الجديدمقالات

شخصيات في حياتي: الباحث الأستاذ أسامة ناصر النقشبندي

عامر هشام الصفّار

أذكر جيدا وأنا صبي في المدرسة المتوسطة الغربية ببغداد وذلك في عام 1971 أن كان في المدرسة المعروفة بمستواها الجيد مدرس متمرس حكيم بمادة التاريخ هو الأستاذ هادي كبه، والذي كان يردد دائما سؤاله: ماذا نعني بالتاريخ؟. وقد كانت كتب وزارة التربية المقررة لتدريس الطلبة على أساسها توزع مجانا تلكم الأيام على الطلبة فكان من نصيبي كتاب بغلاف أبيض ناصع جميل نظيف يخص موضوعه تاريخ وادي الرافدين.. وقد بقيت مولعا بالدرس وبأسلوب التدريس للمعلم هادي كبه، حتى نلت درجات عالية في أمتحانات فصلية أعفتني من أمتحانات نهاية العام.. وهكذا بقيت عندي الرغبة متوقدة في كتب التاريخ ودراسة التراث ونتاجاته، حتى اذا دخلت كلية الطب بجامعة بغداد صار موضوع التراث الطبي العربي قريبا الى أهتماماتي، رغم أن هذا الموضوع لم يكن من المواضيع المنهجية في الكلية الطبية.

وقد لقيت التشجيع من بعض الأساتذة الأطباء من المهتمين بكتب ودراسات تراث العرب والمسلمين في الطب، وعليه فقد توجهت الى دار المخطوطات والتراث في منطقة الصالحية ببغداد، لأبحث عن الجديد غير المدروس من تراثنا الطبي، ولأتعرف على كيفية تحقيق المخطوطات عن قرب. وهكذا تعرفت على الأستاذ الباحث المؤرخ الموسوعي أسامة ناصر النقشبندي مدير دار المخطوطات حينها، والباحث والخبير في المؤسسة العامة للآثار والتراث.. فكان نعم الموّجه والمشرف على ما يمكن أن أعتبره محاولاتي الأولى في تحقيق المخطوطة الطبية حيث كان من المهتمين بالطاقات الشابة التي يعتبرها الدليل على ديمومة الأهتمام بتاريخنا الحضاري.

 فكان النقشبندي بمنهجيته العلمية وبقدرته التنظيمية في دار غني بمخطوطات التاريخ، حريصا على تقديم أفضل الخدمات للطلبة الجامعيين، فكان قد أطلعني على مخطوطة القانون في الطب للشيخ الرئيس أبن سينا، ومخطوطة الفاخر في الطب لأبي بكر محمد الرازي المتوفي عام 924م.. والتي تخص الأدوية والأغذية وعلاقة كل ذلك بصحة الأنسان. ثم أن الرجل النقشبندي قد شارك وأشرف على بحث أعددته في النصف الثاني من السبعينات حول مرض السرطان في التراث الطبي العربي، حيث ورد التعريف والمصطلح في المخطوط الطبي العربي بشكل واضح جلي، ينم عن تعامل الطبيب في تراثنا مع المرض الخبيث، ومحاولاته للتعرف على أسبابه بغية الوقاية منه على الأقل أن لم يتمكن من أيجاد العلاجات المفيدة.

وأذكر أن سيدة ماهرة جليلة كانت ضمن فريق العمل في دار المخطوطات ببغداد في السبعينات والثمانينات هي الباحثة ظمياء عباس السامرائي، والتي كانت تسّهل أمور الباحثين للحصول على الوثائق المصورة بالمايكروفيلم، والتبادل في تصوير المخطوطة مع المجمع العلمي العراقي ومكتبة الأوقاف العامة. وقد شارك الأستاذ أسامة النقشبندي مع الباحثة ظمياء السامرائي في فهرسة العديد من المخطوطات وأصدار الكتب الخاصة بذلك..

ومن المعروف فأن مديرية الآثار العامة في وزارة الثقافة العراقية كانت تسعى لجمع المخطوطات، وذلك منذ عام 1940 وقد أهدى الآباء الكرمليين ببغداد مخطوطات ثمينة لمديرية الآثار، فقد تجاوز عدد مخطوطات الأب أنستاس ماري الكرملي 1300 مخطوطة،  كما تبرع رشيد عالي الكيلاني (السياسي العراقي المعروف) بمكتبة مخطوطاته للمديرية أيضا والتي تعتبر الدائرة المركزية للمخطوطات في العراق.

وأذكر جيدا أن الأستاذ أسامة النقشبندي كان دائم التذكير بأهمية التجرد عن الأهواء والميول الشخصية في موضوعة تحقيق المخطوطة، أضافة الى ضرورة التوفر على علم بلسان العرب ولغتهم، ومعرفة عميقة بموضوع المخطوط نفسه… وعليه راح يشجع دراسي الطب من الطلبة على الأطلاع على مكتبة المخطوطات الطبية والعلمية، مما كانت تحتويه رفوف دار المخطوطات. وأذكر النقشبندي وهو يقول لي يوما أن المخطوطات هي مخازن التراث، وهي بمثابة الكنوز والتي مفاتيحها الفهارس.

 كما أذكر أن القسم العلمي في المجمع الفقهي العراقي كان قد أقام ندوة علمية بعنوان “أستهداف المخطوطات في العراق” وذلك في صيف عام 2016 للأستاذ المؤرخ أسامة ناصر النقشبندي وهو الخبير الأول بدار المخطوطات العراقي حينذاك. .

وبدأت الندوة بتعريف موجز عن الضيف وطبيعة الموضوع للشيخ الدكتور عبدالكريم الخزرجي عضو الهيئة العليا، أعقبه فيلم وثائقي عن جهود المحاضر في رعاية المخطوطات وإسهاماته العلمية.

وتحدث الأستاذ النقشبندي عن الأستهداف الحاصل للمخطوطات في العراق منذ عام ١٩٩٠ وحتى عام ٢٠٠٣ والذي أخذ أشكالاً عدة، منها ما تم بالتهريب المباشر الى خارج العراق ، ومنها ما كان داخل العراق عن طريق البيع والشراء بين السراق وسماسرة المخطوطات.

كما سلط الضوء على جانب الأهمال الذي لحق بالمخطوطات بعد أحتلال العراق عام ٢٠٠٣ وما تعرضت له المكتبات القيمة من السلب والنهب والحرق على يد الفوضويين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى