها خَلايا المُجتمَع، فهي الجَدَّة والأُم والأُخت والزوجة والإبنة؛ ولكُلٍّ إسهاماً في بناء الاسرة بناءً تربوياً طَيِّباً ضِمن القِيَم المُجتمعية السليمة، والظروف الاقتصادية، والسياسية، والفكرية، والثقافية. وهنا يَتَطَلّبُ دَور المرأة، في تحقيق الغايَة، أن تَكونَ واثِقَةً من نفسِها، وتَحمِلُ سُمُواً بِطموحِها وأفكارِها، ولَدَيها عناصِر المُبادَرَة والمُواظبَة والرغبَة الكامِنة في أداءِ أعمالها وُصولاً الى الإنجاز المَقرون بالإبداعِ. ولَقَد أثبَتَت المرأة كَفاءَتَها ونَجاحَها في كافَّة مَجالات الحَياة المُختَلِفة وبدونِها يتشَتَّت كيان المجتمع ويَتَقَيَّض بِناءه. ولقد أولَت الديانات السَماويّة إهتماماً وتَقديراً مُمَيزاً للمَرأة في حقوقِها وواجباتها وإعتبارها جزءاً أصيلاً وفعّالاً في المُجتمَع، فَهيَ تساهم في بِناءه مِن خِلالِ دَورها في الاسرة وعَمَلها كطبيبة ومُهندسَة وتَربويّة وإداريّة ومُحامية وفنّانة وكاتبة وشاعِرة وعامِلة وفلّاحة … وبقية المِهن الأخرى.

المُعَوِّقات والسَلبيّات:

هناك العَديد مِنَ العَوامل السَلبية، المَوجودَة على أرضِ الواقع في العراق، التي تُعيق أداء المَرأة وتُساهِم في تَرَدّي وَضعها وتَدَهورها، وتُضعُف مشاركتها في التَنمية، والبناءِ المُجتمعي، وتطَوّره، وتقدّمه. ويُمكنُ تَلخيص أهم المُعَوّقات والعَوامِل السلبية بما يأتي:

العَوامل الاجتماعية:

• العَوز المالي والإقتصادي الذي تُعانيه نِسبة غَير قليلة مِنَ النساءِ في مُجتَمَعنا العراقي، بِسبب ما مَرَّ به البَلد مِن وَيلاتِ الحروب والحِصار والاحتلال، مما جَعَلَهُنَّ مُعيلات لعَوائِلِهِنَّ، مع غِيابِ التأمينات والتَعويضات والرعاية الإجتماعية والصّحية‏، ويُعانينَ الفقر والحاجة.

• ارتفاع نِسبَة الأميّة لدى النِساء، ومِنها الأمّية القانونيّة التي تَجعَلهنَّ غَير واعِيات لحقوقهِنَّ بمختلفِ الأصعِدَة.

• إنعزالُ المَرأة في المُجتمعات الريفية إنعزالاً جُغرافيًا وإجتماعياً ومِهَنيًا وثَقافيًا شُبه تام عَن التَيّارات الحَضارية، لتبقى بمَهاراتها البَسيطَة مُتّبِعَةً ذات الأساليب الإنتاجية البِدائية مِمّا يُعَطّل قُدراتها على الإنتاجِ الأفضَل والأوفَر.

• التَقليل من شأنِ المَرأة والإستخفاف بها هوَ النَمَط الشائِع لدى بَعض الشَرائِح المُجتَمَعية التَقليديّة، إذ إنّ الثقافة المُجتَمَعيّة التي تنشأ فيها المَرأة تؤثّر في إمكانيّاتها الإبداعية.

• التَمييز بَين المَرأةِ والرَجُل فيما يخُصّ بَعض المِهَن على أنها لا تُناسب المَرأة، أو العَكس صَحيح، وهذه نَتاج الصورة النَمَطيّة المأخوذة حَولَ المَرأة وقُدُراتِها.

• تَفَشّي العُنف المُجتَمَعي بِصورةٍ كبيرة، وتَعَرّض النساء للمُضايقات والتَحَرّش مما يؤدّي الى شعورهن بالتوتّر السلبي.

• العُنف الاُسَري، المَوجود واقِعاً لدى أعداد غَير قَليلة مِن العَوائِل في مُجتَمَعِنا، والذي تتعدَّد أشكاله وآليّاته بِتَعَدد أطراف العلاقة الداخِلَة فيه.

• الضغوط التي تُواجه المَرأة العامِلة بسبب صعوبة التَوازن بَين عَمَلها الوَظيفي المهني وواجِباتِها الاُسَرِيّة.

• تَنَوّع الأولَوِيّات لدى نسبة عالية مِنَ النِساءِ، مِمّا يُؤثِّر سَلباً على عَمَلِهِنَّ الإبداعي في المَجالات الأخرى.

• بَعض النساءِ يُعانينَ مِن مُتلازِمَة “الخَوف مِنَ النَجاح”، مِمّا يؤدّي الى إهتزاز الثِقَة بالنَفسِ وبقُدُراتِهِنَّ، والشعور بالرفض مِنَ الآخرين.

• الظروف الصَعبة التي مَرَّت على العراقيين، مِن حروب وتَهجيرٍ، أدَّت الى تداعيات سلبية كثيرة، مِنها تَرسيخ التقاليد القَومِية والطائفية والقَبَليّة أو العَشائريّة بَدلاً عَن تقاليدِ المُواطَنة للبلدِ الواحد المُوَحّد والشعور بالروحِ الوَطنية.

• غِياب الأشخاص القُدوَة، في الأعمال المِهَنيّة، لدى العَديد مِنَ النساءِ، وبذلك يفتَقِدنَ التَشجيع والدَفع نَحوَ النَجاح مِن خِلالِ تَقديم الإرشاد والمَشورَة عندَ الحاجَة.

 العَوامِل السياسِية والتَشريعية، وتَشمِل الآتي:

• ضُعف الرؤى الإستراتيجية لتَنمية المَرأة لتَكونَ عُنصراً أساسياً وفَعّالاً لإعادَة بِناء المُجتَمع حَضارياً وتطويره وتقدّمه.

• ضُعُف، أو غِياب، الخُطط التَنمَوية الشامِلَة للقِوى العامِلَة التي تُساعِد المَرأة على المُساهَمَة الفَعّالة في بناءِ المُجتمع.

• قِلّة الأنشطة التي تُشَجِّع المَرأة للإنخراطِ التام والفاعِل في بناءِ المُجتمع، وإن وُجِدَت فهي مَوسِميّة وغَير جادّة.

• عدَم تَوَفّر الإرادَة السياسية في بَلوَرَة قَوانين وتَشريعات حَقيقية فاعِلَة تَقوم على المُساواتِ بينَ المَرأة والرجُل، والمُتوَفّر منها يَقتَصِر على المُساوات الظاهِريّة وغَير القابلة للتطبيق، حَيثُ يلاحَظ وجود تَناقض واضح ما بَينَ نصوصِ القَوانين والتَشريعات النافذة، المُتعلّقة بالمَرأة، مُقابل المٌمارسات الفِعلية التي قد تكون نَتيجَة لِمَعايير ثَقافية سائِدة تُحدِّد الأوضاع الاجتماعِية مُسبَقاً في النَسَق الاجتماعي.

3 تغَلّب الثقافات الذكورية في المُجتَمعاتِ المَدنية مِمّا يَخلقُ قُصوراً واضِحاً لدى الرأي العام حَول حقوقِ المَرأة.

4 قلّة فُرص التَدريب والتَطوير للمَرأةِ في المَجالاتِ المُختلفة.

الحلول والمُقترحات:

يَدرِكُ الجَميع ما للتَنمية البَشَرية مِن أهمية كبيرة في تَحقيق التَنمية المُجتَمَعية بأُسُسٍ مَنهَجية مدروسَةٍ، فيما لَو تَمَّ إعدادها وتثقيفها وتَحفيزها على العَطاءِ وزيادة الكَفاءَة وتَطويرِ قدُراتِها. ومِن هُنا تَتَجلّى الأهمية الجَوهَرية لدَورِ المَرأة في عَملية التَنمية المُرتَبِطة بخِدمَة الإنسان وأنشِطَتِه في عراقِنا الحَبيب والتي تبدَأ منذ نشأته الأولى. ولتحقيقِ الأهداف الإنمائية للمُجتمع العراقي، يَتَطلب العَمَل جدّياً على تَوفيرِ أقصى مُشارَكة إيجابية للمَرأة، في مُختلف مَناحي الحَياة، الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية … وغيرها، التي لاتزال مَحدودة ودونَ الطموح رَغم كُثرَة الأحاديث والمُناداة بضَرورَة مُشارَكَة المَرأة وإِدماجها ضِمنَ خُطَط التَنمية المُجتَمَعية وإشراكها باتخاذِ وصُنع القرارات. ولتحقيقِ ذلكَ يَتَوَجَّبُ إتخاذ ما يَلزَم لتنفيذِ المُقترحات الآتية:

 1  تفعيلُ القَوانين النافِذَة وتَشريع قَوانينَ جَديدة تُعطي للمَرأةِ مَكانَتها المَرموقَة التي تَستَحقّها وتُحَفّزها على الأداءِ الأفضل فيما يَخدم المُجتمع وتَطَوّره وتقدّمه. والعَمَل على إعدادِ دراسات لتنقيةِ التَشريعات القانونية أو اللوائح والقرارات السابقة وكل ما يَعوق تَحقيق المُساواة الكامِلة.

2  تَطوير دَور القَضاء والمَحاكم الشَرعية المُختَصَّة بشؤونِ الأسرة بالشَكلِ الذي يَضمَن الحقوق الشرعيّة والمَدَنيّة للمَرأة والحِفاظ على وِحدة الأسرَةِ وتماسكها.

 3  توجيه الإعلام ليأخذ دَوره البارز والمُهِم في تَناولِ قَضايا المَرأة ودَورها في المُجتمع. فللإعلام تأثير قَوي في تَوجيه الرأي العام، وبَلوَرة الوَعي الإيجابي لدى المَرأة، وتَعريفها بحقوقِها، المَنصوص عليها في الأنظِمةِ والقوانينِ النافذة والقِيَم والشرائع السَماويّة، وكيفيّة المُطالبة بها، وحِمايتها وصِيانتها مِنَ الإنتهاكات والضَياع، وذلك من خِلالِ إظهار مَوقعها الرِيادي في كافَّة المَجالات.

 4 دعوَة الرِجال، الذينَ يَنظرونَ لِلمَرأةِ بِمَنظورٍ أدنى، وتثقيفهم لتَغيير سلوكهم بهذا الإتجاه ليَصبَحوا أكثر فاعِلية، كأبٍ وأخٍ وزَوجٍ وإبن، في تقديمِ الرِعايَة المَطلوبة ومَنعِ العُنف والتَمييز ضِدَّ النساء والفَتيات، وتَعزيزها على نِطاقٍ أوسع بِقضايا المُساواة بينَ الجِنسَين في كافَّة المَجالات، وإعطاء المَرأة حقوقها بِما يُرضي الله سبحانه وتعالى وكَما جاءَت بكافَّة التشريعات السَماوِيّة الى البَشَرية مِن خِلال الأنبياء والرُسُل (عَلَيهم السَلام).

5  تفعيلُ بَرامج مَحو الأميّة بِجِدٍ وإخلاص، والتَركيز والإهتمام بالمَرأة ومَنحها الفرصَة لتَعلّم حِرفة ومِهنَة تُنَمّي شَخصِيَّتها وتَصقلها، مُجتَمَعيّاً وإنسانياً، وتَسنِدها إقتصادياً.

6 الإهتِمامُ بمَشاريعِ تَنمية المَرأة الريفية ومَعرِفَة مُعَوِّقات عَمَلها على كافّة الأصعِدَة، وتكثيف الدَورات التدريبية.

 7  القَضاءُ على أشكالِ التَمييز بَينَ الرِجال والنِساء في فُرصِ العَمَل في كافَّة المَجالات.

فَتحُ دَورات مُتَخَصِّصة لِتنمية قُدُرات المَرأة، وصَقل شَخصِيَّتها، ورَفع كَفاءتها المِهَنية، وتَمكينها مِن الإنخِراطِ في أسواقِ العَمَل المُختَلٍفَة. وكذلكَ إطلاق حَمَلات مُوَسَّعة تَستَهدِف تَصحيح المَفاهيم الخاطِئة السائدة وتَبَنّي أفكاراً سليمة ضِمنَ الأعراف الإجتماعية والأخلاقيّة الواعِية، وتَنقية الأفكار البالية التي تُعيق مَسيرَة المُجتَمَع وتَطوّره وتَقَدّمه.

9  دَعمُ وتَشجيعُ المَرأة لإنشاءِ مَشاريع صَغيرة، تَعمَل بها بِشَكلٍ فَردي أو جَماعي، من أجل رَفع المُستوى المَعيشي لها ولأسرتِها، (خاصَّة تِلكُن النسوة اللواتي يُعِلْنَ أُسَرِهِن ويَشكَوْنَ الضُغوط والأعباء الاجتماعية بِسَبَبِ الفُقر والعَوز لِمَصادِرِ دَخلهِن.

وختاماً، لابُدَّ مِن تضافرِ كافَّة الجهود للعَمَل على تَحقيقِ العَدالة والمُساواة فيما يَخُص المَرأة، ومُشاركتها الفاعِلَة بالحَياة العامَّة، والسياسية بِصورَة خاصّة، وعَدَم إقتصارها على التَمثيل النِسبي والمُطالبة بحقوقها فَحَسب، بل ضَرورَة إتاحَة الفُرَص والإمكانات لمُشارَكَتها بِصُنعِ القَرارات. ويتَوَجَّب خَلق الوَعي العام مِن قِبَل المُجتَمَع المَدَني للإبتعاد عن الثقافَة الذكورية التقليدية، والإهتمام في إيجاد السُبُل الكَفيلة لتَرسيخِ ثِقَة المَرأة بذاتِها وإمكاناتها مِن أجلِ تَحقيق أهدافها والتَغَلّب على كافّة المُعَوِّقات التي تُواجهها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى