الجديدمقالات

أدب الخيال العلمي: عالم مثير وحقائق بديلة

تدفع الأضطرابات والتحولات التي يشهدها العالم مثل الحرب الروسية على أوكرانيا وتفشي متحورات فيروس كورونا والتغير المناخي العديد من القراء إلى أدب الخيال العلمي، لا سيما أدب المدينة الفاسدة والواقع المرير (ديستوبيا) الذي يقدم رؤى متشائمة للمستقبل والبشرية.

وينصح النقاد بعدم الأستناد إلى روايات الأوبئة في تخيل المستقبل، ومع ذلك فأدب الخيال العلمي هو عالم مثير تسكنه حقائق بديلة، ومستقبل بائس أو مشرق، سفر بين النجوم، حضارات وكائنات غريبة، روبوتات، وتجارب رائدة، ويُنصح القراء كذلك ببناء اختياراتهم الخاصة من كتب الخيال العلمي وروايته.

ويقدم هذا التقرير مجموعة مقترحة من روايات الخيال العلمي الصادرة حديثا، والتي تتراوح موضوعاتها بين الفانتازيا والحرب والكائنات الفضائية وتهديدات التكنولوجيا وغيرها من موضوعات ذلك الجنس الأدبي الذي يحظى بأهتمام القراء الشباب واليافعين بشكل خاص.

حرب أميركا والصين

كتب جنديان سابقان رواية تتنبأ بالمستقبل تحمل عنوان “2034”، تتحدث عن صدام مسلح (وتكنولوجي) بين الولايات المتحدة والصين. ويبدو أن الواقع ليس بعيدا عن هذا الخيال الذي يتصور أن تقود الظروف السياسية والتكنولوجية لمخاوف هذه الحرب، وفق المؤلفين.

يمتلك مؤلفا الرواية المؤهلات اللازمة لجعل هذه القصة ذات مصداقية، فإليوت أكرمان هو كاتب خدم 5 مرات في القوات البحرية في أفغانستان والعراق. أما مؤلفه المشارك، جيمس ستافريديس، فهو أدميرال متقاعد من فئة “4 نجوم”، قاد حاملة طائرات أميركية مع مجموعته القتالية البحرية وكان القائد الأعلى لحلف الناتو لمدة 5 سنوات.

تدور الأحداث في عام 2034 الذي لم تتراجع فيه حدة العداء بين القوتين العظميين، ويدور السؤال عما إذا كان العالم مهددا بالوقوع في “فخ ثوكيديدس”، وهي الأطروحة المثيرة للجدل للباحث الأميركي غراهام تي أليسون التي تقول إن الحرب حتمية عندما تتحدى قوة ناشئة (مثل أثينا) قوة راسخة (مثل أسبرطة)، وبناها أليسون على فكرة المؤرخ اليوناني القديم ثوكيديدس الذي يقول إن الحرب في هذه الحالة تعد حتمية.

“نحن نصطاد الشعلة”

في رواية “نحن نصطاد الشعلة” (We hunt the flame) للكاتبة والمؤلفة الأميركية لروايات اليافعين حفصة فيصل (28 عاما)، تقدم الكاتبة الشابة حكاية خيالية تدور في عوالم الفانتازيا حيث تقوم صائدة تدعى “زافيرا” بالتنكر في هيئة رجل من أجل السفر إلى غابة آرز الخطرة، وتعيش مغامرات سحرية في عوالم ملحمية من الممالك القديمة والجن والسحر والأساطير والموت والظلام.

ورغم أن الكاتبة من أصول سريلانكية لكنها أختارت شبه الجزيرة العربية القديمة مسرحا لأحداث روايتها، وخطرت لها فكرة كتابة الرواية بعد أن أطلعت بشكل جيد على أدب اليافعين لتقدم فيما بعد تجربتها الخاصة والمختلفة.

وتجري أحداث القصة الخيالية في مملكة العراوية الأسطورية، حيث الحرب تختمر والغابة المخيفة تبتلع الأرض في الظل.

وتكتسب الرواية قيمتها الأدبية من كونها بناء لعالم خيالي يناظر الواقع، ووضع الحبكة الدرامية بعناية ضمن هذا العالم المرسوم بالكلمات، وهذا ما دفع نقادا أدبيين لمقارنة الرواية بملحمة الأديب جورج مارتن الخيالية المذهلة التي تحولت لمسلسل “صراع العروش”.

وتقول المؤلفة إنها تعتبر روايتها عملا سياسيا، وتشعر “بالراحة في مزج عناصر الإسلام مع الخيال، ومع ذلك، فقد أردت إنشاء عالم يظهر الشرق الأوسط كما هو؛ موطن لآلاف وآلاف من الناس وليس المنطقة الشيطانية والغريبة التي يصورها الخيال ووسائل الإعلام”.

رواية “الحرب الأميركية” (American War)

في هذه الرواية المليئة بالإثارة والرعب، يروي الكاتب الكندي عمر العقاد قصة تجري أحداثها في المستقبل القريب في أميركا التي يدمرها تغير المناخ وتندلع فيها حرب أهلية ثانية على خلفية استخدام الوقود الأحفوري.

ويحكي العقاد أحداث أواخر القرن الـ21 في عالم مزقته التغيرات المناخية، ويشهد بطل الرواية مقتل والده بهجوم لمليشيات الشمال، فينتقل إلى مخيم لاجئين في عمر الطفولة، ويشهد أحداث عام 2074 عندما يتم إقرار مشروع قانون يحظر استخدام الوقود الأحفوري في أميركا، فتنفصل ولايات أميركية عن الأتحاد وتحتل المكسيك تكساس، بينما تدخل “الولايات الجنوبية الحرة” المتبقية في حرب مريرة.

ويتنقل بطل الرواية من مخيم لاجئين إلى آخر قبل أن ينخرط في حرب عصابات ويغتال جنرالا شماليا كبيرا، ويُحتَفل به بطلا من قبل الولايات الجنوبية الحرة، لكن هجوم الشمال ضد المتمردين الجنوبيين يتصاعد فيقبض على بطل الرواية ويتعرض لتعذيب قبل أن يفرج عنه لاحقا ويعود لممارسة نشاطه مرة أخرى.

وفي خضم الأحداث يحضر موضوع تغير المناخ، فبسبب أرتفاع منسوب البحر والفيضانات غمرت المياه ولاية فلوريدا وولايات أخرى، وهاجر سكانها بالكامل خاصة في الساحل الشرقي، ونُقلت عاصمة الولايات المتحدة. كما تصبح الجزيرة العربية حارة جدا وغير قابلة للحياة، بينما تحدث فيضانات خطيرة وواسعة النطاق في جنوب آسيا.

عام الجليد

في رواية “عام الجليد”، يقدم الشاعر السوري رائد وحش مزيجا يجعل روايته تتخذ مسار نسج حكاية فانتازية، أنطلاقا من أسئلة طفولية تجتاح مُخيّلة بطلها “سبارتكوس”، فهو لا يكاد يعرض سؤالا حتى ينتقل إلى آخر أعمق منه.

القارئ للرواية لا يلبث يكتشف أنها تتحرّر من سطوة الأسلوب الروائي، رغم أنّها تتلبس شكله وأدواته وتقنياته، لكن سرعان ما يخفت وهجه لصالح نص مفتوح يتأرجح بين الشعر والنثر.

تأخذ الرواية بُعدا جدليا على لسان “سبارتكوس” من خلال موضوعات سياسية واجتماعية ووجودية وجنسية، في إطار شخصية بدوية فريدة في استيهاماتها، والتي تبدو قريبة من الواقع المعاش لما تختزنه من صفات وعلامات، وتتحدث عن العبث واللامعنى والفراغ واللجوء، حيث إنّ الراوي يُصبغ في أحيان كثيرة جملة من الصفات الواقعية على هذه الشخصية الخيالية، التي تسبح في خيال لا تحده سماء.

لكن رغم فانتازية أسئلة سبارتكوس، فهي أكثر واقعية ولها علاقة وطيدة بما يعيشه الإنسان وجوديا، ليس فقط داخل البلاد العربية، وإنما أيضا داخل جغرافيات أخرى من العالم.

“لامبدا” (Lambda)

تعد رواية “لامبدا” لخبير الفنون التشكيلية ديفيد مسغرايف عرضا تجريبيا لبريطانيا بديلة في المستقبل القريب، حيث يعيش بنو البشر بجوار “لامبدا”، وهو شعب مائي هاجر من أقصى الشمال.

عندما تنفجر قنبلة في مدرسة، تدعي مجموعة غامضة من متطرفي لامبدا مسؤوليتها عن الهجوم، ولكن كيف يمكن لمجتمع ضعيف للغاية ويبدو غير مبالٍ بالأستغلال الذي يتعرض له، أن يكون قادرا على القيام بشيء مروع للغاية؟

ويروي الكتاب قصة “كارا” التي تم تجنيدها من قبل فريق مراقبة البيانات التابع للشرطة لتعقب تحركات الجماعات الإرهابية.

ويتصاعد التوتر بين شعب “لامبدا” والبشر بعد وقوع حادث تفجير المدرسة من قبل “جيش نهضة لامبدا”. لكن الكاتب ينحرف عن هذه الحبكة لأستكشاف تفاصيل عديدة مثل شبكة خوادم قوية تحقق غايات تجارية مشبوهة.

الحديث عن أبناء شعب لامبدا طريقة حاول من خلالها مسغرايف عرض أسئلة حول من نحن وماذا نعني لبعضنا البعض في عصر تهيمن عليه التكنولوجيا.

وفي عالم كارا يمتلك الحاسوب الكمي القدرة على تحديد من يموت، ومع تعمق علاقة كارا مع كائنات لامبدا؛ يجب عليها أن تقرر ما إذا كانت ستقبل مكانها في نمط من التكنولوجيا والعنف والخداع، أو ستتخذ مسارا خاصًا بها.

هذه الراوية قد تكون محبطة للباحثين عن سرد أكثر تركيزا على الحبكة لكنها قصة مثيرة للفكر وغارقة في الكوميديا السوداء.

“دولورياد” (The Doloriad)

رواية “دولورياد” تدور أحداثها المدهشة في عالم خيالي من الظلم والمعاناة صورته كاتبتها ميسوري ويليامز في قصة متخيلة لعائلة تعيش في نهاية العالم.

في أعقاب كارثة بيئية غامضة قضت على بقية الجنس البشري، قررت معيلة وقائدة هذه الأسرة أن تعيد إسكان الكوكب على طريقتها بعد نهاية العالم بطريقة ما، وتتسبب التداعيات البيولوجية لهذا الأمر في جعل التعرف على الأطفال مهمة صعبة عليها في عالم وحشي مليء بالغابات الصامتة والضواحي الميتة.

يتكشف بعدها التوتر بين الطرق القديمة والجديدة للوجود بوصفه نوعا من المأساة، ويعكس النثر ببراعة عالما مليئا بالأوحال والأطلال المتداعية، عالما منفرا وفخما في الآن ذاته يتحول بتسارع من خلال وجهات نظر الشخصيات الرئيسية ليخلق عالما مثل الحلم لكنه مادي ومليء بالحركة أيضا.

هذه الرواية الوحشية ليست لضعاف القلوب، لكنها توفر إطلالة رائعة على تيمة نهاية العالم المألوفة في أدب الواقع المرير.

“الهذا” (The This)

يعود مؤلف الخيال العلمي المخضرم آدم روبرتس مجددا مع رواية “الهذا” ، وهي رواية طموحة تحقق مفاهيم المثالية الهيغلية المطلقة (فهم الوجود ككل شمولي) من خلال منصة تواصل اجتماعي، حيث يمكن للمستخدمين التواصل عن بعد مع بعضهم البعض معنويا فيما يشبه التواصل عبر منصة تويتر افتراضية من دون الحاجة لأستخدام اليدين للكتابة.

من خلال الرواية نتابع بحرية العديد من القصص من بينها قصة الصحفي “ريتش” الذي يتردد في الأنضمام إلى “الهذا”، لكنه يتعرض لحملة تجنيد حثيثة.

الرواية سهلة القراءة بشكل ملحوظ بفضل روح الدعابة الملتوية لروبرتس وتوصيفه الماهر، كما يعرض من خلالها أسئلة حول الفردية والأنتماء وكيف تشوه وسائل التواصل الاجتماعي التوازن بينهما.

(المصدر: ثقافية الجزيرة نت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى